الطبيعة السلطة السياسية وكيف تقوم بهذا درس لسنة ثانية باكلوريا

طرح الإشكال:

بحسب أي منطق وبمقتضى أي مبدأ تمارس السلطة السياسية؟ هل يمكن أن تنضبط تلك السلطة للمبادىء الأخلاقية، أم أن منطق الشغل السياسي وإكراهاته يتضاد تماما مع منطق الأخلاق وإلزاماتها وقيودها، على خلفية أن السياسة ميدان الجائز، والأخلاق مملكة اللازم؟ ماهي قصد التصرف السياسي؟ الفضيلة أم الفعالية ؟

معالجة الإشكال:

1- التصور الأخلاقي لطبيعة السلطة السياسية: السياسة رفق واعتدال

بنفوذ من أرسطو، وإلى حواجز الفلسفة الجديدة، سادت على الفلسفة السياسية مقولة الاعتدال ضمن اعتقاد يعتقد في وحدة الأخلاق والسياسة على مرجعية أن السياسة هي الميدان الأوسع للممارسة الأخلاقية وأنها كمال الفلسفة العملية بوصفها تدبيرا للمدينة يتوج خطة النفس و خطة للمنزل سويا. وفي ذلك الحين عبر عن هذا أستاذه أفلاطون حينما تمنى أن يكون الوالي فيلسوفا أو أن يصير الفلاسفة حكاما ليحصل الجمع بين السلطة والحقيقة، مادام الفلاسفة على حاجز تعبير أفلاطون هم أصدقاء وحلفاء الحقيقة والعدالة والشجاعة والعفاف، أصحاب الأذهان المولعة باستمرار بالعلم الذي يتناول الجمهورية بكاملها ليقيم تنظيمها الداخلي على أجود وجه محتمل مستلهما قوانين الحُسن والخير والعدل

في محيط ذلك التصور الأخلاقي للمجال السياسي وللسلطة السياسية، يوصي ابن خلدون أن تكون الرابطة بين السلطان والرعية مرتكزة على الرفق في التداول: فقهر السلطان للناس وبطشه بهم يقود إلى إفساد أخلاقهم، بحيث يعاملونه بالكذب والمكر والخذلان، أما لو كان رفيقا بهم ، فإنهم يطمئنون إليه ويكنون له كل المحبة والتبجيل، ويكونون عونا له أوقات الحروب والمحن.

كما يتوجب عليه التحلي بالاعتدال الذي هو الوسط بين الذكاء بما هو إفراط في الفكر والبلادة بما هي إفراط في الجمود مثلما أن الكرم وسط بين التبذير والبخل، والشجاعة وسط بين التهور والجبن من ناحية أخرى.

← هكذا فإن ابن خلدون يحدد طبيعة السلطة السياسية في التشبث بمكارم الأخلاق المتمثلة أساسا في الرفق والاعتدال. ولكن إلى أي حاجز يمكنها الأخلاق أن تنسجم وطبيعة السلطة السياسية في الممارسة العملية؟

2- التصور البراغماتي الواقعي لطبيعة السلطة السياسية:

أجدد كتاب “صاحب السمو الأمير” قطيعة مع الفلسفة السياسية الفائتة ذات الجانب الطوباوي المثالي، فلم يعد السؤال نحو ميكيافيلي هو “كيف تمارس السلطة بحسب المبادئ الأخلاقية أو الدينية؟” ، لكن السؤال هو: “كيف يمكن الاستحواذ على السلطة والمحافظة عليها؟” لهذا ينصح ميكيافليي صاحب السمو الأمير باستعمال طريقتين بهدف تثبيت سلطته السياسية: الأولى تعتمد القوانين ولكنها غير موفية بمقاصد الحكم، أما الثانية فتعتمد على الشدة والبطش، جنبا إلى جنب مع المكر و الدهاء. وإذا استخدمنا استعارة لا تخلو من إشارة من مملكة الحيوان، فعلى صاحب السمو الأمير أن يكون أسدا قويا لأجل أن يرهب الذئاب، وأن يكون ثعلبا ماكرا لأجل أن لا يحدث في الفخاخ.

وربما تبين من مؤشرات الزمان الماضي حسب ميكيافلي أن هناك أمراء أصبحوا عظماء دون أن يلتزموا بالمبادئ الأخلاقية السامية، كالمحافظة على العهود مثلا، لكن قد استخدموا كل وسائل الشدة والخداع لإحكام القبضة على الناس والتغلب على خصومهم.

يعترف ميكيافيلي بأن مبادئ السلطة السياسية التي يبشر بها سوف تكون شريرة، ولكن في وضعية واحدة وهي هذه التي يكون فيها جميع الناس أخيارا ! والواقع أنهم ليسوا أيضاً، ومن ثم لا يجب أن ينضبط صاحب السمو الأمير للمبادىء الأخلاقية في تعامله معهم، لكن لا بد أن تكون له القدرة الكافية على التمويه والخداع، وسيجد من الناس من ينخدع بسهولة. وربما صور شكسبير على نحو ممتاز سهولة انخداع العامة في مسرحية “يوليوس قيصر” حيث تناوب الخطيبان بروتوس وأنطونيوس على تجييش مشاعر العامة لصالحه رغم أن أولهما قاتل قيصر والثاني صديقه المنادي بالثأر له !!

هكذا يتبين أن السياسة، مع ماكيافيلي، تنبني على الشدة والمكر والخداع

فصل السلط أساس الديمقراطية الجديدة:

وضع مونتسكيو دشن الديمقراطية القائمة على فصل السلط كسبيل وحيد لتحقيق الحرية. وهي الحكومة الثلاث المعروفة بالسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. ومنع احتكار سلطتين في يد واحدة لأن هذا يتولى قيادة للديكتاتورية.

وفي ذلك الحين أتى موقف مونتسكيو مقابل موقف مكيافيللي الذي أجاز للأمير استخدام جميع الوسائل بهدف الهيمنة بما في هذا الشدة والعنف والدهاء والمكر. وهو ما عبر عنه باستخدام طريقة الحيوان أي طريقة الأسد والثعلب. ولقد اشتهر مكيافيللي بقولته المشهورة: “الغرض تختلق أسباب الكيفية”.

وخلافا لذلك الموقف البرغماتي الخطير العدائي للديمقراطية سيطر موقف في الفكر العربي الإسلامي ممثلا بابن خلدون يدعو إلى الاعتدال في الحكم بحث لا يتم اللجوء لا للعنف ولا للين. أي يستخدم الوالي أسلوبا بين القهر والرفق.

أما طبيعة السلطة السياسية في الحقبة المعاصرة فلا يمكن مقاربتها بلا الانتباه بالمصطلحات الآتية: الحرية وحقوق الإنسان، جمهورية الحق، سيادة التشريع، المجتمع المواطن، الشفافية والنزاهة، الحكامة الرشيدة، أو الجيدة، المحافظة على البيئة، مناهضة العولمة…

وإذا قد كانت الديمقراطية مقاتلة من طرف الاستبداد بكل أنواعه فإنها هذا النهار مهددة بشبح السلطة المطلقة المتمثلة في الاستبداد العسكري والحزب الكلياني من ناحية ومهددة أيضاً من طرف الفردانية القصوى حسب ألن تورين.

طرح الإشكال:

وفق أي منطق وبموجب أي مبدأ تمارس السلطة السياسية؟ هل يمكن أن تنضبط هذه السلطة للمبادىء الأخلاقية، أم أن منطق العمل السياسي وإكراهاته يتعارض كليا مع منطق الأخلاق وإلزاماتها وقيودها، على أساس أن السياسة مجال الممكن، والأخلاق مملكة الضروري؟ ماهي غاية الإجراء السياسي؟ الفضيلة أم الفعالية ؟

معالجة الإشكال:

1- التصور الأخلاقي لطبيعة السلطة السياسية: السياسة رفق واعتدال

بتأثير من أرسطو، وإلى حدود الفلسفة الحديثة، سيطرت على الفلسفة السياسية مقولة الاعتدال ضمن تصور يعتقد في وحدة الأخلاق والسياسة على خلفية أن السياسة هي المجال الأوسع للممارسة الأخلاقية وأنها كمال الفلسفة العملية بوصفها تدبيرا للمدينة يتوج تدبير النفس و تدبير للمنزل معا. وفي هذا الحين عبر عن ذلك أستاذه أفلاطون حينما تمنى أن يكون الحاكم فيلسوفا أو أن يصير الفلاسفة حكاما ليحصل الجمع بين السلطة والحقيقة، مادام الفلاسفة على حد تعبير أفلاطون هم أصدقاء وحلفاء الحقيقة والعدالة والشجاعة والعفاف، أصحاب العقول المولعة طول الوقت بالعلم الذي يتناول الدولة بكاملها ليقيم تنظيمها الداخلي على أمثل وجه جائز مستلهما قوانين الجمال والخير والعدل

في إطار هذا التصور الأخلاقي للمجال السياسي وللسلطة السياسية، يوصي ابن خلدون أن تكون العلاقة بين السلطان والرعية مبنية على الرفق في التبادل: فقهر السلطان للناس وبطشه بهم يتولى قيادة إلى إفساد أخلاقهم، بحيث يعاملونه بالكذب والمكر والخذلان، أما إذا كان رفيقا بهم ، فإنهم يطمئنون إليه ويكنون له كل المحبة والاحترام، ويكونون عونا له أوقات الحروب والمحن.

كما يتوجب عليه التحلي بالاعتدال الذي هو الوسط بين الذكاء بما هو إفراط في الفكر والبلادة بما هي إفراط في الجمود مثلما أن الكرم وسط بين التبذير والبخل، والشجاعة وسط بين التهور والجبن من جهة أخرى.

← هكذا فإن ابن خلدون يحدد طبيعة السلطة السياسية في التشبث بمكارم الأخلاق المتمثلة أساسا في الرفق والاعتدال. ولكن إلى أي حد تستطيع الأخلاق أن تنسجم وطبيعة السلطة السياسية في الممارسة العملية؟

2- التصور البراغماتي الواقعي لطبيعة السلطة السياسية:

أحدث كتاب “صاحب النيافة صاحب السمو الأمير” قطيعة مع الفلسفة السياسية السابقة ذات المنحى الطوباوي المثالي، فلم يعد السؤال باتجاه ميكيافيلي هو “كيف تمارس السلطة وفق المبادئ الأخلاقية أو الدينية؟” ، بل السؤال هو: “كيف يمكن الحصول على السلطة والمحافظة عليها؟” لذلك ينصح ميكيافليي صاحب النيافة صاحب السمو الأمير باستخدام طريقتين من أجل تثبيت سلطته السياسية: الأولى تعتمد القوانين ولكنها غير موفية بأغراض الحكم، أما الثانية فتعتمد على القوة والبطش، جنبا إلى جنب مع المكر و الدهاء. وإذا استخدمنا استعارة لا تخلو من دلالة من مملكة الحيوان، فعلى صاحب النيافة صاحب السمو الأمير أن يكون أسدا قويا لكي يرهب الذئاب، وأن يكون ثعلبا ماكرا لكي لا يأتي ذلك في الفخاخ.

وفي ذلك الحين تبين من دلائل الزمن السابق حسب ميكيافلي أن هناك أمراء أصبحوا عظماء دون أن يلتزموا بالمبادئ الأخلاقية السامية، كالمحافظة على العهود مثلا، بل قد استخدموا كل وسائل القوة والخداع للسيطرة على الناس والتغلب على خصومهم.

يعترف ميكيافيلي بأن مبادئ السلطة السياسية التي يبشر بها ستكون شريرة، ولكن في حالة واحدة وهي تلك التي يكون فيها جميع الناس أخيارا ! والواقع أنهم ليسوا ايضاًً، ومن ثم لا يلزم أن ينضبط صاحب النيافة صاحب السمو الأمير للمبادىء الأخلاقية في تعامله معهم، بل لا بد أن تكون له القدرة الكافية على التمويه والخداع، وسيجد من الناس من ينخدع بسهولة. وفي ذلك الحين صور شكسبير على باتجاه رائع سهولة انخداع العامة في مسرحية “يوليوس قيصر” حيث تناوب الخطيبان بروتوس وأنطونيوس على تجييش مشاعر العامة لصالحه رغم أن أولهما قاتل قيصر والثاني صديقه المنادي بالثأر له !!

هكذا يتبين أن السياسة، مع ماكيافيلي، تنبني على القوة والمكر والخداع

فصل السلط أساس الديمقراطية الحديثة:

وضع مونتسكيو أسس الديمقراطية القائمة على فصل السلط كسبيل وحيد لتحقيق الحرية. وهي السلطات الثلاث المعروفة بالسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. ومنع احتكار سلطتين في يد واحدة لأن ذلك يقود للديكتاتورية.

وفي هذا الحين جاء موقف مونتسكيو بمقابل موقف مكيافيللي الذي أجاز للأمير استعمال جميع الوسائل من أجل السيطرة بما في ذلك القوة والعنف والدهاء والمكر. وهو ما عبر عنه باستعمال أسلوب الحيوان أي أسلوب الأسد والثعلب. ولقد اشتهر مكيافيللي بقولته الشهيرة: “القصد تختلق عوامل الوسيلة”.

وخلافا لهذا الموقف البرغماتي الخطير المعادي للديمقراطية ساد موقف في الفكر العربي الإسلامي ممثلا بابن خلدون يدعو إلى الاعتدال في الحكم بحث لا يتم اللجوء لا للعنف ولا للين. أي يستعمل الحاكم أسلوبا بين القهر والرفق.

أما طبيعة السلطة السياسية في الحقبة المعاصرة فلا يمكن مقاربتها بدون الحيطة بالمصطلحات التالية: الحرية وحقوق الإنسان، دولة الحق، سيادة القانون، المجتمع المدني، الشفافية والنزاهة، الحكامة الرشيدة، أو الجيدة، المحافظة على البيئة، مناهضة العولمة…

وإذا قد قد كانت الديمقراطية محاربة من طرف الاستبداد بكل أشكاله فإنها اليوم مهددة بشبح السلطة المطلقة المتمثلة في الاستبداد العسكري والحزب الكلياني من جهة ومهددة ايضاً من طرف الفردانية القصوى حسب ألن تورين.

طبيعة السلطة السياسية

إلتباس المحور:

ما هي طبيعة السلطة السياسية…؟ هل تلك السلطة تقوم على الأخلاق والعدل، أم على القساوة والقمع…؟

موقف مونتسكيو: السلطة السياسية سلطة ديمقراطية

يدعو عن طريق كتابه “روح القوانين”، إلى وجوب المفاضلة بين ثلاث سلط رئيسية للدولة وهي: “السلطة التشريعية – السلطة التنفيذية – السلطة القضائية”.

فالأولى متمثلة في (المجلس المنتخب) وتختص بسن القوانين والمراسيم في جميع مرافق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحقوقية…، أما الثانية فتتجسد في السلطات، المكلفة بتطبيق القوانين، والسهر على سلامة الجمهورية داخليا وخارجا. في حين السلطة القضائية، فيتجلى دورها في الحرص على تنفيذ التشريع، ومعاقبة مخالفيه، والفصل في المنازعات التي تقع بين الأشخاص أو الشركات.

لذلك يؤكد على وجوب الفصل بين تلك السلط، تجنبا لطغيان سلطة الجمهورية، وإهدار حقوق المدنيين وسلب حرياتهم. ولتحقيق الأمن والحرية والمساواة، وذلك الفصل بينهما لا يقصد الانفصال الكامل والمطلق، لكن هو في الحقيقة تعاون وتعاضد فيما بينها، حيث تنهي كل منهما الأخرى.

موقف لوي ألتوسير: السلطة السياسية سلطة قمعية

يميز بين نوعين من الأجهزة التي تَحكُم بها الجمهورية وتمارس سلطتها

الأجهزة القمعية: وهي شركات قمعية عنيفة، تستخدم القمع والعنف بأشكاله المغيرة، كأدوات بهدف السيطرة والهيمنة وفرض الأمن والاستقرار. وتتشكل من (السلطات، قوات الأمن، المحاكم، السجون، القوات المسلحة)، وتمتاز تلك الأجهزة باستقلاليتها وانتمائها للقطاع العمومي (الجمهورية).

الأجهزة الإيديولوجية: مجموعة من الشركات المختصة، والتي يتبع أغلبها إلى القطاع المخصص (كالجهاز الديني، العائلي، المدرسي، القانوني، السياسي، النقابي، الإعلامي…)،

نخلص في الخاتمة سوى أن سلطة الجمهورية تتخذ أشكال مغايرة، سلطة على الفور وتتجلى في أجهزة الجمهورية، وسلطة غير على الفور، تبدو عن طريق الشركات التعليمية والدينية والإعلامية.

موقف ميشيل فوكو: السلطة ليست مجموعة من الأجهزة

ينتقد التصور الكلاسيكي للسلطة، أي البصر إليها باعتبارها مجموع الأجهزة والمؤسسات التي تمكن من ضبط المدنيين داخل جمهورية محددة، سواء من خلال القساوة أو من خلال التشريع. ويبلور تصورا جديدا للسلطة مفاده، أنها: “صلات القوى المتنوعة التي تكون محايثة للمجال الذي تعمل فيه هذه القوى (…) كما أنها الحركة التي تغير هذه القوى وتزيد من حدتها وتقلب موازينها بإجراء الصراعات والمواجهات التي لا تنقطع”.

ومعنى ذلك الخطاب، رفضه ربط السلطة، بالفئة الحاكمة والهيئات العليا في أجهزة الجمهورية، وقصر السلطة على الجمهورية لاغير. فيُلِح على اعتبار السلطة نوعا من المعرفة التخطيط الموجًهة والموجَهة، إذ بمجرد ما تنبع علم ما (علمية أو غير علمية) لابد وأن تتمظهر في شكل سلطة محددة بالغة التعقيد، لدرجة يصعب تتبع أصول نشوئها. فهي غير قابلة للاختزال في يد جهاز أو طبقة أو شخص محدد، بمقدار ما هي شائعة وحاضرة في كل زمان ومكان.

ملخص المحور

إن الجديد عن طبيعة السلطة السياسية هو عصري عن مفهوم الجمهورية وتطورها تاريخيا، ف”مونتسكيو” يشاهد أن الجمهورية تقوم على ثلاثة أشكال من السلط: -السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية- ويدعو إلى وجوب الفصل بين تلك السلط لضمان حقوق وكرامة البشر وحريته. في حين يحدد “ألتوسير” مفهوم الجمهورية، باعتبارها مجموعة من الأجهزة يميز فيها بين الأجهزة القمعية والأجهزة الإيديولوجية. وعلى خلاف التصورين السابقين، يشاهد فوكو-من منظور بنيوي- أن سلطة الجمهورية لا يمكن حصرها في مجموعة من الأجهزة لأن السلطة صلات سيطرة تطول في كل الجسد المجتمعي.

___________________________

المحور الثانـي

طبيعة السلطة السياسية

يستهدف المحور وعي طبيعة السلطة السياسية، و أساليب وطرق عمل اشتغالها.

 تقوم الجمهورية على شركات قانونية تحدد القصد من وجودها، و تمنحها الأساس الذي تقوم عليه سلطتها السياسية.

 لأجل أن تقوم الجمهورية فعلا بالدفاع عن الأشخاص الأمر الذي قد يلحقهم من أدى حصيلة عدوانية الآخرين، لا مفر من تثبيت سلطتها و تقويتها. تشكل تلك الحالة، بالمقابل، تهديدا ممكنا فيما يتعلق لكل شخص من أشخاص المجتمع.

الإشــكال:

ما طبيعة السلطة السياسية، و كيف تشتغل؟

 لاستتباب الأمن، من دون التنازل عن الحرية، يمكن استحضار التصور الذي قدمه مونتسكيـو ( 1755)، و الذي استقاه في روحه من الشركات الإنجليزية في أواسط القرن الثامن عشر.

 ينطلق مونتسكيو من كون الحكومات، و إن كان المفروض فيها أن تحكم باعتدال، فإنها مع هذا تنساق، بمجرد ممارستها للسلطة، إلى إساءة استخدامها و المغالاة فيها. الشركات هي المؤهلة وحدها، دون غيرها لتنظيم السلطة. لإقامة نوع من التوازن لا مفر من فصل السلط قيما بينها، و توزيعها للحفاظ على توازن الحريات و الحقوق داخل الجمهورية: السلطة التنفيذية، و السلطة التشريعية، و السلطة القضائية. لا تشكل تلك الحكومة الثلاثة تفتيتا لسيادة الشعب، لكن تحافظ عليها.

 ـ أطروحة جان ـ جاك روســو (1778): السلطة السياسة، ترتيب للعلاقات البشرية وفقا إلى سلطة القوانين. يتعلق  الحق البشري، في نظر روسـو، بوجود سلطة سياسية مشروعة تعود للشعب ككيان سياسي عمومي، أو إرادة عامة. الشدة ـ كما فال روسو ـ لا تصنع الحق، و لسنا ملزمين بالخضوع سوى للسلطات المشروعة.

 إن التفكير المعاصر في السلطة السياسية قد وسع من مجالها، و أعاد البصر في بعض التصورات الكلاسيكية عن السلطة كما تصورها ميكيافلي (1527) في خطابه الموجه للأمير مذكرا إياه بأن زمن صاحب السمو الأمير الفاضل قد ولى، ليست الفضيلة سوى مانعا في مواجهة الإجراء السياسي، و بالتالي فمن حقه استعمال جميع الوسائل، المشروعة منها و اللامشروعة، على خلفية الفاعلية، ما استمرت العواقب هي التي تحدد مكانته، و تحكم عليه.

 من الأطروحات المعاصرة، هناك:

 ـ أطروحة ميشيل فوكــو(1984): ليست السلطة متعالية عن الميدان الذي تمارس فيه، لكن هي محايثة له، ينبسط مفعولها في كل مناحي الجسد الاجتماعي. السلطة، كما أفاد ميشيل فوكو، موجودة في كل مقر، و لأنها أيضاً فهي تأتي من كل صوب.

 ـ أطروحة لويس التوسير(1990): الجمهورية عبارة عن مجموعة من الأجهزة، فهي تضم إلى منحى الأجهزة القمعية ( البوليس، و القوات المسلحة…)، الأجهزة الإيديولوجية، و التي تتمثل في مواجهة الملاحظ المباشر في هيئة شركات مميزة و مختصة كالعائلة و المدرسة، و النقابة و الإعلام…و هي شركات تشتغل على باتجاه خفي  و غير مرئي.

 

 

 

 

___________________________________

المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية

الإشكال المحوري:

                           مالمقصود بالسلطة السياسية؟و ماهي طبيعتها؟ ماهي أسسها ومرتكزاتها؟ فيم تتحدد وظيفتها؟

أطروحة “مونتسكيو” كتاب منار الفلسفة، ص 132 آداب.

يميز “مونتسكيو” بين ثلاث أنماط من السلط:

السلطة التشريعية: تختص بوضع القوانين كما تصحح القوانين الموضوعة سابقا أو تلغيها.

السلطة التنفيذية المرتبطة بحقوق الناس: تقوم بإقرار الحرب أو السلم وترسل أو تستقبل السفراء، تعمل على استتباب الأمن وحماية البلد من الاعتداءات. إنها السلطة التنفيذية للدولة بمعنى ثان.

السلطة التنفيذية المرتبطة بالحق الساكن والتي تصدر القرارات: تعاقب مرتكبي الجرائم أو بمعنى آخر، تكون حكما في النزاعات التي تنشأ بين الأشخاص.

إن الحرية السياسية فيما يتعلق للمواطن هي طمأنينة النفس، حيث لا يخاف أي مواطن من أي مواطن آخر.

لهذا ينذر “مونتسكيو” من خطر تجمع السلطة التشريعية والتنفيذية في يد فرد واحد  الذي لا يرجع معه مقر للحرية، لأنه قد يقوم الملك أو المجلس المنتخب بصياغة قوانين استبدادية.

      كما ينوه من خطر تجمع السلط الثلاث بين يدي فرد واحد أو في هيئة عظماء أو نبلاء واحدة، أو في يد الشعب وحده، لأن كل شيء سيتعرض للضياع.

أطروحة “جون لوك” كتاب منار الفلسفة صفحة 133 آداب.

إن السلطة السياسية تقوم على طبيعة تعاقدية.

إن إنشاء جماعة واحدة، بعد قبول كل أفرادها، يحق لها الإجراء بل بحسب ما يختاره أغلب أفرادها.

إن كل تعاقد كل  امرئ مع الآخرين، على تأليف هيئة سياسية واحدة في وجود حكومة واحدة،  يصبح بموجبه ملتزما بالخضوع لقرارات الأكثرية والتقيد بها في مواجهة كل شخص من أشخاص هذه الهيئة.فالقوة المحركة للجماعة ليس هو أحد أفرادها، لكن هي الشدة الغالبة، التي هي قبول الأكثرية، والذي يُعد قرارها باعتبار إلزام لأفرادها، يتقيدوا به ويسلكون وفقه.

وإلا لم يكن لذلك العقد الأصلي معنى قط.

“فلا عقد حيث يكون المرء حرا لا تقيده سوى القيود التي قد كانت تربطه في الطور الطبيعي”.

أطروحة “ألان تورين” كتاب منار الفلسفة صفحة 134، آداب.

إن طبيعة السلطة السياسية ليست ذات طبيعة مطلقة في يد حزب واحد أوشخص واحد وإنما هي سلطة ديموقراطية تسهر على حراسة الحقوق المدنية أولا والاجتماعية والثقافية ثانية.

بل لا ينبغي أن نفهم الديموقراطية في تصورها الإجمالي والشعبي، فهذا اعتقاد استخدم كغطاء للنظم المتسلطة والقمعية، حيث أن أعدادا هائلة من الناس باتوا لا يتمنون تعفن الجمهورية فحسب، لكن تعفن النسق السياسي ويضعون ثقتهم باقتصاد مكان البيع والشراء(الحرية).

إن الديموقراطية ترتكز هذا النهار على القادة على نحو حر، إنها النسق السياسي الذي يسمح للقوى الفاعلة داخل المجتمع بالتكون والممارسة الحرة، ولا حضور لتلك القوى سوى بوجود ثلاثة مبادئ وهو مايعبر عنه في الشركات السياسيةب:

1-الاعتراف بالحقوق الرئيسية والتي ينبغي احترامها

2-صفة التمثيل الاجتماعي للقادة وسياساتهم

3-الإدراك بالمواطنة، أي الانتماء إلى جماعة لائحة على حق.

أطروحة “ميكيافيلي” كتاب في رحاب الفلسفة، صفحة 133 آداب. (عن كتابه صاحب السمو الأمير 1513).

ألف “نيقولاي ميكيافيلي” ذلك الكتاب، بهدف تقصي وحدة إيطاليا التي قد كانت ممزقة إلى إمارات ومماليك، فيتوجه “ميكيافيلي” إلى صاحب السمو الأمير ناصحا إياه في صراعه مع الآخرين.

يشاهد “ميكيافيلي” أن ميدان السياسة هومجال صراع بين الأشخاص والجماعات. لهذا على رجل السياسة أو “صاحب السمو الأمير” كما يسميه “ميكيافيلي” أن يستعمل كل الوسائل للتغلب على خصومه وبلوغ مقصده. عليه أن يكون أسدا ليخيف الذئاب، وأن يكون ثعلبا لمعرفة شباك الفخاخ.

على صاحب السمو الأمير أن يستعمل الأساليب المشروعة التي تعتمد القوانين، كما يستعمل الأساليب الغير مشروعة التي تعتمد الشدة مادام القلة أشرارا لا يرعون عهودهم معه.

هكذا يتبين أن السياسة، مع ماكيافيلي، تنبني على الشدة والمكر والخداع. وذلك ما سيرفضه مجموعة من المفكرين، ومن بينهم ابن خلدون.

     أطروحة ابن خلدون: السياسة رفق واعتدال.

 إن رابطة السلطان بالرعية حسب ابن خلدون هي رابطة ملك بمملوكين. ولذلك يلزم أن يتأسس ذلك الملك على الجودة والصلاح. من هنا يلزم أن يحقق السلطان لرعيته كل ما هو صالح لهم، وأن يتجنب كل ما من شأنه أن يلحق بهم السوء والضرر.ولذلك وجب أن تكون الرابطة بين السلطان والرعية مرتكزة على الرفق والاعتدال في التداول. فقهر السلطان للناس وبطشه بهم يقود إلى إفساد أخلاقهم، بحيث يعاملونه بالكذب والمكر والخذلان، أما لو كان رفيقا بهم ، فإنهم يطمئنون إليه ويكنون له كل المحبة والتبجيل، ويكونون عونا له أوقات الحروب والمحن.انطلاقا من ذلك حدد ابن خلدون خصلتين رئيسيتين يلزم أن يتسم بهما رجل السياسة، وهما الرفق والاعتدال. ولذلك عليه مثلا أن يتسم بالكرم والشجاعة كصفتين يتوفر فيهما الاعتدال المطلوب بين التبذير والبخل من ناحية، وبين التهور والجبن من ناحية أخرى.          هكذا لو كان ماكيافيلي يحدد طبيعة السلطة السياسية في الشدة والمكر والصراع، واستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق مصلحة الجمهورية، فإن ابن خلدون يحدد طبيعتها في التشبث بمكارم الأخلاق المتمثلة أساسا في الرفق والاعتدال.وذلك ما سيقود إلى تهييج مشكلة الجمهورية بين الحق والعنف.

2. طبيعة السلطة السياسية

يشاهد ماكيافيلي Machiavel أن التجارب اليومية تؤكد أنه بصرف النظر عن ثناء الناس للأمير العادل، فإن عظمة الحكام تعود إلى استعمالهم لأساليب المكر والخداع. ومن ثم ينصح ذلك المفكر كل أمير بوجوب الجمع بين التشريع واستعمال الشدة والعنف، فلا حكم سوى لمن يمكنه الجمع بين الشدة، والمكر، والخداع. فعلى الوالي بالتالي أن يكون قادرا على خيانة الأمانة ونقض العهود، خاصة عندما لا يخدم الإخلاص مصلحته أو عندما تنتهي عوامل ودواعي معيشة هذه العهود. فرعاية الأمانة أمر لا يستوي سوى مع رعية مكونة من الأخيار، وبما أن هذا ليس هو حال الناس فلا مناص من لجوء الوالي إلى ما في مرة سابقة ذكره. لكن إن ماكيافيلي، ينصح الوالي (صاحب السمو الأمير) بأن يجيد طرق التمويه والخداع حتى لا يفتضح طلب منه، لاسيما وأن سذاجة الرعية تجعلهم ينقادون بسهولة باتجاه الانخداع…

وفي بمقابل هذا، يشاهد ابن خلدون أن السلطة السياسية يلزم أن تتأسس على الاعتدال، والرفق بالرعية. فهذه الأخيرة لا يهمها من الوالي لا صفاته الجسمية ولا إمكانياته العقلية. إن الرعية تهتم لاغير بما يمكن أن يلمسوه من نفوذ الحكم على حياتهم: فإذا تأسس الحكم على الاستبداد والتربص بالرعية، فعلى الوالي أن يتنبأ خذلان رعيته نحو حاجته إليها. وفي المقابل، لو كان حليما، وعطوفا، تناسوا سيئاته وأحبوه.

أما ألان تورين A. Touraine فيعتقد أن السلطة السياسية ترتبط عضويا بشدة النسق الديمقراطي. هكذا يؤمن بأن قوة الديمقراطية رهينة بتبجيل الحقوق المدنية والاجتماعية. فالديمقراطية هي الإطار السياسي الأوحد الذي يسمح بتشكل الفاعلين الاجتماعيين، ويتيح لهم فرص المساهمة الحرة. هذا ليبين أن مقصد الديمقراطية لم يعد يتمثل أمام نمط حديث من الأفعال التي تتبنى الحداثة، وتحتمي بالشعب، لكنها لا تتيح للناس أي فرص للمبادرة الحرة. لهذا أصبحت الديمقراطية مضطرة لمقاتلة الأنظمة العسكرية الاستبدادية، علاوة على مقاتلة الأحزاب الكليانية. لاسيما وأن هناك من يستغل مفاهيم الديمقراطية، إما لخلق أنظمة استبدادية أو للعمل على استنبات إجراءات استثمارية فردانية تقوم على استثمار مكان البيع والشراء وتدفع باتجاه تعفن الجمهورية… ليستنتج ألان تورين، أن أساسيات النسق الديمقراطي تتمثل في الاعتراف بالحقوق الاجتماعية، وشرعية القيادات، والشعور بالمواطنة..

إن المقارنة بين التمثلات الماضية نبين أن بعضها يدعو إلى المحافظة على كرامة الإنسان في حين يدعو القلة الآخر إلى عدم تواجد الأخلاق في الممارسة السياسية. وكيفما كان الوضع فلا يمكن لأي أحد أن ينكر أن جميع الدول تضطر إلى اللجوء إلى أنواع من الزجر والإكراهات العينية والبدنية، وهذا ما يسمح لنا بالتساؤل بخصوص رابطة الجمهورية بالعنف. ومن ثم التساؤل: إلى أي حاجز يمكننا أن نسمي هذه الإكراهات عنفا

 يندرج ميدان المجزوءة ضمن ثلاثة حقول معرفية:

 ـ السياسة: كمجال أعلى لممارسة جماعية تستند في آن واحد على مبادئ موجهة، وعلى صلات فعلية.

 ـ القيم؛ على خلفية التفكير في هذا التضاد الجاري بين نُظم الحق و مقتضيات العدالة، بين ما تفرضه الالزامات من ناحية، و الحرية الإنسانية من ناحية أخرى.

 ـ الفلسفة بوصفها الميدان الذي تم فيه التفكير، منذ الإغريق الى هذه اللحظة، في السياسة.

 خصوصية التناول الفلسفي لقضايا السياسة.

البنية المفاهــيمية

 يترقب أن يتبين المتعلم جملة من المفاهيم المتعلقة بالسياسة، يعي مجالاتها،  يميز بينها، و يوظفها في المناقشة و الكتابة. من تلك المفاهيم: الجمهورية، السلطة، السيادة، التشريع، القساوة، الحرب، الحق، العدالة…

النظام العام

تقوم السياسة من حيث هي ممارسة تستهدف امتلاك السلطة

و المحافظة عليها، على ثلاثة أبعاد:

الدولـــة

ـ البعد المؤسسي:

يدشن لضروب ترتيب الحياة السياسية بين الأشخاص.

الإشكال المركزي:

من أين تستمد الجمهورية مشروعيتها، و أحقيتها في ممارسة السلطة؟

العنـــف

ـ البعد العلائقي:

يتمثل في خطة القساوة بمختلف تجلياته، و مسعى إضفاء المشروعية عليه.

الإشكال المركـزي

ما القساوة؟ و ما تجلياته؟

ما الذي يضفي المشروعية على القساوة؟

الحق و العدالة

  ـ البعد القيمي:

 يتمثل في تحديد الأساس المعياري الذي يقوم عليه ترتيب الصلات بين الأشخاص.

 الإشكال المركزي:

 ما الذي يحدد مجموع القيم و المقاييس التي تؤسس للعلاقات الاجتماعية بين الأشخاص داخل جهاز الجمهورية؟

هل يكفل التشريع حقوق الأشخاص و حرياتهم؟

الحالة المشكلــة

الوضعيــة

 يمكن فكرة مطروحة وضعيات متنوعة و ممكنة، نقدم واحدة منها:

 يستمد المجتمع حركتيه من ذلك التضاد:

  ـ من ناحية احتياج الأشخاص بعضهم لبعض. ( الندوة و التداول)

  ـ من ناحية أخرى إن تضارب مصالحهم يدفعهم باتجاه المناحرة. ( التنافس)

 تكون الجمهورية في تلك الوضعية أمام تلك الوضعيةـ الإشكالية، و التي تأخذ شكل مفارقة بين ما يقتضيه ارتباط الأشخاص فيما بينهم داخل المجتمع، وما ينجم عنه من صراع جراء تضارب مصالحهم، على باتجاه يتوعد وحدة المجتمع و سلامته.

 الإشكالية إذن هي الأتي:

 ـ كيف يمكن للدولة أن تحل تلك المفارقة؟

الدولـــة

 « تعد الجمهورية من الموضوعات الطبيعية، و الإنسان من طبعه حيوان مدني.»            أرسطــو ( 322 ق م )

 ما الذي يفيده ذلك القول؟

أن هناك سبقا زمانيا للمدينة، ( بوليس) في دلالتها الإغريقية، على الإنسان، فهي التي تحدد ماهيته، و ما على الشخص سوى الخضوع لها.

تلك الأسبقية في الزمن لا تصدق على الشخص لاغير، لكن على العائلة و الأسرة ايضا.

أن الإنسان لا يحقق اكتماله سوى داخل الحياة الاجتماعية.

 انطلاقا من ذلك المعطى يمكن أن نطرح الإشكال الأتي:

ما الذي يقوم بتبرير حضور الجمهورية ؟ و من أين تستمد مشروعيتها؟

المحور الأول

مشروعية الجمهورية و غاياتها

يستهدف المحور تحديد مفهوم الجمهورية مشروعيتها و القصد منها.

 تعد الجمهورية نتاج صيرورة تاريخية، فهي وريثة مجرى إنساني طويل، ونتاج تحولات اجتماعية كبرى، إنها تجاوب لوجوب تفرض على الأشخاص، رغم أنانيتهم، إطارا من الحياة يُفترض فيه ضمان السلم و حراسة حقوق الأشخاص الرئيسية.

 الجمهورية هي أولا شيء عمومي، و بما أنها أيضا فهي أسمى تعبير عن الميدان العمومي الذي يبقى بذاته، وبذلك فلن يكون عالم الجمهورية عالما للهيمنة، لكن عالما للحرية. و مع هذا فما الذي يقوم بتبرير وجودها؟

  « الإنسان، كما كتب كانط، رغم كونه حرا، كائن يفتقر إلى سيد »، و ليس ذلك السيد سوى السلطة، حيث تكون « الجمهورية وحدها السيد المطلق». سيادة الجمهورية تقتضي توازنا بين قطبي الحرية و التشريع، الشرعية و المشروعية.

·        الإشكال:

·        من أين إذن تستمد الجمهورية مشروعيتها؟

·        كيف يمكن تبرير مشروعية السلطة السياسية داخل الجمهورية؟

 بالإمكان اقتصاد الأطروحات الآتية.

  ـ أطروحة جون لوك ( ت 1704): ربط جون لوك قيام الجمهورية، كشيء عمومي، بالدفاع عن المصالح المدنية المخصصة للأشخاص، و مع أن السلطة السياسية للحكم المواطن لن تتخلص من قوة الإكراه، فلن يكون ذلك الإكراه هو قاعدة الجمهورية، لكن الحرية التي تجد ترجمتها الفعلية في السلطة التشريعية. بذلك الشكل سيعتبر جون لوك الحق في الحرية و ممارستها مبدأ الجمهورية و هدفها.

 ـ أطروحة توماس هوبز ( ت 1679): الجمهورية باعتبار إله فان ( ليفياثان)، أي مبدع محكوم عليه بالموت. لهذا قد كانت الجمهورية في تكوينها شبيهة بالإنسان، و لأجل إستيعاب آليتها وجب، حسب هوبز، دراسة الطبيعة البشرية قبل دراسة الجمهورية، و هذا غاية إستيعاب دوافع الإجراء الإنساني عامة و السياسي على وجه الخصوص. إذا قد كانت سيادة الجمهورية تتطلب إلى من يمثلها في فرد الوالي، فإن قوة الجمهورية و استمراريتها سيحتاجان إلى آلية عمومية للسلطة تجعل الأشخاص يمتثلون للقوانين حتى لا يعودوا إلى وضعية حرب الكل مقابل الكل.

 ـ باروخ سبينـوزا ( 1677 ): الحرية هي القصد الحقيقية من قيام الجمهورية، و شرطها الأوحد أن « تنبع سلطة المرسوم من الجماعة أو من بعض الأشخاص، أو من شخص واحد».

 لا تستمد الجمهورية، حسب تلك الأطروحات، مشروعيتها من أي سلطة خارجية، و لا ترتبط بالحق الإلهي، فهي ليست جمهورية تيوقراطية لأنها لا تتأسس على ما هو مقدس، إنها حصيلة تعاقد إرادي، حر بين الإنس، فهي ـ على حاجز تعبير هيغل ـ الميدان الذي يلتحم فيه الحق و اللازم، عبر مسيرة الذهن الجدلية.

المحور الثانـي

طبيعة السلطة السياسية

يستهدف المحور وعي طبيعة السلطة السياسية، و أساليب وطرق عمل اشتغالها.

 تقوم الجمهورية على شركات قانونية تحدد الغرض من وجودها، و تمنحها الأساس الذي تقوم عليه سلطتها السياسية.

 لأجل أن تقوم الجمهورية فعلا بالدفاع عن الأشخاص الأمر الذي قد يلحقهم من أدى حصيلة عدوانية الآخرين، لا مفر من تثبيت سلطتها و تقويتها. تشكل تلك الحالة، بالمقابل، تهديدا ممكنا فيما يتعلق لكل شخص من أشخاص المجتمع.

الإشــكال:

ما طبيعة السلطة السياسية، و كيف تشتغل؟

 لاستتباب الأمن، من دون التنازل عن الحرية، يمكن استحضار التصور الذي قدمه مونتسكيـو ( 1755)، و الذي استقاه في روحه من الشركات الإنجليزية في أواسط القرن الثامن عشر.

 ينطلق مونتسكيو من كون الحكومات، و إن كان المفروض فيها أن تحكم باعتدال، فإنها مع هذا تنساق، بمجرد ممارستها للسلطة، إلى إساءة استخدامها و المغالاة فيها. الشركات هي المؤهلة وحدها، دون غيرها لتنظيم السلطة. لإقامة نوع من التوازن لا مفر من فصل السلط قيما بينها، و توزيعها للحفاظ على توازن الحريات و الحقوق داخل الجمهورية: السلطة التنفيذية، و السلطة التشريعية، و السلطة القضائية. لا تشكل تلك الحكومة الثلاثة تفتيتا لسيادة الشعب، لكن تحافظ عليها.

 ـ أطروحة جان ـ جاك روســو (1778): السلطة السياسة، ترتيب للعلاقات البشرية وفقا إلى سلطة القوانين. يتعلق  الحق البشري، في نظر روسـو، بوجود سلطة سياسية مشروعة تعود للشعب ككيان سياسي عمومي، أو إرادة عامة. الشدة ـ كما فال روسو ـ لا تصنع الحق، و لسنا ملزمين بالخضوع سوى للسلطات المشروعة.

 إن التفكير المعاصر في السلطة السياسية قد وسع من مجالها، و أعاد البصر في بعض التصورات الكلاسيكية عن السلطة كما تصورها ميكيافلي (1527) في خطابه الموجه للأمير مذكرا إياه بأن زمن صاحب السمو الأمير الفاضل قد ولى، ليست الفضيلة سوى مانعا في مواجهة الإجراء السياسي، و بالتالي فمن حقه استعمال جميع الوسائل، المشروعة منها و اللامشروعة، على مرجعية الفاعلية، ما استمرت الحصائل هي التي تحدد مكانته، و تحكم عليه.

 من الأطروحات المعاصرة، هناك:

 ـ أطروحة ميشيل فوكــو(1984): ليست السلطة متعالية عن الميدان الذي تمارس فيه، لكن هي محايثة له، يطول مفعولها في كل مناحي الجسد الاجتماعي. السلطة، كما صرح ميشيل فوكو، موجودة في كل مقر، و لأنها أيضا فهي تأتي من كل صوب.

 ـ أطروحة لويس التوسير(1990): الجمهورية عبارة عن مجموعة من الأجهزة، فهي تضم إلى منحى الأجهزة القمعية ( البوليس، و القوات المسلحة…)، الأجهزة الإيديولوجية، و التي تتمثل في مواجهة الملاحظ المباشر في هيئة شركات مميزة و مختصة كالعائلة و المدرسة، و النقابة و الإعلام…و هي شركات تشتغل على باتجاه خفي  و غير مرئي.

المحـور الثالث

الجمهورية بين القساوة و الحــق

يستهدف المحور وعي قيام السلطة على الحق، و ارتباطها أيضاً بالعنف.

 تكون الجمهوريةُ دولــة بالفعل نحو قيامها على الحق، إنها فرد معنوي لديه سيادة

 تميزه عن الأفراد الماديين، و تعلو بها عليهم.

 إن حرية الأشخاص و حضور الجمهورية شيئان متلازمان، ففي سيادة التشريع تكون الجمهورية ذات سيادة، وفي احترام التشريع يكون الأشخاص أحرارا. و لايمكن أن تقوم الجمهورية بلا شركات قانونية تمنحها أساسها، و تحدد القصد من وجودها.

 إن قد كانت الجمهورية كجهاز تعمل على حراسة حرية الأشخاص، و تكفل الأمن و الثبات، فإن ذلك الجهاز يظهر ايضاً، وفي حالات على أنه يقمع و يقف في وجه كل مقاومة. داخل ذلك التوجه، تأخذ السلطة السياسية أشكال الاستفراد بسن القوانين، و احتكار المرسوم و الشأن و الحظر، و الإكراه المدعم بشتى الوسائط البشرية و المؤسسية، و الشكلية.

 يلزم أن نعترف أن تلك المفارقة المخصصة بالسلطة السياسية، هي قسم من المفارقة أضخم تهم مفهوم الجمهورية ككل.

 الإشكــال

لماذا تلجئ الجمهورية للعنف؟

هل من حق الجمهورية أن تمارس القساوة باسم التشريع؟

 أطروحة ماكس فيبـر( 1920 ): تحتكر الجمهورية حق ممارسة القساوة المشروع، و هو أمر لا يتناقض مع طابعها العقلاني و القانوني. « ليس القساوة بطبيعة الوضع سوى الكيفية الوحيدة للدولة، ولكنه وسيلتها المخصصة». يسمح احتكار الجمهورية للعنف المشروع بضبط  القساوة الفوضوي للبشر،  و تقليصه.

 نقد إريك فــروم لأطروحة ماكس فيبـر:

 إن توضيح مفهوم الجمهورية الجديدة على أنها المحتكر الأوحد للعنف المشروع، توضيح مفهوم ناقص، إذ بالإمكان تنفيذه على أنواع قديمة من الاستبداد. يكمن الدور الايجابي للدولة، في نظر إريك فــروم، في إلحاق عملها في محيط القوانين و تدوينه، أي في محيط « جمهورية الحـق» حتى في حال استخدامها للعنف، فهي تؤكد على سيادة التشريع.

في أفق الملخص

 تطرح مسالة المشروعية الإشكال الأتي:

هل بإمكان الشدة أن تكون في خدمة الحق؟

كيف يمكن فعلا تغيير الطاعة إلى لازم؟

 يحرض ذلك الإشكال المناقشة الذي دار بشأن رابطة السياسة بالأخلاق، بدء من أمير ميكيافلي إلى جمهورية الحق بوصفها عملية تشييد و إبداع دائم للحرية، و طلب لاحترام الإنسان.  ( أطروحة جاكلين روس).

 كما يفتح  ذلك المناقشة على المفاهيم  الأخرى المكونة للمجزوءة؛ القساوة، الحق، العدالة… إذ للمفاهيم طريقتها في الحياة وفي مواجهة الوفاة، هذا لأنها تخضع لإكراه التحديث و التبدل، و النقل. ( جيل دولـوز).

تعريف بالموضوع وخلفياته: تعتبر السلطة ظاهرة إجتماعية قبل أن تكون ظاهرة سياسية, فمنذ القدم عاشت المجتمعات البشرية البدائية هذه الظاهرة وأعتبرتها أكثر من ضرورة رغم غياب وعيها,من أجل أمنهاواستمرارها, دون أن تسأل عمن يحكم ومن لايحكم ؟ فالجميع يريد الحيا ة والبقاء مهماكان شكل هذه الحياة. وباكتشاف الكتابة والقراءة, بدأ الانسان يتساءل عن سر وجوده وعن سر الكون الذي يعيش فيه , كما بدأ يتساءل عن طبيعة العلاقة بين من يحكم وبين من لايحكم ؟ بين من يملك وبين من لايملك ؟ مما أدى الى التصادم والتقاتل بين الطرفين , فقامت حروب وثورات من أجل السلطة ومن أجل الملك . وبظهور الفكر الفلسفي واتساع دائرة الوعي السياسي وتقسيم العمل, تمكنت الفيئة المحكومةمن فرض مطالبها ومن قلب موازين القوة لصالحها, حيث صارت ندا قويا للحكام لمجابهة تعسفهم واستبدادهم, وللحد من هذا التصادم لجأ الطرفان الى إيجاد صيغ وآليات لاقتسام السلطةفأبتكروا صيغة العقد الاجتماعي ثم العقد السياسي وأخيرا الدستورالذى توج بمنظومة قانونية لحماية حقوق وحريات الافراد من تعسف السلطة. الامرالذى أسس لعهد جديد , عهد السيادة الشعبية ,عهد التداول على السلطة بالطرق السلمية عهد التعددية والاختلاف , عهد الفصل مابين السلطات وفصل الاشخاص عن المؤسسات, وهي المبادئ التي تجسدها الدولة القانونية الحديثة, التي تعتبر قمة التطورفي الفكر المؤسساتي التنظيمي. وفي الوقت الذي بلغت فيه الدولة القومية في أوربا, هذا المستوى من الفكر المأسس , الذي كما “أن اورباانتقلت من الصراع المسلح الى جاء في مؤلفات “موریس ھوریو الصراع الفكري والبناء المؤسساتي إنطلاقا من مبادئ الثورة الفرنسیة وأفكار مونتسكیو. في حین ان العالم الثالث عامة والعالم العربي خاصة ومن بینھ الجزائر فلا زال یتمسك بالفكر الجھوى والعرقي والطائفي الذي عانت منھ الدول الاوربیة في القرون الوسطى . ان الحركة الوطنیة قبل الاستقلال كانت تمارس التعددیة الحقیقیة وكانت طموحاتھالبناء سلطة حقیقیة مصدرھا الشعب غیر أن الاستقلال الذي كان أمل كل الجزائریین من أقصي الیمین الى أقصى الیسار, قد خیب , والسلطة التى استولت على الحكم باسم الشعب والثورة قد اقلبت المفاھیم .ومنذ ذلك الحین والطبقة السیاسیة المعارضة تعیش النفي والاقصاء والتھمیش , ان التمسك بالسلطة حتى ولو ادى الى استعمال العنف ھو المشكل الرئیسى الحقیقي فى بیت السلطة فى النظام السیاسیى الجزائرى وھوالمشكل الاساسي الذى سنعالجھ في بحثنا. إشكالیة موضوع البحث: تنحصراشكالیةموضوع البحث في طرح تساؤل كبیر حول المفارقة الشاسعة بین ماھو نظرى وماھو عملي ،مطبق في الحیاة السیاسیة, وكذلك في الحیاة الاقتصادیة والاجتماعیة.فالدولةالوطنیة قائمة بمؤسساتھافي ظل نظام جمھوري دیمقراطي شعبى, كما ھو وارد في مختلف الدساتیر الجزائریة,على أساس ان الشعب مصدر السلطة وصاحب السیادة. غیر أن مشكل السلطة قائم وشرعیتھا منقوصة ,كما تعتقد المعارضة , فالتعددیة السیاسیة موجودة ولكنھا غیر فعالةوتقزم باستمرار, اذن فالخلل موجود والمشكل قائم والانسداد بین السلطة والعارضة واضح,فالنظام متمسك بالسلطة ومستعد ان یذھب بعیدا والمعارضة مستعدة ان تذھب الى الخارج, والازمة تلو الاخرى منذ سنة62 ؟ فبھذا الطرح للاشكالیة نكون قد طرحنا المشكل الذي نرید بحثھ .وھو من الناحیة السیاسیة والدستوریة یستحق فعلا دراسة موضوعیة ، وھویكتسى أھمیة كبیرة . أھمیة الموضوع: تكمن أھمیة موضوع البحث في ازمات النظام السیاسي الجزائري الذي یثیر شھیة البحث المعمق ,ھذا من جھة ومن جھة أخرى اھتمامى الكبیر بطبیعة ھذا النظام وكل مایتعلق بأموره السیاسیة والدستوریة,فالصراع التاریخي منذ الاستقلال بین السلطة الحاكمة والمعارضة السیاسیة, كذلك فالسلطة الحاكمة لیس لھا مشروع سیاسیى واقتصادى وثقافي ذات الابعاد الاستراتیجیة واضحة , فھو یحرس على الاحتفاظ بامتیازات الدولة والریع المالي الناتج عن البترول، الشعب یتفكك والشباب یھاجر والجامعیون یھاجرون والوطنیة تتقھقر إلى ادنى مراتب القیم. لذلك نرى ان امكانیات الدولة تستخدم وتبدر لیس لمصلحة الشعب . والالیات القانونیة والمؤسساتیة دون فعالیة دون ابتكار خلاق فھي تتراوح في مكانھا منذ الاستقلال فرضیات بحث الموضوع: ونظرا لھذا التناقض نطرح فرضیات موضوعیة لمناقشتھا في بحث ھذا الموضوع مستھدفا نتائج نرید التوصل الیھا ، وھي كالتالي. یسعى بحث ھذا الموضوع من خلال مشكلتھ الرئیسیةطرح بعض الفرضیات المتعلقة بالخلل الموجود فى طبیعة العلاقة الموجودة بین سلطة النظام وسلطة المعارضةالتي تشكك دائما في شرعیتھ والدلیل في ذلك الازمات السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة القائمة ھناوھناك . الفرضیة الاولى:رفع الشرعیة الثوریة على النظام وبالتالي الاحتكام الى الشرعیة الشعبیة ، أي سیادة الشعب باعتباره مصدر السلطة. الفرضیة الثانیة:ن التعددیة السیاسیة تؤدى بالضرورة الى التداول على السلطة دون مناورة او تھدید ، أي بالطرق السلمیة. الفرضیة الثالثة: تحیید المؤسسة العسكریة والمؤسسة الاداریة یخدم سلطة الشعب ، یحقق الشفافیة التامةفي نتائج الانتخابات. ان ھذه الفرضیات نناقشھا بالتحلیل والمناقشة حیث توصلنا الي نتائج في أخر بحثنا .الى جانب ذلك فقد حدد نا الھدف من بحثنا ھذ الموضوع الذي نعتقد أنھ جدیر بالبحث خدمة لمصلحة الجزائر ، حیث حصر ھدف ھذا البحث كتالي: الھدف من بحث الموضوع: یكمن ھدف موضوع البحث في البحث بالدراسة والتحلیل من صحة الفرضیات المحددةالتى یبنى علیھا البحث لمعالجة اشكالیتھ الاساسیة ملتمسین الحقائق القائمة في المجتمع الجزائرى . نطاق موضوع البحث: وقد حددنا إطار بحث ودراسة الموضوع في طبیعة السلطةالسیاسیة وتنظیمھا من خلال الدراسة التاصیلیة سواء من حیث المفھوم أو التطبیق , ففي الاطار النظرى یتناول كل المفاھیم والتعریفات التي تفسر ظاھرة السلطة السیاسیة وأساسھا القانوني, وكذلك شكلھا وانماطھا وطرقھا التنظیمیة , وكل مالھ علاقة بھا مثل الدولة والحكومة والمعارضة. وكذلك اسقاط ھذه الدراسة على طبیعة السلطة في الدولة الجزائریة وشكلھا وادواتھا وأسالبھا. المصطلحات المستخدمة في البحث: وقد لجانا في بحثنا الى وضع جدول حول المصطلحات التي تحمل معانى غامضة أوعدة معاني ، وھذا یعد عملا موضوعیا علمیا یسھل وظیفة لجنة المناقشة عند قراءتھا للبحث .وھي كالتالي: – السلطة: قوة الامر، وانھا طاقة یستعملھا البعض اتجاه البعض الاخر. – طبیعة السلطة: ھي حقیقة واقعیةوخبرة انسانیة، وأصبحت ذات قیمة قانونیة ودستوریة. – السیاسة: وسیلة مرتبطة بالغایة الاجتماعیة ثم تصبح أداة بناء مجتمعي. – السلطة السیاسیة:عنصر مكون للمجتمعات الانسانیة، وتمثل ضرورة لقیام الحیاة فیھا – السلطة الغفلیة: ھي سلطة الجماعة التي لیس لھا وعي بالثقافة والحضارة. – المجتمع السیاسي: ھي الجماعة التي تكون خارج السلطة السیاسیة ، فھي المجتمع بجمیع أطیافھ, وعلي قدر مستوى وعي الجماعة تأتي السلطة السیاسیة. – الحكومة والسلطة: الحكومة ھي أشخاص یمارسون السلطة من خلال شرعیة، أما السلطة فھي مؤسسة منفصلة عن رجالھا. – مصدر السلطة: الأساس القانوني الذي یمنح الصفة الشرعیة لرجالھ. – مأسسة السلطة: یعني بھا سلطة الدولة أي تتعلق بممارستھا – مأسسة النظام السیاسي: مأسسة العمل السیاسي الرسمي وغیر الرسمي داخل سلطة الدولة. – شخصنة السلطة: القائد الزعیم یحل محل مؤسسة الدولة وسلطة الدولة وسلطة القانون – الدولة: في المفھوم المؤسساتي ، ھي أم المؤسسات تتكون من عنصرین التنظیمي والقانوني. – علمانیة السلطة أو الدولة: ھي علمانیة التسییر والادارة والاقتصاد والمال والرقابة ,ولیس علمانیة الاخلاق والعقیدة. – السلطة الممأسسة: ھي سلطة منفصلة ومجردة تمثل الشكل القانوني . – السلطة التاسیسیة: ھیئة تتولى وضع الدستور وھي إما أصلیة من داخل الدولة أو خارجیة منشئة. – المؤسسة: ھي أداة للسلطة الممأسسة، وتتشكل من عناصر: عنصر الفكرة وعنصر التوحد والتشارك وعنصر الدیمومة وعنصر الھدف وعنصر الطاقة. – المواطنة: مشروع مجتمعي یحل محل العصبیة العرقیة واللغویة والدینیة ،یحمي المواطن من الانھیار والذوبان ,ویجعل الوطن كلھ في خدمة الانسان. منھج البحث: أما فیما یتعلق بمنھج البحث ، فقد لجأنا الى استخدام ثلاث مناھج : لدراسة وتحلیل ومناقشة معمقة لموضوع البحث, من خلال ضبط الموضوعات الرئیسة التي عالجناھا, وكیفیة التوصل الى الاھداف المسطرة المتوخاة من موضوع البحث. لذلك، لیس من السھل اعتماد منھج واحد في دراسة وتحیل موضوع طبیعة السلطة السیاسیة وتنظیمھا , من حیث النشاة والتطور واللآلیات القانونیة والانماط والاشكال.وھي: المنھج الوصفي: الذي أعتمد علیھ في دراسة المفاھیم النظریة والمعرفیة التى تؤصل موضوع طبیعة السلطة والاسس القانونیة التي تقوم علیھا. المنھج الزمني التاریخي: وھوأساسي في دراسة نشأة السلطة وتطورھا عبر مراحل اختلاف مفاھیمھا وعلاقتھا بالمجتمع. المنھج التحلیلي: وھو المنھج الذي یعتمد التحلیل والمناقشة في أسلوبھ للظواھر الاجتماعیة والسیاسیة والقانونیة والمؤسساتیة. خطة البحث: أما فیما یتعلق بخطة البحث ، فھي كما نعتقد، أن الخطة ھي الاطارالفني التنظیمي لفكرة ما أوموضوع ما، توظف من خلال ھذا الاطار أدوات ـ مناھج ـ في تفكیك المعلومات المعرفیة والعلمیة التي تحیط بمضوع البحث ، ثم تحاول تركیبھا بشكل جدید ببنیان فني متكامل یعطي صورة أصیلة ومنسقة ومتوازنة ذات مصداقیة وأمانة علمیة. في ھذا الاطار تقوم خطةالبحث علي تقسیم ثنائي رئیسى لموضوع الدراسة،بمعنى أن الاشكالیة الواحدة تتفرع الي إشكالیتین فرعیتین، القسم النظري والقسم التطبیقي: القسم الاول: فنتناول من خلالھ الاطار النظري المفاھمي لنشاة وتطور السلطةالسیاسیة، وذلك من خلال بابین ، الباب الاول نستعرض فیھ الاطار النظري من مفاھیم في طبیعة الموضوع وأساسھ القانوني،وذلك من خلال ثلاثة فصول وعدة مباحث ومطالب وفروع .أمافي الباب الثاني فنتناول فیھ النشاة والتطور لتنظیم السلطة وأرتباطا بالاشخاص ثم انفصالھا وانتقالھا للمؤسسات، وذلك من خلال ثلاثة فصول ومباحث ومطالب وفروع مراعین التوازن والتنسبق, متبوعان ھذین البابین بملخصین یتضمن كل منھما نتائج ویمھد للاخر. أما في القسم الثانى : فتناول من خلالھ مشروع تأسیس الدولة الوطنیة وتنظمھا ، وتحدید طبیعة السلطة السیاسیة فیھا. وذلك من خلال بابین , الباب الاول ندرس فیھ مشروع المجتمع الجزائري والدولة الوطنیة كما تتصوره الطبقة السیاسیة قبل الاستقلال ومابعد الاستقلال وذلك من خلال فصول ومباحث ومطالب وفروع. وفي الباب الثاني نبحث فیھ تنظیم السلطة السیاسیة من خلال التجربة الدستوریة ، المتظمنة الدولة الوطنیة وسلطتھا وذلك أیضا من خلال فصول ومباحث ومطالب وفروع , ثم مستخلصین بعض النتائج درسناھا تحت عنوان أزمة التحول الدیمقراطي , ثم أقترحنا بعض الاقتراحات نعتقد أنھا تمثل الحل في اطار رؤیة استراتیجیة. وقد اعتمدنا في بحثنا علي أساس مصادر مبدئیة عملیة في الفكر المتخصص بالمواضیع السیاسیة والدستوریة باللغتین الفرنسیة والعربیة. نسأل االله العلي العظیم التوفیق وعظیم الشأن. القسم الأول الإطار النظري لأصل نشأة السلطة السیاسیة تمھید إن ظاھرة السلطة السیاسیة ونشأة مؤسساتھا ھي جزء من حركة إجتماعیة شاملة تتطور بإستمرار عبر مراحل تاریخیة، نحو تأسیس سلطة المؤسسات، وھي بذلك تأتى في واقع إجتماعي معین، وتشكل جزءا من الدراسات الإجتماعیة، بل ویمكن القول أن الأفضل في تشكیل وإبراز موضوع السلطة وتأسیسھا في الشكل القانوني والتنظیم یعود بجدوره إلى علم الاجتماع بشكل عام وإلى علم الإجتماع السیاسي بشكل خاص الذي منھ إنتقلت إلى علم القانون العام. إن عملیة تأسیس السلطة السیاسیة تحدث بمفھوم معین وعلى نوع خاص بھا، وبالمعنى السیاسي المحدد لھا، وھو الأمر الذي یتطلب بیان المقصود منھا كمجموعة مفاھیــم أولیة، وھي السلطة والسیاسیة، والسلطة السیاسیة إستنادا إلى ما وصل إلیھ أصحاب نظریة تأسیس السلطة وما تبنوه من مصطلحات ومفاھیم خاصة تتعلق بجوھر مصطلحـات موضوع البحث، وھي أساسیة؛ أھمھا مفھوم السلطة، ومفھوم السیاسیة، ومفھوم المؤسسة ( مأسسة السلطة ). فإن السلطة وتأسیسھا كظاھرة قانونیة إنما تتعلق بشكل معین لكینونھ “الممأسس” والمعروف بالدولة. السلطة السیاسیة، أي بشكلھا القانوني غیر أن ھذا الشكل لم یتم التوصل إلیھ إلا في سیاق تطور تاریخي معین، لأنماط وجود السلطة السیاسیة ذاتھا ومن ھنا فمن الطبیعي أن نتناول مسار ھذا ا لإشكال الأساسي الذي مرت بھ السلطة السیاسیة حتى بلوغھا ھذا الشكل الحدیث، ویتناول ھذا القسم الإطار المفاھیمي والتطور التاریخي لتنظیم السلطة، من خلال بابین : الباب الأول : ظاھرة السلطة وتنظیمھا. الباب الثاني : التطورالتاریخي للسلطة . البـــــــاب الاول من القســــــــــــــــــــم الاول الباب الأول ظاھرة السلطة وتنظیمھا تمھید تتشكل ظاھرة السلطة السیاسیة عبر التاریخ من المفاھیم والمصطلحات, وھي تشكل جزءا أساسیا في البناء النظري والمنھجي لأي فكرة أو مذھب أو نظریة، لأنھا تختزن المضامین و التصورات إن ھذا الإطار یحتوى أساسا على بعض المفاھیم والمصطلحات التي یجب معرفتھا و تحدید دلالتھا مسبقا, ونعنى “السطلة السیاسیة”، كمفاھیم و “السیاسیة” بذلك تحدید معنى كل من “السلطة” و أولیة. من زوایة أخرى، بعض المفاھیم والمصطلحات والنظریات التي عالجت جوھر الموضوع، وأھمھا: مأسسة السلطة ومفھوم المؤسسة كمفاھیم أولیة.ویتضمن ھذا الباب الفصول التالیة : الفصل الأول: مفھوم السلطة . الفصل الثاني: خصائص السلطة الفصل الثالث: مأسسة السلطة ( تنظیمھا ) . الفصل الأول مفھـــــــــوم السلطـــــــــةالسیاسیة تمھید قبل الشروع في دراسة أي موضوع معین،یجب الفصل في المسائل 1 (المرتبطة بھ، وخاصة بعض مفاھیمھ . وھو ما ینطبق على ھذا البحث: فالدولة كسلطة ممأسسة لیست الشكل الأوحد للسلطة السیاسیة وبالتالي لا یمكن الحدیث عنھا باعتبارھا نمطا من أنماط (2 (كینوتة السلطة السیاسیة دون التعریف بالسلطة ذاتھا . “السیاسة” و ولما كان مفھوم السلطة السیاسیة ذاتھ یتكون من “السلطة” و ممارسة السلطة لا تعنى بالضرورة أنھا سیاسیة إذ لیست كل سلطة بالضرورة “Tout Pouvoir N’est Pas Politique (3 (سیاسیــة ” . كما أن مفھوم السیاسیة یحمل مدلو لان مختلفان، فقد تطلبت الضرورة المنھجیة تحدید معنى تلك المفاھیم الأولیة باعتبارھا المدخل الطبیعي لفھم موضوع تنظیم السلطة السیاسیة. وأھم ھذه المفاھیم ھي: السلطة، السیاسیة، والسلطة السیاسیة. من خلال المباحث التالیة: المبحث الأول : مفاھیم السلطة . المبحث الثاني : مفھوم السیاسیة . المبحث الثالث : مفھوم السلطة السیاسیة .

ناول ھذا المبحث بالتفصیل مفاھیم ، السلطة من حیث الدلالة الفكریة والنظریة، التي تفسرھا وتؤسسھا أو تبررھا، وكذلك من حیث المعنى اللغوي لمصطلح السلطة، وذلك من خلال ثلاثة مطالب، وھي كالتالي: المطلب الاول: الأصل اللغوى للسلطة المطلب ا لثاني : تعریف السلطة . المطلب ا لثالث : طبیعة السلطة ومستویات وجودھا . المطلب الأول الأصل اللغوي للسلطة إن الأصل اللغوي لكلمة “Pouvoir “جاءت من اللاتینیة الشعبیـة “poteré ” “de apable C Etre “وھي بھذا الأصل تدل على طاقة حیویة التي تعنى القدرة على تتوفــر لدى الجمیع، لأن كل واحد منا لدیھ الإمكانیة، ایا كان قدرھا لإتیان فعل Posse “والتي تعنى والقیام بتصرفات، كما أنھا أیضا مشتقة من اللاتینیة التقلیدیة ” إمتلاك القوة “de Force la Avoir “وھذا الإشتقاق الثاني یكمل الجانب الأول في (4 (النطاق الذي یعنى الطاقة اللازمة لتحقیق بعض الأفعال . وإنطلاقا من تعریف البعض للسلطة بأنھا: “نظام من العلاقات مع ذاتھا أو مع الأشیاء أو مع الأشخاص الآخرین، وھي تتجھ إلى تعدیل وضع معین بواسطة (5 (فعل مزود بطاقة . وھذا التعریف یجعل من السلطة طاقة حیة لاساكنة (6) . ویجعل من القوة التي ینظر إلیھا كظاھرة عنیفة مجرد وسیلة لفرض إرادتھا، بل ویتجاوز البعض ذلك لیرى في السلطة بطبیعتھا ومفھومھا علاقة أمریة مشروعة (7 (فھي ” الحق في الأمر، حیث الشرعیة صفة ملازمة لھا “

لذلك سیكون من الأنسب التوسع في النظر للسلطة لیرى فیھا جوھرھا الكامن في الطاقة اللازمة لإتمام أعمال أو القیام بتصرفات ایا كان قدر الطاقة . مع إعطائھا مفھوما قاعدیا Normatif) 8 (المستعملة والتي تشتمل على القوة ووظیفیا Fonctionel ،بحیث یفضى إلى التخلص من الجانب الشخصي فیھا (9 (لیتوارى الفرد خلف الوظیفة التي یؤدیھا والنظام الذي یحكمھا . وبالتالي الشكل الذي تبلغھ السلطة السیاسیة الممأسسة. التي تنفصل فیھ عن الشخصانیة، وتتحول إلى مؤسسات دائمة تتناوب علیھا الأشخاص المؤھلون شرعیا. المطلب الثاني تعریــــــف السلطــــــــة تختلف الأفكار والآراء حول وجود السلطة، ورغم تعدد النظریات التي وضعت تفسیرا للسلطة أو تأسیسھا أو تبریرھا، إلا أن كثیرا منھا لم یھتم بالبحث (10 (عن ماھیة السلطة ذاتھا . ولقد كثر الجدل حول الوجود الذاتي لھا، وھنا نجد مذھبان متناقضان الأول یمثلھ Jouvenel de bertrand في مؤلفھ pouvoir du ،حیث یقر بوجود ذاتي للسلطة فھو یعرفھا،، كسلطة محضة، بأنھا : ( الأمر موجود بذاتھ ولذاتھ de Pouvoir Le تعریف ینتقد وبالتالي ) L’etat Pour Commandement Existant Par Soi et Pour Soi أولئك الذین یدخلون في طبیعة السلطة ما لیس منھا، كالصیفات المكتسبة التي (11 (تلحق بھا وإنطلاقا من ھذه الرؤیة الخالصة للسلطة فقد جعلھا أحد أنصار ھذا المذھب عنوانا لمؤلفھ” Pur Pouvoir Le ” معرفا أیاھا بأنھا طاقة یستعملھا البعض أما الرأي الثاني: فیمثلھ مذھب

بوردو، الذي یرى أن مفھوم السلطة المحضة في ذاتھا أمر غیر مقبول لأن السلطة لا تخلق نفسھا بنفسھا، فھي تجھل الإخصاب الذاتي ” Autogamie ” وكذلك النشأة الذاتیة ” Autogeuese ” فمع السلطة یخرج المرأ من مجال الغایات لیدخل في نطاق (13 (الوسائل، ومن تم فھي لا توجد إلا موصوفة وبما أن بوردو یرفض الوجود الذاتي للسلطة فإنھ مع ذلك لا ینكر فائدة دراسة السلطة المحضة شریطة أن یكون (14 (المقصود من ذلك فھم آیاتھا المطلوبة لوجودھا، ولیس مصدر وجودھا ذاتھ . لا تظھر نفسھا إلا عبر توسط مظا – ھر فالسلطة – عكس ظواھر أخرى أخرى خارجیة تؤكد حقیقة وجودھا، بحیث یمكن التأكید بأن وجود السلطة ذاتھ قد (15 (سبق وجود مظاھرھا التي تخرجھا إلى حیز الوجود فتدل علیھا . المطلب الثالث طبیعة السلطة ومستویات وجودھا ، فمن حیث المفھوم ھي (16 (إن السلطة كمفھوم وحقیقة واقعیة وخبرة إنسانیة حقیقة قائمة في دھن الناس أنھا فكرة تأخذ كینوتة على النحو الذي یفكرون بھ فیھا، ولذلك كان أن كل مجتمع لدیھ السلطة التي یستحقھا، والتي تصنع منھ كیانا ، وكخبرة إنسانیة فإنھا معطى مباشرة للوعي المنخرط (17 (یتطابق وفكرتھ عنھا في الحیاة والعلاقات مع الغـیر، وھي حقیقة واقعیة، تنكشف في كل الصلات التي یرتبط الأفراد فیما بینھم بواسطتھا بدءا من الجماعات شدیدة الصغر إلى الدولتیة (18 (العالمیة . وأیا كانت مستویات وجود السلطة فإن العلاقة السلطویة، في الواقع الإنساني توجد في كل ظاھرة تتجلى فیھا قدرة فرد على الحصول من فرد آخر (19 (على سلوك كان بالإمكان ألا یقوم بھ بشكل طرح تقلیدي . مع إثباتھ طبقا

لاجدال في الأھمیة السیاسیة التي تتعلق بدراسة الأوجھ المختلفة للسلطة وأطرھا العلائقیة التي تظھر من خلالھا، وبما أن السلطة توجد بمجرد حدوث تأثیر إنسان على آخر من أجل الحصول على نتیجة معینة، فإن وقائع السلطة لا (22 (تحصى وبالتالي فإن التحلیل الشامل لظواھر السلطة سیقود إلى إحتواء كل (23 (مظاھر الحیاة الاجتماعیة . غیر أنھ لما كان مجال البحث ھو السلطة في إطارھا السیاسي، وكان التعریف السابق للسلطة یشمل كل ما ھو غیر سیاسي، فإن ھذا المطلب یتناول الطبیعة السیاسیة للسلطــة Politiaue Pouvoir Le. فما الذي یمنح السلطة طابعھا أو خصوصیتھا السیاسیة، وما ھو مفھوم السیاسیة الذي تعتمد علیھ نظریة تنظیم مؤسسة السلطة ؟ ویتناول ھذا البحث مفھوم السیاسة من خلال مطلبین: الغایة الاجتماعیة لخاصیة السیاسة,والسیاسة كبنیة وأداة. المطلب لاول الغایة الاجتماعیة لخاصیة السیاسة إن السلطة المجردة لا تحمل في ذاتھا السمة السیاسیة. لذلك، ولكي ترتدى (24 (طابعا سیاسیا، لابد وأن ترتبط بغایة إجتماعیة معینة . ولتوضیح ذلك فقد ضرب بوردو المثال التالي بییار وبول یتنازعان على الإستئثار باللعب بكرة، قیام بیار بأخذھا من بول لیلعب بمفرده فإذا خضع بول لرغبة بییار یكون ھذا الأخیر قد مارس سلطة ولكن ھذه السلطة بالتأكید لیس لھا (22) – BURDEAU, G : L’etat, Seuil, Op Cit , P 22 . (23) – I Bid, P 99. (24 (ـ د/ عبداالله سعيد علي الذبحاني : مأسسة السلطة السياسية كنظرية قانونية للدولة، رسالة دكتوراه في القانون العام، جامعة القاهرة، 1997 ،ص 43. أي طابع سیاسي، لأنھا تھدف إلى تحقیق غایة فردیة ینحصر أثرھا على صاحبھا المتمثلة في إشباع رغبة أنانیة Egoiste Plaisir كما أن الغایة محصورة في كل منھما منفردا، ویختلف الأمر إذا إفترضنا أنھما ضمن فریق واحد وأن بیار یطلب تمریر Passe الكرة إلیھ لتقدیره أنھ في موقع أفضل یسمح لھ بتسدیدھا نحو مرمى الفریق الخصم عندھا تتداخل مع طلب بییار واستجابة بول غایة لا تنحصر في علاقتھما الفردیة ولا یمكن تصورھا إلا من خلال وجود الفریق ومن خلال الفائدة التي یمكن أن تجني من تفاعل علاقات السلطةن فغائیتھا التي لا یمكن تقدیرھا سوى بمرجعیتھا للجماعة تكوّن ما یمكن تسمیتھ بالغائیة المجتمعیة. وھكذا تقوم العلاقة بین أعضاء كل جماعة طبقا للھدف الخاص بھا، فھم یجتعمون للصلاة أو لمزاولة صناعة ما أو للترویح عن النفس … وھذا الھدف ھو الذي یمنح جماعتھم خصوصیتھا. وما السیاسة التي تدور فیھا سوى تقنیة تحقیق القیم الدینیة والإقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة … ولیست غایة في ذاتھا، مثلھا مثل السلطة التي تمارس فیھا، فھي أداة لأنھا لا تجد سبب وجودھا إلا في الھدف (25 (الذي تكونت من أجلھ الجماعة . لذلك یمكن القول : أن “السلطة السیاسیة تتعلق بكل واقعة أو تصرف أو موقف یترجم علاقات السلطة والطاعة القائمة في جماعة إنسانیة من أجل غایة (26 (مشتركة . وقد تطورت من المجموعات الجزئیة إلى المجتمع الكلي، إلى جانب أو فوق المجموعات التي تتكون لتحقیق ھدف محدود أو خاص ولا تكون غایة في ذاتھا بل مجرد وسیلة لتحقیق ھدف ھو بالضرورة وبالطبیعة خارج عنھا، یوجد المجتمع الكلي Globales Societé الذي یكوّن بشمولیتھ حقیقة ذات طبیعة مختلفة كثیرا عن تلك المجموعات. فھو لا یفسر ولایستمد وجوده، في ھدف خارج عنھ أیا كان، فمجرد وجوده ذاتھ سبب كاف لاعتباره مؤدیا لمھمتھ. إنھ غایة نفسھ، كونھ ھو دعامة القیم التي على أساسھا تنتظم علاقات السلطة داخل المجتمع، وھو لایتحدد بمعیار خارجیا، لوجود الكائن الجماعي Collectif Etre ،وشرطا لھ، ولذلك یأخذ

مفھوم السیاسیة ھنا مضمونا یتجاوز مجرد إعتباره ذات تفسیر أدواتي بل تصور وجودي Existenteil یستمد طبیعتھ من طبیعة المجتمع ذاتھ، وغائیتھ الكامنة فیھ. غیر أن من المھم فھم أنھ بقدر ما تتكون الجماعة الشاملة من أجسام جزئیة كل واحد منھا ذو جوھر مختلف، بقدر ما تقضى الضرورة تأكید قیمة مشتركة للجمیع تتعدى ھدف كل واحد منھا. ھذه القیمة لا یمكن أن تكون إلا بوجود المجتمع ذاتھ، وھي عندما تدرك من قبل المجموعة یظھر المجتمع السیاسي ذاتھ لأن السلطة التي تظھر حقیقتھا، تصب في غایة اجتماعیة ترفع من شأن الغایة (27 (الخاصة بكل واحدة من ھذه المجموعات الثانویة . غیر أن الأفراد والجماعات الثانویة وإن كانوا مفردات الجماعة ـ الوحدات إلا أن علماء الاجتماع یقرون بأن المجتمع السیاسي لیس مجرد تجمی – ع الأولیة لھا فیزیائي بسیط للأفراد، إنھ شيء أكثر من ذلك إنھ كل “Tout ” یفترض لدى أعضائھ وجود وعي مشترك یشد إنتماءھم إلى المجموعة. ورغم اختلاف النظریات حول الطریقة التي یتشكل بھا ھذا الوعي وطبیعتھ وعلاقاتھ … إلا أن ھناك نقطةة صارت راسخة تتمثل في أنھ لا یوجد مجتمع سیاسي إلا حیث توجد المجتمعیة Socialite بصفتھا تجمعا غریزیا أو جدتھ الضرورة، یضاف إلیھا رابطة Association تتأسس على الوعي بسبب وجودھا وتصور لھدفھا، وھذا الإجتماع الذي یوحد المجموعة یأتى في البدء من قبول واقع قائم ولكنھ یغتنمھا من صورة مستقبل ترى الجماعة نفسھا فیھ أكثر حیویة وأكثر صلابة. وإذا أمكن أكثر سعادة. من ھنا نجد السلطة حتى وإن ظھرت على ھیئة قائد یبدو وكأنھ یفرض نفسھ، إنما تتجذر في حقیقة الأمر، في المجتمع نفسھ، ذلك أن السلطة لصیقة بالبنیة السیاسیة (28 (للمجتمع التي بدونھا، ینتفى وجوده

ذا كانت الغائیة المجتمعیة ھي التي تمنح السمة السیاسیة للسلطة فبأي مفھموم تحدیدا من المفاھیم الخاصة بالسیاسة ترتبط السلطة بھ كي تصبح سیاسیة فیعلق بھا وجود المجتمع الكلي (المجتمع السیاسي)، وتحدث علیھا مأسسة السلطة السیاسیة لیصبح كیانا سیاسیا قانونیا؟. بادى ذي بدء سیتم تجاوز المعاني المتعددة للسیاسیة كما تشیر إلیھا بعض المراجع، وكذلك ما یقدمھ البعض أحیانا من جواب بسیط لھذا السؤال حین یخرجون الأصل ا لإشتقاقي لكلمة سیاسة، بقولھم: السیاسیة كلمة مشتقة من كلمة بولیس، الیونانیة التي تعنى المدینة، بمعنى المدینة – الدولة، ولھذا یقال أن السلطة السیاسة ھي السلطة التي تمارس في الدولة، إذ من الواضح أ ن مثل ھذه الطریقة لا تضیف لنا معرفة منھجیة علمیة (29) . بل سیتم الانطلاق من رؤیة البعض للسیاسة بمفھومھا الثاني، وبذلك (30 (فالسیاسة كمفھوم أدواتي باعتباره نشاطا ووسیلة . فلما كان المجتمع یجد غایتھ بمجرد وجوده، فإن السیاسة تجد أساسھا وتبریرھا في ذلك المجتمع وغایتھ، كما یتحدد ھدفھا بالخیر الاجتماعي الذي أولھ . من ھنا اعتبرت السیاسة ذات طبیعة بنیویة، لأنھا تتعلق (31 (كینونة المجتمع ذاتھ بكینونة الأشیاء وتستجیب لمسألة البنیة المادیة والمعنویة المكونة لثقافة المجتمع الكلي، وبالتالي ترتبط بفكرة ضرورة النظام، ومع السیاسة تدخل عالم أو عائلة الجواھر Essences Les ،حیث تجد دعمھا في قیمتھا الذاتیة Intrinseque Valeur التي (32 (تستمدھا من طبیعتھا الخاصة، ولیس من حیث ھي إشارة الى شيء آخر

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *