النظرية والتجربة هل يمكن الفصل بينهما درس لسنة ثانية باكلوريا

النظرية والتجربة

تقديم:   كلمة “النظرية” ترجمة لكلمة Théorie الفرنسية التي يرجع أصلها إلى الكلمة اليونانيةTheorein. و هي تعني “البصر” أو “التأمل” أو “التحليل”. و بذلك المعنى فهي تحيل على إعمال الذهن. و حين تُوضع “النظرية” في في مقابل “التجربة” فمعنى هذا أننا في مواجهة تقابل بين العقلي من ناحية و الحسي من ناحية أخرى، أي بين المعطيات التي تبلغ إلينا بواسطة الحواس و أحكام الذهن، أو لنقل ـ توخيا لمزيد من الدقة ـ إننا بصدد تضاد قائم بين بعدين في المعرفة الإنسانية هما المعرفة بواسطة العقلي  (L’intelligible)و المعرفة بواسطة الحسي (Le sensible). فقد درج الإنسان في المراحل الفائتة من الزمان الماضي على ترجيح كفة الاستيعاب العقلي (L’entendement) على حساب الحس. و هو ما عبر عنه نيكولا مالبرانش بقوله: “تلك القرارات الطبيعية، رغم فائدتها، تدفعنا في الغالب إلى الخطأ بجعلنا نكون أحكاماً حرة تتفق معها طول الوقت. هذا أننا حينما نحكم بحسب ما نحس به نخطئ باستمرار في شيء ما”. غير أن العلوم المعاصرة، و كذا التفكير الفلسفي المتعلق بها (الإبستيمولوجيا)، أصبحت تميل إلى النجاح بين يوم الاثنين. و بالتالي فالواو المتواجدة بين النظرية و التجربة لم تعد توميء في الوقت الراهن إلى التكامل بين الإثنتين أكثر الأمر الذي تحيل على التضاد بينهما. فالحس، من حيث هو تلق سلبي لرسائل العالم الخارجي، يكشف اتصالنا المتواصل بالعالم، في حين الاستيعاب هو مَلَكة تكوين و تأسيس المفاهيم المجردة، و استيعاب و تطمح الأفكار. و بالتالي فهو مَلَكَة فعالة ـ ضد الحس ـ لكنها تتكامل معه. غير أنه، و بالرغم من التصديق بوجود ذلك التكامل بين المَلَكتين، يَبقى السؤال قائما بخصوص مصدر المعرفة الإنسانية: هل هو الحس أم الاستيعاب؟ و هو السؤال الذي يقودنا رأساً إلى الإشكالات التي سنعالجها في ذلك الدرس.   ■ التشييد الإشكالي:   1 ـ  ما هو مصدر المعرفة العلمية؟ هل هو التجربة بالمعنى العامي أم التجريب؟ و ما الاختلاف بين التجربة و التجريب؟   2 ـ كيف تتبلور المعرفة العلمية؟ هل من خلال مراكمة المعطيات الحسية و حصائل التجريب؟ أم أن التجريب ذاته لا قيمة له سوى إذا أطرته و واكبته أسئلة نظرية؟   3 ـ كيف نحكم بصحة أو غير صحيح نظرية علمية محددة؟ هل بالاعتماد على تماسكها النظري الصوري؟ أم بالاعتماد على نطاق مقدرتها أو عجزها عن شرح الواقع؟ 

 المحور الأول: التجربة و التجريب

 ◙ بوابة: في الاختلاف بين التجربة و التجريب

قبل الخوض في الأطروحات الفلسفية التي حاولت الإجابة عن الإشكال المطروح في ذلك المحور لا بد أولاً أن نقوم بالتعرف على الاختلاف بين التجربة و التجريب. فالتجربة لا تقتصر على ميدان العلم، و إنما هي تشمل كل ميادين الخبرة الإنسانية حيث نستطيع أن نتحدث عن “التجربة السياسية” و “التجربة الجمالية” و “التجربة الرومانسية” و “التجربة التاريخية” و غير هذا. أما التجريب فهو حكر على ميدان العلوم الدقيقة. و هو يقصد التجربة العلمية على طريق الحصر من حيث أنها تحدث تشييد على مناهج و معدات خاصة، و تصاحبها أسئلة نظرية تنحصر في ميدان العلم و لا تتخطاه إلى ما سواه من الساحات. ذلك هو المعنى الذي توميء إليه قولة مارتن هايدغر: ” العلم لا يفكر”، أي أنه لا يفكر في ما عداه. فهو حين يباشر موضوعه لا يفكر في انعكاسات نتائجه على بقية ساحات حياة الإنسان مثل الميدان الأخلاقي أو الديني أو السياسي أو غير هذا.   ■ أطروحة فردناند ألكيي: معنى التجربة.   يُعد فردناند ألكيي (Ferdinand Alquié) أن التجربة تعني مجموعة من الوقائع المميزة تميزا موضوعيا عن الذات. فهذه الأخيرة، حين تدخل ميدان التجربة، يقتصر دورها على تلقي الوقائع سلبياً (Passivement) دون أن يتدخل الفكر بأي شكل من الأنواع في عملية التلقي تلك. و بالتالي فالتجربة تدخل في ميدان المعرفة المعطاة (Le savoir donné) لا في ميدان المعرفة المبنية (Le savoir construit). فالتجربة نحو ألكيي تحيل على نوع من المعاينة الخالصة، إذ تكتفي الذات بمعاينة الواقع دون أن تؤثر فيه أو أن تسعى إخضاعه. و بذلك المعنى فهي موجة من التقبل السلبي للواقع و معطياته كما هي دون أي مسعى لاستنطاقه أو استخراج القوانين التي تحكمه، أي أن التجربة ليست عملية تشييد للمعرفة بالواقع. إنها انفعال بالواقع و ليست فعلا في الواقع.   ■ أطروحة ألبير جاكار: معنى التجريب.   على ضد التجربة (Expérimentation) تنتقل الذات في التجريب من مستوى الانفعال إلى مستوى التصرف كما يتخذ قرار هذا ألبير جاكار. فالإنسان بحسب تصوره لا يشاهد العالم بعينيه و إنما هو يدركه بواسطة مفاهيم. و عليه، ففي التجريب يحضر الفكر كبعد من أبعاد المعرفة و تنتقل الذات من مستوى التلقي السلبي إلى مستوى ضبط الواقع. فالتجريب لا يستكفي، بحسب اعتقاد جاكار، بالوقوف نحو مستوى تلقي الواقع من حيث هو مجموعة من المعطيات الحسية، و إنما هو يمر ذلك المستوى إلى تدخل الذهن، عن طريق معدات علمية، لإحكام القبضة على ذلك الواقع و التحكم فيه و استخلاص القوانين التي تحكم الحالة المجتمعية عبر تتالي التجربة في ظروف و أزمنة مغايرة لينتهي (الذهن) إلى تعميم التشريع العلمي.  

 ■ ملخص

 إن الاختلاف بين التجربة و التجريب يكمن أساسا في عدم تواجد تدخل الذهن على مستوى التجربة، و تدخله في مستوى التجريب، أي في الانتقال من الانفعال بالواقع إلى الإجراء فيه. و بذلك المعنى ـ و كما يشاهد هذا ألكسندر كويري ـ فالتجربة بالمعنى العامي لم تشارك بشيء في نشأة العلم الكلاسيكي. لكن إن الذي شارك في هذا هو التجريب، أي الجمع بين التجربة الحسية من ناحية، و الاستنطاق العقلي لتلك التجربة من ناحية أخرى. فالتجريب ـ كما يقول كلود برنارد ـ هو « فن الاستحواذ على تجارب دقيقة ومحددة، وهو الأساس العملي وبشكل ما الجزء التنفيذي للمنهج التجريبي ».     المحور الثاني: العقلانية العلمية.             ◙ بوابة: من العقلانية الكلاسيكية إلى العقلانية العلمية.            تنازعت موضوعَ المعرفة في تاريخ الفلسفة برمته نزعتان: نزعة عقلانية تعتبر أن الذهن هو مصدر المعرفة، و نزعة تجريبية تشاهد ـ ضد هذا ـ أن مصدر المعرفة الإنسانية هو التجربة. و بصرف النظر عن أن النزعة العقلانية ذاتها تتوزع إلى اتجاهات فلسفية عديدة (العقلانية الموضوعية، العقلانية المطلقة، العقلانية الذاتية، العقلانية المثالية…إلخ)، فإن كل تلك النزعات تتحد من ناحية في إعطاء الأولوية للعقل و أحكامه، و في اعتباره عقلا كونياً واحداً من ناحية أخرى. غير أن تطور العلوم، سواء منها العلوم الدقيقة، أو العلوم الإنسانية، أو العلوم المعرفية، سيفتح الميدان في مواجهة مقاربة حديثة للعقل و دوره، و سيقود إلى إنشاء عقلانية حديثة، معاصرة، تقدم ذاتها كبديل ل”العقلانية الكلاسيكية”، تُراجع أسسها و منطلقاتها، و تركز على وجه التحديد على دور الذهن و ميكانيزمات اشتغاله في إصدار المعرفة العلمية، و هي ما نسميه بالعقلانية العلمية. و سنتعرف في ذلك الصدد على أطروحتين:   ■ أطروحة غاستون باشلار: العقلانية التطبيقية.   تتأسس بصيرة غاستون باشلار على الاعتراف لكل من الذهن و التجربة في نشأة و تطور العلم المعاصر. و هو يستلهم في مشاهدته لتطور العلم تشريع الحالات الثلاث نحو أوغست كونت، حيث يقسم تاريخ العلم إلى ثلاث مدد: الفترة ما قبل العلمية، و الفترة العلمية، ثم في النهاية فترة الروح العلمية الحديثة. فالمرحلة الأولى، التي تطول حسب باشلار من العصر القديم إلى القرن الثامن عشر، قد كانت مطبوعة بعدم الفصل بين التجربة بالمعنى العامي و التجربة العلمية. و كان شعارها: “نفكر بحسب ما نشاهده” (On pense comme on voit). أما الفترة الثانية، و التي تطول من القرن الثامن عشر إلى مستهل القرن العشرين، فقد انفصلت فيها المعرفة العلمية عن المعرفة العامية، و بدأت المعرفة العلمية تنزع أكثر باتجاه التجريد و أصبحت تشاهد في واقعية المعرفة العلمية مانعا في مواجهة تطور العلم و في مواجهة مجهود العقلنة. غير أن تلك الفترة استمرت مع هذا ـ في نظر باشلارـ رهينة ما يسميه “الإبستيمولوجيا الديكارتية”، أي أن العلم في تلك الفترة استمر يرتهن إلى فلسفة الحدس، أي إلى المُباشر، و إلى روح علمية وثوقية، أي تثق في الحقائق الأولية و المفاهيم الرئيسية. و خلافا لهذا، فالمرحلة الثالثة، التي هي “فترة الروح العلمية الحديثة”، قد بدأت في نظر باشلار سنة 1905 مع نظرية النسبية نحو ألبرت أينشتاين. و في تلك الفترة سيدخل الذهن العلمي طوراً جديدا، و ستصبح المعرفة العلمية نتاجا للحوار الجدلي بين الذهن من ناحية و التجربة من ناحية أخرى. فلا النزعة العقلانية الكلاسيكية المنغلقة، و لا النزعة الاختبارية السطحية و الساذجة، بإمكانهما تقصي علم علمية أو الإسهام في الريادة العلمي. هذا أن الواقع العلمي نحو باشلار ليس واقعا حسيا معطى على نحو مسبق، و إنما هو واقع يقوم الذهن ببنائه بأسلوب رياضية، و ليس واقعا مستقرا و ثابتا و إنما هو واقع متغير و متحول. و بالتالي فالتجربة بالمعنى الاختباري الضيق لا مقر لها في المعرفة العلمية المعاصرة

 

 التي تُبنى تشييد عقليا و رياضيا و يتكامل فيها الذهن مع التجربة العلمية.

       ■ أطروحة هانز رايشنباخ: المعرفة العلمية معقولة و ليست عقلانية.   على ضد اعتقاد غاستون باشلار، يُعد هانز رايشنباخ أن المصرح بالخبر الأوحد للمعرفة العلمية هو التجربة. فالعقل بمفرده قاصر و عاجز في نظره عن إصدار أي علم بالواقع الفيزيائي. و هو لا ينفذ إلى ذلك الواقع سوى عبر التجربة و بواسطتها. و بذلك المعنى فالمعرفة العلمية هي، في المقام الأول، علم تجريبية. و حتى إن وقع أن تدخل فيها الذهن، و كان له دورٌ في توجيه التجربة و استخلاص القوانين العلمية منها، فهذا لا يقصد بتاتاً أن المعرفة العلمية علم عقلانية و إنما هو يقصد لاغير أنها علم معقولة. فأن تكون المعرفة العلمية عقلانية معناه أنها تصدر أولاً و في النهاية عن الذهن. و ذلك يعيدنا في نظر رايشنباخ إلى التصور العقلاني الكلاسيكي الذي يجعل الذهن باعتبار مصدر وحيد و أوحد للمعرفة. أما المعرفة العلمية فهي تطبق الذهن و أحكامه على التجريب الذي يقوم على الملاحظة العلمية. و بهذا فهي علم معقولة (Raisonnable) و ليست علم عقلانية (Rationnelle). بمعنى آخر فإنها علم خاضعة للعقل بل مصدرها الأول و الأخير هو التجربة و ليس الذهن.   المحور الثالث: مقاييس علمية النظريات العلمية.   بصرف النظر عن أن عبارة “النظرية العلمية” تظهر بالغة الدقة، و تحيل على الميدان العلمي بالضبط، فإنها تنطوي على خطر التعميم. هذا أن العلم ليس واحداً و إنما نحن في مواجهة تعدد لا يمكن حصره لمجالات المعرفة العلمية، خاصة مع النزوع العلمي الدائم باتجاه تخصصات تغدو أكثر دقة و تمايزا  متى ما تقدمت المعرفة العلمية. و حتى لو كان بإمكاننا أن نتحدث عن قاعدة تجريبية توحد كل ميادين العلوم الدقيقة فإن التجربة، و أدواتها، و مناهجها، و الأسئلة النظرية التي ترافقها تتغاير من ميدان علمي إلى آخر. و بالتالي فما يمكن اعتباره صحيحا في ميدان علمي محدد يمكن أن يصير خاطئا في ميدان علمي آخر. و ذلك ما يفضي إلى التساؤل عن المقاييس التي يمكن أن تصلح لقياس علمية تلك النظرية العلمية أو هذه أو، ضد هذا، عدم علميتها. و هو التساؤل الذي شغل حيزا أيا كان في الإبستيمولوجيا المعاصرة. و سنتوقف بذلك الخصوص مع أطروحتين:   ■ أطروحة بيير دوهايم: التطابق مع التجربة كمعيار للعلمية.   ينتسب بيير دوهايم إلى التيار “الوضعي التجريبي” الذي لا يشاهد أي مقياس للحكم بعلمية، أو عدم علمية، نظرية محددة إلا التجربة في حاجز نفسها. فالنظرية العلمية في نظر دوهايم لا تُبنى سوى انطلاقاً من التجربة، و بواسطتها، و بالنتيجة فلا قيمة للنظرية العلمية سوى من حيث هي بلوَرة لعدد من القوانين التجريبية. و هي تكون علمية متى قد كانت متطابقة مع حصائل التجربة، و غير علمية متى بدا أنها مغايرة عن تلك الحصائل. يقول دوهايم: “الاتفاق مع التجربة هو الذي يشكل فيما يتعلق للنظرية الفيزيائية المقياس الأوحد للحقيقة”. و معنى هذا أن الحالة المجتمعية الطبيعية عامة، أو الحالة المجتمعية الفيزيائية تحديدا، تحكمها مجموعة من القوانين. و دور النظرية يتلخص لاغير في وصف تلك القوانين وصفا موضوعيا دقيقا دون تقديم أي توضيح لها، و دون أي مسعى لتعليلها، لأن التوضيح و التعليل ليسا ـ حسب تصوره ـ من مهمات الفيزياء، و لا من مهمات العلم على العموم، و إنما هو من صميم الميتافيزيقا.       ■ أطروحة ألبرت أينشتاين: التماسك المنطقي الداخلي للنظرية هو مقياس علميتها.   يُعد ألبرت أينشتاين أن التجربة لا يمكن أن تشكل معيارا للعلمية. لكن إن ما يحدد علمية النظرية العلمية، في نظره، هو تماسُكُها و انسجامُها من الناحية المنطقية. فالتجربة ليست هي المنطلق في إستيعاب الظواهر الطبيعية و إصدار المعرفة العلمية، و إنما هو الذهن الرياضي، و خصوصا في ميدان الفيزياء النظرية حيث يتم استخلاص الحصائل في محيط الاشتغال رياضيا على الحالة المجتمعية قبل الانتقال إلى فترة التجربة.   و حسب اعتقاد أينشتاين فإن التجربة هي التي ينبغي أن تكون عواقبُها منسجمة مع ما يتم التوصل إليه رياضيا و ليس الضد. و حتى إذا حصل أن اختتمت التجربة إلى حصائل غير مطابقة لما اختتم إليه الاستنباط المنطقي، فإن هذا ـ حسب أينشتاين ـ لا يقصد أن العواقب التي تم التوصل إليها رياضيا خاطئة، و إنما هو يقصد أن الأدوات التجريبية ليست متطورة بما يلزم لأجل أن تساير ما ينتهي إليه الذهن

 الرياضي، و أن عليها أن تتحسن أكثر.النظرية والتجربة

تقديم :  إذا قد كانت الطبيعة بمختلف ظواهرها تشكل موضوعا للعلم ، فإن العلم في حاجز نفسه ، من حيث مناهجه و نتائجه و تحولاته ، شكل موضوعا للفلسفة ، حيث  تخصص  فيه فرع من فروعها يسمى * الإبستيمولوجيا * و الذي اهتم بالدراسة النقدية للمعرفة عموما و العلوم خاصة ، و من ضمن ما اهتم به في دراسته للعلوم التجريبية  هو مفهوم * النظرية و التجريب * و ما يتعلق به من إشكالات الواقع و الذهن و المنهج و المفاهيم . و هي قضايا تطرق إليها الفلاسفة و تفرقوا إلى مذهبين إزاء الإشكال  الأساسي المتعلق  بمصدر المعرفة ، ماهو مصدر المعرفة هل الذهن أم التجربة ؟ حيث تزعم “رونيه ديكارت” المذهب العقلاني الذي ربح للعقل ، و تزعم  “فرانسيس بيكون”  المذهب التجريبي المؤيد للتجربة. و تطور ذلك المناقشة في القرن التاسع عشر  مع انفصال العلوم عن الفلسفة بموضوعاتها و مناهجها، حيث ظهرت نزعة اختبارية ترجح أساس المعرفة العلمية الى التجربة و المنهج التجريبي ، بل  سرعان ما ستصير متجاوزة بإجراء تحولات أفضت إليها الاكتشافات الحديثة  . فما هي التجربة و ما علاقتها بالنظرية ؟  و هل التجربة الحسية المباشرة هي مصدر النظرية العلمية أم أن مصدرها  هو التجريب العلمي المنظم ؟ و الى أي حاجز استطاع التجريب في استقلال عن الذهن اقامة نظريات علمية ؟ و ما امكانية اقامة عقلانية  علمية ؟ وما مقاييس تيقن عملية  النظريات العلمية ؟

   I.      التجربة و التجريب:

1- التجربة :  يمارس الناس جميعا التجربة أثناء حياتهم اليومية، بتصرف احتكاكهم المباشر بالواقع من خلال الحواس، إذ يتوصلون عادة إلى أفكار تدخل في مدى الحس المشترك و التمثلات العامية. و تتصف تلك الأفكار بالتلقائية و الذاتية و الخضوع للأحكام المسبقة و المتسرعة، إنها التقاط لما يتضح للعيان في الملاحظة المباشرة و الساذجة . فلا يمكن إدخال تلك التجربة في ميدان العلم، لأن نشأة العلوم كان بإبعاد  ذلك النوع من التجربة و تاسيس ممارسة ممنهجة و دقيقة تمر الطابع المباشر و السطحي و الذاتي للتجربة العادية، بالاعتماد على التجريب .
2- التجريب : ارتبط ظهور التجريب كممارسة علمية بتخصص كل معرفة بموضوع معين و منهج خاص  به ، حيث تأسست العلوم على نُظم و أخلاقيات ممنهجة تقود إلى حصائل مضبوطة .
فالطبيعة تحكمها قوانين لا تبدو على نحو أتوماتيك و مباشر للإنسان الا اذا اعتمد منهجا دقيقا  و منظما، و اشتغل بأسلوب مخبرية تمكن من عزل الحالة المجتمعية المدروسة و فرزها عن الأسباب المتشابكة حولها و التي تعوق علم قوانين  الحالة المجتمعية  على نحو جلي.
      لقد ظهر المنهج التجريبي في صيغته الكلاسيكية مع العالم الفرنسي * كلود برنار* ( 1813-1878) الذي انتفع من التكدس العلمي و التنظيمي الذي خلفه غاليلي و نيوتن و بيكون و ستوارت ميل. حيث وضع * كلود برنار* في كتابه ْالمدخل لدراسة الطب التجريبي ْ 1865. نُظم المنهج التجريبي في خطوات أربعة هي : الملاحظة و التجربة و الفرضية و التشريع.
أ‌- الملاحظة : هي أول خطوة منهجية في عمل العالم، تتغاير عن الملاحظة العادية لكونها لا تعتمد على العين المجردة سوى في حواجز ضيقة للغاية، و تكون في معظم الأحيان مجهزة بآلات و معدات علمية، يقول ك. برنار : < لكي تكون معاينة الظاهرة معاينة سليمة يستخدم الملاحظ كل الأدوات  التي من شأنها جعل ملاحظته للظاهرة ملاحظة أكثر شمولية > و يشترط في الملاحظة أن تكون موضوعية متعلقة بالظاهرة المدروسة بعيدا عن رغبات و ميولات الملاحظ الذي يلزم أن يكون كآلة تصوير تنقل بالتحديد ما هو حاضر في الطبيعة حيث يلزم أن يلمح دون أي فكرة مسبقة . تعد الملاحظة لحظة إصغاء موضوعية و محايدة ينتقل بعدها العالم إلى وضع الفرضيات، فما هي الفرضية ؟ و ما موقعها في المنهج التجريبي ؟

ب‌-   الفرضية : هي فكرة مؤقتة يقترحها العالم لشرح ظاهرة محددة، و تشكل استدلالا عقليا ينطلق من الملاحظة و يتولى قيادة إلى التجربة، فإذا شددت التجربة صحة الفرضية أصبحت قانونا و إذا تبين خطأها استبدلت بفرضية أخرى، يشترط في الفرضية أن تكون قابلة للتحقق التجريبي و نابعة من الظواهر المدروسة و لا تتناقض مع نفسها.

ت‌-   التجريب: هو الخطوة الثالثة من خطوات المنهج التجريبي، يقوم فيها العالم بالتدخل في الحالة المجتمعية المدروسة، أو يصطنعها في المختبر بادخار شروطها الرئيسية، و عزلها عن الأسباب و الاختلافات الأخرى، بهدف تحديد طبيعة الصلات بين الظواهر المتدخلة في إصدار الحالة المجتمعية المدروسة. ولإضفاء طابع الحتمية و الأهمية على عواقب التجربة، يشترط فيها أن تكون قابلة للتكرار  متى ما توفرت نفس المحددات والقواعد  المخبرية، و يتحقق فيها مفهوم العزل كي يتم المفاضلة بين أسباب الحالة المجتمعية المدروسة و غيرها، و احتمالية السيطرة على المحددات والقواعد التي تحدثها و إدخال محددات وقواعد حديثة، كما ينبغي أن تكون حصائل التجربة قابلة للتعميم على ظواهر من نفس النوع و تنتج في نفس الأحوال.
د- التشريع: هو – الرابطة الثابتة بين ظاهرتين أو أكتر – إذ يكون مقصد العالم من الملاحظة و الفرضية و التجربة ، هو علم هذه الرابطة الثابتة ، و تحديد المحددات والقواعد الموضوعية القائمة بين ظاهرتين أو أكثر.  و المتضافرة في إصدار الحالة المجتمعية المدروسة ، حيث متى توفرت نفس المحددات والقواعد نتجت عنها هذه الحالة المجتمعية، مثل تبخر الماء في حرارة مائة درجة ، فالتبخر كظاهرة طبيعية يمكن أن نحدثه في المختبر متى وفرنا شروطه الثالية : الماء+ حرارة مائة درجة. إذ يكون التشريع حتميا معبر عنه في صيغ فيزيائية  مثل :
H²Oالتي نعبر عن الماء.

IIالعقلانية العلمية:

          لقد أفضت العلوم المعاصرة في القرن العشرين إلى اكتشاف ظواهر و صلات ميكروسكوبية يصعب تحديدها كأشياء لها خصائصها  الفريدة الثابتة نسبيا، و يتعذر تعيينها في الزمن و الموضع، و ظهرت نظريات حديثة ( مثل نظرية النسبية لأنشتاين) لا تعتمد التجربة الإمبريقية بمفهومها الكلاسيكي، و لكنها تتوصـــل الى نتائجها من خلال المعادلات و الخطاطات الرياضية المجردة، فلم تعد التجربة مرجعا لأختبار صدق الفرضيات أو كذبها، و لا منبعا للنظريات، لأن النظريات أصبحت عبارة عن إنشاءات عقلية حرة.
    و من ذلك المنطلق شدد – ألبيرت اينشتاين – 1879  1955  أن الإبداع العقلي هو الأساس النظري للفزياء المعاصرة. فالنظرية هي سيستم تتكامل فيه المفاهيم و المبادئ الصادرة عن الذهن، و لا يكون للتجربة سوى دورا ثانويا يكمن في مطابقة القضايا الناتجة عن النظرية، و توجيه العالم إلى اختيار بعض المفاهيم الرياضية التي يوظفها، بينما أن الذهن هو الذي يعطي الإطار بنيته، على باتجاه رياضي خالص. إذ يقول اينشتاين : – ان المبدأ الخلاق في العالم لا يبقى في التجربة لكن في الذهن الرياضي –
لقد اقتضت وجوب التقدمات الطارئة في العلوم المعاصرة إعطاء الذهن  و التجريد الرياضي مكانة فريدة أمام النزعة الإختبارية الكلاسيكية ، مع هذا سيضل التجريب حاضرا بشدة في مناهج العلوم، الأمر الذي فرض وجوب العثور على محيط نظري يحدد الرابطة بين التجربة /الواقع و  النظرية / الذهن. و في ذلك التوجه أتى  الإبستمولوجي الفرنسي * غاستون باشلار*   بمفهوم العقلانية المطبقة ، و هي عقلانية يتم فيها تركيب دقيق بين الذهن و الواقع، فالتجربة كما تصورتها المذاهب التجريبية كمصدر وحيد للبناء النظري للعلم أصبحت متجاوزة، و الذهن كما تصورته العقلانية الديكارتية كمستودع للأفكار قبلية، معزولا عن الواقع بذاتة صار طرحا  متخطيا ايضاً. لأن العقلانية العلمية هي عقلانية مطبقة لا ينفصل فيها الشغل التجريبي عن النشاط العقلي، حيث يتحدد الذهن العارف مشروطا بوضوح معرفته لأجل أن تكون النظرية العلمية نتاج حوار دقيق ووثيق بين الذهن و الواقع.

 II– مقاييس علمية النظريات العلمية:

    في مواجهة تعدد النظريات بتعدد حقول المعرفة و تقاربها أو تقاطعها، و في مواجهة انهيار النموذج الكلاسيكي للمنهج العلمي، طرح السؤال، ما مقاييس علمية النظريات العلمية ؟     1-) مقاييس التناسق المنطقي:
يشاهد * دوهيم
duhem* (1861-1916)  أن النظرية الفزيائية هي ” سيستم من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد ضئيل من المبادئ” إذ أن تناسب النظرية مع الفحص  الرياضي عموما هو احد المقاييس التي تؤكد عمليتها ، و لهذا يشترط فيها أن تكون الفرضيات و التعريفات التي تنطلق منها معينة على نحو جلي، و أن تخضع لتناسق منطقي بتبجيل مبدأ عدم التناقض سواء بين حواجز كل فرضية، أو بين الفرضيات المعتمدة في النظرية ككل، كما يشترط في النظرية مقياس التناسق بين مغاير المبادئ و الفرضيات التي تقوم عليها حسب نُظم الفحص الرياضي، و تتخذ التجربة في الأخير لأجل أن تقارن مع القضايا المستنبط رياضيا ، للتأكد من نطاق صحتها أو خطأها.

       2-) مقياس تعدد الامتحانات:

 إن فاعلية النشاط العلمي هي فاعلية دينامية  و شاملة ، تتجدد معها النظريات و المفاهيم و تتغير معها نظرة الإنسان إلى الذهن و الواقع، و لما كان استمرار العلم متعلق بتجدد تصوراته و نتائجه، يشاهد ” بيير تويليي” أنه وجب على العالم لأجل أن يحقق عملية نظريته أن يخضعها دائما إلى فرضيات إضافية و أن يكرر اختباراته لأجل أن تحافظ من ناحية على تماسكها المنطقي الداخلي ، و كي تطلع أيضاً من عزلتها التجريبية بانفتاحها على فروض نظرية حديثة. فتعدد الإمتحانات هو مقياس  عملية النظرية و علامة قوتها .

3-) مقياس القابلية للتكذيب/ التزييف:

  قدم ” كارل بوبر ” تصورا يمر مفهوم الحتمية الذي عرفته الفيزياء الكلاسيكية ، مؤكدا أن مقياس عملية النظريات العلمية لا يتحدد فيما تقدمه من يقينيات و حتميات بمقدار ما يتحقق قي قابلية هذه النظرية للتفنيد و التكذيب، و أن تضل مفتوحة على فرصة الإمتحان مرة أخرى. فالطابع التركيبي و الشامل للنظرية الذي يتخطى حواجز التجربة و لا يستكفي بنتائجها، يجعل من المتعذر التيقن من صدق أو كذب النظرية بواسطة التجربة، لهذا فمعيار الحكم على النظرية بأنها علمية، هو قابلية منطوقها و بنائها النظري للتفنيد أو التكذيب . فعلى النظرية أن تقدم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها نفسها.
 مع تحيات موقع تفلسف
tafalsouf.T35.Com

2-تجهيز :   عبد الخالق السلواني، عبد الحفيظ الريح، لحسن عبود.

تـــقـــديـــم

يعني بالمعرفة كل تشييد تنظيمي يعتمد على إمكانيات عقلية ومهارات فكرية، ويحدث ذلك التشييد من قبل الذات في علاقتها بالموضوع، وعليه فكل تشييد معرفي هو حصيلة لتلك الجدلية القائمة بين الذات والموضوع ومعيار تق ÿÿ;يمه م&#ÿÿ78;نوع، من الممكن أن يكون الواقع وربما يكون الفكر النظري أو هما سويا، وتنقسم المعرفة إلى علمية وغير علمية، فالأولى تخضع لبناء إستنباطي يحكمه الاتساق والإنسجام بين مقومات وقوانين نظريته، والثانية هي كل علم ناتجة عن التمثل المشترك، وتفتقد لخصوصية التشييد الممنهج ونموذجها السحر، الشعوذة…

تحديد ميدان المفهوم:

تعتبر النظرية تشييد فكري إستباطي يحكمه الاتساق والإنسجام، يعتمده العالم الباحث للإجابة عن مجموعة من الطروحات والفرضيات التي تشكل موضوع إهتمامه، وتتصل النظرية ايضاً بالممارسة والتطبيق وبالمجال العلمي على العموم، وفي كلتا الحالتين تأخذ النظرية معنى، إصدار فكري تركيبي وصفي موجه للتطبيق والتأثير في الواقع، وبهذا فهي تحمل العديد من أبعاد، بعد واقعي يهم الموضوع الذي تضطلع بـ وصفه، وتفسيره وبعد تقني يتعلق بمجموع الممارسات والعمليات التي تحيط بإنتاجها، ثم بعد قيمي يرتبط بمدى صدقها وتماسكها. بمقابل ذلك التحديد للنظرية يمكن التساؤل ما التجربة؟
يوميء لفظ التجربة، إلى ميادين عديدة ومتنوعة، فهي تشمل المعارف والخبرات التي يكونها الإنسان في علاقته المباشرة بالواقع، كما تعني اكتساب التمكن من الإتقان، أما في ميدان المعرفة العلمية فتعتبر الكيفية الرئيسية التي يلجئ إليها العالم التجريبي لمعرفة القوانين المتحكمة في الظواهر.
من ذلك المنطلق، يُعد مفهوم النظرية والتجربة مفهوم متراكب وإشكالي، فما إشارة كل من النظرية والتجربة؟
 من الإشارة إلى المشكلة:
يحمل مفهوم النظرية في التمثل المشترك معاني القول والحكم والرأي، والنظرية حسب ذلك التمثل تكون إما سلبية أو موجبَة، سلبية إن لم يسندها الإجراء والعمل وإيجابية إذا تحولت إلى وسيلة للفعل والعمل وجلب المنافع، وبهذا يتبين أن التمثل المشترك ازدرى التنظير واحتقره، الأمر الذي يبرز نطاق قصوره ومحدودية أفقه.

وبالانتقال إلى الميدان اللغوي العربي نجد أن لفظ النظرية اشتق من كلمة البصر التي تفيذ الرؤية الحسية العيانية، أما اصطلاحا وفي لسان العرب لإبن منظور تفيد النظرية معنى المركز والنظام؛ “مركز أمور معلومة على وجه يقود إلى إستعلان ليس معروف”. في حين في اللسان الفرنسي نجد كلمة نظرية théorieاشتقت من العبارة الإغريقية théoria التي تعني البصر والمشاهدة الحسية، إضافة إلى استعمال التأمل العقلي. وعلى المستوى الفلسفي اعتبر لالاند أن النظرية باعتبار “تأسيس تأملي للفكر،يربط عواقب بمبادئ”، ليستخلص من ذلك التعريف أن النظرية عقلية، وبالتالي فهي تلتقي مع الممارسة والتطبيق.

أما مفهوم التجربة فيحمل في التمثل المشترك معاني الإحتكاك والإرتباط بالواقع التي تسمح للشخص، باكتساب خبرة محددة في ميدان محدد، (تدريس، تشييد……) أما في الميدان العلمي فتعني القيام بخطوات ممنهجة من طرف العالم لإستنباط القوانين المتحكمة في الحالة المجتمعية المدروسة، وتعني نحو كلود برنار؛ ملاحظة من الدرجة الثانية، أما نحو لالاند فيفيد لفظ التجربة “بمعنى عيني وتقني أكثر؛ إجراء الإمتحان”.
من تلك الدلالات المتباينة والمختلفة، يتبين إلى أي حاجز يُعد مفهوم النظرية والتجربة معقدا وإشكاليا، وذلك ما يحفزنا على تهييج التساؤلات الآتية:
هل هناك تداخل بين النظرية والتجربة؟ وما رابطة تلك الأخيرة بالتجربة؟ وما دور كل من الذهن والنظرية في بلورة النظرية العملية؟ وماهي مقاييس صحة النظريات العلمية؟.

المحور الأول: التجربة والتجربة.

لقد شكلت التجربة الخام والملاحظة العامية في تاريخ العلوم مانعا إبستيموجيا حال دون تقدم المعرفة العلمية، بل وبفضل مجهودات مجموعة من العلماء الذين عملوا على تشييد نظريات علمية فريدة عن بادئ الرأي والحس المشترك، الذي ينتج عن التجربة الحسية المباشرة، والخبرات الذاتية، أما النظريات العلمية فتقوم على التجريب العلمي، ذلك الأخير حسب كويري عبارة عن مساءلة منهجية للطبيعة لائحة على لغة رياضية.
إضافة إلى ذلك ذلك، يقترح كلود برنار جملة من المحددات والقواعد التي ينبغي توفرها في العالم التجريبي، والتي يعتبرها لازمة في بلوغ التجربة العلمية، وأكثر من ذلك نجده يميز بين الملاحظ والمجرب، على الصعيدين النظري و العلمي، فعلى المستوى النظري؛ إن الملاحظ لايستدل أما المجرب فيستدل على الوقائع المكتسبة أما على المستوى العلمي لايمكن التفريق بينهما، لأن الباحث هو ذاته الملاحظ والمجرب.
فالنظرية إذن ليست شيئا آخر، عدا التجربة العلمية الرصد من طرف التجربة غير أن التجريب
وحده في بعض الأحيان يوجد عاجزا عن إكتشاف العوامل الحالة المجتمعية، لهذا يقترح روني طوم، إنهاء الواقعي بالخيال كتجربة ذهنية، لايمكن لأي جهاز آلي أن يعوضها.
نستنتج الأمر الذي تقدم، أن التجربة بمفهومها العلمي، لعبت دورا أيا كان في تشييد المعرفة العلمية وفي الوقت نفسه، إحراز قطيعة إبستيمولوجية مع التجربة بمفهومها العامي، كما عملت على تهييج جملة من التساؤلات أهمها: ما هي الأساسيات التي تقوم عليها كل من العقلانية الكلاسيكية والمعاصرة؟.

المحور الثاني: العقلانية العلمية:

إن الخوض في العقلانية العلمية يدفعنا بالضرورة إلى المفاضلة بين تصورين لتلك العقلانية، أحدهما يقوم على دشن عقلانية كلاسيكية تمتاز بالثبات والإنغلاق والآخر يقوم على دشن عقلانية معاصرة، قوامها الإنفتاح والتغير كما يشاهد باشلار، ومنه نتساءل؛ هل العقلانية العلمية قيد وإنغلاق أم حرية وإنفتاح؟ وبتعبيرآخر، هل هي مؤكد ومحتوى،أم نشاط وفعالية؟
إن إرتباط ميلاد الذهن الجديد بالشك الديكارتي وبالنقد الكانطي، لم يمنع فلاسفة تلك الفترة، أسوة باليونانيين، أن ينظروا إلى الذهن نظرة مطلقة ثابتة، غير أن الذهن حسب ج.ب فيرنان، يوجد في الأول والأخير عبارة عن ظاهرة بشرية خاضعة لشروط تاريخية تفرض عليه وبالضرورة، التقلب والتغير حسب تلك المحددات والقواعد، وعليه فإن الذهن محايث للتاريخ البشري في جميع معدلاته، وهكذا لايمكن القول بوجود اعتقاد مطلق للعقل، وفي نفس الطرح يشاهد محمد أركون أن الذهن البشري سيرورة من التقدمات، اعتبارا من الذهن القروسطوي اللاهوتي الذي كان يغلب عليه طابع التوضيح الديني، مرورا بالذهن الجديد الكلاسيكي، المبني على اليقينيات المطلقة، وصولا إلى الذهن النسبي الذي يؤمن بالتقدم والتطور.
أما صاحب النظرية النسبية أ.إينشطاين فيؤكد على ضرورة التشييد الرياضي الخالص في إكتشاف القوانين التي تسمح باستيعاب الظواهر الطبيعية، فالمبدأ الخلاق حسب تعبيره يبقى في الذهن الرياضي.
تشييد على ذلك، فقد بات الذهن العلمي المعاصر يمتاز بالنشاط والفعالية حسب أولمو وباشلار، فهذا الأخير يمنح الضرورة للحوار بين الذهن والتجربة في تشييد المعرفة العلمية، فلم يعد بهذا الذهن منعزلا في تشييد مفاهيمه وطروحاته العلمية، لكن لا مفر من يقين في ظل الواقع في قبضة الذهن، ويقين بأن الحجج العقلية المتعلقة بالتجربة هي من صميم لحظاتها. فهذا اليقين المزدوج رئيسي لقيام التجربة.

من ناحية أخرى، وجه بعض الإبستيمولويين المعاصرين البحث في جانب آخر، حيث تحليل رايشنباخ رابطة العقلانية العلمية بالنزعة المثالية، فاستنتج أن كل علم تترفع وتتعالى عن الملاحظة والتجربة هي علم روحية تأملية، أكثر قربا إلى التصوف منه إلى العلم، لأنها تتعالى عن أكثر أهمية خاصية في العقلانية العلمية، ألا وهي التجربة. وفي محيط الجديد عن مواصفات العقلانية التجريبية، يشاهد روبير بلانشي أن تلك العقلانية ليست لها نزعة إختبارية تعكس معطيات التجربة على نحو آلي ميكانيكي، كما أنها ليست منظومة من النُّظُم الثابتة.
إنطلاقا من ذلك التعدد في المواقف نخلص إلى أن العقلانية المعاصرة المنفتحة ليست وليدة الصدفة، لكن حصيلة لسيرورة من التراكمات والتحولات التي عرفعها الزمان الماضي البشري، الأمر الذي يفتح الميدان في مواجهة طرح مشكلة صحة مقاييس النظريات العلمية.

المحور الثالث: مقاييس علمية النظريات العلمية.

لقد أدى تعدد المناهج العلمية والمقاربات المتباينة للموضوع الواحد إلى تعدد مقاييس صحة النظريات العلمية وكذا تفاوت مواقف العلماء والابستمولوجيين، فما هي أكثر أهمية تلك المقاييس؟ وماهي أكثر أهمية الإختلافات المتواجدة بينها؟
يشاهد عالم المناظر الحسن بن الهيثم، أن للنقد مهنة رئيسية لبناء المعرفة العلمية، مؤكدا على أنه ينبغي على كل ناظر في كتب العلماء أن يموقع ذاته كخصم لكل ما ينظر فيه، فلا يتحامل عليه ولا يتسامح معه.
إضافة إلى ذلك، يوضح دوهايم أن مقياس صدق وصلاحية النظرية العلمية يفتقر حضور توافق بين القرارات والقوانين التجريبية، إذ إن “الإتفاق مع التجربة هو الذي يشكل فيما يتعلق للنظرية الفيزيائية المقياس الأوحد للحقيقة”، غير أن ذلك التأكد التجريبي من إتجاه نظر توييلي، لايعطي شواهد قاطعة، مؤكدا على وجوب تنويع الامتحانات التجريبية، والمقارنة بينها، لأن تأكيدات التجربة تكون جزئية ومعرضة باستمرار للمراجعة، ومن ثم فالإختبارات المتنوعة لازمة لإخراج النظرية من عزلتها وربطها بنظريات أخرى.

غير أن التجربة بالمعنى الكلاسيكي، لم تعد تمثل منبع النظرية، ولم تعد قيمة النظام تستند على التطابق الحاصل بين معطيات التجربة و عواقب النظرية. فكيف نستطيع القول بعلمية النظرية الفيزيائية؟

جوابا على ذلك السؤال يشاهد إينشتاين، أن التشييد الرياضي المخصص هو الذي نستطيع من إكتشاف المفاهيم والقوانين، فالمبدأ الخلاق حسب ذلك العالم، يبقى في الرياضيات، أما كارل بوبر فيرى أن مقياس صحة النظريات العلمية، هو القابلية للتكذيب، تلك الأخيرة هي التي تميز بين النظرية التجريبية والنظرية اللاتجريبية، فما دمنا لا يمكننا وصف كيف يجيء التنفيذ لنظرية ما، فإنها تعد خارج ميدان العلم التجريبي، لكنها تبقى غير فارغة من المعنى أو كاذبة، لأن مقياس القابلية للتكذيب يمكن أن نطلق عليه القابلية كإختبار ماكينة لتبيان النقص والخلل فيها، ومن ثم فالنظرية التي لا نقص وخلل فيها توجد نظرية غير قابلة للاختبار.
تلك القابلية تتجاوز بخطوات رئيسية يحددها بوبر في ما يلي:
1-   إتساق العواقب وتماسكها.
2-   صورنتها منطقيا ليتبين هل هي علمية أم تيولوجية.
3-   مضاهاة النظرية قيد البحث مع نظريات أخرى ومعرفة هل أحرزت الأولى تقدما بالمقارنة مع النظريات الأخرى.
4-   القيام بتطبيقات تجريبية على بعض العواقب المستخلصة من هذه النظريات، ذلك التصرف الأخير هو فعل إستنباطي.
نستخلص من تلك المواقف والأطروحات، أن أي نظرية علمية هي حوار دائم بين التشييد الرياضي ومعطيات التجربة، بل ذلك المحادثات لا يحسم في تركيب على نحو ختامي، فعلاقة النظرية بالتجربة رابطة متحركة متغيرة، والعلم المعاصر لا ينظر للعقل البشري باعتباره إناء أو حاوية يحتوي على مضامين أو أفكار أولية ( أرسطو، ديكارت،لايبنيتز) أو باعتباره مشكلا من مقولات معينة (كانط)، لكن باعتباره نشاط وفعالية، ولعل ذلك ما يجعل من الصعوبة –  كما عبر باشلار- على أي إيبستيمولوجيا أن “تصف بنية ختامية للفكر العلمي…

النظرية و التجربة

يتحدد المجال الإشكالي لمفهوم النظرية والتجربة داخل الحقل الخاص ببناء النظريات العلمية في العلوم التجريبية. و يطرح هذا الحقل مشكلات إبستيمولوجية و فلسفية أساسية تتمحور بخصوص علاقات و مفاهيم متوترة مثل: العقل والواقع، الذات والموضوع، النظرية والتجربة. إذا كان العقل و التجربة مكونين أساسيين في بناء النظرية العلمية، فما هو الوضع الذي يأخذه العقل في هذا البناء؟ كيف يواجه العقل عالم التجربة داخل هذا الإشكال الكانطي بخصوص علاقة العقل بالتجربة يمكن طرح الأسئلة التالية:
+ ما الوضع الذي يأخذه التجريب في بناء النظرية؟
+ هل يشكل التجريب أساس النظرية و منطلقها؟
+ ما معيار علمية نظرية ما؟
+ ما العلاقة إذن بين النظرية و التجربة في المعرفة العلمية؟
قضايا و أطروحات:

أ‌- التجربة والتجريب:

كلود برنار: يجمع العالم التجريبي بين شروط العلمية و مبادئ التجربة عندما يخضع الفروض لمبدأ التأكد. فالعلم التجريبي يبني قوانينه تبعا لخطوات منهجية ونظرية ضرورية.
روني طوم: لا يشكل التجريب العلمي في معناه التقليدي مقوما وحيدا في شرح الظواهر، بل لابد من اعتبار عنصر الخيال و إدماجه في عملية التجريب. إن الخيال هو تجربة ذهنية تمنح للواقع غنى.
ب‌- العقلانية العلمية:
ألبير إنشتاين: إن المفاهيم و المبادئ التي يتكون منها النسق النظري للعلم ( الفيزياء مثلا) هي إبداعات حرة للعقل الرياضي و تشكل الجزء الأساسي من النظرية العلمية.
غاستون باشلار: إن العقلانية العلمية المعاصرة هي عقلانية فلسفية مطبقة تقوم على يقين مزدوج يوجه النشاط العلمي التجريبي و يجعله مشروطا بحوار جدلي بين ما هو عقلي و ما هو واقعي.
ج- معايير علمية النظريات العلمية:
تويليي: إن الذي يضفي على نظرية علمية ما قوتها العلمية وتماسكها المنطقي هو تلك الفروض الإضافية و الاختبارات المتعددة التي تخرج النظرية من عزلتها و تربطها بنظريات أخرى.
كارل بوبر: إن النظرية العلمية التجريبية الأصلية هي التي تستطيع أن تقدم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها و تبرز نقط ضعفها، و تخضع، بصفة قبلية، فروضها لمعيار القابلية للتنفيذ أو التكذيب.

مفاهيم و علاقات:

تأخذ التجربة، في مجال العلم، دلالة خاصة، إنها لحظة مصطنعة و موجهة بأسئلة و مؤطرة بفروض نظرية: إنها تجريب يحتاج من العالم أن يكون ملما بمجموعة من الشروط و المبادئ المنهجية و النظرية. إن التجريب هو عبارة عن خطاطة نظرية مثلى، إذا اشتغل العالم بمقتضاها، فإنه يتوصل إلى معرفة القوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية. لكن هذا المجهود الذي يقوم به العالم لتقديم تفسير الظواهر لا يبقى سجين خطوات المنهج التجريبي في صورته الكلاسيكية، لأن العالم يصوغ فرضياته ضمن إشكالية علمية و نظرية توجه أسئلته، فيبدع كيانات خيالية يستطيع التحقق منها في ذهنه و ليس باستمرار في الواقع.
من الخطأ الاعتقاد أن التجربة مجرد ملاحظة للواقع ، و أن نظرية تأمل ذهني خالص، فالمفاهيم و المبادئ المكونة للأنساق العلمية هي كيانات يبدعها العقل البشري، وتشكل الجزء الأساسي في النظرية، لذلك يمكن القول إن العقلانية العلمية هي عقلانية مبدعة تبتكر مفاهيمها و أدواتها من العقل الرياضي، ومن ثمة يكون المعطيات التجريبية تابعة للعقل.
غير أن العقل الذي يتخلص من هيمنة الواقع و من حبال التجربة، لابد له من أن يعود إليها لإضاءتها بأدوات و مناهج. لم تعد التجربة، كما تصورها النزعة الاختبارية، تتحكم في البناء النظري للعلم، كما لم يعد العقل، كما تصورته النزعة العقلانية المغلقة، مكتفيا بذاته و معزولا عن الواقع. إن العقلانية العلمية هي عقلانية فلسفية مطبقة، إذ لا يمكننا فهم عمل العلم و إدراك قيمته الفلسفية إلا في ضوء فهم العلاقة الجدلية بين العقل و الواقع. ففي عالم تتصارع فيه النظريات، يعمل على العالم أن يبني نظريته بين نظريات علمية أخرى، لذلك تلتجئ النظرية إلى الفروض الإضافية و الاختبارات المتكررة لتحافظ من جهة على تماسكها المنطقي الداخلي، و لكي تخرج ايضاًً من عزلتها بانفتاحها على فروض نظرية جديدة. إن تعدد الاختيارات هو معيار علمية النظرية و علامة قوتها.
غير أن الطابع التركيبي و الشامل للنظرية يجعل من المتعذر التأكد من صدقها أو كذبها بواسطة التجربة، لذلك فمعيار الحكم على علمية نظرية ما هو قابلية منطوقها و بنائها النظري للتنفيذ أو التكذيب. فعلى النظرية العلمية الأصيلة أن تقدم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها. عليها أن تكون معرضة للخطأ و التكذيب أفضل من أن تكون في يقين دائم . فلا علم بدون أخطاء.

تركيب:

• إن تأمل تاريخ اشتغال مفهومي النظرية و التجربة في العلم التجريبي، بالرغم من إدراكنا لبعض علاقات التوتر و الصراع بينهما، يكشف لنا عن تداخلهما و تكاملهما الضروريين، فهما يكونان معا النظرية العلمية التجريبية.
• ساهم الحوار بين النظرية و التجربة في العلم في إعادة صياغة مفاهيم فلسفية و علمية أساسية مثل مفاهيم: العقل و الواقع، و الذات، و الموضوع، و التجربة، و الخطأ، و الكذب، و اليقين…
• لا وجود لنظرية علمية عقلية خالصة، ولا وجود لتجربة مستقلة عن العقل.
• إن انغلاق النظرية على ذاتها هو فناؤها، كما أن انغلاق العقل على ذاته هو عزلته و نهايته

-النظرية و التجربة. -علمية العلوم اإلنسانية)خاص بشعبة اآلداب( -الحقيقة. لم يكد اإلنسان يفرغ من األسئلة المتعلقة بوضعه حتى ظهرت له أسئلة أخرى، تتعلق ب”المعرفة”،أي معرفة العالم المحيط به من خالل السعي نحو فهم العلل و األسباب الثاوية وراء وقوع ظواهره. إن المعرفة هي العملية )النشاط العلمي( التي بواسطتها يستطيع العالم تفسير ظاهرة طبيعية و فهم قوانينها و تسخير النتائج لخدمة اإلنسانية و قد واجهت العلماء مجموعة من العوائق فرضت عليهم االعتماد على مجموعة من اآلليات كالنظرية و التجربة. كما سيكتشف اإلنسان أن العالم ال يضم فقط مواضيع طبيعية بل أيضا إنسانية ستهتم بدراستها مجموعة من العلوم اإلنسانية كعلم النفس و االجتماع. و تبقى الحقيقة غاية كل من العلوم الحقة و العلوم اإلنسانية. مفهومي النظرية و التجربة. يتأسس حقل المعرفة العلمية على وجود ترابط وثيق بين النظرية و التجربة، ذلك أن الظواهر العلمية ال تخضع للعفوية و االعتباطية و إنما للدقة و الصرامة. لذا هناك فرق كبير بين التجربة و التجريب كما أن هناك اختالف بين العلماء فيما يخص أولوية النظرية)المنهج العقلي( أو أولوية التجربة العلمية)المنهج

 التجريبي(. هذا االختالف يخص أيضا المعايير التي تسمح من التأكد من علمية و صدقية النظريات. – فما الفرق بين التجربة

 التجريب؟ و هل يجب االعتماد في البحث العلمي على التجربة أم التجريب؟ – و هل األولوية و األسبقية تكون للنظرية أم للتجربة العلمية؟ – و أخيرا، من يحدد صدقية و علمية النظريات العلمية،هل المنهج التجريبي أو القابلية للتكذيب أم االنسجام المنطقي؟ المحور األول: التجربة و التجريب: يجب التمييز بين التجربة الحسية العفوية و التجربة العلمية التي ننعتها بالتجريب. التجربة هي معارف و خبرات نكتسبها من خالل تفاعلنا مع محيطنا الخارجي، إنها انطباع حسي ال ينتج معرفة علمية بل األكثر من ذلك يعيق تكونها فحسب “”ألكسندر كويري” شكلت التجربة عائقا أمام تبلور النظريات العلمية. بالنسبة ل” “فردناند ألكيي”، التجربة معطاة وليست مبنية تتقبلها الذات و تخضع لها بشكل سلبي من دون تدخل الفكر بينما التجريب تجربة علمية موضوعية مبنية فالذات العارفة تقوم بإخضاع المعطى الواقعي لصالحها وتعمل على استنطاقه وبناء معرفة بصدده عن طريق تدخل الفكر. فالتجريب بالنسبة “ألبير جاكار” يعبر إذن عن تلك العمليات التي يقوم بها العقل، بواسطة أدواته العلمية، من أجل السيطرة على المعطيات الحسية واستنطاقها والربط بينها وفق شروط معينة، وصوال إلى إنتاج نظريات علمية. يقول “”ألكسندر كويري” في هذا الصدد التجريب مساءلة منهجية للطبيعة، يعتمد فيها على لغة رياضية وهندسية قادرة على قراءة كتاب الطبيعة وتحديد العالقات الثابتة بين ظواهرها. المنهج التجريبي : “كلود برنار” نموذجا. معنى عام ، فالتجربة تحيل إلى ما يسمى بالخبرة اإلنسانية التي يعيشها اإلنسان في الواقع وبكيفيات مختلفة . نتحدث عن تجارب سياسية وعاطفية ودينية وتاريخية. التجربة العلمية التي تتم وفق أدوات ومناهج علمية خاصة، وهذا المعنى األخير هو ما يشير إليه مفهوم التجريب العلمي. التجربة التجريب يقول “كلود برنار” : ” الحادث يوحي بالفكرة، و الفكرة تقود إلى التجربة و توجهها، و التجربة تحكم بدورها على االفكرة”. من خالل هذه التجربة يتبن لنا أن العالم التجريبي يبدأ بمالحظة الحوادث أوال ثم يقترح فرضية هي عبارة عن

 فكرة يحاول أن يشرح بها تلك الحادثة و لكي يتحقق من صوابها يرجع إلى الحادثة من جديد يراقبها ليالحظ في الوقت ذاته مقدار

 مطابقتها للنظرة الشارحة. فإذا أتبتث التجربة صدق الفكرة تصبح قانونا و إذا كذبتها يستبدلها بفكرة أخرى. إن الجريب هنا خطوة مهمة حيث يسمح بإعادة إحداث ظاهرة ما داخل المختبر وفق مجموعة من الشروط بهدف دراستها و الوصول إلى بناء معرفة حولها ، الوسيلة الوحيدة التي يلجأ إليها العالم ليتحقق من الشروط المتحكمة في الظواهر الطبيعية. للتجريب مجموعة من المزايا يمكن اختصارها في : إمكانية تكرار التجربة، تغيير شروط التجربة، عزل الحوادث. حدود المنهج التجريبي: “روني طوم” نموذجا. رغم مزايا المنهج التجريبي فهو ال يخلو من مجموعة من النواقص. فالتحوالت التي عرفتها العلوم الحقة، و خصوصا الفيزياء المعاصرة و خاصة مع اكتشاف “الميكروسكوب”، جعت مفهوم الواقع يفقد معناه المباشر. فبعدما كانت الظواهر الماكرو فيزيائية أو الماكروسكوبية القابلة للمالحظة العلمية و بخضوعها لعالقات ثابتة و قوانين حتمية بسبب تكرارها المنتظم بحيث تسمح بإمكانية التجريب و التنبؤ بالوقائع الممكنة فإن اختراع الميكروسكوب سوف يؤدي إلى اكتشاف واقع الذرة، أي العالم الالمتناهي في الصغر عالم االلكترونات 

 

 البروتونات. فااللكترون و بسبب سرعته العالية و دقته ال يقبل المالحظة الدقيقة حتى بأدق اآلالت مما سيؤدي إلى استحالة التجريب ألنه

  يمكن قياس موقع االلكترون و سرعته في آن واحد، ألن القياس الدقيق ألحدهما سيكون عل حساب الخطأ في قياس اآلخر. الشيء الذي سيؤدي إلى تعليق مبدأ الحتمية و اعتماد مبدأ االحتمال و خاصة في الفيزياء النظرية المعاصرة. يقول “روني طوم” في هذا الصدد: ” إن التجريب وحده عاجز عن اكتشاف سبب أو أسباب ظاهرة ما، ففي جميع األحوال ينبغي إكمال الواقعي بالخيالي. هذه القفزة نحو الخيالي هي أساسا عملية عقلية ذهنية ال يمكن ألي جهاز آلي أن يعوضها”. و على هذا األساس يؤكد روني طوم أنه في المستويات الدقيقة أي الواقع الميكروسكوبي التجريب عاجز لوحده على اكتشاف أسباب الظواهر و القوانين المتحكمة فيها، لذا من الضروري إكمال الواقعي بالتفكير العقلي كما هو الحال في الفيزياء الذرية. المحور الثاني: العقالنية العلمية. تأطير إشكالي: إن الحديث عن العقالنية العلمية هو في الواقع حديث عن العالقة بين ما هو عقلي) نظري و مجرد( و ما هو تجريبي)إختبار و واقعي( و هي عالقة متداخلة بحيث ال يمكن للعلم أن يستغني عنهما. لكن هناك من أعطى األسبقية و األولية ألحد المنهجين على حساب المنهج اآلخر. لقد تباينت التصورات بصدد الشكال السابق بحيث يمكن أن نميز بين ثالثة تصورات متباينة و هي: النزعة العقالنية الصورية: “ألبير إنشتاين” نموذجا. سيشهد القرن 02 مجموعة من االكتشافات العلمية أدت إلى ميالد عقالنية علمية جديدة خاصة مع الفيزياء النظرية، التي تؤمن أن حل مشكالت الفيزياء النظرية يتوقف على االتجاه كليا نحو العقل و إعطاؤه األولوية و األسبقية. من هنا سيؤكد “إنشتاين” على أن التجربة العلمية لم تعد كما تصورتها النزعات التجريبية مصدرا للمعرفة في الفزياء المعاصرة بل إن التفكير النظري- الرياضي هو الذي أصبح يتحكم في مسار بناء هذه المعرفة من خالل العقل الذي يمارس فعاليته النظرية و المنطقية حيث يستنبط النتائج من من البناء النظري دون أن يكون في حاجة مسبقة و مشروطة للتجربة. إذن فإن العقل الحر العلمي األكسيومي بكل ما يتميز به من تجريد و منطق، قادر على إنشاء نظرية في الفيزياء المعاصرة. يقول “إنشتاين” في هذا الصدد:” إن المبدأ الخالق ال يوجد في التجربة بل في العقل الرياضي”. النزعة العقالنية التجريبية: “رايشنباخ” نموذجا.

 

 يرفض “رانشباخ” أن تؤدي المذاهب العقلية بمختلف أشكالها القديمة )المثالية األفالطونية( أو الحديثة )العقالنية الديكارتية( إلى معرفة

 علمية صحيحة و معقولة ، ألن هذه المذاهب تعتمد على العقل كقوة يتم بها اكتشاف القوانين العامة للعالم الفزيائي و الحال أن المعرفة العلمية يتم التوصل إليها باستخدام مناهج علمية معقولة تنتهي باستخدام العقل المطبق على مادة المالحظة و هذا يعني أن المالحظة التجريبية هي المعيار الوحيد للحقيقة العلمية . النزعة العقالنية المنفتحة: “غاستون باشالر نموذجا”. ينتقد “باشالر” النزعة التجريبية التي اعتقدت أن التجربة العلمية هي مصدر بناء النظرية العلمية، كما اتنقد النزعة العقالنية التي تصورت أن العقل لوحده قادر على بناء المعرفة بشكل معزول عن التجربة. و في هذا الصدد يقول ” ال توجد عقالنية فارغة، كما ال توجد اختبارية عمياء”. فهناك عالقة جدلية و حور دائم بين العقل و التجربة ما دام أن أحدهما ال يستطيع أن يشتغل دون اآلخر فعن طريق العقل تبنى النظرية و التجربة نتأكد من صدقها أو كذبها. المحور الثالث: معايير علمية النظريات العلمية. 1 -أنظر المعيار العقلي )المعيار الصوري( تصور ألبير انشتاين. 2 -أنظر المعيار التجريبي )المعيار المادي( تصور كلود برنار. 3 -أنظر درس الحقيقة المعيار البرغماتي تصور وليام جيمس 4 -معيار قابلية التكذيب ، كارل بوبر. عرض كارل بوبر معيار القابلية للتكذيب باعتباره معيارا لصحة النظريات العلمية. يؤكد بوبر على مبدأ قابلية منطوق النظرية للتكذيب كمعيار لعلمية النظريات العلمية، فلكي تكتسي النظرية خاصية العلمية ال بد أن تكون قابلة لالختبار، فمادامت ال تحتمل وصف كيف يأتي التفنيد المحتمل لها، فإنها تظل خارج مجال العم التجريبي. فدور التجربة هنا ليس تأكيد النظرية بل تفنيدها.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *