اهمية المعرفة التاريخية وكيف يمكن تعرف عليها اكثر لسنة ثانية باكلوريا

مفهوم الزمان الماضي في الفلسفة للثانية باكالوريا
إن الإنسان ليس كائنا ميتافيزيقيا يتعالى عن العالم الجوهري المحسوس، لكن إنه كائن تاريخي، كائن يتحسن في الزمن والمكان، ويخضع لعدد من المحددات والقواعد الموضوعية: استثمارية، اجتماعية، سياسية… وذلك هو ما يسمى: الزمان الماضي. الذي يحرض قضايا فلسفية بخصوص المعرفة التاريخية باعتبارها علم بخصوص السالف، لكنها في نفس الوقت لا يمكن أن تنفصل عن الحاضر لكن والمستقبل. ومن بين المفاهيم المركزية في معرفة الزمان الماضي نجد مفهوم الريادة الذي يتغاير المؤرخون بخصوص المجريات التي يتخذها. وفي النهاية الدور العويص الذي يتخذه الفاعل الرئيسي في الزمان الماضي، أي الإنسان. وهي قضايا يمكن صياغتها عن طريق الأسئلة الموالية وهي
ما هي المعرفة التاريخية؟
هل للتقدم مجرى واحد؟ أم مجريات متنوعة؟
من الذي يسيطر على الآخر؟ الإنسان أم الزمان الماضي؟
أولا: المعرفة التاريخية
أ- الزمان الماضي علم للماضي
إننا نعيش في مجتمع محدد، ونحافظ على آثار ما كان موجودا من قبل. نحفظ الوثائق ونصون الآثار ونرممها، ويمكننا، انطلاقا من تلك الآثار، حسب ريمون أرون، إرجاع تشييد ما عاشه الذين سبقونا بذلك القدر أو ذاك. وبهذا المعنى، تصبح المعرفة التاريخية هي إرجاع تشييد ما كان موجودا ولم يعد كأثر، غير أنها عملية تخص زمانا ومكانا محددين، ولا تخص إرجاع تشييد مجردة للماضي
ب- الزمان الماضي علم علمية
إن إستيعاب السابق عن طريق الآثار والوثائق هو في جوهره ملاحظة، والملاحظة- في نظر بول ريكور – ليست تسجيلا وتدوينا للوقائع بشكلها الخام. إنها إرجاع تكوين وقع ما، أو سلسلة من الأحداث، أو حالة، أو شركة، انطلاقا من الوثائق بعدما خضعت للمساءلة، وثم استنطاقها من طرف المؤرخ. وذلك الشغل التنظيمي هو الذي يجعل الأثر التاريخي وثيقة دالة، ويجعل من السالف واقعا تاريخيا أو حدثا تاريخيا
وبذلك يستطيع المؤرخ- حسب ريكور- معتمدا على الوثائق، ومنطلقا من الملاحظة المنهجية، من تشييد الوقائع التاريخية
 يحدد هنري مارو الزمان الماضي باعتباره ” المعرفة بالماضي الإنساني، المعرفة بالإنسان من قديم الزمن من خلال إنسان هذا النهار، إنسان الغد الذي هو المؤرخ”  فكيف يمكنه إنسان الحاضر دراسة إنسان السابق؟ ألا تعتبر المسافة الزمنية مانعا في مواجهة الاستيعاب؟ وما هي صعوبات تشييد المعرفة التاريخية؟

       لقد تشكلت في الزمان الماضي مجموعة اتجاهات ومدارس هاجسها جعل الزمان الماضي علما كباقي العلوم الحقة. من أكثر أهمية تلك المدارس الوضعانية أو ما يسمى بالوثائقية التي اعتبرت الوثائق مادة الملاحظة والتجريب لإرجاع تشييد الأحداث التاريخية بدقة وموضوعية. تتمثل الوثائق في الدفاتر والأرشيف والمعاهدات والمراسلات والنقود وغيرها.. ومهمة المؤرخ جمع هذه الوثائق باعتبارها آثارا دالة على الحدث الذي ينبغي على المؤرخ إرجاع بنائه بتسلسل وقائعه.
     ذلك السعي لجعل الزمان الماضي علما هو ما يؤكده الفيلسوف الفرنسي ريكور موضحا أن إستيعاب السالف يشترط اتباع منهج علمي دقيق يحقق التعليم بالمدرسة الموضوعية للظاهرة التاريخية. فيرى أن الخطوة الأولى تتمثل في ملاحظة الأثر التاريخي ملاحظة ناقدة تطرح السؤال على الأثر مسعى استنطاقه للإجابة عن سؤال المؤرخ. أما الفرضية فتتمثل في افتراض معنى وإعطاء إشارة لهذه الوثيقة بما يجيب عن السؤال المطروح آنفا. بينما تتمثل التجربة في مسعى إرجاع تشييد الواقعة وإخضاعها للنقد.إذ لا يكون الزمان الماضي علما سوى بوصفه نقدا وتفسيرا وتحقيقا للأثر التاريخي في منطقه وموقعه من النكبة التاريخية. على أن ما يحاول أن إليه العالم هو الوصول إلى حصيلة تتيح له التعميم وصياغة تشريع يربط العوامل بالنتائج ربطا ضروريا وهو ما يسمى بالحتمية.
       بذلك يصبح الزمان الماضي علما، وتصبح الواقعة التاريخية مثلها مثل الوقائع العلمية يمكن إخضاعها لخطوات المنهج العلمي. بل إلى أي حاجز يمكنه المؤرخ دراسة الوقائع الفائتة وإرجاع تركيبها وفهمها انطلاقا من الحاضر. ألا يشكل التباعد الزماني مانعا أما عملية الاستيعاب؟

      يركز الفيلسوف الفرنسي أرون على مانع المسافة الزمنية في تحدديه للمعرفة التاريخية حيث يعتبرها “إرجاع تشييد ما كان موجودا ولم يعد، انطلاقا الأمر الذي بقي كأثر”. وهي بهذا تنفصل عن تجربتنا في الدهر والمكان. فتجربتنا خاصة وحاضرة، ويمكننا أن نعرفها علم تلقائية لأنها تتعلق بالعالم الذي يحيط بنا. أما عندما يرتبط الشأن بعالم الذين عاشوا قبلنا، فإن هذه المعرفة سوف تكون عسيرة ونسبية، لأنها تفتقر إرجاع تشييد عالم الماضى كما كان، وهو مطلب يتطلب جهدا وحذرا منهجيا مضاعفا حصيلة التباعد بين الحاضر والماضي. إذ أن المؤرخ سيبني الواقعة عن طريق قيم وقته ورؤيته المخصصة للحدث. وهو ما يضع الموضوعية مكان تساؤل. وفي ذلك الصدد يمكن القول إن توخي الموضوعية، كشرط مادي في المعرفة العلمية، قد يشكل مانعا في مواجهة إستيعاب الحدث التاريخي، لأن هذا يفترض فصل الذات عن الموضوع، وهو ما لا يمكن في العلوم الإنسانية عموما، وفي الزمان الماضي لاسيما، فعملية الاستيعاب تقتضي تدخل الذات في عملية التوضيح والتأويل وترتيب وتركيب النكبات، كما أنه لا يمكن للمؤرخ القيام بعملية تعميم، أي أن ينطلق من واقعة خاصة ليصدر عن طريقها أحكاما عامة تنطبق على جميع الوقائع. بل ما يضفي قيمة على المعرفة التاريخية هو ما يسميه ريكور الإنتقاد المتواصل.

     تبين عن طريق تهييج مشكلة المعرفة التاريخية أنها ليست علم جاهزة تتمثل في مجرد سرد للوقائع، وإنما هي علم تبني الأحداث انطلاقا من عمل تنظيمي يتوخى العلمية، سوى أن صعوبات تعترضها، تتمثل في تداخل الذات والموضوع من ناحية، وتباعد المسافة بين الماضى والحاضر، من ناحية أخرى، بالإضافة إلى صعوبة التعميم. ما يغير دون الاتفاق بشأن حصائل مشتركة، ويجعل بالتالي المعرفة التاريخية نسبية واحتمالية وخصوصا… وذلك يفرض على المؤرخ ابتكار منهج خاص يناسب موضوع دراسته. بل، في جميع الأوضاع، يَبقى المقصد من تشييد الحدث التاريخي هو الوصول إلى الحقيقة والخروج بفكرة ترقى إلى مستوى التعميم ومن تم استنباط تشريع مفسر لمسار الزمان الماضي، فهل يقصد هذا أن الأحداث التاريخية تمشي بحسب تشريع ومنطق في اتجاه معين، أم أنها نتاج الصدفة والعبثية؟ وأي دور للإنسان في تصنيع الزمان الماضي؟
يحدد هنري مارو الزمان الماضي باعتباره ” المعرفة بالماضي الإنساني، المعرفة بالإنسان من قديم الزمن من خلال إنسان هذا النهار، إنسان الغد الذي هو المؤرخ”  فكيف يمكنه إنسان الحاضر دراسة إنسان الماضى؟ ألا تعتبر المسافة الزمنية مانعا في مواجهة الاستيعاب؟ وما هي صعوبات تشييد المعرفة التاريخية؟

       لقد تشكلت في الزمان الماضي مجموعة اتجاهات ومدارس هاجسها جعل الزمان الماضي علما كباقي العلوم الحقة. من أكثر أهمية تلك المدارس الوضعانية أو ما يسمى بالوثائقية التي اعتبرت الوثائق مادة الملاحظة والتجريب لإرجاع تشييد الأحداث التاريخية بدقة وموضوعية. تتمثل الوثائق في الدفاتر والأرشيف والمعاهدات والمراسلات والنقود وغيرها.. ومهمة المؤرخ جمع هذه الوثائق باعتبارها آثارا دالة على الحدث الذي ينبغي على المؤرخ إرجاع بنائه بتسلسل وقائعه.
     ذلك السعي لجعل الزمان الماضي علما هو ما يؤكده الفيلسوف الفرنسي ريكور موضحا أن إستيعاب الماضى يشترط اتباع منهج علمي دقيق يحقق التعليم بالمدرسة الموضوعية للظاهرة التاريخية. فيرى أن الخطوة الأولى تتمثل في ملاحظة الأثر التاريخي ملاحظة ناقدة تطرح السؤال على الأثر مسعى استنطاقه للإجابة عن سؤال المؤرخ. أما الفرضية فتتمثل في افتراض معنى وإعطاء إشارة لهذه الوثيقة بما يجيب عن السؤال المطروح آنفا. بينما تتمثل التجربة في مسعى إرجاع تشييد الواقعة وإخضاعها للنقد.إذ لا يكون الزمان الماضي علما سوى بوصفه نقدا وتفسيرا وتحقيقا للأثر التاريخي في منطقه وموقعه من النكبة التاريخية. على أن ما يحاول أن إليه العالم هو الوصول إلى حصيلة تتيح له التعميم وصياغة تشريع يربط العوامل بالنتائج ربطا ضروريا وهو ما يسمى بالحتمية.
       بذلك يصبح الزمان الماضي علما، وتصبح الواقعة التاريخية مثلها مثل الوقائع العلمية يمكن إخضاعها لخطوات المنهج العلمي. بل إلى أي حاجز يمكنه المؤرخ دراسة الوقائع الفائتة وإرجاع تركيبها وفهمها انطلاقا من الحاضر. ألا يشكل التباعد الزماني مانعا أما عملية الاستيعاب؟

      يركز الفيلسوف الفرنسي أرون على مانع المسافة الزمنية في تحدديه للمعرفة التاريخية حيث يعتبرها “إرجاع تشييد ما كان موجودا ولم يعد، انطلاقا الأمر الذي بقي كأثر”. وهي بهذا تنفصل عن تجربتنا في الدهر والمكان. فتجربتنا خاصة وحاضرة، ويمكننا أن نعرفها علم تلقائية لأنها تتعلق بالعالم الذي يحيط بنا. أما عندما يرتبط الشأن بعالم الذين عاشوا قبلنا، فإن هذه المعرفة سوف تكون عسيرة ونسبية، لأنها تفتقر إرجاع تشييد عالم الماضى كما كان، وهو مطلب يفتقر جهدا وحذرا منهجيا مضاعفا حصيلة التباعد بين الحاضر والماضي. إذ أن المؤرخ سيبني الواقعة عن طريق قيم وقته ورؤيته المخصصة للحدث. وهو ما يضع الموضوعية مكان تساؤل. وفي ذلك الصدد يمكن القول إن توخي الموضوعية، كشرط مادي في المعرفة العلمية، قد يشكل مانعا في مواجهة إستيعاب الحدث التاريخي، لأن هذا يفترض فصل الذات عن الموضوع، وهو ما لا يمكن في العلوم الإنسانية عموما، وفي الزمان الماضي لاسيما، فعملية الاستيعاب تقتضي تدخل الذات في عملية التوضيح والتأويل وترتيب وتركيب النكبات، كما أنه لا يمكن للمؤرخ القيام بعملية تعميم، أي أن ينطلق من واقعة خاصة ليصدر عن طريقها أحكاما عامة تنطبق على جميع الوقائع. بل ما يضفي قيمة على المعرفة التاريخية هو ما يسميه ريكور الإنتقاد المتواصل.

     تبين عن طريق تهييج مشكلة المعرفة التاريخية أنها ليست علم جاهزة تتمثل في مجرد سرد للوقائع، وإنما هي علم تبني الأحداث انطلاقا من عمل تنظيمي يتوخى العلمية، سوى أن صعوبات تعترضها، تتمثل في تداخل الذات والموضوع من ناحية، وتباعد المسافة بين السابق والحاضر، من ناحية أخرى، بالإضافة إلى صعوبة التعميم. ما يغير دون الاتفاق بشأن عواقب مشتركة، ويجعل بالتالي المعرفة التاريخية نسبية واحتمالية وخصوصا… وذلك يفرض على المؤرخ ابتكار منهج خاص يناسب موضوع دراسته. بل، في جميع الظروف، يَبقى المبتغى من تشييد الحدث التاريخي هو الوصول إلى الحقيقة والخروج بفكرة ترقى إلى مستوى التعميم ومن تم استنباط تشريع مفسر لمسار الزمان الماضي، فهل يقصد هذا أن الأحداث التاريخية تمشي بحسب تشريع ومنطق في اتجاه معين، أم أنها نتاج الصدفة والعبثية؟ وأي دور للإنسان في تصنيع الزمان الماضي؟
I-المحور الأول: مشكلة المعرفة التاريخية
بين يدي الإشكال (تمهيد لاستيعاب الإشكال) يجابه معرفة الزمان الماضي ومعه المعرفة التاريخية حالة متميزة بين العلوم الإنسانية: فهو معرفة دراسة السابق، الأمر الذي يقصد أن المؤرخ يدرس واقعا ولى وانقضى كما يقول ريمون آرون، واقعا تفصله عنه مسافة زمنية وثقافية، واقعا لم يعد له حضور! فما يبقى هذا النهار وجودا ماديا فيزيائيا ينحصر في الآثار والوثائق. يتعين على المؤرخ إذن أن ينطق ويستنطق وينتقي تلك “النفايات” ليعيد تشييد الوقائع التاريخية الأمر الذي يجعل من المعرفة التاريخية علم مبناة بامتياز

طرح الإشكال: ضمن أية محددات وقواعد تكون المعرفة التاريخية المبناة مطابقة لموضوعها أي للحدث كما حدث فعلا؟ ما هي محددات وقواعد إمكان المعرفة التاريخية كمعرفة علمية؟ هل يمكن للمؤرخ أن يستفيد من المسافة الزمنية التي تفصله عن الواقعة التاريخية وعن الفاعلين التاريخيين ليتناول مادة علمه بموضوعية بعيدا عن الذاتية أم أن دراسة الماضى لاتتم سوى بدافع من انشغالات الحاضر وضمن ايديولوجياته؟ كيف للمعرفة التاريخية أن تستعيد ليس لاغير الواقعة التاريخية في بعدها الحدثي الجوهري لكن وايضاً “فاعليات الإدراك”أي نيات الفاعلين ومقاصدهم ومحتويات وعيهم؟

معالجة الإشكال:

1- المعرفة التاريخية ورهان الدقة والموضوعية: المنهج النقدي

مثلما نصح بورديو من السوسيولوجيا العفوية أي هذه المعرفة الاجتماعية التلقائية التي يملكها الفاعل الاجتماعي بشأن الظواهر الاجتماعية من حوله، يتعين على المؤرخ كذلك أن ينوه من المعرفة التاريخية العفوية التي يدعوها ابن خلدون بظاهر معرفة الزمان الماضي وهي هذه المعرفة التي يملكها كل واحد عن الماضى في شكل قصص وأخبار تتداولها وتتناقلها الأجيال. لايكون الزمان الماضي علما سوى بوصفه نقدا وتفسيرا. فالنقد يتجلى في تمحيص وتحقيق تلك الحكايات وسبرها بمعيار الحكمة و تحكيم البصر و المشاهدة في الأنباء وفحصها على ضوء أصول العادة و نُظم السياسة و طبيعة العمران و الظروف في المؤتمر الإنساني و النهوض على طباع الكائنات وقياس الغائب على الشاهد.
ولكن تقصي النبأ التاريخي يفتقر أيضاً إلى تفسيره للكشف عن علة ومنطق الأحداث التاريخية المتضمنة فيه والمبدأ المتحكم في حدوثها وتعاقبها…

2- حواجز المنهج النقدي في الزمان الماضي:

ماهي حواجز المنهج النقدي في الزمان الماضي؟ ألا يجابه معرفة الزمان الماضي نفس الصعوبات الميتودلوجية ونفس الإشكالات الإبستملوجية التي تجابهها بقية العلوم الإنسانية؟
من المحتمل يوحي الإنتقاد بأن المؤرخ منكب على موضوعه بتجرد وفي ذلك الحين وضعه على طاولة البحث تحت مجهر الإنتقاد، ولكن الموضوع ظاهرة إنسانية. والمعركة كما يقول آرون ليست لاغير حدثا ماديا فحسب هذا أن لتصرفات المحاربين دلالاتها ولتصرفات الضباط غايات وغايات ونيات…، وباختصار فالمؤرخ يدرس فاعليات الإدراك ايضاً. الا تستدعي المعرفة التاريخية بذلك المعنى نوعا من التعاطف والتفهم من قبل المؤرخ للنفاذ إلى دلالات الواقعة فيما يتعلق للفاعل التاريخي؟ ولكن ألا تتضاد تلك الذاتية مع مطلب التعليم بالمدرسة العلمية الموضوعية كما يلح عليها الوضعانيون؟ وماهي حواجز الدقة التفسيرية التي التي يأمل إليها المؤرخ؟ يشاهد مارو أن تشييد الواقعة التاريخية ثمرة تلاقح بين المنهج النقدي والتعاطف، بحيث يصحح أحد الطرفين إفراط الآخر. والتعاطف أو المساهمة الوجدانية نحو مارو خروج المؤرخ من نفسه لملاقاة الغير (التاريخي)، بحيث تقوم بينه وبين موضوعه ضرب من الصداقة لايصح الاستيعاب والتفسير بدونها. إن التعاطف هو فترة التشييد التي تعقب الهدم الذي يمثله المنهج النقدي
عالج مفهوم الزمان الماضي، الوجود البشري التاريخي، كصيرورة تاريخية جماعية ممتدة في الزمن. والقول بأن الإنسان كائن تاريخي، يقصد نفي فكرة الاستقرار والسكون، واستقلال الإنسان بذاته. وتأكيده لفكرة التقدم، وتفاعل الإنسان مع المحيط الطبيعي والاجتماعي ودوره فيهما كذات فاعلة.

إن الإنسان كائن تاريخي، لأنه ينخرط في مسار الزمان الماضي، وصيرورة وقائعه، ولأنه ايضاً يجعل من الزمان الماضي موضوع علم ممنهجة وموثقة، فهو يتطلع إلى وصف فاعليات السالف واستيعاب منطلقها التاريخي وبيان كيفية حدوثها.

بات لمفهوم الزمان الماضي معان ودلالات متداخلة ومعقدة، غير أن أعمق إشارة للمفهوم هي ارتباطه باكتشاف الكتابة، لقد اعتبر القلة أن الكتابة هي فوز للتاريخ، لأن الإنسان بات باستطاعته تدوين خبراته ونقلها من جيل لآخر، من مقر لآخر، ومن عصر لآخر، فامتدت الجسور بين الأجيال والأزمنة.

فأي تتجلى ضرورة الزمان الماضي وكتابة الزمان الماضي تحديدا؟

ما المعرفة التاريخية وكيف تكون ممكنة؟ هل تفيدنا في الكشف عن منطق الزمان الماضي واستيعاب سيرورته؟

هي يمكن القول هي يمكن القول إن الإنسان فاعل تاريخي وصانع له أم أنه خاضع له؟

المحور الأول: المعرفة التاريخية

تطرح المعرفة التاريخية مشكلة منهجية تنبع من طبيعة موضوعها: الماضى الذي انقضى، فهل يمكن جعل  فاعليات الزمان الماضي ووقائع الماضى موضوع علم علمية؟

أطروحة ابن خلدون

الزمان الماضي حسب ابن خلدون، هو سيرورة العمران البشري، وتعد المعرفة التاريخية تدوينا لتلك السيرورة، ويميز ابن خلدون بين واضح الزمان الماضي، ويقتصر على سرد مستجدات الدول، وأصول السالف، وبين باطن الزمان الماضي، وهو نظر وتحقيق وتعليل وعلم بالكيفيات والأسباب، لا مجرد قصة للأخبار…

أطروحة هنري إيريني مارو

يشاهد هنري مارو أن الزمان الماضي ليس سردا لأحداث السالف ولا عملا أدبيا لكتابة السالف الإنساني، إن الزمان الماضي هو علم علمية ينشئها المؤرخ عن هذا السابق، معتمدا على منهج علمي صارم ودقيق، مقصده الكشف عن حقيقة ذلك السالف.

ملخص تركيبية

إن دراسة المؤرخ لماضي الإنسان، لا يقصد اهتمامه برواية الحدث لاغير، وإنما أيضاً التقصي في الحدث أي البحث في داع وكيفية سقوط الحدث بهدف إستيعاب الزمان الماضي وجعله معقولا.

وللقيام بدراسات بشأن الزمان الماضي، تكشف على أن الزمان الماضي كعلم إنساني منفصل بموضوعه ومناهجه ووسائله المخصصة، كان لا بد أن ننتظر القرن 19، حيث بدأ نقد الذهن في الزمان الماضي وتقدير عمل المؤرخ وتحديد أهداف ومرامي المعرفة التاريخية، وكذا الصعوبات والإشكالات التي تطرحها المعرفة التاريخية.

يمكن القول أن تطور توضيح الزمان الماضي والمعرفة عوامل النكبات، كان كميا يهتم بالحوادث والأفراد… وتطور إلى بات يشمل مناحي الحياة بكاملها، كما تقدم التوضيح بتطور التقنيات والوسائل وجمع البيانات وتنوع المصادر والارتقاء في نقدها لمعرفة ما وقع حقيقة، غير أن الزمان الماضي سيواصل غير منفصل عن الأسطورة أبوين، حتى العصر الجديد، حيث ظهرت بوادر الإنتقاد ومراجعة منهجية المؤرخ « إن منهجية المؤرخ هي المحددة للمعرفة التاريخية » حسب بول ريكول.

تلك الإرهاصات المنهجية، نلمح بداياتها في تفكير عبد الرحمان بن خلدون الذي اعتبر من رواد العصر الجديد، في إنشاء مجموعة من العلوم التي سوف تظهر في أوربا لاحقا، من ضمنها الزمان الماضي كعلم مميز عن الحكاية.

يشاهد ابن خلدون، أن الزمان الماضي على مستوى الجلي، هو سرد أخر الأحداث في وحكايات بشأن أقوام ودول ماضية، بل على مستوى الباطن هو علم علمية تتأسس على منهجية المؤرخ، وتتمثل في التدقيق والتحقيق، في تلك المستجدات والروايات غرض النهوض على صحتها أو خطأها ومطابقتها أو عدم مطابقتها للوقائع والأحداث.

إن فكرة التيقن والنزاهة في البحث والدراسة التاريخية، نجدها أكثر علمية في اعتقاد هنري مارو، الذي اعتبر الزمان الماضي ليس بحثا أو دراسة للماضي الإنساني، وإنما هو علم يبنيها ويشكلها المؤرخ اعتمادا على منهج علمي صارم ودقيق، لهذا يميز هنري مارو بين المعرفة التاريخية كمعرفة علمية، وبين اليوتوبيا والرواية اوالأسطورة والتقاليد الشعبية، وايضاً المعرفة العامية لأن تلك الأخيرة غير ممنهجة.

غير أن المعرفة العلمية، ومحاولة دراسة السابق الإنساني، دراسة علمية يصطدم بعوائق مغايرة، إن المعرفة التاريخية حسب ماكس فيبر (1864-1920) توجد مقيدة، فالواقع التاريخي الذي يعمل على المؤرخ لفهمه واقع سميك غني ولامتنه في دلالته، وبذلك لا يمكن لأي العديد من منهجية أن تدعي التمكن من الإحاطة به، إضافة إلى ذلك كونه واقعا متفردا يستعصي على كل تعميم، وعليه فإن العوامل المفسرة لذلك الواقع التاريخي لا تستطيع أن تكون موحدة، لكن منتقاة انطلاقا من رابطة المؤرخ بالقيم (الدينية والأخلاقية والاجتماعية…) وفي ذلك الحين أبرز « بول ريكول » كيف أن المعرفة التاريخية، علم يتداخل فيها الذاتي مع الموضوعي، والتفسير مع الاستيعاب، والملاحظة مع الافتراض والأنا مع الآخر، والماضي مع الحاضر، بذلك المعنى فإن المعرفة التاريخية علم نسبية لا يمكن أن ترقى إلى مستوى موضوعية ويقينية العلوم الحق.

المحور الثاني: الزمان الماضي وفكرة الريادة

إن الزمان الماضي كصيرورة أو سلسلة من الوقائع والأحداث، يتولى قيادة إلى التساؤل عن منطق الزمان الماضي: هل هو تقدم أم تتابع؟ هل هناك قصد أو معنى من تراكم التجارب الإنسانية وتسلسل أحداثها أم هذا يتم بلا قصد أو معنى، وهكذا لين تحت رحمة الصدفة؟

أطروحة إدوارد كار

يحدد كار مفهوم الزمان الماضي عن طريق المفاضلة بين الريادة والتطور، حيث يشاهد أن التقدم ذو حمولة بيولوجية، يوميء إلى النشوء والارتقاء، وبذلك لا يمكن قياس قوانين الزمان الماضي على قوانين الطبيعة، بينما يتعلق مفهوم الريادة بأفق سوسيو تاريخي، غير أن مفهوم الريادة نسبي فالتاريخ لا يسير طول الوقت فيخط متكرر، بلا تبطل أو انعطاف لكن يتصف بالانقطاع وعدم الاستمرارية.

أطروحة كارل ماركس

يفسر ماركس تقدم الزمان الماضي بإجراء التناقض بين قوى الإصدار الجوهري (مغاير الوسائل التي يستخدمها الإنسان في الإصدار بما في هذا القوى التي تعمل، وعلاقات التي تربط بين الناس خلال عملية الإصدار الجوهري) وينتهي ذلك التناقض بميلاد مجتمع حديث، وهكذا تاريخ حديث.

أطروحة كلود ليفي ستروس

يؤكد ستروس فكرة الريادة في الزمان الماضي، غير أنه يشاهد أن الريادة ليس سلسلة متصلة أو منتظمة، أي كخط متصاعد أو سلم، وإنما حركة تتغاير في الموضع، هذه حال الأنماط الحضارية المغيرة، إن الريادة يجري عبر قفزات أو وثبات، عبر تحولات فجائية وفي جميع الاتجاهات، الأمر الذي يؤكد أن الريادة التاريخي متقطع ويخضع للصدفة والنسبية.

ملخص تركيبية

يتغاير المفكرون بخصوص طبيعة مجرى الريادة التاريخي (منطق الزمان الماضي)، فأصحاب نظرية التقدم الدائري (ابن خلدون- تونبي…) يعتقدون أن الريادة يتم على شكل خط دائري أي أن الزمان الماضي يعيد ذاته » ويمتاز بتكرار ذاته.

في المقابل، فإن المقاربة الخطية تعتبر الريادة لين في اتجاه مستقيم، أوجست كونت صاحب تشريع « الحالات الثلاث » يشاهد أن الفكر الإنساني يتجاوز عبر ثلاث فترات (الوضعية اللاهوتية، الوضعية الميتافيزيقية، والحالة الحالة والعلمية)، فالفكر الإنساني تاريخيا هو باعتبار سلسلة متصلة الحلقات. هناك كذلك مورغان (انترولوجي معاصر) يشاهد بدوره أن تقدم المجتمعات البشرية خطي: فترة التوحش –فترة البربرية ومرحلة التحضر، وهو تقدم لا يعلم الانحراف ولا الانعطاف ولا القفز وإنما هو تقدم تسيطر عليه الأهمية التاريخية كحتمية مطلقة.

أما الماركسية، فتحدد الريادة على شكل لولبي أو حلزوني، يسير باستمرار إلى المقدمة على نحو تصاعدي، أي أن الزمان الماضي البشري محكوم بتقدم هو في حقيقته تتال لأنماط إصدار تفهم باعتبارها مدد تقود إلى بعضها القلة عبر النفي، ويفترض الفحص المركسي حضور تلك الأهمية في الأساس الجوهري للمجتمع،  (فترة المشاعية البدئية- العبودية- الإقطاعية- الرأسمالية- الاشتراكية). غير أن تلك المقاربات الخطية ستنتهي إلى اعتقاد إطلاقي مقفل لوجوب تجعل الزمان الماضي سلس باتجاه اتجاه معين وغائي، وفي ذلك الصدد وجه كلود ليفي ستروس نقدا حادا لفكرة الريادة بالمعنى الماضي، فالتقدم التاريخي في نظره يمكن أن يعلم قفزات أو وثبات، الأمر الذي يجعله يعلم تحولات فجائية، كما يمكن أن يعلم انعطافا أو تراجعا أو استقرارا.

إذن يمكن لذلك الريادة أن سهل في جميع الاتجاهات الممكنة، الأمر الذي يقصد أنه ليس هناك حتمية أو وجوب تسيطر على سيره (الريادة) إن القول بفكرة الريادة اللازم الآلي والمحكوم مسبقا بمآل حتمي يضفي على تاريخ الإنس صيغة تطبيق برنامج معين سلفا، كما يقود إلى موافقة سلم تصنيف وترتيب يسلم بهيمنة النموذج من الغرب، وبكونية تكذبها الانتربولوجيا، فالمجتمعات ليست مطالبة باتباع نفس المجرى التطوري الخطي بدعوى وجوب الريادة، لأن في احترام الاختلاف الثقافي تنسيب لفكرة الريادة (أي نسبية الريادة التاريخي.

المحور الثالث: دور الإنسان في الزمان الماضي

الجديد عن دور الإنسان في الزمان الماضي هو الوجه لمسألة منطق الزمان الماضي، فإذا كان الزمان الماضي هو فعاليات ووقائع تمت في السابق، وقد كانت ناتجة عن خيارات وقرارات إنسانية، فهل ذلك يقصد أن الإنسان هو الفاعل التاريخي؟ هل للإنسان دور فاعل في صنع فاعليات الزمان الماضي والتحكم في صيرورته وغاياته؟

أطروحة لويس التوسير

عن طريق نقده لتصور هيجل-الذي يشاهد بأن الزمان الماضي هو تصنيع الأحداث وتراكم الوقائع التي يجريها العظماء الذين لا يدركون أنهم مجرد أداة يحقق عن طريقها الزمان الماضي « كروح مطلقة » نفسه وغاياته- يؤكد الفيلسوف الفرنسي لويس التوسير، أن الزمان الماضي صيرورة جدلية لا يتدخل الأشخاص كذوات فاعلة في تصنيع أحداثه ووقائعه، وإنما هذا راجع إلى سيستم البنيات: أنماط الإصدار وعلاقات الإصدار، فهي التي تخلق الأدوار الإنسانية وتحدد بالتالي مجرى الزمان الماضي.

أطروحة لوسيان غولدمان

ينتقد غولدمان اعتقاد التوسير وتصور البنيويين عموما للتاريخ، إن الزمان الماضي –حسب غولدمان- ليس صيرورة بلا ذوات فاعلة، وليس نتاج بنيات وأنساق متعالية، وإنما الزمان الماضي نتاج لممارسة الإنسان وأفعاله وعلاقاته، إن الناس يدخلون في مجموعة صلات ممنهجة وواعية يحولون الواقع ويحولون صلات الإصدار، وما البنيات في مغاير صورها سوى هيئة خارجية للعلاقات الإنسانية، ولا يمكن أبدا أن تقوم مقام الذات.

أطروحة سارتر

يؤكد سارتر أن الزمان الماضي ليس قدرا محتوما، ولا قوى لازمة تسيطر على الإنسان وتشل حريته، فالإنسان نتاج للشروط العينية، الاستثمارية والاجتماعية، غير أنه وفي ذات الوقت فاعل تاريخي، يصنع الزمان الماضي ويحوله عمليا ونظريا.

ملخص تركيبية

يتغاير المفكرون بخصوص دور الإنسان في الزمان الماضي وبذلك بخصوص حقيقة الزمان الماضي ومنطقه، حيث ذهب بعض الفلاسفة أمثال هيجل والتوسير والبنيويون عموما إلى نفي ذلك الدور، واعتبار الإنسان مجرد وسيلة خاضعة للضرورة التاريخية، وذهب القلة الآخر أمثال ماركس وغولدمان وسارتر… إلى التصديق بأن الإنسان هو الذي يصنع الزمان الماضي.

يشاهد هيجل أن الإنسان محكوم بالضرورة التاريخية التي تعكس تطور الفكر (الروح)، فالتاريخ يجسد إرادته عبر الأشخاص، لاسيما العظماء الذين هم مجرد وسسيلة لتحقيق غاياته… فالتطور التاريخي حسب هيجل (منطق الزمان الماضي)، محكوم بعقل عام، تطور الفكرة أو الروح، وما الإنسان داخل حركية الزمان الماضي غير وسيط أو وسيلة لتحقيق الفكر أو الروح المطلق (وحدة الفكر والوجود).

من منطلق آخر (ماركس) يتفق التوسير مع هيجل على أن الإنسان كفرد لا يصنع الزمان الماضي- وهذا حسب التوسير-لوجود بنيات سابقة، مستقلة عن إرادة الشخص، هي المتحكمة عن طريق علاقاتها في منطق الزمان الماضي، إن قوى الإصدار تفرض على الناس سلوكات ومواقف محددة وتحدد لهم أدوارهم وتجبرهم على القيام بها، فالذي يخلق الأحداث التاريخية، ليس هو الإنسان، وإنما تحققها قوى الإصدار وعلاقات الإصدار، إذن البنيات الاستثمارية هي التي تسيطر على منطق الزمان الماضي وسيرورة أحداثه.

على ذلك النحو، يؤكد البنيويون عدم حضور الإنسان ودوره في الزمان الماضي، لأن الزمان الماضي من المنظور البنيوي تحدده الرابطة بين البنيات، الأمر الذي يقصد أن الإنسان لا قيمة له خارج البنية، فهي تشترط وجوده وتحدد أفعاله وسلوكاته، فهو محكوم بالذوبان داخل البنية، فالفاعل هو البنية لا الإنسان، لذلك تقول البنيوية بنهاية الإنسان أو وفاة الإنسان.

في في مقابل ذلك التصور الذي يؤكد أن حركة الزمان الماضي، حركة تحكمها الأهمية، يؤكد التصور الماركسي وامتداده مع لوسيان غولدمان وسارتر، … أن الإنسان ذات فاعلة في الزمان الماضي، وله التمكن من صنع الزمان الماضي.

ينتقد ماركس اعتقاد هيجل للتاريخ، ويكشف عن طابعه المثالي التجريدي، يدشن ماركس تصوره للتاريخ على خلفية جوهري تاريخي، حيث يجعل من الطبقة الاجتماعية فاعلا تاريخيا، محددا لمساره.

وإذا كان الإنسان يتحدد بحسب المحددات والقواعد العينية للمجتمع وبنياته الاستثمارية والاجتماعية-حسب الماركسية- فإن ذلك لا يمنع الذات الإنسانية ودورها الفاعل حسب لوسيان غولدمان، فالناس هم الذين يشكلون  قوى الإصدار وعلاقات الإصدار، إستيعاب ينتظمون داخل الطبقات الاجتماعية، وهم الذين بوعيهم وإرادتهم يصنعون تاريخهم، أو بتعبير سارتر، يمر الإنسان وضعه المحكوم بالشروط الموضوعية لتحقيق مشروعه الذي هو عبارة عن حقل ممكنات يختار إحداها ليحققها وبهذا المعنى يُعد الإنسان فاعلا تاريخيا وصانعا له

 

 بالمعنى الوجودي والتاريخي والماركسي

يف بدايات القرن التاسع عشر، وبعد حماوالت عدة لبعض مؤرخي أملانيا، مت نقل موضوع دراسة التاريخ من حقل األدب إىل حقل العلم، والتعامل معه كعلم وحرفة هلا طرائقها ومناهجها املستقلة عن بقية العلوم، وذلك على يد املؤرخ األملاين: )ليوبولد فون رانكي( الذي كان له قدم السبق يف إرساء قواعد هذا العلم. ومن ذلك الوقت، وحىت عصرنا هذا، لـم تفرت النقاشات النظرية حول طبيعة املعرفية التارخيية ا، واتسمت هذه النقاشات، وما ً ، وما صاحبها من آراء مؤيدة ومعارضة لكون التاريخ علم نتج عنها من ظهور مدارس، وفلسفات تارخيية، بالتأثر باحلياة الفكرية واملعرفية السائدة يف اجملتمع الغريب. ويف هذا الكتاب، حياول الربوفيسور و، سرب َ قيس فر أووار املعرفة التارخيية يف الغرب، و بالتطرق – أ ًال – للمسائل املعرفية واملنهجية ا م ً املتصلة بطبيعة التاريخ باعتباره فرع ن العلوم اإلنسانية، فيقوم هات املؤرخني األيدولوجية، وطرائق تفسريهم وقدرهتم ّ بتحليل توج أو عدم قدرهتم على الوصول إىل املوضوعية. مث يدلف إىل دراسة فلسفة التاريخ، فيتناول القضايا اليت تتعلّق بواقعية التاريخ أو عدم واقعيته، ا إىل كشف القواعد اليت تتحكم هبا ً ا على عملية تأمل املسارات الكربى للتاريخ البشري، سعي ً معتمد . ويف فصل مستقل عرض املؤلف مقاربات املؤرخني و فالسفة التاريخ الذين انربوا للدفاع عن حرفية التاريخ وعلميته أمام هجمات ما بعد تها ّ احلداثة اليت شككت يف علمية التاريخ، واملعرفة التارخيية برم . ويف الفصل الثالث من الكتاب يتناول الكاتب القضايا املنهجية املتعلّقة بالسياقات االجتماعية والثقافية، ويعرض املنظور الذي تعاملت به مدارس التاريخ االجتماعي- الثقايف مع األسئلة املتعلّقة باملعرفة التارخيية. أما الفصل الرابع واألخري؛ فيجاوب على مفهوم السردية التارخيية باعتبار أسلوب السرد هو األولب يف األعمال التارخيية. 3 الفصل األول حدود المعرفة التاريخية ي أوًال: الماضي مكتشف أم مبن ؟ بدأت احملاوالت األوىل لتطوير الكتابة التارخيية إىل فرع من العلوم له منهاجه اخلاصة به يف بداية القرن التاسع عشر، حيث قام ليوبولد فون رانكي )5971 – 5881م( بوضع قواعد للبحث التارخيي، حماوًال ً جعل التاريخ فرعا مستقًال من فروع الدراسات العلمية، له أداوته املنهجية اليت تضفي عليه خصائص احرتافية. وشدد رانكي على ضرورة اعتماد املؤرخ على املصادر اخلام، ووضعها على حمك النقد؛ لتصبح مؤهلة لكشف األحداث كما وقعت يف املاضي. و جيب على املؤرخ احملرتف حتييد مشاعره ومهومه وأحكامه، وأن ميتنع عن التقومي، وأ ال يقحم قضايا احلاضر ومهوم املستقبل يف منتجه. وأفضت أفكار رانكي إىل ظهور مدرسة تارخيية يف أواخر القرن التاسع عشر تعرف باملدرسة العلمية أو الوضعية أو الواقعية. ا بعنوان ً وأصدر شارل لنغلوا، وشارل سينيوبو كتاب : »مقدمة يف دراسة التاريخ«، حاوَال من خالله وضع قواعد للبحث التارخيي ت صبح مكملة ملنهجية رانكي. اعتبر لنغلوا وسينيوبو أ ن البحث التاريخي يمر بست قواعد أساسية للوصول إلى منتج تاريخي: § مجع املصادر. § نقدها داخًال هبدف الوقوف على معانيهاكما جاءت يف النصوص. ا من خالل فحص سياقاهتا يف حميطها اخلارجي للتأكد من صدقيتها، وعندها: § نقدها خارجي § يتم احلصول على قرائن ميكن بواسطتها كشف حقيقة أحداث املاضي. § ميكن، بعد ذلك، تكوين مرّكب )Synthesis ،)أو تأويل )Interpretation ) و ح ا لـ ي ً د بني األحداث استعداد : ص تارخيي مكتوب § صووها يف ن )5( . ( 1 ) Charles Langlois and Charles Seignobos, Introduction to the Study of History, Translated by G.G. Berry, with Preface by F. York Powell (New York: Duckworth; H. Holt and Company, 1912). 4 

وتكمن أمهية االنطالق من رانكي ولنغلوا وسينيوبو يف أ ن ا من الدراسات تتعر ً كثري ض )لألبعاد النظرية( اليت طرحها هؤالء نظ رون ومناصروهم يف البحث وكتابة التاريخ. امل نقد كارل بيكر وتشارلز بيرد للمدرسة الوضعيةنظ رو املدرسة الوضعية يف الكتابة التارخيية عند عدد كبري من املؤرخني، الثقة بقدرة املناهج اليت وضعها رانكي ولنغلوا أوجد م وسنيوبو على اكتشاف أحداث

 املاضيكما وقعت فعًال، باعتبارها حقائق ثابتة. اعترب بيكر أ ن طبيعة البحث التارخيي تبقى قاصرة على استحضار أحداث املاضي كما جرت، ورأى أ ن احلقيقة التارخيية اليت سراب يصووه املؤ ر يبحث عنها املؤرخون الوضعيون، ما هي إ ال خ على شكل وصف يس ميه حقيقة تارخيية، مث يزعم أ ّنا قادرة على أن تع رب عن نفسها بنفسها. ووصف بريد رأي رانكي يف إمكان إعادة تصوير أحداث املاضي كما جرت على أنه )حلم نبيل(، ال يتحقق يف الواقع، وأن موضوعية الكتابة التارخيية ما هي إال نتيجة )إميان( املؤرخ بالوصول إليها. واعترب بيكر وبريد أ ن كل مركب تارخيي خاضع لعملية انتقائية ومنظمة لألحداث على شكل بناء تارخيي. ا ً ليس هذا البناء جزء من واقع ما حدث يف املاضي وحقيقته، بل من صنع املؤرخ املتأثر بقضايا حاضره، وبآرائه املسبقة، فاحلقائق التارخيية موجودة يف احلاضر، ويف عقل املؤرخ ال يف املاضي. وأدي تشكيك بيكر وبيرد وآخرون في وجود حقائق تاريخية إلى فتح نقاش في نظرة المؤرخين وفالسفة التاريخ إلى مفهوم الماضي التاريخي، وقد أفضى هذا النقاش إلى بروز مدارس نظرية كثيرة، من أهمهما: – نظرية الكشف التاريخي )History Theory Discovery🙂 وترى هذه النظرية أ ن وظيفة البحث التارخيي هي كشف أحداث التاريخ كما جرت يف املاضي، وبناؤها من جديد. َ ّّ ومؤيدو هذه النظرية يعتمدون على الفلسفة الواقعية، فيعتقدون أ ا كما يكتشف ّنّ ً املؤرخ يكتشف أحداث املاضي، متام ا فعًال قبل اكتشافه ً اكان قائم ً أحدهم شيئ . هذا يعين أ ن نظرية الكشف تعتقد أ ن ا أنطولوجي ً للماضي وجود ا، أي: إن ه قائم بنفسه وما البحث التارخيي إ مسار يبدأ احالة جهل املاضي إىل حالة كشفه ومعرفته. ال قبل كشفه. 5 🙂Construction Theory of History( التاريخي البناء نظرية- تنكر هذه النظرية على املؤرخ قدرته على كشف األحداث كما جرت يف املاضي، وتعتقد أ ن عمل املؤرخ يقتصر على بناء ماضي األحداث بواسطة املصادر املتوافرة هلا. تبلورت هذه النظرية من النقد الذي وجه للمدرسة الوضعية، منطلقة من املنظور النظري الذي يقول: إ ن املاضي هو ما يكتبه – أو يقوله – املؤرخون عنه، وال وجود مستقًال له خارج وصفه يف املؤلفات التارخيية. يه أحداث املاضي هي أحداث ّ إن ما نسم مبنية على قرائن نستخلصها من بقايا املاضي املوجودة يف احلاضر، مث ننسبها إىل املاضي الذي ال نستطيع كشفه ومعرفته كما كان. ا أ ن ً وليس صحيح ً ا كبري ً نظرية البناء التارخيي تبتعد بنا عن قواعد البحث التارخيي، فإعطاء املصادر حيز ا، وكذلك االستفادة من ا ً مناهج العلوم اإلنسانية األخرى يكسبان البناء التارخيي متاس ًكا أكرب وجيعالنه مقنع . وقد أفضى عدم اقتناع نظرية البناء التارخيي بوجود آلية تستطيع املطابقة بني أحداث البناء التارخيي للمؤرخ واألحداث اليت وقعت ي يف املاضي، إىل تبين نظرية التماسك )Coherence ،)اليت تقول: إ ن صدق أ ح جة تارخيية مطروحة ينبع من متاسكها، وتناسقها مع حجج أخرى يف البناء التارخيي، ومع املصادر املستعملة فيه. التماسك يف البناء هو وحده الذي مينح العمل التارخيي صدقية، وليس تطابق ح جة املؤرخ مع الواقع التارخيي الذي ليس يف متناوله. الذاكرة والتاريخ: يربط مؤيدو املدرسة الوضعية بني املاضي التارخيي والذاكرة الشخصية، معتقدين أ ن التذكر الشخصي يشبه – إىل حد بعيد – كشف املاضي التارخيي الذي يقوم به املؤرخ. التذ كر – يف نظرهم – بوابة إىل التيقن بوجود ما ض تارخيي ميكن كشف بعض أحداثه. ويف املقابل يرى املشككون أ ن الذاكرة الشخصية، مثلها مثل املعرفة التارخيية، ليست قادرة على استعادة األحداث كما ا لقدرة الذاكرة وقدرة ا ً جرت، بل تبين األحداث طبق ملتذ كر على صووها من جديد. لقد واجه مفهوم الذاكرة إشكاليات معرفية عميقة، ولكن يقر كثري من دارسي الذاكرة بأ ن تعريفها باعتبارها املعرفة عن املاضي ا ال حيتمل اجلدل ً ا شافي ً ا على وجود معرفة عن املاضي ق ليس تعريف . ً وهناك اتفا عام على أن ليسكل 

ما حتويه الذاكرة شاهد . يف ا على وجود معرفة عن املاضي، بل حتمل اعتقادات زائفة عنه، ويف حاالت أخرى يكون ً كثري من 

احلاالت تكون الذاكرة شاهد هناك تذّكر ال عالقة له بأحداث املاضي، مثل تذكر مواعيد لقاءات يف املستقبل. و على الروم من االختالف املنهجي بني تعامل املؤرخني مع مصادرهم املكتوبة، وتعاملهم مع مصادرهم الشفوية القائمة على ل املقاربة املعرفية على أ ن الذاكرة وري قادرة على استعادة احلدث كما حصل، بل قادرة على بناء حدث الذاكرة الشخصية؛ تد يعتمد على ما تب قى من صور احلدث الذي حصل فعًال. ومهما حاول املتذكر؛ فلن يستطيع املطابقة بني )حدثه( املبين على التذكر واحلدث الذي حصل فعًال؛ أل ن هذا األخري لـم يعد له وجود يف احلاضر املدرك. هذه املقاربة املعرفية تعين أ ن منزلة املصادر الشفوية املعتمدة على التذكر بالنسبة إىل املؤرخ هي مبنزلة املصادر املكتوبة اليت تقود كلها إىل بناء األحداث ال إىل كشفها. تفسير أم تأويل؟ يرجع املؤلف مرة أخرى إىل مقاربة كارل بيكر لنقد ملدرسة الوضعية، والذي وصل إىل نتيجة مفادها أ ن ا ً التاريخ ليس علم )يكشف املاضي(، بل معرفة تعتمد على ما يكتبه املؤرخون؛ فمصادر املؤرخ من وثائق ومعلومات ليست أحداث املاضي، بل بقايا ألحداث اختفت ولـم تعد قائمة، ويقدمها املؤرخ لنا باعتبارها معرفة. واملؤرخ، يوسع احلاضر املدرك عن طريق توسيع دائرة )الذاكرة ألشياء قيلت وفعلت(، الذي يتم بتذكر مفتعل ألوصاف األحداث َق اليت حصلت، رابطً ح كتابته معىن يف احلاضر. واعترب بيكر أ ن أعمال املؤرخني لـ ا بينها بسلسلة من التفسري والتأويل، متن م تر إىل ً مرتبة العلم؛ أل ن كتابتهم تعترب نوعا من األدب، ومهما استعملوا من مناهج التفسري العلمي، يبقى تأويل أوصاف األحداث – ال مركزيا يف عملهم. تأويل األحداث نفسها – وينطلق الذين يتبن ون التفسري القائم على قوانني، من االعتقاد بأ ن احلدث التارخيي واقعي، مثله مثل أي ظاهرة واقعية بشكل س مستقل عن املؤرخ، واملؤرخ حني يفسر أحداث التاريخ املبنية، ويربط الواحد باآلخر يف مسار تارخيي، فهو يف الواقع ال ي ف رها كما حصلت، بل يق د ا هلا ً م تأويًال ال تفسري . ومبا أ ن كل حدث أو مسار تارخيي هو ظاهرة منفردة حصلت مرة واحدة وري بتأويل خصوصيته املبنية واملختلفة عن أحداث ومسارات أخرى مبنية، ومن الصعب ربطها بقوانني ضابطة متكررة، فاملؤرخ معين جتمع بينها، كما هي حال الظواهر الطبيعية املتكررة. 7 إ ن موضوع احث املؤرخ للظواهر التارخيية متعل ق بأفعال اإلنسان وأقواله، أي: إن ه مشابه يف جوهره ألفعال الباحث التارخيي وأقواله، وخمتلف جوهريا عن موضوع البحث يف الظواهر الطبيعية املتعلقة بفعل الطبيعة، كاألحداث اجليولوجية. التاريخ استرجاع بال عودة: ن يرى كولنغوود أ ن ا يف ممارسة املؤرخني مهنتهم، وأن نتفحص االدعاءات الرئيسة املوجودة مهمة فلسفة التاريخ هي أ نفكر ملي فيها. ويظ هر التحلل الفلسفي أ ن التاريخ هو علم التفكري – أو العقل املتأمل – حنو الداخل، على شكل خمتلف عن العلوم الطبيعية. ا ً ما مييز التاريخ باعتباره علم التأمل العقلي هو رؤيته األحداث باعتبارها تعبري عن عملية فكرية يف العقل، ال عملية سببية فيها م ب؛ هلذا: على التفسري التارخيي أن يأخذ شكل اسرتجاع تفكريي ال تعميمات استقرائية. ب، وم سب سب و على املؤرخ أن يسل م ويلتزم بأ ن العقل والتفكري قائمان فعًال، وأ ن وراء كل فعل أو ً ًا حيتاج إىل تفسري عن سلوك، تفكريا معين طريق العقل، ال عن طريق السببية فحسب، اليت تتناول سبب الفعل والسلوك يف مظاهره اخلارجية. وقد اعتربكولنغوود أ ن موضوع دراسة التاريخ هو أفعال اإلنسان وسلوكه، ال بصفتها أفعاًال فحسب، بل أعماًال مصحوبة بتفكري »داخلي«؛ لذلك: كي نفهم فعًال أو عمًال، ا عن طريق اسرتجاع العملية التفكريية اليت أنشأته ً علينا أن نضفي عليه وضوح . فالعالقة يف تفسري فعل إنساين تنشأ عن طريق عملية منطقية ذهنية يقوم هبا املؤرخ الباحث عن الدوافع الذهنية الداخلية اليت م عن جانبني: خارجي وداخلي. اخلارجي متمثل بشكل حركة الفعل املادي جعلت فاعل الفعل يقوم به. كل فعل إنساين ين البادي للعيان، والداخلي متمثل بالدوافع الفكرية عند صاحب الفعل. س فريىكولنغوود أ ن املؤرخ احلقيقي ال يسأل: »ما صنف احلدث الذي سبق احلدث ر وما صفاته؟ املف «، بل يسأل: »ما املربرات الفكرية اليت جت ا؟ ً ا وواضح ً عل الفعل مفهوم «. إ ن التاريخ اجليد واألصيل يسعى إىل اسرتجاع املعاين الفكرية اليت حدت بالفاعل أن يفعل فعله. م وقد رفض كولنغوود ما قد يتبادر إىل الذهن من أ ن رأيه هذا ين ا بعملية ً عن متاثل بني املؤرخ وفاعل احلدث التارخيي، مصحوب ً سيكولوجية داخلية. فكولنغوود ال يقصد بعملية االسرتجاع أ ن املؤرخ يسرتجع بالضبط أفكار الوكيل)الفاعل( ا التارخيي، بل نوع ً مشاهبا هلذه األفكار. والفشل يف معرفة أخذ املبين املعريف ومنطق دوافع الوكيل إىل منصة الفهم التارخيي، يقود املؤرخ إىل كتابة قصة أو سردية تارخيية سيئة، فاملؤرخ السيئ ينسخ نصوص مصادره من دون تف حص معانيها الداخلية. 8 هرمنويتيكا: تأويل ال تفسير: يقر ويليام دراي بالتقدير الذهين للمؤرخ يف اعتماد رأيه يف اختيار املربر الذي كان من املمكن أن خيتاره الفاعل التارخيي يف تربير فعل. فهم أ ن كي ال ي كل فاعل تارخيي هو عقالين. ا دعى دراي أ ن احلدود بني األفعال العقالنية وتلك وري العقالنية وري حمددة، وأن ه توج ين دراي مفهوم اسرتجاع د مساحة واسعة بني النوعني من األفعال جتعل املؤرخ يتعرض إليها ويصن فها إىل درجات. تب أفكار الفاعلني التارخييني، وإقراره بدور املؤرخ يف التقدير والتقومي من أجل اختيار مربرات الفعل، جعاله يقرتب من املدرسة اهلرمنويتيكية احلديثة. دلثي من أهم من وط د دعائم اهلرمنويتيكا احلديثة، حيث مجع بني اهلرمنويتيكا وفلسفته يعترب دارسو الفلسفة والتاريخ أ ن التجريبية-احلسية، أو اإلمبرييقية )Empiricism.) د رج من فهم ظاهر األفعال واألفعال اإلنسانية ونتائجها، إىل فهم باطن معانيها تعتمد اهلرمنويتيكا عند دلثي على تأويل مت الداخلية، ووضعها يف سياقاهتا التارخيية. الفهم – إذن – هو مسار ينتقل من الظاهرة احلسية اخلارجية إىل )احلقيقة( الداخلية القائمة يف باطنها. وي قر وادامري بأ ن سرب أووار السياقات الثقافية العامة والدوافع الثقافية العامة والشخصية اليت كانت و راء أي عمل تارخيي أمر ً صعب؛ إ ال أن ا ه يدعو إىل اتباع منهج هرمنوتيكي قادر على جعل هذه السياقات والدوافع أكثر فهم . يطلق على هذه السياقات اآلفاق الثقافية اليت تتكون منها وفيها األعمال التارخيية. 🙂The Fusion of Horizons( اآلفاق دمج ويقصد بأفق عند وادامري، ذلك املدى الثقايف الذي يستطيع املؤرخ أن يصل إليه من موقع مشاهداته وإدراكه. ومبا أ ن املؤرخ جزء من إرثه الثقايف، ومم ا حيمله من معتقدات وأعراف وأفكار، ويتعامل مع ثقافة املاضي، فهو من حيث يدري أو ال يدري يقوم احوار مع املاضي. جيري هذا احلوار عن طريق دمج أفق املؤرخ الثقايف بأفق الثقايف ألبناء الفرتة التارخيية اليت يبحث فيها، وهذا ّدعاة. كفيل بتحقيق )فهم( تارخيي يتضمن حقيقة م * * * * * 9 الفصل الثاني د على ما بعد الحداثة وإحياء الثقة بالتاريخ الر شحذ أسلحة قديمة في مواجهة ما بعد الحداثة: انقسمت آراء فالسفة التاريخ حول مفهومهم ألحداث الماضي إلى قسمين: قسم: يرى أ ن املؤرخني باستطاعتهم بناء أحداث املاضي من جديد عرب القرائن التارخيية املوجودة باملصادر، وهذا املفهوم ارتبط مبدرسة فلسفية )وضعية-واقعية(. والقسم الثاني: يعتقد أ ن األحداث املبنية على قرائن، وعلى سردية املؤرخ ال ميكن مطابقتها مع األحداث كما حصلت، وهذا يتبع مدرسة )مشككة-نسبية(، ال تؤمن بالوصول إىل معرفة تارخيية موضوعية. ومع بزوغ فكر ما بعد احلداثة، نشأ وضع جديد عندما خرجت من املدرسة املشككة-النسبية اجتاهات فكرية لـم تنف قدرة املؤرخني على تقدمي تارخيية ملا ض حقيقي وحسب، بل رأت أ ن ا مثل أحداث ً الكتابة التارخيية هي سردية، أحداثها متخيلة متام الرواية األدبية، على الروم من أ ا معتمدة على قرائن املصادر. ّن انربى عدد من املؤرخني والفالسفة للدفاع عن حرفية التاريخ ضد مقوالت ما بعد احلداثة، واليت وصفوها بالعدمية، ولكن هؤالء املؤرخني صاووا مقوالهتم حتت وطأة حتدي ما بعد احلداثة مستعينني بفلسفة وضعية جديدة، ومتخليني عن القدمية اليت م تعد ًضا من هذه احملاوالت يف الصفحات التالية قادرة على التحدي، وسنستعرض بع . ِح دفاع جيوفري إلتون عن رفية الكتابة التاريخية ال : يعترب إلتون أحد أهم املؤرخني املدافعني عن منهجية الكتابة التارخيية كما و ضعها رانكي ووريه يف القرن التاسع عشر، وأحد املتص دين إىل فكر ما بعد احلداثة. 01 م نظريات ما بعد احلداثة، كرس إلتون كتابه »ممارسة التاريخ« ففي أواخر ستينيات القرن املاضي، وقبل تبلور معالـ ) ( للدفاع عن التجربة العملية للمؤرخني ضّد ري وفالسفة التاريخ الذين أطلقوا أحكامهم على العملية الفكرية للمؤرخني، من دون أن منظ يدخلوا يف جتربة ممارسة البحث املعتمد على متحيص املادة التارخيية ونقدها. وبعد أن وضعت أفكار ما بعد احلداثة الكتابة التارخيية على حمل التحليل والنقد، أصدر إلتون كتابه »العودة إىل اجلوهر« شاحًذا فيه أسلحته القدمية يف كتابه األول، كي ينقذ حرفة التاريخ من براثن موجة الفوضى اليت خلفتها ما بعد احلداثة. ي راء التاريخ أ ال يعتمدوا على مؤر خ ها و مهما كانت السردية اليت يعرضها سلسلة، بل على مؤرخ حمرتف، يعتمد طالب إلتون قـ مناهج البحث والكتابة التارخيية املتفق عليها منذ رانكي. ومع أ ن املؤرخ احملرتف يسعى إىل معرفة واقعية املاضي؛ إ ال أن ه ال يستطيع الوصول إىل احلقيقة النهائية هلذه 

الواقعية، وال يستطيع أن يق دم سردية فوقية؛ لتكون نظرية عامة حول مسار التارخيي احلتمي املضبوط بقواعد التطور احلضاري 

اإلنساين، كما يعتقد أصحاب النظريات األيدولوجية. وحتت ضغط موجة ما بعد احلداثة ش ن إلتون هجومه على أشكال التنظري الفلسفي كلها. هذا التنظري الذي يقوض منهجية التاريخ َ ر وح فيته، فالتاريخ الصحيح – من وجهة نظره – هو ما يكتبه املؤرخون احل َ رفيون الذين يهتمون بتجارب وأفكار وأعمال الناس الذين عاشوا يف املاضي، ال بالناس الذين يعيشون يف احلاضر وما حيملونه من مهوم وأفكار. ومن هذا املنظار إىل التاريخ التام أو الصحيح، يرى إلتون أ ن استعمال أي نظرية، اجتماعية كانت أو فلسفية، يقود املؤرخ املنظّر إىل مالءمتها مع أفعال الفاعلني التارخييني وأفكارهم. ففي رأيه النظرية تقود إىل انتقاء القرائن، ومن َمث تسكب عليها املعاين. فيعتقد إلتون أ ن ً املؤرخ املنظّر يصوغ أسئلته و حيدد أجوبته مسبقا من أجل دعم النظرية. ويو جه إلتون نقده إلى نوعين من استخدام النظريات: األول: متعلق بالنظريات الفلسفية اليت تنفي واقعية املاضي، وترى أ ن كتابة التاريخ هي يف األساس انتقائية، مرجعياهتا ليست خارج نصوصها وسياقاهتا، وهي بالتايل ال تعرب إ ال عن نفسها. ( 2 ) Geoffrey Elton, The Practice of History (Glasgow: Collins 1969). 00 الثاني: مرتبط بنظريات وفرضيات علماء االجتماع اليت يستعملوّنا يف االستنتاج ووضع الرباهني. فيعترب إلتون أ ن استعانة التاريخ ا من حيث اهلدف واملنهج، ونابعة ً ا مشاهب ً بنظريات مماثلة لتلك املستعملة يف العلوم االجتماعية نابعة من حماولة جعل التاريخ علم من مفهوم خاطئ ملصط ا معياري ً لح العلم باعتباره مقياس ا ملعرفة مؤكدة مطلقة، وهذا ما ال يوافق عليه. ل كتابات إلتون على أن وتد ه يقر بوجود إبستيمولوجيا ومناهج خاصة ومستقلة هلذا التاريخ الساعي إىل استعادة أحداث املاضي احلقيقية، وليس إىل صووها كما تصاغ األعمال األدبية. م ويف النهاية أزرى إلتون هبذه املوضات – يقصد ما بعد احلداثة – واليت ال تن عن تقدم يف النظرية التارخيية اليت تعاين )االنتقائية املنحازة للقرائن(، وقد طالب املؤرخ احملرتف ختليص دراسة التاريخ من )املطرقة املزعجة( للنظريات األيدلوجية اليت ال حترتم املاضي، واليت ختضع عمل املؤرخ ملخططات تفسريية مسبقة، و جتربه على مالءمة قرينته لنموذج فكري مفروض من اخلارج، ويعزو إلتون أصول هذه النظريات اجلديدة إىل )فريوس( نشره فرنسيون مميزون بالقدرة على التنظري. إمبيريقية جديدة في مواجهة التشكك: ونعرض هنا املقاربة الفلسفية ألحد أهم ممثلي الفالسفة يف الرد على مفكري ما بعد احلداثة، وهو كريستوفر هبان ماكوال (McCullagh (الذي كرس جهوده للدفاع عن مصداقية املعرفة التارخيية. متثل دفاعه وفلسفته يف مقاالت عديدة وثالثة كتب: »إثبات الوصف التارخيي؛ صحة التاريخ؛ ومنطق التاريخ: استعراض ملشهد ما بعد احلداثة«، حاول من خالهلا تطوير طريقة إمبرييقية جديدة )Empiricism New )يعتمد عليها مؤيدو نظرية الواقعية التارخيية. ترتكز فلسفة ماكوال التارخيية على إدراك متمثل يف اإلميان بأ ن معطيات املؤرخ ومعلوماته واستدالله واستنتاجه صحيحة وموثوق هبا احيث متنح الوصف التارخيي مصداقية وواقعية. ويقر ماكوال بصعوبة الوصول إىل معرفة مطلقة لألحداث كما حصلت، ويوافق على أن اختالف الثقافات وقصور اللغة عن وصف الواقع يعيقان معرفة األحداث واملسارات التار خيية،كما حصلت فعًال يف املاضي. ً ويف كتابه: »منطق التاريخ« ا على فلسفته اإلمبرييقية احلديثة، وهو ا جديد أطلق امس »النظرية النقدية للحقيقة« ) Criticalً َقها على مفهومة للواقعية التارخيية وصدق أوصاف املؤرخني احملرتفني. ويطب(، Theory of Truth 02 

سع جتاربنا حاجج ماكوال يف معرض رده على املشككني يف املعرفة التارخيية بأ ن معرفتنا للواقع ليست ثابتة، بل متطورة احسب

 تو وزيادهتا، وهي اليت تعل منا كيف نستطيع االعتماد على تصوراتنا. إ ن معرفتنا أحداث املاضي وصيغه االجتماعية متجددة بفعل حت سن أدوات البحث التارخيي، واملؤرخون يستطيعون التأكد من أ ن أوصافهم التارخيية هي جزء من تفسري م تميز للقرائن املتاحة، ًض عولون على صدقية هذه األوصاف. ا قضية فهم النص، وعالقة هذا الفهم بصحة املعرفة التارخيية، حماوًال ما جيعلهم ي وتناول أي ّ سرب أووار عالقة النص بالسياق الثقايف والسي اتكاتبه وفهم قارئه اسي واالجتماعي الذيكتب فيه، وعالقة النص بني . و أل ن األفعال اإلنسانية هي اليت تصنع األحداث واملسارات التارخيية؛ تطرق ماكوال آلراء الفالسفة الذين حاولوا فهم األسباب الذهنية عند الفرد اليت جتعله ي قدم على فعل معني، وكذلك اجلماعات، وقد خلص إىل نتيجة تناسب نظريته النقدية – كما يسميها – تفيد بأ ن املؤرخني الباحثني عن أسباب األفعال اإلنسانة يبنون فرضياهتم على قرائن ال تكفل بالضرورة إعطاء تفسري سر ا منها، وذلك أل ن ف ًض كامل هلذه األفعال، بل تكفي أل ن ت بع املؤرخني أنفسهم يركزون عادة على جوانب معينة يريدون تفسريها، ويهملون جوانب أخرى. ب ً ويف النهاية: ا يص جيوز لنا أن نعترب فلسفة ماكوال النقدية رافد يف ّنر نظرية استعادة املاضي اليت ب شر هبا رانكي يف القرن التاسع عشر، وهي اليت عزها مؤرخون أمثال إلتون للرد على هجمات ما بعد احلداثة. لكن الفرق بني ماكوال وهؤالء املؤرخني أن ه لـم يدفن رأسه يف الرمل متحاش ً يا عرض حجج ما بعد احلداثة املتميزة بالتنظري احملكم. نحو واقعية عملية: يف ّناية القرن العشرين؛ أسهم بعض املؤرخني يف النقاش الذي أثاره مفكرو ما بعد احلداثة حول املعرفة التارخيية، ومن هؤالء: املؤ رخة )إليزابيث فوكس-جينوفيز( اليت تعاونت مع )إليزابيث الش-كوين( يف إصدار كتاب يضم مقاالت لعدد من املؤرخني يتناولون فيها التمايز والتناقض الذي حصل يف أواخر القرن العشرين بني احلداثة وما بعد احلداثة يف الكتابة التارخيية. ويقدم ً كتاهبما »إعادة بناء التار يخ« حججا مضادة لتلك اليت ق دمهما مونسلو، كأحد املدافعني عن ما بعد احلداثة. تدعم فوكس-جينوفيز الكتابة التارخيية ذات التوجهات احلداثية، حيث تعترب أ ن قيم احلداثة ملتزمة مبهنية املؤرخني، وقيم ما بعد ً احلداثة تنزع – يف نظرها – ا من فروع البحث املستقلة يف دراسة املاضي التارخيي عن التاريخ منزلته الرفيعة باعتباره فرع . وتشري ًض جي أي ا إىل أ ن معون يف أولبيتهم العظمى املؤرخني الذين يعملون وفق مفاهيم احلداثة يف استعمال القرائن واستخراج احلقائق، و ّن و ا تق على أ م قادرون على تقدمي أعمال تارخيية ذات مصداقية، تصد هجمات ما بعد احلداثة، اليت تر ً ج أفكار ض الكتابة التارخيية، ا خيالي ً ا باعتبار الكتابة التارخيية كلها أدب ً باعتبارها حرفة تعتين بدراسة املاضي، وتصدر أحكام ا وليد ظروف احلاضر، 03 ًض ومطع ا أ ن ا مبصاحل وآراء املؤرخني، وتزعم أي ً م فكر ما بعد احلداثة جيعل الفرد سجني اخلطاب الثقايف حلاضره وجمتمعه، ما يؤدي إىل إبعاد املؤرخ عن التشبث بقيم البحث التارخيي املعتمد على حتييد ظروفه ومصاحله. ويف الواليات املتحدة قامت ثالث مؤرخات معروفات: )جويس أبلييب، ولني هنت، ومروريت جاكوب(، وبغرض حتدي هجمات ما بعد احلداثة، أسسن نظرية وأطلقن عليها اسم 

الواقعية العملية )Realism Practical )باعتبارها بديًال من الواقعية التقليدية اليت ب شر هبا رانكي، واليت تبناها بعض فالسفة التاريخ، ومن َمث عززها إلتونتعترب أبلييب وزميلتاها أ ن تبين مفكري ما بعد احلداثة النظريات اللغوية اليت ترى أ ن اللغة مبنية

 على عالقة اعتباطية بني الدال واملدلول، هو العامل احلاسم يف هدم أركان نظرية التطابق بني الوصف التارخيي والواقع، ويعتربن النقاش حول العالقة بني التاريخ وما بعد احلداثة يدور يف األساس حول ك ة بني سجالت املاضي وتأويل هذه السجالت يف سردية املؤرخ ّ يفية جسر اهلو . ويش ددن على أ ن عدم تطابق املاضي مع ما يكتبه املؤرخون، وذلك ال يعين، أن يتوقف املؤرخون عن توخي الدقة، والتصدي للنسبيني املناهضني للواقعية، والزاعمني باستحالة التطابق، ويتفقن على أ ن املؤرخ الواقعي العملي يدمج بني جتانس السردية اليت يقدمها، وحتليل أسباب األحداث ومساراهتا وسياقاهتا االجتماعية. وتشدد ألييب وزميلتاها على أ ن وصف واقعية املاضي جيب أن يبقى يف املرتبة األوىل على سل م أفضليات املؤرخ الذي يتوجب عليه أن يبقى يقظً تغليب التعبري الكتايب على مادته التارخيية، كي ال تلحق صياواته اللغوية الضرر بدقة وصفه لواقعية ا ال جينح إىل املاضي. ً ا مبنيا على خطابات، كما ي دعي منظرو ما بعد احلداثة الذين ال يعريون أمهية للمصادر. التاريخ فالتاريخ يف نظرهن ليس خطاب هو استعادة املاضي التارخيي من خالل القرائن املستنبطة من املصادر، ودوافع املؤرخني الشخصية، واستعماهلم مصادر عري يهم الوصول إىل موضوعية حمدودة ّ حمايدة، ال تعيق احثهم عن واقعية املاضي، وتوخ . اتهام ما بعد الحداثة بقتل التاريخ: كان كيث ويندشتل (Windschuttle. K (أحد املؤرخني الذين تصدوا هلجمة ما بعد احلداثة على التاريخ، ووصف هذه اهلجمة بكلمتني: »قتل التاريخ« ا ثانوي ً ، كانتا العنوان الرئيس لكتابة الذي أضاف إليه عنوان ا يكشف فيه عملية القتل وهوية 04 ) ( القاتل: »كيف اوتال النقد األديب واملنظرون االجتماعيون ماضينا؟« ، ويشرح ويندشتل يف كتابه الدوافع والعوامل اليت أ دت إىل )القتل( ا ً ا، واعرتاضه على اعتبار التاريخ أدب ً ، ويعرض يف الفصلني األخريين دفاعه عن استقامة وأمانة التاريخ باعتباره علم . ويف نظر ويندشتل: إ ن أحد أسباب جناح اقتحام مفكري ما بعد احلداثة العلوم اإلنسانية و االجتماعية هو وموض وتعقيدات كتابتهم، فحني يصطدم قارئ وري متمرس هبذا الغموض، حماوًال التعرف إىل ما بعد احلداثة، أو إىل اهلرمنويتيكا، أو على ما بعد البنيوية، فهو يظن أن ه يقرأ لغة أجنبية ال يعرفها. واألخطر يف كل هذا، يف رأيه، هو أن األوساط األكادميية الغربية بدأت تعترب عن ّ ا يف الكتابة على اعتبار أن الغموض يعرب ً ا من ضروب الضحالة، فيتخذ بعضهم من الغموض منهج ً الكتابة الواضحة ضرب تفكري عميق، وعن منزلة رفيعة. إ ن أمهية كتاب ويندشتل ال تكمن يف حججه اليت ق دمها يف نقاشه مع فكر ما بعد احلداثة؛ فهو لـ ا، ً م يضف كثري ولـم يقارع احلجة باحلجة، بل تناول بشكل مف صل وواضح تيارات فكر ما بعد احلداثة، ً متهما إياها بتعطيل مهنية التاريخ. وكي يكون أكثر ا قدم ويندشتل أمثلة من البحث التارخيي، ب ني ً وضوح فيها قصور مفكري ما بعد احلداثة الذي حيشرون نظريات املنحى الثقايف، املعتمدة على البنيوية وما بعد البنيوية، يف تفسري أحداث التاريخ ومساراته. التشييد االجتماعي والمعرفة التاريخية: استعمل مصطلح التشييد االجتماعي )Construction Social )يف كثري أدبيات العقود األخرية، ونكتفي بعرضه وحتليل معناه من خالل كتاب إيان هاكينغ )Hacking. I( )1 57 )-الذي صدر يف عام )5777م(، حامًال يف عنوانه املصطلح نفسه: »التشييد االجتماعي ملاذا؟« ) ( . ك يعتقد دارسو أعمال هاكينغ أ ن ون وميشيل فوكو كانا من أهم املفكرين الذين أثروا يف فكره الفلسفي والعلمي . تركزت دراساته يف بداية حياته األكادميية على فلسفة العلوم. لكن مقارباته التارخيية هلذا املوضوع قادته، يف تسعينيات القرن املاضي، إىل االهتمام الزائد يف العلوم اإلنسانية. ويشري هاكينغ إىل أ ن كثريين من دارسي العلوم استعملوا مصطلح التشييد االجتماعي من دون أن ورها. يعطوه حقه يف فهم منظومة العلوم وتط ( 3 ) Keith Windschuttle, The Killing of History: How Literary Critics and Social Theorists are Murdering our Past (New York: Free Press, 1997), 99. 2-5. ( 4 ) Ian Hacking, The Social Construction of What? (Cambridge, mass: Harvard University press, 1999). 05

ويعتقد هاكينغ أ ن مفعول التشييد االجتماعي ال يقتصر على تصوير الواقع، بل يتع داه إىل صياوة هذا الواقع وتغيريه، فالناس ا لهكأ ّن 

يبنون مفاهيمهم االجتماعية، ويتبن ون ما بنوه؛ ً ليسلكوا وفق م يبنون أنفسهم. يرى هاكينغ الفوكوياني – نسبة إلى فوكو – أ ن للتشييد وجهين: § تشييد اجتماعي نفهم الواقع من خالله. § تشييد اجتماعي نبين الواقع من خالله. وكي ال يفهم أن ه مؤمن باحلتمية، يضيف هاكينغ أ ن ا، بل كان من املمكن ً ا ومفهوم ً ا حمتوم ً الواقع االجتماعي لس قدر أن يكون ا ل ً مغاير ـ َ ما هو عليه اآلن. ً حتميا. الواقع هو نتيجة تطور تارخيي، فيهكثري من املصادفة واالحتمال، وليس تطورا تأثري فلسفة هاكينغ يف معرفية الكتابة التارخيية ومنهجيتها. يمكن اختصار هذا التأثير على النحو التالي: إ ن المؤرخين، حين يبحثون الماضي، يتعاملون مع نوعين من التشييد االجتماعي: عقائدهم وفهمهم للواقع، وأثر يف أفعاهلم وأفكارهم. األول: خيص التشييد االجتماعي للجماعات واألفراد يف زمنهم الذي ح دد الثاني: تشييد اجتماعي خيص احلاضر الذي يؤثر يف فكر املؤرخ ومنهجه يف احثه وكتابته. ولفهم أكرب لتأثري فلسفة هاكينغ نعرض رأيه حول عملية البحث التارخيي كما تتمثل يف األسئلة واالجوبة اليت يستخدمها املؤرخون. ًض فعلى الروم من األسئلة واالجوبة تظهر وكأ ن تناق ا ي فرق السؤال التارخيي عن جوابه، إ ال أ ن املؤرخني ال يستطيعون يف واقع االمر أن يتخلصوا من الربط بينهما. ويف نظره، حىت لو فرضنا أ ن ا عن عال ً املادة التارخيية املدروسة منفصلة دائم ـم املؤرخني، فهؤالء يبدؤون احوثهم، على األولب، ً ا حامس ً دين خبلفيات مرتبطة بتشييدهم االجتماعي الذي يؤثر فيهم تأثري ّ مزو ا. ه التشييد االجتماعي املؤر ّ يوج خني حنو احوثهم، وحيدد هلم املفاهيم اليت بواسطتها يطرحون فرضياهتم وأنواع األسئلة اليت يسألوّنا. صحيح أ ن املصادر اليت يستخدمها املؤرخون 06 هي، على األولب، خارج نطاق تشييدهم االجتماعي؛ إ ال أ ن أجوبتهم املعتمدة على هذه املصادر مرتبطة بنوع األسئلة اليت يطرحوّنا؛ ا نوع اإلجابة عنها ً وبالتايل حتدد مسبق . لوا األحداث اليت عاشها الناس يف ّ ا من املاضي، أي مبقدورهم أن حيو ً التشييد االجتماعي جيعل املؤرخني يبنون ويستبدلون أنواع املاضي إىل أحداث من نوع جديد م يكن هلا وجود يف عا م املفاهيم عندما حدثت، وهذا متعلّق باستعمال تسميات ومصطلحات احلاضر لوصف حاالت يف املاضي ق خون أّنا مشاهبة لتسمياهتم ومصطلحاهتم ّ د يعتقد املؤر . ً محاولة الكليومترية جعل التاريخ علما: حني بدأت عواصف فكر ما بعد احلداثة هتز فكرة علمية الكتابة التارخيية، دار نقاش بني جيوفري إلتون املدافع عن منهجية الكتابة التقليدية كما وضعها رانكي، والرافض يف الوقت نفسه فركة علمية التاريخ، وبني املؤرخ األمريكي روبرت وليم فوول، أحد املدافعني عن التاريخ االقتصادي-االجتماعي العلمي، أو التاريخ اجلديد، كما تعرفه األدبيات التارخيية. وينتمي فوول إىل مدرسة تارخيية ظهرت يف الواليات املتحدة يف ستينيات القرن العشرين، محلت اسم )Cliometrics ،)واعتمدت على القياسات الكمية يف عرض أحداث ومسارات ذات صلة بالتاريخ االقتصادي-االجتماعي وشرحها. يزعم فوعل أ ن منهج الكليومرتية هو منهج علمي خيتلف عن التاريخ التقليدي من حيث معاجلة القرائن التارخيية. فمنذ القن التاسع عشر اهتم التاريخ التقليدي، يف نظره، بالسياسة وأمهل النواحي االقتصادية واالجتماعية. ويرى فوول أ ن ا عن التوجه اجلدي يف تطبيق العلوم االجتماعية والقياسات الكم ً ظهور مدرسة أنال يف فرنسا كان تعبري ية يف دراسة التاريخ. واعترب أ ن نفور املؤرخني التقليديني من اإلحصاء والقياسات الكمية نابع من تبن يهم مبدأ جال القانون واحملققني يف معاجلة القرائن وشهادات األفراد ذوي العالقة باألحداث. تتوخى الكليومرتية دراسة مناذج السلوك ليس عن طريق ختيل دوافع هذا السلوك، بل قياسه بواسطة معادالت رياضية، ومن َمث البحث عن قرائن كمية تثبت صحة أو عدم صحة هذه املعادالت اليت تؤدي، يف النهاية، إىل معرفة التطور يف املاضي. ففي نظر فوول يركز املؤرخون التقليديون على أفعال األفراد وأفكارهم وعلى وصف هيكلية مؤسسات معينة من دون حتليل األطر العامة اليت حتصل فيها هذه األفعال واألفكار والوظائف. مبعىن آخر، يعتم هؤالء بأحداث وري متكررة، حتصل مرة واحدة ال ما الكليومرتية؛ فتهتم بقياسات كمية لتفسري األحداث الفردية، وكشف ظواهر متكررة تفصح عن حالة عامة جيمع بينها شيء. أ أو سلوك عام يف احلياة االجتماعية. 07 ويزعم فوول أ ن مصداقة الكليومرتية العلمية أدت إىل رواج الدراسات التارخيية الكمية، وأنشأت هلا جمالت ختصصية عديدة. وأدت

اهمية المعرفة التاريخية 

 كذلك إىل ظهور منافسة بني منوذج التاريخ التقليدي ومنوذج »التاريخ العلمي«، من حيث مناهجها ومفاهيمها واليت ميكن تلخيصها يف اآليت: ا بني الكليومرتية والتاريخ التقليدي؛ أل ن املؤرخ الكليومرتي )العلمي( يركز على اجلماعات ا مركزي ً § ميثل موضوع البحث خالف اإلنسانية وعلى تكرار األحداث، بينما يركز املؤرخ التقليدي على أفراد معينني، وأحداث منفردة وري متكررة. § يركز التقليدي على قضايا تارخيية يكون حلدسه العشوائي الكلمة األخرية، بينما يركز املؤرخ )العلمي( على حتليل القضايا التارخيية بواسطة تصنيفها وتنظيمها وقياسها. رض أحكامه إىل اخلطأ، جيمع املؤرخ )العلمي( ع ا للمؤرخ التقليدي الذي يكتفي بالقرائن املكتوبة وري الكمية اليت ت ً § خالف ا منها معلوماته القابلة للقياسات الكمية ً القرائن املتعددة، مكون . § وبينما يف ضل املؤرخ التقليدي عدم التعاون مع زمالئه يف اعتبار أ ن العمل التعاوين ينفع يف املصانع ال يف البحث التارخيي، يعتمد املؤرخون )العلميون( على البحث اجلماعي. رائهم، يعتقد املؤرخون )العلميون( أ ن أعماهلم ال هتم اجلمهور العريض ـ § حياول املؤرخون التقليديون ض م اجلمهور العريض إىل ق الذي يقرأ التاريخ من أجل املتعة والتسلية، بل هتم مؤرخني ومثقفني معنيني بفهم تارخيي )علمي(. ويف معرض ر د إلتون على هذه الفروقات اليت شرحها فوول، ويف حماولة خللق تعايش ريف، ح ذ بني الكليومرتية والتاريخ احل ر ّدعون العلمية، أمثال فوول، من االستمرار يف نظرهتم املتعجرفة، واملؤرخني احلرفيني من التعصب االعمى نتيجة املؤرخني الذين ي شعورهم بأن منهجهم مهدد. الكتابة التاريخية علمية منذ رانكي: وسنعرض ههنا مقاربة أفيزير توكر )Tucker. A( ،)5711 ،)-أحد فالسفة التاريخ اجلدد الذين يدافعون بقوة عن علمية )1 )الكتابة التارخيية، من خالل كتابه: »معرفتنا املاضي: فلسفة الكتابة التارخيية )

 (« ، وما زالت أصداؤه تشد كثريين من املهتمني باملعرفة التارخيية

مييز توكر بني مصطلحي: )التاريخ(، و)الكتابة التارخيية( ، فيع ر ًضا رف الثاين باعتباره عرو ف األول باعتباره أحداث املاضي، ويع مقدمة ومتمثلة يف تأويل أحداث املاضي على شكل نصوص وأفالم وتسجيالت صوتية، وهو إنتاج املعرفة حول املاضي بصورة جاهزة الستهالك القراء. إ ن الفصل بني التاريخ والكتابة التارخيية، عنده، موا ز للفصل بني الطبيعة اليت يدرسها العلماء والعلم الذي يدرس هذه الطبيعة، ما يعين أ ن توكر يرى أ ن ا مستقًال عما يكتبه املؤرخون ً للتاريخ وجود . ففلسفة الكتابة التارخيية تدرس إبستيمولوجيا معرفتنا للتاريخ، والعالقة بني الكتابة التارخيية والقرائن، وال تدرس التاريخ مباشرة، وإن فعلت ذلك حت ولت إىل جمرد كتابة تارخيية علمية تدرس التاريخ عرب قرائنه الباقية. يرى توكر أ ن عالج ُ فلسفة الكتابة التاريخية ت ، ثالثة جوانب رئيسة: § الفينومينولوجي )Phenomenological ،)والسؤال املركزي يف هذا اجلانب هو: كيف يفهم املؤرخون مشاريعهم البحثية؟ لذلك يقوم اجلانب الفينومينولوجي بتحليل التجربة الواعية للعلماء أو املؤرخني، من خالل تقومي مالءمة مشاريعهم البحثية لقيم الوعي املطلوبة عندهم وعند اآلخرين. ً § الوصفي )Descriptive ،)ا وحياول اجلانب الوصفي أن يعرض الصفات اليت تتمتع هبا الكتابة التارخيية باعتبارها فرع من فروع الدراسة. § التوجيهي )Prescriptive ،)ويتناول هذا الفرع املعايري الصحيحة ملمارسة الكتابة التارخيية، كما يفعل بعض فالسفة التاريخ الذين ينصحون املؤرخني بتبين مناهج يف الفهم والتفسري التارخييني. وحي َذر توكر من اخللط بني اجلانب الوصفي واجلانب الفينومينولوجي؛ أل ن ا إىل مزج بني وصف الكتابة ً هذا اخللط يؤدي حتم ف ّكر به املؤرخون حول ممارستهم التارخيية ووصف ما ي . كما أن ه حي ّذر من خلط اجلانب الوصفي مع اجلانب التوجيهي الذي يؤدي، إىل مزج الوصف 

ممارستهم التارخيية ووصف ما ي

بالنصائح املقرتحة يف شأن الكتابة التارخيية )الصحيحة(. يتبين توكر متييز الفيلسو ف ليون وولدشتاين الذي مييز بني املنتج النهائي التارخيي الذي يظهر على شكل سردية معروضة جلمهور القراء، يطلق عليها البناء الفوقي )Superstructure ،)وعملية البحث التارخيي اليت يقوم عليها املنتج وما يصاحبها من تعامل رفية، ّخ مع القرائن ووريها من نشاطات ح املؤر ويطلق عليها البناء التحيت )Infrastructure .)ويعلن توكر أ ن كتابه يركز على إبستيمولوجيا البناء التحيت هبدف فهم طرائق البحث يف الكتابة التارخيية العلمية اليت تساعد يف تقومي املعرفة التارخيية. 09 ويقسم توكر فلسفة الكتابة التاريخية إلى قسمين: § فلسفة الكتابة التارخيية العلمية، وهي املرتبطة باإلبستيمولوجيا، وهذه تستعمل اجلمل السردية هبدف وضع احلدث يف مساره التارخيي. § يمي أخالقي، ونواحي سياسية ومجالية فلسفة الكتابة التارخيية التأويلية، وهذه تضم يف تأويلها نواحي ذات طابع ق ، وتستخدم اجلمل السردية هبدف إبراز أمهية احلدث وما حيمله من قيم. يقارن توكر بني فلسفة العلم وفلسفة الكتابة التارخيية ا أ ن ً ، مستنتج ا إىل حد التوافق بني املقاربات النظرية اليت ً ا كبري ً هناك تشاهب عاجل االثنتني ت . فتعتمد مقاربات فلسفة الكتابة التارخيية على القرائن اليت تثبت صحة هه الكتابة، يف الوقت نفسه الذي تقوم فيه الكتابة التارخيية بتقدمي تفسري للقرائن. ما التشكيك ور د توكر على املشككني يف وجود معرفة تارخيية مؤكدة، والذي يعزون عدم وجودها إىل خيارين ال ثالث هلما: إ ما وجودها اخلفي )Esotericism)الذي يعيق تفسري كيفية وجودها وملاذا هي موجودة، )Skepticism )املطلق بوجودها، وإ وللرد على هذين اخليارين اعتمد توكر على مبدأ التوافق )Consensus )ا ثالثة شروط هلذا ً بني املؤرخني على وجودها، واضع املبدأ: ً 1 -ا على إكراه أن يكون توافق املؤرخني ليس قائم )coerces-Un.) ً 3 -ا من مؤرخني متغايرين أن يكون التوافق قائم يف وجهات نظرهم. 9 -أن يضم هذا التوافق جمموعةكبرية جًدا من املؤرخني. أظهر تطور الكتابة التارخيية يف نظر توكر، أ ن هؤالء املؤرخني يتوافقون على نتائج احوثهم التارخيية بشكل مستقل عن اختالف مصاحلهم، وتبدل الفرتات التارخيية، والسياقات اليت يكتبون فيها، ومستقل عن تنوع اعتقاداهتم وآرائهم السياسية. وخيتلف هذا التوافق عن توافق مجاعة متجانسة )Homogeneous )تصل إىل توافقها باإلكراه من سلطة معينة أو أيديولوجية مشرتكة. ويرى توكر أ ن النموذج – املثال للكتابة التارخيية العلمية ظهر يف أملانيا، يف النصف األول من القرن التاسع عشر، حني ومن َمث انتشر إىل سائر العالـم حني حصل توافق تلقائي بال إكراه بني مجاعة متغايرة يف التوجهات كانت قد تبنت مفاهيم ونظريات وقيم 21 إدراك مشرتكة، وأخذهتا من ثالثة فروع يف الدراسة: نقد النصوص التوراتية والفيلولوجيا الكالسيكية ودراسة اللغات املقارنة. ويرجع تأسيس هذه الكتابة العلمية يف بداية القرن التاسع عشر إىل رانكي حني تبين مناهج إدراك جديدة قائمة على مجع القرائن، نقدها، حتليلها، ومن َمث االستنتاج. يف هذا الفصل سنعرض تعامل املؤرخني وفالسفة التاريخ مع األحداث والسياقات واملسارات التارخيية وحتليلها، دون العودة إىل نقاشات القضايا املعرفية واملنهجية اليت أبرزناها يف الفصلني السابقني، ومتوخني معرفة طبيعة الكتابة التارخيية كما تظهر يف األعمال التارخيية الفرق بين أحداث الحوليات والكتابة التاريخية: ننطلق يف هذا العرض من املقارنة بني املواد اخلام املكتوبة، والكتابة التارخيية اليت تعتمد على هذه املواد يف بناء منتجات تارخيية جاهزة الستهالك القراء، وسنعتمد يف هذا العرض على كتاب وليم ولش )Walsh W( )5 57-5781« :)مقدمة إىل )1 )فلسفة التاريخ« ، والذي ميز فيه بني املواد اخلام التارخيية املوجودة يف بقايا املاضي، ومنتج الكتابة التارخيية يف احلاضر. يستعني ولش بفيلسوف التاريخ اإليطايل بنيدتو كروتشه الذي ميز بني التاريخ )التام( )History Proper ،)والكتابة التارخيية احلولية )Chronicle )ة ّ ا األول باألفكار احلي ً ، واصف )يف احلاضر( حول املاضي، والثانية بامليتة والغامضة. ّد إ ن املؤرخ، يف نظر ولش، ال يكتفي بسرد ى األحداث، بل يتع ذلك إىل حماولة عرض أسباب حدوثها، وحني يفشل يف ذلك، بسبب قلة القرائن، جيد نفسه يروي أحداثًا عرضية منعزلة ال تعطي الصورة الكاملة املتجانسة. مييز ولش بني التاريخ التام والكتابة التارخيية احلولية، وهذا التمييز يقربنا من حماولة فهم العالقة بني احلدث التارخيي واملسار. فالكتابة التارخيية احلولية – مثل الكتابات السنوية، مثل مذكرات أفراد، وتقارير 

رمسية حلكومات ووريها 

– تش ّكل مصادر أوىل بها من جديد، وخيتار منها ما هو مناسب له، ومن َمث ّ للمؤرخ يسعى إىل تقدمي منتج تارخيي، يؤول فيه هذه املصادر، ويرت يضعها يف مسار تارخيي على شكل سردية ويف معرض املقارنة بني الكتابة التارخيية احلولية، واملنتج النهائي، يرفض الفيلسوف األمريكي أرثور دانتو تشبيه املؤرخ املهين بشاهد عيان عايش األحداث، كما روج لذلك بعض فالسفة التاريخ واملؤرخني الوضعيني-الواقعيني، فالكتابة التارخيية يف احلاضر اتستطيع أن تنظر إىل األحداث من منظار الزمن الذي وقعت فيه، حنيكان هذا الزمن حاضر؛ وبالتايل ال متلك الكتابة التارخيية قدرة الكتابة التحليلية على تقدمي تفصيالت أوصاف األحداث حني وقوعها. إن كاتب احلولية )املثالية( ا إ ً ميلك مدخًال مباشر ىل زمن وقوع األحداث، بصفته احلاضر املدرك الذي يعيش فيه، ما مي كنه من وصف هذه األحداث كما شاهدها، أو مسع عنها. ويعتقد بعض املؤرخني وفالسفة التاريخ بأ ن املؤرخ ال يستطيع أن يعود إىل الوراء ليدخل من جدي يف زمن وقوع االحداث، يف زمن ماض. فهذه اهلوة الزمنية بني حاضر يعيشه املؤرخ وماض عايشه كاتب ًضرا ن يبحث عن مصادر من بقايا املاضي، يعتقد بأ ا تساعده يف جسر هذه اهلوة، ّن احلولية حني كان حا ، حتت م على املؤرخ أ ا سهًال، بل اعتربه البعض مستحيًال ً وهذا ليس أمر . المنظورية التاريخية ومنظورية المفاهيم: يطلق مصطلح املنظورية التارخيية )Perspective Historical ،)على رؤية املؤرخني ألحداث التاريخ ومساراته من خالل منظار احلاضر. استعار املؤرخون وفالسفة التاريخ هذا املصطلح من فناين الرسم الذي يرون أ ن املنظورية متنحهم القدرة على رسم صورة ذات ثالثة أبعاد على سطح مستو ذي بعدين. واملؤرخون على خمتلف مشارهبم املعرفية واملنهجية، يقاربون أوصاف املاضي املوجودة يف احلولية املثالية عرب املنظورية التارخيية. وهلذا نرى – مثًال – أ ن فوكو املشكك يف صدق املعرفة التارخيية يبحث يف األرشيفات ووريها من مصادر أوىل )كتابة حولية مثالية( كي يصل إىل قرائن تثبت أ ن كل حقبة معرفية )إبستيم( ختتلف يف )اخلطاب( املسيطر عن حقبة معرفية أخرى. يشرتك فوكو يف ذلك مع أي مؤرخ وضعي- واقعي يعتمد على املنظورية ر ّ التارخيية، حني يبحث يف األرشيفات ووريها، عن قرائن تفس مسارات تارخيية مرتابطة. يفتقر كاتب احلولية إىل منظورية تارخيية؛ وبالتايل إىل قدرة احلصول على معلومات إضافية عن تلك اليت شاهدها أو مسع عنها. وعلى العكس، متنح املنظورية التارخيية املؤرخ أفضلية على كاتب احلولية؛ أل ن زمن معرفته هو احلاضر املتأخر عن املاضي، فيما و عده من زمن وقوع األحداث واملسارات قدرة على تص مينحه ب ر بداياهتا وّناياهتا، ووضعها يف سلسلة سببية على شكل منتج د من قدرته على سرب أووار أفعال وأقوال الذين عاشوا يف ماض سادت فيها مفاهيم نابعة من تارخيي، ولكن ها يف الوقت ذاته حت عقائد وعادات ولغات خمتلفة عن تلك اليت يعرفها يف حاضره. 23 باختصار: متنح )املنظورية التارخيية( املؤرخ أداة للنظر إىل األحداث املوصوفة من خارج زمن وقوعها، ومت ّكنه من وصفها من جديد، ومن مث تفسريها أو تأويلها، يف ضوء ما حدث الحًقا. إ ن املؤرخ – ا لكاتب احلولية املثالية خالف – ا إىل تفسري ً ً يسعى دائم أو تأويل األحداث واملسارات من خارج ومن وقوعهما؛ فهو احاجة إىل »منظورية مفاهيم« تكون مبنزلة أطر فكرية تساعده يف هذا التفسري أو التأويل. يرى ولش أ ن احلدث التارخيي املوصوف مسار تتجمع فيه أحداث أخرى موصوفة جيمعها قاسم مشرتك حت ّد »منظورية املفاهيم«، ومن هنا يضم املؤرخ هو جزء من ده ً احلدث التارخيي املنفرد إىل أحداث أخرى هلا عالقة به، لصنع من هذا )الضم( )Colligation )ا يساعده يف ا واحد ً مفهوم عملية التفسري والتأويل. المفهوم الضمي )Concept Colligatory🙂 شرح ولش هذا املفهوم يف مقالة منفردة، ركز فيها على اخلصائص املنطقية اليت متيز هذا املفهوم، وعلى الصياوات اللغوية املعتمدة يف التعبري عنه. كي ندلل على القصد من ذلك، نشري إىل استخدام استعارات لغوية مثل: )الثورة الفرنسية(، و)عصر النهضة(، ّ ووريمها اليت )تضم( عن عرب جمموع اخلصائص املميزة ألحداث متعاقبة يف فرتات زمنية معينة، مصووة يف مصطلح واحد، ي )املفهوم الضمي(. ا أ ن ً يربط ولش املفهوم الضمي بالتأويل أكثر من ربطه بالتفسري، معترب عمل املؤرخ، حني يستخدم الضم بني أحداث تارخيية وري مرتابطة، فإ ا يف التأويل، ويقود من جدي إىل وصف هلذه األحداث داخل مسار ً ا عام ً ا حيمل يف طياته اجتاه ً ا واحد ً منا خيلق مفهوم تارخيي معني. وأل ن عملية تنظيم الضم هي مفتاح التأويل، فيجب ا مع ً على هذا التنظيم، أن يكون متناسب )احلقائق(، أو ما يعتقد بأن ه واقع َض الوصول إليه عن طريق التفكري من جديد مبا ف ر فيه أبناء الواقع. هنا تربز مشكلة صياوة » م ك تارخيي، ميكن مفهوم ي« من منظورية مفاهيم معاصرة، تكون مفهومة للقراء يف احلاضر، لكنها وريبة عن مفاهيم أبناء الفرتة املدروسة. ويف النهاية، نستطيع القول: إ ن توجهات املؤرخني املعرفية واملنهجية هي اليت حت دد يف أولب األحيان، اختيار »املفهوم الضمي«، وصياوته على شكل استعارة لغوية مأخوذة من جماالت متعددة؛ لذلك: نرى أ ن استعمال استعارات مثل )ربيع الشعوب(، و)الثورة الصناعية(، و)تطور الطبقة العاملة( … إىل آخره من قائمة االستعارات اللغوية اليت يع رب فيها املؤرخون عن )مفهوم ضمي( هي يف صلب الكتابة التارخيية، وتصاحب أنواعها كلها. 24 مدرسة أنال تبني قوالبها: يف حماولة لتجاوز التاريخ السياسي والدبلوماسي – الذي متيزت به معظم الدراسات التارخيية الفرنسية – أسس لوسيان فيفر ومارك بلوخ يف عام )7 57م( جملة تارخيية جديدة يف جامعة سرتاسبورغ، أطلقا عليها اسم: »أنال للتاريخ االقتصادي ري واالجتماعي«؛ لينقالها بعد سنة إىل باريس. تغ َ 

و اهبا ّ عكس اسم اجمللة،

و اهبا ّ عكس اسم اجمللة، عرب السنني، تط ا ملحوظًا يف توجهاتكت ً ر ؛ ليصبح هذا االسم يف عام )1 57م(: »أنال: اقتصادات، جمتمعات، حضارات«، وليصبح ثانية عام ) 577م(: »أنال: تاريخ، علوم اجتماعية«. انطلق مؤسسا هذه اجمللة من رؤية معرفية ترى الواقع التارخيي وحدة متكاملة تتفاعل فيها عوامل جغرافية واقتصادية وسياسية وثقافية، حيث ال ميكن تفسري أي ظاهرة تارخيية إ بواسطة »تاريخ إمجايل«، يربط هذا التاريخ بني العوامل اآلنفة الذكر كلها، يف ال حماولة لسرب أووار احلاالت الذهنية للمجتمعات حتت الدرس يف زمن تارخيي معطى. أطلق مؤسسا أنال على هذه احلاالت مصطلح »الذهنية اجلماعية« اليت تضم يف طياهتا السيكولوجية االجتماعية العامة ومظاهر الثقافة. اعترب مؤسسا أنال هذه الذهنية ا عرب ا ثقافي »بناء« اجتماعي ً ا قائم »أمد طويل«، من الصعب للفاعلني التارخييني تغيريه يف زمنهم القصري. ولتحليل أعمال مؤرخي أنال سنكتفي بكتاب بيرت بورك )Burke. P« :)الثورة التارخيية الفرنسية: مدرسة أنال ) م5787 )9( ّ . ب بورك تعق تطور املدرسة، منذ بدأت ثورهتا على »التاريخ القدمي« السياسي إىل آخر مثانينيات القرن العشرين، عندما برزت طالئع التاريخ الثقايف واشحة. سامهت ثورة أنال يف خلق تاريخ اجتماعي، ما لبث أن محل اسم »التاريخ اجلديد«. تأثر فيفر وبلوخ، بالنقاشات بني دارسي اجلغرافيا وع ر ّ لم االجتماع حول مظاهر احلياة االجتماعية، ودور احلتمية اجلغرافية وتطو ًضا فردريك راتزل تأثري كبري يف مؤسسي أنال، وقد اهتم فيفر اجلغرافيا اإلنسانية، وكان للجغرايف الفرنسي فيدال دي بالنش، وأي ا بإميل دوركهامي ً بدور املقومات االجتماعية يف صوغ بناءات أنال، متأثر . وقد وصل فيفر وبلوخ إىل القناعة بأ ن البحث التارخيي د دراسة األحداث يف زمن وقوعها، بل على دراسة ّ اجل ّدي ال يقوم على جمر »البناء« )Structure )االجتماعي والذهين للحالة التارخيية حتت الدرس، باعتبار أن هذا البناء شبه ثابت، ال يتغري بسهولة بفعل أحداث فردية متعاقبة.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *