اهمية مشروعية الدولة وغاياتها في داتها درس المحور الاول لسنة ثانية باكلوريا

السياسة فن إدارة المجتمعات الإنسانية، 

عن طريق السعي لحل التشاحن وتدبير الأمر العام. والدولة أكثر أهمية تجلياتها كمنتوج تاريخي يتوخى الوحدة السياسية والتنظيم الاجتماعي، عن طريق مجموعة شركات وأجهزة. تظهر الجمهورية تعبيرا عن احتياج إنسانية لتنظيم عقلاني لحياة الأشخاص وتلبية حاجاتهم، لكنها تبدو أيضاً مفارقة للشخص ومتعالية عليه، حين يصبح الشخص خادما للدولة وخاضعا لسلطتها وجبروتها وموضوعا لعنفها. وهو ما يطرح مشكلة الأصل والمشروعية والغاية من حضور الجمهورية. فمن أين تستمد الجمهورية مشروعيتها؟ هل باعتبارها أداة لخدمة الشخص أم باعتبارها قصد في حاجز نفسها فرضتها محددات وقواعد التقدم التاريخي؟

    تتحدد الجمهورية كمؤسسة مهمتها ترتيب الحياة السياسية والعلاقات الاجتماعية بين الأشخاص داخل ميدان ترابي معين…وهي المؤسسة التي تتجسد فيها السلطة والسيادة. أما المشروعية فتعني المبررات والأسباب التي تجعل الأشخاص يطيعون ويخضعون لسلطة ما. يشاهد فيبر أن مصادر مشروعية ممارسة السلطة تطورت عبر الزمان الماضي. ويحصر مصادر المشروعية في ثلاثة رئيسية هي التقليدية التي تمثلها الطقوس والتقاليد المتوارثة التي تجعل الشخص يخضع لسلطة للأب أو الجد أو الشيخ. والمشروعية الكارزمية المتمثلة في سلطة الرئيس والبطل الملهم أو النبي الذي يخضع له الآخرون لامتلاكه فوائد وصفات شخصية خارقة. أما النوع الثالث فهو المشروعية الجديدة المتمثلة في سلطة التشريع، التي تمثلها الجمهورية الجديدة، حيث الامتثال للشرعية والقيام بالواجبات كما يحدد النسق المعمول به.

    هكذا تطورت الصيغ الأولية للدولة على نحو متدرج انطلاقا من الأسرة ثم القبيلة والمدينة وفي النهاية الجمهورية.

    وفي محيط البحث في أصل الجمهورية ونشأتها يشاهد فلاسفة العقد الاجتماعي ولاسيما جون لوك أن إستيعاب الجمهورية والسلطة السياسية فهما صحيحا ينبغي أن ينطلق من التحري بخصوص وضعية الطبيعة التي وجد عليها الأشخاص حيث تظهر الجمهورية مجرد تحالف بين أشخاص أحرار يريدون ترتيب العيش المشترك. تلك الإرادة تم تجسيدها في العقد الاجتماعي الذي منه نشأت الجمهورية. وهكذا فلا حضور للدولة قبل الشخص، لكن إن مشروعيتها مستمدة من الشخص وغايتها خدمته. فما استمرت الجمهورية نتناج تعاقد فإن قصد العقد الاجتماعي الحفاظ على المتعاقدين. وهو ما يؤكده سبينوزا حين يُعد هو الآخر أن القصد من حضور الجمهورية ضمان حرية الأشخاص وليس ممارسة القهر عليهم. فمشروعية الجمهورية مستندة من القصد التي وجدت من أجلها. هذا أن الجمهورية تستمد مشروعيتها، حسب روسو وأيضاً هوبس، من تعاقد الأشخاص واجتماعهم وتوحدهم في ميثاق يتخلون بموجبه عن السلطة لفرد – أو جمعية – يخضع الجميع إرادتهم لإرادته وأحكامهم لحكمه. لذلك يشاهد هوبز أن ماهية الجمهورية تتجسد في الوالي الذي يتخلى له كل شخص عن حقه في حكم ذاته بنفسه. لقد بات الكل موحدا في فرد واحد يسمى الجمهورية، حيث لديه ذلك الفرد/الوالي مقدرة وقوة على ممارسة السيادة بالشكل الذي يشاهده مناسبا لأمن الأشخاص وسلامتهم جميعا.

    مشروعية الجمهورية، إذن، مستمدة من غاياتها المتمثلة في تعاقد الأشخاص للدفاع عن أنفسهم وضمان مستحقاتهم وضمان السلم والأمن. سوى أن هيجل يرفض اعتبار الجمهورية مجرد اختيار حر للأشخاص لإدارة شؤونهم ويرى أنها تتعالى على هذا فالدولة قصد في نفسها لأنها تجسيد للروح الموضوعي وتحقيق الإرادة الكونية الحرة بوصفها فكرة أخلاقية، حيث يلتحم الحق والأخلاق عبر المسيرة الجدلية للعقل. لذلك يكون الانتماء إلى الجمهورية وجوب أخلاقية وليس اختيارا حرا للشخص نابعا من رغبته في إشباع  وتلبية حاجاته، لأن تلك القصد ترتبط بمؤسسات المجتمع المواطن وليس الجمهورية التي تتعالى عن هذا.

    تشييد على ما في مرة سابقة فالدولة وجدت بهدف الإنسان، لتنظيم حياته الاجتماعية على نحو عقلاني، ومنه تستمد مشروعيتها والغاية من وجودها. وكما يقول لوك من يرغب في الغرض يرغب في أيضاً الوسائل والتي لا تنفصل عن بعض المخاطر والتضحيات. ولعل الكيفية التي تميز الجمهورية هي ممارسة السلطة السياسة، فما هي وسائل ممارسة السلطة؟

المحور الأول: مشروعية الجمهورية وغاياتها

طرح الإشكال:

السلطة ظاهرة محايثة للندوة البشري. ومادامت السلطة تقتضي الامتثال والخضوع، فإنها تتطلب دوما إلى تبرير وشرعنة، بما في هذا سلطة الأب على أبنائه! هكذا يجد كل ذي سلطة ذاته مطالبا طول الوقت بتبرير سلطته، وعندما تتخذ السلطة شكل جمهورية، فإنها تجابه بدورها سؤال التبرير والمشروعية:

لماذا الجمهورية؟ وما مقصدها؟ ما علاقتها بالأفراد المكونين لها؟ هل تستمد الجمهورية من الشخص مبدأ وجودها أم أن الشخص هو الذي يستمد من الجمهورية مبدأ وكمال وجوده؟ هل الجمهورية في خدمة الشخص أم الشخص في خدمة الجمهورية؟

معالجة الإشكال:

1- موقف التصور التعاقدي والمذهب الفرداني: الشخص غرض الجمهورية

للبحث في مشروعية الجمهورية وتعيين غاياتها يلتجئ التصور التعاقدي إلى البحث أولا في منشئها، انطلاقا من فرضية وضعية الطبيعة. يقول لوك: ” لأجل أن نفهم السلطة السياسية فهما صحيحا ونستنتجها من أصلها ينبغي أن نتحرى الوضعية الطبيعية التي وجد عايها جميع الأشخاص” هنا تبدو الجمهورية كمجرد تحالف بين أشخاص يتمتعون بحقوق طبيعية سابقة زمنيا على ظهور الجمهورية رغبوا لذلك الداعِي أو ذاك في تيسير العيش المشترك، وأولى مستحقاتهم هي إرادتهم التي جسدوها في ذلك العقد. ينتج عن هذا أن لا حقيقة ولا حضور للدولة قبل الشخص، الشخص مقدم و ماضي عليها، منه تستمد عزر وجودها ومن ضمان مصالحه تشتق غاياتها. ولذلك يقترن التصور التعاقدي في بعض الأحيان بالمذهب الفردي وأحيانا أخرى بالليبرالية

ماذا يترقب من الجمهورية؟ وما غاياتها؟

يميز جون لوك بين الخيرات المدنية والخيرات الدينية أو عدم إصابة الأرواح. وتتمثل الأولى في خيرات ذاتية كالحياة والحرية وسلامة البدن وخيرات خارجية كالأرض والنقود وما سواها من الممتلكات، أما الخيرات الدينية فهي تقوى النفس ونجاتها من الضلال والشقاء الأبدي في يوم القيامة. و اختصاص الجمهورية بوصفها سلطة مدنية يقتصر على حراسة الخيرات المدنية أما ترامي سلطانها إلى الخيرات الدينية فلن ينجم عنه إلا الحرب وتقويض السلم الساكن

2- موقف التصورات الكليانية: الجمهورية غرض نفسها

بيد أن تقديم الشخص على الجمهورية – كما رأينا مع التصور التعاقدي والليبرالي- لا يقصد نحو بعض الفلاسفة إلا خراب تلك الأخيرة! إذ كيف يعقل أن يستمد مبدأ الكل من الجزء والدائم من العرضي؟

تتمثل غرض الجمهورية نحو أفلاطون في تقصي السعادة، لا بوصفها سعادة الشخص، لكن بوصفها نسق وانسجام الكل: وعليه لا يعدو الأشخاص عن كونهم مجرد لوالب في جوف تلك الماكينة الكبير جدا المسماة جمهورية، يقومون بمهام تتناسب وطبائعهم التي ولدووا بها، ينتجون وينجبون ويحاربون بهدف الجمهورية. فلا قيمة لرغباتهم أو مسراتهم أو أحزانهم أو عواطفهم سوى بما يحقق لتلك الأخيرة الإطار والانسجام.

وفي العصر الجديد، يرفض “هيجل” بدوره التصور التعاقدي الماضي لكونه يجعل قصد الجمهورية “خارجية ” عندما يحصرها في تقصي السلم والحرية وحماية ممتلكات الأشخاص. فالدولة بذلك المعنى سوف تكون مجرد أداة لتحقيق مقاصد خارجة عنها، غايات يعتبرها “هيجل” خاصة بالمجتمع الساكن، كمجال لإشباع حاجيات الأشخاص اليومية والانتاج الاستثماري وللتنافس بينهم في وجود تضاد مصالحهم المخصصة، بينما أن الجمهورية تمثل غرض في نفسها بوصفها تجسيدا للمطلق. و ككيان ينتزع الشخص من الخصوصية والأنانية ليسمو به إلى مستوى الكونية ويحقق اكتماله الأخلاقي، وهذا لأنها هي الجوهر الأخلاقي وفي ذلك الحين بلغ إلى الإدراك بذاته.

نخلص إلى أن هيغل يقدم الجمهورية على الشخص ويجعلها سابقة على العائلة والمجتمع الساكن نفسيهما لأن فكرتها محتوية لهذين العنصرين سويا: ففي حضن الجمهورية لاغير يمكنها العائلة أن تتحول إلى مجتمع مدني.

ويظهر أن الماركسية لم ترث عن الهيغيلية منهجها الدياليكتيكي فحسب، لكن تصورها الكلياني للدولة بإسم أولوية الجماعة على الشخص، وانتهت إلى صهر ذلك الأخير وإلغائه لصالح الجمهورية وأجهزتها البيروقراطية والبوليسية: لقد غدت الجمهورية فعلا قصد في نفسها وذلك ما تجلى واضحا في بعض الأنواع الواقعية للدولة في العديد من البلدان الاشتراكية ودول العالم الثالث

مجزوءة السياسة

                                                                      من انجاز الأستاذ يج  عمر

التأطير الإشكالي:

مفهوم السياسة:

في اللغة العربية اشتقت السياسة من الجدر اللغوي سوس، فيقال السوس:الرياسة ،ساس الشأن سياسة :قام به وسوّس الرجل أمور الناس : إذا ملك أمرهم. ، والسياسة:القيام على الشيء بما يصلحه. يسوس الدواب أذا قام عليها وراضها وذللها

من هنا ينبع الإشكال الرئيسي للسياسة فهل السياسة هي القيام بما يصلح أمور الناس ويضمن مصالحهم ؟أم أنها تهدف إلى السيطرة على الناس وإخضاعهم وإذلالهم (ترويضهم وتدجينهم)؟

أما في الاصطلاح فالسياسة هي سعي إلى السلطة وممارستها على نحو عمومي داخل مدينة أو جمهورية.

وفي الفلسفة توميء السياسة إلى المبحث الذي يدرس التصرف أو الإجراء الكلي الذي ينظم الصلات بين الأشخاص والجماعات. فالسياسة إذن هي معرفة خطة شؤون المجتمع، عليها يتوقف أصدر وتثبيت التشريع بواسطة قوة عمومية.

ولقد قام مفهوم السياسة على تصورين متعارضين:

              هناك تصورين متعاكسين للسياسة :                                         

 اعتقاد مثالي أو طوباوي: السياسةبناء نظري لدولة خيالية مثالية أو فاضلة أساسها الإنصاف والذهن وخالية من القساوة.

 اعتقاد عملي واقعي: السياسة مجموعة من الوسائل التكنولوجيا والمناوراتالموجهة لامتلاك السلطة والحفاظ عليها ولاتعتمد بالضرورة على الإنصاف والأخلاق وتجيز الشدة والعنف والمكر…                                                                                                                هكذا يحيلنا مفهوم السياسة إلى مفاهيم كثيرة أهمها الجمهورية، التشريع والحق والعدالة،، والعنف أو الشدة المشروعة والغير المشروعة.

الإشكالات المطروحة:

                 على ماذا تتأسس السياسة  ؟ ومن أين تستمد مشروعيتها؟ وهل السياسة أو الجمهورية تهدف إلى تقصي أهداف طيبة وعادلة ومعقولة في نفسها؟ أم أنها تجيز جميع الوسائل والأدوات الممكنة ومن ضمنها الشدة والعنف والمكر والخديعة ؟ هل السياسة تقوم على الأخلاق  والحق والعدالة؟ أم على الشدة والغلبة؟

                                                     الـمـفـهـوم الأول: الـدولــة

التاطيروالتقديم:

 الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ، فهو في احتياج إلى غيره لتستقيم حياته ولتلبية حاجاته، ولا يستطيع العيش وحيدا ، والحياة الاجتماعية تفتقر إلى ترتيب من هنا  برزت الاحتياج إلى الجمهورية.

والدولة في اعتقاد الإنسان العادي يتجاذبها تصورين وتتصارع فيها عاطفتين:

   الجمهورية : هي التي تنظم حياتنا ،وتحمي حريتنا وأملاكنا أي تمنحنا الأمن والطمأنينة….

الجمهورية   :   هي التي تتحكم فينا وتقمعنا ، وتستعبدنا وتصادر حريتنا وتسلبنا أملاكنا……

 والدولة هي شيء نكرهه ونمقته ونتمنى الثورة عليه والتخلص منه، وفي نفس الوقت نتمنى أن نكون على رأس هرم الجمهورية ونتحكم في دواليبها أي أن نصل إلى السلطة والحكم .

إن تلك الثنائية في الموقف من الجمهورية تدفعنا إلى طرح الإشكالات الآتية:

هل من اللازم حضور الجمهورية لاستمرار الحياة الاجتماعية؟أم أن تلك الحياة ممكنة بدونها؟وعلى أي دشن يلزم أن تقوم الجمهورية وما مشروعيتها ؟ وما طبيعة سلطتها هل هي سلطة مطلقة تسيطر على رقاب الناس وأموالهم أم أنها تقوم على احترام حرية الناس وإحقاق الحق بينهم؟ وما الذي حققه الإنسان عن طريقها؟

 توضيح مفهوم الجمهورية: الجمهورية مجموعة من الشركات السياسية والقانونية والعسكرية والإدارية والاقتصادية التي تنظم حياة الشخص والمجتمع داخل ميدان ترابي محدد. وهكذا تتمثل مكونات الجمهورية في:

المدنيين أو الشعب : حقوق وواجبات  .

 الميدان الترابي :   الأرض أو الوطن  كامل السلطة عليه   

السلطات والسلطة : تنفيذ التشريع وإدارة شؤون الوطن والمواطنين  سلطة تشريعية وتنفيذية   وقضائية.تقوم على الأمر العام                                                                                                                                                           

الشخصية المعنوية:   تكفل استمرارية سلطة الجمهورية رغم تحول الحكام والمحكومين وذلك شرط  رئيسي أي أن لاتكون خاضعة لأهواء الحكام.

 السيادة والاستقلال:   سيادة داخلية وفعلية على المدنيين وسلطة فعلية على الميدان الترابي للدولة                                   

ولقد ظهرت نظريات مغايرة لشرح نشأة الجمهورية والسلطة السياسية يمكن الدلالة إليها في ايجاز:

1- نظرية الحق الإلهي : حيث كان الوالي ينصب ذاته إلها أو خليفة له في الأرض: سلطته مطلقة ومقدسة.

2- نظرية التنازع والغلبة(ابن خلدون): “الملك يحصل بالتغلب والتغلب إنما بالعصبية ” و”إنما الملك والدولة العامة إنما يحصلان بالقبيل والعصبية”

3-النظرية الاجتماعية ونظرية تطور العائلة : الجمهورية تطورت عن طريق تقدمات العائلة والعشيرة الطوطمية حيث انتقلت السلطة من الطوطم كرمز للعشيرةالى شيخ القبيلة فمجلس الشيوخ ثم ظهور الجمهورية..

4- التصور الجوهري التاريخي: الجمهورية نتجت عن ظهور الملكية المخصص لوسائل الإصدار وظهور المجتمع الطبقي.

5- نظرية العقد الاجتماعي: الجمهورية قامت على مرجعية عقد اجتماعي تخلى بموجبه الأشخاص عن مستحقاتهم التي كانوا يتمتعون بها في وضعية الطبيعة( كلها أو القلة منها) لسلطة مركزية تنظم شؤونهم وتحمي أمنهم وطمأنينتهم  . ومن بين القائلين بذلك التصور هوبز الذي  يشاهد :: أن الأشخاص تنازلوا  عن جميع مستحقاتهم لسلطة مركزية قوية ومستبدة تكفل لهم أمنهم وحياتهم وتحميهم من تشريع الغاب الذي كان سائدا في وضعية الطبيعة. وجون لوك  الذي يشاهد: أن الإنسان حتى في وضعية الطبيعة كان يحتكم إلى الذهن الأمر الذي يقصد أن وضعية الطبيعة لم تكن وضعية بلبلة واقتتال كما تصورها هوبز لتبرير السلطة المطلقة للحاكم في وضعية العقد الاجتماعي ،سوى أن وضعية الطبيعة لم تكون تخلو من مشكلات لتضارب اهتمامات الأشخاص، من هنا وجوب الانتقال إلى العقد الاجتماعي الذي يقوم على تخلى الأشخاص بوصفهم أحرارا ومتساوين عن بعض الحقوق( وليس كلها ) بالمقدار الذي يسمح بظهور سلطة عامة يطيعها الأشخاص لتحمي مستحقاتهم( كما يلزم الفصل بين السلط لضمان نزاهتها وفي حال عدم قيامها بتلك الحراسة أو تجاوزها للحدود المتفق عليها ينفسخ العقد هكذا يشرع لوك حق المدنيين في إسقاط السلطة والثورة عليها في وضعية عدم التزامها بمصالح المدنيين وان لا رهاب من الرجوع إلى وضعية الحالة الحرجة كما يعتقد القلة مادام أن الشعب يفضل التظلم على الثورة والتي لا يلتجئ إليها سوى عندما يتعب من التظلم.. أما فيما يتعلق لروسو فالعقد الاجتماعي يقوم على التضامن والحرية والمساواة حيث يتخلى عن طريقه الافرد عن مستحقاتهم الطبيعية  برغبة منهم ليس لشخص محدد لكن للإرادة العامة أو من يمثل تلك الإرادة وان لا احد يخضع لأحد ولكن الجميع يخضعون للقوانين التي شرعوها بأنفسهم في  محيط نسق ديمقراطي.                               

المحور الأول:مشروعية الجمهورية وغاياتها:

1-   غرض الجمهورية هي الحرية باروخ اسبينوزا:

الإشكال المطروح :

      ما هي غرض الجمهورية ؟ وما هي الأساسيات التي تقوم عليها ؟ هل الجمهورية تهدف إلى التحكم وفرض السيطرة على المدنيين أم ضمان حريتهم وأمنهم؟

   الأطروحة

                         يشاهد اسبينوزا أن الغرض التي تهدف إليها الجمهورية لا تتمثل في ممارسة السلطة لإرهاب المدنيين وإذلالهم ، ولكن لادخار المحددات والقواعد اللازمة التي تمكنهم من ممارسة حرياتهم والعيش في أمن وسلام بحسب  طبيعة الذهن شرط أن لا يمسوا مشروعية الجمهورية وتعريض أمنها للخطر أو الشغل على تغييرها بالشدة.

 يبين المقال إن الغرض من إنشاء الجمهورية هو :  تحرير الإنسان من الرهاب والعنف الجاري في الحق الطبيعي عندما يتصرف كل شخص بحسب أهوائه ومشيئته المخصصة، فالدولة ظهرت كنتيجة لتنازل الأشخاص عن حقهم الطبيعي في الفعل بحسب مشيئتهم ومصلحتهم المخصصة التي تتضاد مع اهتمامات الآخرين لسلطة مركزية (الجمهورية) لضمان طمأنينتهم وسلامتهم ،وذلك لا يقصد أن للدولة الحق في السيطرة على حقهم في الحياة ، أو في إذلالهم وتدجينهم مادام أنهم لم يتنازلوا لها سوى عن حقهم في الإجراء حسب هواهم.والحريات التي تضمنها الجمهورية للشخص تتجلى في حق التفكير( وإصدار القرارات العقلية) والتعبير( بالإضافة الي حراسة ممتلكاته وحياته )شرط أن لا يتبدل ذلك التفكير أو التعبير إلى الإجراء والمعارضة الفعلية للدولة أو القوانين القائمة أي إلى الثورة على السلطة وممارسة الحقد والكراهية للدولة  سوى انه يمكن للشخص التعبير عن معارضته للقوانين المتعارضة مع الذهن بأسلوب حضارية ، وان لا يُعد مع هذا معارضا أو خارجا عن الجمهورية طالما  يقوم بتبرير رأيه بأسلوب عقلانية ويصل ذلك الرأي لأجهزة الجمهورية العليا في الوقت الذي يتعهد بالخضوع  لهذه القوانين وعدم معارضتها فعليا ، ومثل ذلك الساكن يستحق إطراء الجمهورية.

يقوم المقال في حجاجه على كل من التعريف والاستدلال والنقد: إذ ينتقد النظريات التي تعطي للدولة السلطة المطلقة( سواء ذات الأساس الديني أو التاريخي أو التعاقدي) على رعاياها ، والتي تخضعهم وتتحكم فيهم كما تشاء وتستعبدهم الأمر الذي يزرع فيهم الحقد والكراهية للدولة والخوف من سطوتها ،بينما أن هامة الجمهورية على الضد من هذا كليا. فمهمة الجمهورية وغاياتها الحفاظ على حرية وسلامة وطمأنينة جميع مواطنيها وحماية أملاكهم وتحريرهم من الرهاب فالفرد لم يتخلى عن جميع مسحقاته للدولة كما تعتقد هذه النظريات لكن تخلى عن حقه في الإجراء بحسب هواه ( أي أن يكون هو المشرع والمنفذ ،القاضي والخصم والحكم في نفس الوقت كما في الحق الطبيعي) ويظل يحتفظ بباقي الحقوق الأخرى.( الملاحظ أن المقال يركز على الحرية الفردية بوصفها متعلقة أساسا بحرية التفكير دون أن تمر هذا إلى التصرف والممارسة التي قد تهدد أمن الجمهورية وهكذا جميع المدنيين) .

       2-  جمهورية الذهن  :هيغل :

الإشكال المطروح:

       هل نشوء الجمهورية يرجع إلى التعاقد الحر بين الأشخاص؟ أم بوصفها تجسيدا لروح الأمة وللعقل الكوني أي بوصفها تحمل هدفها في نفسها؟

 الأطروحة :

           يبين هيغل أن الجمهورية لا تقوم على مرجعية تعاقدي حر بين الأشخاص ، فغاية الجمهورية هي تقصي روح امة من الأمم وتجسيد الذهن الكوني ، الأمر الذي يجعل حضور الشخص داخل الجمهورية والانتماء إليها واجبا ساميا وتجسيدا للعقل وللإرادة الجوهرية.

   توضيح مفهوم الجمهورية لدى هيغل:

الجمهورية هي تقصي للوجود الأخلاقي للشخص، لكونها تعبيرا عن الإرادة الجوهرية للأمة والذهن الكوني، وذلك ما يعطي للدولة طابعها الكوني والشمولي. ويجعل قصد الجمهورية تكمن في نفسها وليس حصيلة  لأغراض خارجية تقوم على التعاقد الحر بين الأشخاص ، وذلك ما يجعل  الجمهورية فيما يتعلق للشخص هي الطليعة والنهاية أي أن الشخص لن يكون له أي فردية أصيلة أو موضوعية أو حياة أخلاقية سوى عن طريق انتمائه للدولة ،لأن  الحرية المطلقة بشكلها الأسمى نتحقق في الجمهورية وبواسطتها ، و يكون إرضاء حاجات الأشخاص وأنشطتهم وأنماط سلوكاتهم  حصيلة لتلك الحياة الجماعية الكلية التي لا يمكن للشخص أن يحقق وجوده الموضوعي خارجها.

ينتقد هيغل التصور التعاقدي للدولة  والتصور الذي يخلط بين الجمهورية والمجتمع المواطن ، لأن ذلك التصور في نظره يجعل قصد الجمهورية قصد خارجية  لا تنبع من داخلها لكن بوصفها حصيلة لتعاقد مجموعة من الأشخاص الأحرار على التخلي عن بعض مستحقاتهم أو كلها  لسلطة مركزية( الجمهورية) ،  من اجل  حراسة أمنهم وممتلكاتهم وحرياتهم الشخصية ، وذلك ما يجعل الانتماء إلى الجمهورية أو عدم الانتماء إليها  اختياري( أي فرصة عدم الانتماء للدولة في عدم تواجد الرهاب أو عوز الشخص إلى هذه الحراسة) بينما أن قصد الجمهورية فيما يتعلق لهيغل قصد داخلية بوصفها تجسيدا للعقل الكوني والروح الموضوعية للأمة الأمر الذي يجعل حضور الشخص مرتبطا ارتباطا تماما بالدولة.

*المحور الأول: مشروعية الجمهورية وغاياتها:

*لَبس المحور:

إذا سلمنا بأن الجمهورية “جمع من الناس يخضعون لنفس القانون ونفس السلطة السياسية”، فما أساس مشروعية الجمهورية؟ وما المقاصد التي تستهدف الجمهورية تحقيقها؟ بصيغة أخرى، ما الذي يجعل حضور الجمهورية مشروعا؟ وما المقاصد التي تتوخى إنجازها؟

*مقاربة الإشكال:

1/موقف جون لوك:

يحدد لوك الجمهورية بانها جماعة من الناس مقصدها الحفاظ على الخيرات المدنية وتنميتها. ويقصد بالخيرات المدنية الحياة والحرية وسلامة البدن وامتلاك الخيرات الخارجية(الأرض، النقود، المنقولات…). لهذا يؤكد انه من لازم الوالي المواطن ان يسعى تأمين المحافظة على تلك الخيرات لصالح أشخاص الشعب، تشييد على قوانين يخضع لها الجميع بالتساوي. ومن ثم يكون من اللازم ممارسة القمع على كل من ينتهك قوانين الحياة المدنية، وهذا من خلال ابتزازه من العقوبة المتمثل في حرمانه من كل أو بعض الخيرات. يقول لوك: “إن الوالي الساكن مزود بسلاح بشدة مكونة من الشدة المجتمعية لكل الأشخاص، من اجل معاقبة من ينتهكون حق الغير”. وذلك يقصد أن الوالي الساكن مفوض من طرف جميع مواطني الجمهورية للدفاع عن أمنهم وممتلكاتهم، وزجر كل من تسول له ذاته المس بسلامة حياتهم.

وعل ضوء ذلك التصور يتضح أن لوك يقيم مشروعية الجمهورية على خلفية التعاقد، أي اتفاق الناس على تكوين جماعة واحدة تمثل هيئة واحدة، وتلك الهيئة تلتزم بقرار الشدة الغالبة أو قبول الأكثرية، وتتوخى حراسة الخيرات لمدني وتنميتها.

2/موقف اسبينوزا:

بموازاة مع موقف جون لوك، ينفي اسبينوزا أن تكون قصد الجمهورية إرهاب الناس والتسلط عليهم أو إخضاعهم للآخرين. فهو يؤكد أن قصد الجمهورية تتمثل في تحرير الشخص من الرهاب ليعيش في أمان، بحيث يمكنه التمتع بحقه الطبيعي في الحياة والعمل دون تسجيل الضرر بالغير.إذ أن الجمهورية تتوخى إتاحة الإمكانية للأشخاص كي تنجز أجسادهم وظائفها في أمان كامِل، فيكون بمستطاعهم أن يستعملوا أذهانهم بحرية، مع وجوب التنازل عن القيم السلبية كالحقد والخداع والظلم. وبهذا تكون الغرض الحقيقية للدولة هي ضمان الحرية، لا الحرية المنفلتة من كل قيد، وإنما الحرية المحكومة بمبادئ الذهن. فإذا تُرك الناس أحرارا ليسلك كل واحد كما يشاء، فإن مصالحهم ستتصادم وينشب بينهم التشاحن، ما استمرت أحكامهم مغايرة متضاربة. لهذا فإن إنشاء الجمهورية يقتضي أن يتخلى الشخص لمن يقضي عن حقه في أن يسلك كما يشاء، وليس عن حقه في التفكير والحكم. فله أن يفكر ويصدر القرارات بحرية تامة إذا اعتمد على الذهن، لا الخداع أو الحنق أو الحقد أو الإخلال بالنظام. ويشكل ذلك التخلي شرط السلام إلى حاجز أن اسبينوزا اعتبر أن الشخص الذي يتصرف كما يشاء دون اهتمام لقوانين الجمهورية، يعد مصدر ضرر فيما يتعلق للسلطة العليا، على حين أن الساكن الصالح هو من لا يعارض قوانين الجمهورية اعتمادا على القساوة، وإنما على الذهن.

*ملخص المحور:

تشييد عل ما في مرة سابقة، يمكن القول إن الجمهورية تستمد مشروعيتها من التعاقد بين الأشخاص، وهي تتوخى تقصي الأمن والاستقرار والحفاظ على حياة الإنسان وحريته.

إن الإنسان كائن اجتماعي بالطبع، ينزع  بطبيعته إلى الإجتماع مع الآخرين من  بني جنسه، وبالتالي  كان لابد له من ربط علاقات مع الآخر، إلا أن هذه العلاقات تتعدد وتتنوع،  فنجد علاقة الصداقة، علاقة الإحترام، علاقة الحب، علاقة التضامن، لكن قد تتحول العلاقة مع الآخر من تلك العلاقة الإيجابية السامية إلى علاقات سلبية  كعلاقة الصراع والعنف، نتيجة لمجموعة من العوامل أبرزها تقاطع مصالح الأفراد، وارتباط الإنسان بما هو طبيعي كحب التملك والسيطرة. ولهذا كان لزاما على الإنسان أن يبتكر آليات لتظيم التعايش ولتحقيق السلم والأمن بين الأفراد والجماعات، ولتسيير حياة الأفراد داخل المجتمع وضمان اشتغاله على نحو منظم تسوده المساواة والحرية والديموقراطية، ويتجلى هذا التنظيم في عدد المؤسسات الإدارية والقانونية والسياسية التي تتطابق مع متطلبات المجتمع. كل هذا يفتحنا على الإنسان ككائن سياسي، الشيء الذي يدفعنا إلى التساؤل: ما السياسة؟

في دلالتها اللغوية تشتق لفظة سياسة من فعل ساس، نقول سُوِّسَ فُلانٌ أمر بني فلان، أي: كُلف سياستهم، وفي دلالتها الفلسفية وكما عرفها أرسطو فهي “فن تدبير الشأن العام”. إذن فالسياسة هي تلك الطريقة التي يتم بها تنظيم العلاقات بين الأفراد، وفق آليات ملموسة ووفق قواعد معيارية، بشكل يمكن من تمتيعهم بحقوقهم، والمحافظة على استمرار المجتمع.

لهذا لا يمكن الحديث عن السياسة دون الحديث الأجهزة السياسية التي يتم بها تدبير الشأن العام، ولعل أبرز جهاز سياسي على مر التاريخ الإنساني، ومنذ بداية الحضارة الإنسانية هو الدولة، هذه الأخيرة تعتبر كوسيلة لتدبير الشأن العام عبر مجموعة من الآليات والمؤسسات الأخرى. ولا يمكن الحديث عن الدولة إلا بالوقوف عند العنف، كآلية رافقت العملية السياسية، ليس من أجل التأكيد عليه بل من أجل مساءلته. زيادة على ذلك، يفتحنا مفهوم السياسية على مفهومين آخرين مرتبطين بالممارسة السياسية، ولنقل تتأسس عليهما الممارسة السياسية وهما مفهوما الحق والعدالة، وهنا يتم التساؤل عن العلاقة الرابطة بينهما، وعن تأسيسهما للبعد المعياري القيمي الأخلاقي للممارسة السياسية.

كل ذلك يفتحنا على مجموعة من التساؤلات من بينها: كيف يتم تدبير الشأن العام؟  هل تتم الممارسة السياسية عبر مبدأ الحق والقانون والعدالة أم عبر مبدأ العنف والقوة؟ وهل يمكن القول بالتعارض بإمكانية تكامل المبدأين، أم أن العلاقة بينهما لا يمكن أن تكون إلا علاقة تعارض وقطيعة؟

تقديم بخصوص مفهوم الدولة

إن القول بكون السياسة “هي فن تدبير الشأن العام”، وهو قول لأرسطو،  يجعلنا نبحث في الآلية التي من خلالها يتم تدبير ذلك الشأن، وهنا لا يمكن إلا أن نؤكد على كون الدولة أبرز جهاز يمكن من تدبير الشأن العام لأفراد المجتمع،  فما الدولة إذن؟ تشير الدولة في مدلولها إلى معنيين معنى عام ومعنى خاص، الدولة في معناها العام، وكما عرفها الحقوقيون وعلماء الإجتماع: “جماعة كبيرة من الناس، تسكن أرضا معينة بصفة دائمة، ويجمعها نظام سياسي، وتتمتع بالشخصية المعنوية والإستقلال”، أما في دلالتها الخاصة: “فهي عبارة عن الأجهزة والمؤسسات التي تمارس السلطة والحكم في بلد ما”. فالدولة بهذا المعنى تستعمل في مقابل الشعب، وهي تعني الحاكمين، في حان تدل كلمة الشعب على المحكومين، وبهذا يمكن القول بأن الشعب هو مجموع السكان الذين تسري عليهم سلطة الدولة. بعد هذا التحديد الدلالي لمفهوم الدولة كجهاز لتدبير الشأن العام. يمكن تبيين ما ارتبط بالمفهوم من إشكالات. طرح مفهوم الدولة إشكال الغاية منها ومشروعية قيامها، وهو إشكال ينطلق وجود مجتمعات بدون دول، وهنا يتم التساؤل عن الأساس الذي تستمد منه الدولة مشروعيتها ومشروعية ممارستها للسلطة على الأفراد. إشكال ثاني يرتبط بالإشكال الأول وهو المتعلق بطبيعة السلطة السياسية الممارسة من طرف الدولة، فالحديث عن الدولة هو حديث تدبير الشأن الإجتماعي والسياسي وفق آليات تحمل في طياتها طابع السلطة. إشكال ثالث محوره مشروعية العنف الممارس من طرف الدولة، وإن كان بإمكان الدولة اعتماد العنف المشروع كآلية لتدبير الشأن العام ، أم أنه لابد لها من تأسيس سلطتها على الحق والقانون. بعد تحديد الإمتدادات الإشكالية لمفهوم الدولة، يمكن صياغتها صياغة استفهامية استشكالية كالآتي:

·         من أين تستمد الدولة مشروعية قيامها؟ وما غاياتها؟

·         ما طبيعة السلطة الممارسة من طرف الدولة؟

·         هل تتأسس سلطة الدولة على الحق أم على العنف؟

أولا: مشروعة الدولة وغاياتها

التأطير الإشكال: إن الإقرار بوجود مجتمعات بدون ندول، يجعل من وجود الدولة أمرا غير وبديهي وغير مسلم به، ما يدفعنا إلى التساؤل عن أساس  مشروعية الدولة أي عن نبرر وجودها، كما يدفعنا إلى التساؤل عن غاياتها غاياتها. فمن أين تستمد الدولة مشروعيتها وما غايتها؟ هل تستمد الدولة مشروعية و مبرر وجودها  من العقد الإجتماعي الذي يمر به الأفراد من حالة الطبيعة إلى حالة الدولة، فتكون غاية الدولة هي الحرية والأمن؟ أم أن الدولة تستمد مبرر وجودها من الروح المطلق، فتكون غايتها في ذاتها؟ أم أن الدولة تجد مشروعيتها في انقسام المجتمع إلى طبقات وبالتالي غايتها خدمة طبقة دون الأخرى؟

تحليل نص باروخ اسبينوزا

تعريف الفيلسوف: باروخ اسبينوزا ( 1632-1677م) فيلسوف هولندي، واحد من فلاسفة التعاقد الإجتماعي، من مؤلفاته “رسالة في اللاهوت والسياسة”.

تأطير الموقف: يتأطر موقف اسبينوزا ضمن الكتابات الفلسفية التعاقدية، التي ترى بأن الأفراد انتقلوا من حالة الطبيعية، وهي حالة افتراضية، كان الأفراد فيها يحتكمون إلى طبيعتهم، إلى حالة الدولة والمجتمع. ويرى اسبينوزا بأن الطبيعة الإنسانية طبيعة خاضعة للشهوة، ولا يحدها إلى غياب القدرة، لذلك كان من الضروري أن ينتقل الأفراد إلى حالة المجتمع وحالة الدولة، عبر عقد اجتماعي، وفي هذه الحالة يخضع الأفراد للعقل وللسلطة المشتركة، لغاية  الحرية الحفاظ على البقاء.

أطروحة النص: الغاية من وجود الدولة  هو تحقيق الحرية، وتمكين كل مواطن من الحفاظ على حقه الطبيعي في الوجود باعتباره وجودا حرا.

تحليل الأطروحة:

 لتوضيح موقفه من مشروعية الدولة وغايتها، تقدم اسبينوزا في نصه بمجموعة من الحجاج، استهلها بالحديث عن الغاية من وجود الدولة، التي ليست هي ترهيب الناس وتحويلهم إلى كائنات حيوانية وآلات صماء، بل هي ضمان حريتهم وأمنهم. ويؤكد اسبينوزا ويشدد على ذلك، حيث يقول :” وأكرر القول بأن الغاية من تأسيس الدولة…” وهذا يتبين لنا أن اسبينوزا يريد أن يؤكد جدية ما يقول. في نفس السياق، سياق دفاع اسبينوزا عن موقفه، يلتجئ إلى حجة أخرى، وهي حجة المقارنة والتشبيه، حيث قارن بين الإنسان والحيون والآلة، وشبه الإنسان الفاقد للحرية بالحيوان الذي يتحرك وفق منطق الشهوة، وايضا بالآلة الصماء الفاقدة لمعنى الوجود الإنساني، الذي هو وجود حر. وزيادة في توضيح موقفه، تقدم اسبينوزا بالشرط الذي يجب أن تقوم عليه الدولة، وهو أن تنبع سلطة إصدار القرار من الجماعة أو من بعض الأفراد أو من فرد واحد، ومضمون هذا القول هو أن سلطة الدولة تتمتع بوجود مستقل عن إرادات الأفراد والجماعة. إضافة إلى ذلك يؤكد اسبينوزا على أن الحق الوحيد الذي تنازل عليه الأفراد هو الحق في أن يتصرف كل وفق ما يمليه عليه قراره الشخصي. وليس حقه في الحكم والتفكير. ومن ثمة فللفرد الحرية في الكلام وفي التفكير وفي إصدار الحكم اعتمادا على العقل، لا على المكر والخداع. فليس للفرد الحرية في تغير أي شيء في الدولة بمحض إرادته، ووفقا لقراره الشخصي فقط.  ومن ثمة فالحرية التي يدعوا إليها اسبينوزا هي حرية مقيدة بقيود العقل والقانون والسلطة المشتركة، وليست بحرية مطلقة، فالحرية المطلقة لم تكن ممكنة إلا في حالة الطبيعة، أما حالة الدولة فهي حالة القانون والسلطة المشتركة. و يقدم اسبينوزا مثالا مفترضا لتبيين كيف أن الأفراد يجب أن يمارسوا حرياتهم لكن مع احترامهم الضروري لسلطة الدولة، مثال شخص تبين له تعارض قانون ما مع العقل، وعرضه على السلطات العليا لتحكم عليه، دون معارضة للقانون، فهو يستحق اسم المواطن الصالح. 

قيمة الموقف

يكتسي موقف اسبينوزا أهميته من تأكيده على أهمية الحرية في التفكير والحكم، وتأكيده على ضرورة السلوك وفق العقل لا وفق الطبيعة والشهوات وهو ما يؤسس لمجتمع ضامن للحقوق الطبيعية والمدنية. لكن القول بكون الحرية والسلم هي غاية الدولة يجعلها مجرد وسيلة، بل أكثر من ذلك فغاية الدولة يمكن أن تتعدى الحرية والأمن إلى خدمة مصالح طبقة دون الأخرى.

مناقشة موقف اسبينوزا بموقفي كل من هيجل وماركس

1 – موقف  فريدريك هيجل

فريدريك هيجل (1770-1831م) فيلسوف ألماني مؤسس فلسفة الجدل، من مؤلفاته مبادئ فلسفة الحق، علم المنطق.

قد يعجبك ايضا

خطاطة منهجية الكتابة الإنشائية في الفلسفة: النص والقولة والسؤال الإشكالي PDF

منهجية القولة الفلسفية PDF

يذهب هيجل إلى انتقاد النظرية التعاقدية، التي خلطت بين الدولة والمجتمع المدني، فالذي يقوم بحماية حرية الأفراد وحماية الملكية حسب هيجل هو المجتمع المدني وليست الدولة هي من تقوم بذلك، لأن ذلك سيجعل من الدولة مجردة وسيلة في يد الأفراد. إلا أن الدولة حسب هيجل هي غاية في ذاته، وهي ضرورة تاريخية لا دخل لإرادات الأفراد فيها. بل أكثر من ذلك فالأفراد ليس لهام من الموضوعية والحقيقة ولا من الأخلاق إلا بما هو أعضاء في الدولة. فالحياة الجماعية تعتبر قدر الأفراد، ومصيرهم المحتوم.

إذن فالدولة تستمد مشروعيتها من العقل، وأنا غايتها فب ذاتها

2 – كارل ماركس

فيلسوف ألماني، من مؤلفاته: “الرأسمال”، “البيان الشيوعي”.

تعرضت نظرية التعاقد الإجتماعي للإنتقاد من طرف الفلسفة الماركسية أيضا، فهذه الأخيرة لم تر في الدولة مجالا لتحقيق إنسانية الإنسان وأمنه ورفاهيته، فنشأة الدولة مرتبطة بالملكية الفردية، وانقسام المجتمع إلى طبقات، وفي ذلك يقول صديق ماركس فريدريك إنجلز: “لم تكن الدولة موجودة منذ الأبد، بل إن هناك مجتمعات لم تكن لديها أية فكرة عن الدولة وعن سلطتها، لكن في مرحلة من التطور الإقتصادي الذي كان مرتبطا، ضرورة، بانقسام المجتمعات إلى طبقات، أصبحت الدولة ضرورية، وعندما يعيد المجتمع تنظيم إنتاجه الإقتصادي على أساس التشارك الحر والمتساوي بين المنتجين فإن آلة الدولة ستؤول إلى الموقع الذي سيصبح منذ الآن هو موضعها أي متحف الأثريات بجانب العجلة والفأس البرونزي”.

إذن فالدولة حسب التصور الماركسي، تجد مشروعيتها في انقسام المجتمع إلى طبقات، طبقة برجوازية مالكة لوسائل الإنتاج، وطبقة بروليتارية ، لا تملك إلا جهدها العضلي. ولا غاية لها غير خدمة مصالح الطبقة البرجوازية، وتبرير هيمنتها.

إشكال المحور

   لقد عاش الإنسان لفترة طويلة تحت قيادة قوانين الطبيعة، إلا أنه لما كبرت آماله وطموحاته وجد أن تحسين معيشه والكشف عن قدراته ومؤهلاته لن يتم إلا في جو يسوده الأمن والنظام، لذلك فكر في تأسيس الدولة. فهل الإنسان في حاجة للدولة؟ ومن أين تستد الدولة مشروعية وما غاياتها؟ 

معالجة الإشكال

أهم المواقف

موقف “باروخ اسبينوزا

   يقول سبينوزا ” إن الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليست السيادة أو إرهاب الناس أو جعلهم يقعون تحت نير الأخرين، بل  تحرير الفرد من الخوف، حيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الإمكان، أي يحتفظ بالقدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة وفي العمل دون إلحاق الضرر بالغير”. الدولة إذن 

في نظر “اسبينوزا” وجدت لغاية تحرير الإنسان، لا لأجل إرهابه وفرض السيطرة عليه، وذلك مقابل التنازل عن جزء من حريته والتخلي عن الأنانية، لضمان العيش المشترك والجماعي، وذلك وفق قوانين وتشريعات يشارك الجميع في وضعها. إذن مشروعية الدولة من المواطنين المتعاقدين وغايتها خدمتهم بضمان حريتهم وأمنهم.

موقف “ماكس فيبر

   ينطلق “فيبر” من أن الدولة إنما وجدت لأجل تدبير الشؤون العامة للأفراد، غير أن نجاحها متوقفا على شكل من أشكال المشروعية لدفع الناس للامتثال والخضوع لأوامرها، وبالنظر إلى تاريخ الإنسانية نجد ثلاث أنماط من المشروعية وهي: المشروعية التقليدية، والمشروعية الكاريزمية، وأخيرا العقلانية. فالأولى تبنى على سلطة القبيلة والعادات والتقاليد(سلطة الشيخ)، أما الثانية فتستند على تلك الصفات الخارقة التي لا يمكن أن يوجد مثيلا لها عند أي شخص آخر (سلطة الأولياء)، أما الأخيرة فتقوم على سلطة العقل، والذي على ضوئه توضع قواعد الحكم التي يمتثل لها الجميع لأنها نتاج إرادتهم.

موقف “هيجل

   على خلاف ما يعتقده فلاسفة التعاقد الاجتماعي من أن غاية الدولة تحقيق الحرية والأمن للأفراد، يرى هيجل أن مشروعية الدولة في ذاتها وغايتها أكبر من مجرد تقيق الحرية والأمن. ولتوضيح ذلك يقيم هيجل تمييزا بين الدولة والمجتمع المدني،  فهذا الأخير مهمته التقريب بين الأفراد عن طريق تقليل حدة خلافاتهم. أما الدولة فهي التحقق الفعلي للفكرة الأخلاقية والموضوعية أي تمام واكتمال العقل وبلوغه درجة المطلق، لحظة نتنفي فيها النزاعات بين الأفراد ويصبحوا جميعهم مندمجين في علاقة كلية وكونية، وبذلك لم يعد هناك ما يدعوا لتعارضهم وتناقضهم.

موقف “جون لوك

   إن الدولة في نظر “لوك” هي اتحاد لمجموعة من الإرادات وغرضها هو تأمين حياة الإنسان وحفظ ممتلكاته من كل ما يهددها. وقد تشكلت عن طريق تنازل الجميع عما يخص حياته لصالح هيئة أو فرد واحد تم انتخابه من لدن الجميع، فالقوانين داخل الدولة تتمتع بالاستقلالية عن الأفراد ورغباتهم فهي تترجم الإرادة الجماعية. فالدولة في نظره ليست ضرورة ملحة ما دام أن الهمجية والتوحش ليس أصلا في البشر لأنه كان يعيش بشكل فردي وليس جماعي، فالصراع والعنف تولد في الوقت الذي تم فيه القضاء على الحرية الطبيعية وتعويضها بحرية مدنية غير عادلة، بذلك تكون الدولة قد وجدت لتكريس هيمنة الطبقة المسيطرة.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *