اهمية معرفة التاريخ وفكرة التقدم في الفلسفة لسنة ثانية باكلوريا

إإن الزمان الماضي باعتباره سلسلة من الأحداث الفائتة يدفعنا إلى التساؤل عن مساره ومنطقه، فكيف يتم تطور الزمان الماضي وتقدمه؟ وهل يخضع في تطوره لإرادة الإنسان أم أنه سلس على نحو ليس له مبرر تفعل فيه الصدفة فعلها؟ 

لو كان “هيكل” يؤمن بفكرة الريادة ويعتبرها حقيقة الصيرورة، هذا أن حركة الزمان الماضي تتحقق عن طريقها الفكرة وتصل كمالها “المطلق”، فإن كارل ماركس يرفض ذلك التصور المثالي للتاريخ، حيث يشاهد أن الزمان الماضي الإنساني يتعلق ارتباطا وثيقا بالتقدم، وأن تطور الزمان الماضي يخضع لحتمية المشاحنة بهدف المكوث وبذلك فإن ماركس اعتقد أن الزمان الماضي هو صراع الطبقات بمعنى أن الزمان الماضي عنده يتحقق من خلال ثورة البروليتاريا وعن سبيل قهر الإنسان للطبيعة وتحويلها، كما يعتقد أن الزمان الماضي يتحقق ويبلغ الى منتهاه عندما تنمحي الطبقية عن الوجود وتسود العدالة الاجتماعية التي رسم ملامحها في المذهب الشيوعي وهو بهذا يؤكد على نظرية خاتمة الزمان الماضي وهذا بنهاية الفكر الرأسمالي. ورسم معالم حركة الزمان الماضي على شكل فترات: من فترة المشاعة البدائية والعبودية، الإقطاع، الرأسمالية، والاشتراكية. ونفس الشأن فيما يتعلق «لأجوست كونت» الذي نظّر الى حركة الزمان الماضي عن طريق فكرة مسبقة: سيادة الفكر الوضعي.

فحقب «أ ـ كونت» حركة الزمان الماضي انطلاقاً من تلك الفكرة القبلية. يمكن القول بان تشريع الظروف الثلاثة الذي صاغه «أ. كونت» يفرض على الزمان الماضي مساراً محدداً لايخرج عنه

ويلمح أن إمكانات التقدم في الزمان الماضي نحو ماركس تتخذ أشكالا عديدة:

– تطور ارتقائي، متدرج Evolution

– تطور قطعي Rupture

– تطور خطي (تراكمي – صاعد نحو واحد). (Lineal)

– تطور بطولة دوري (ارتدادي ، ومتقدم في آن (Cyclical

هناك ظاهرات في الزمان الماضي تتصف بالتدريج الارتقائي، وأخرى بتطور خطي، وثالثة بتطور منافسات دوري، ورابعة بتطور قطعي وبذلك دواليك ، فمثلا ماركس يشاهد أن الشيوعية ستتطور بشكل متدرج وستمحوا الراسمالية على نحو متدرج وذلك هو التقدم الارتقائي ، أما التقدم القطعي فهو ما يأتي ذلك في الزمان الماضي فجأة سواء نتيجة لـ الحروب أو الكوارث أو ما شاكل هذا….. 

وتأسيسا على ماسبق ندرك أن ماركس دشن نظريته التاريخية على خلفية جوهري سعى في ذلك التشييد الفلسفي للتاريخ ربط التقدم التاريخي بالتطور الاستثماري للمجتمع ونتج عن هذا الربط شرح الزمان الماضي على خلفية إحكام القبضة على وسائل الإصدار التي تمكن طبقة اجتماعية محددة من فرض أفكارها ونفوذها الاجتماعي وأن هذا التشاحن المتواصل سيؤدي الى مكسب البروليتاريا وذلك ماعرف نحو الماركسية بالمادية التاريخية .

ردا على التصور الماركسي للتاريخ والتقدم، يعترض ميرلوبونتي على كل اعتقاد مطلق ومسبق للتاريخ، حيث يصبح ذلك الأخير ذو اتجاه معين سلفا. إن الإيمان بنمطية الزمان الماضي ينزع كل فاعلية عن الإنسان ويقود إلى التسليم بهيمنة النموذج من الغرب، وهي فرضية تكذبها الأنتروبولوجية، خاصة الأنتربولوجية البنوية، هذا أن الريادة ليس سلسلة منتظمة من النكبات لأنه يخضع للصدفة والمراوحة، وذلك ما نستخلصه من الريادة الذي حققته الإنسانية منذ بدايتها الأولى.

إن ما يميز الريادة البشري حسب كلود ليفي ستراوس كونه يتم عبر تحولات وقفزات فجائية، وذلك ما تؤكده المعارف ما قبل التاريخية والحفرية، حيث أثبتت حضور أنماط

حضارية مغايرة في الموضع الواحد، وفي ذلك التوجه شبه ستراوس مجرى الريادة البشري بلاعب الشطرنج الذي يمكنه اللعب في العديد من اتجاهات مغايرة، وبذلك فالتطور البشري ليس تراكميا تنضاف عن طريقه مكتسبات كل فترة لأخرى، بمقدار ما هو جدلي. وفي ذلك الصدد قدم كلود ليفي ستراوس مثال لاعب النرد الذي يَبقى معرضا لفقدان ما ربحه في المراحل الفائتة.

تجاوزا للبس والغموض اللذان يحيطان بمفهومي الريادة والتطور، سعى إدوارد هاليت كار أن يبين أن مفهوم التقدم ذو حمولة بيولوجية حيث يتعلق أساسا بنظرية النشوء والارتقاء الداروينية، بينما يتعلق الريادة بالجانب الإجتماعي التاريخي، ويعود ذلك الخلط بين المفهومين إلى مفكري التنوير، حينما اعتبروا قوانين الزمان الماضي مطابقة لقوانين الطبيعة، وأن تلك الأخيرة تمشي على نحو تقدمي.

إن معالجة مشكلة الريادة حسب إدوارد هاليت كار لا تقتضي بالضرورة أن تطور الزمان الماضي له مستهل ونهاية، لأن هذا ينسجم أكثر مع التفكير الديني، لكن يلزم البصر إلى الزمان الماضي على أنه عملية تودع فيها متطلبات وأحوال العصور المتعاقبة. فالتقدم التاريخي ليس مستمرا في الزمن والمكان، حيث يخضع لعدد من الانحرافات.

من جانبه ميز هاربيرت ماركوز في فكرة الريادة التاريخي بين معنيين متقابلين، الأول كمي والثاني كيفي، وكلاهما يوضح اتجاه الإنسان باتجاه مراكمة تجاربه لإحكام القبضة على الطبيعة، وتحقيق ماهيته، وذلك ما يميز الفترة المعاصرة من تاريخ الحضارة الغربية.

يوميء الريادة حسب هاربيرت ماركوز إلى أن تزايد المكتسبات والمعارف الإنسانية رغم الكثير من مراحل التقهقر والنكوص، فإن الحضارة في تطورها تولد رغبات وحاجات حديثة لدى الناس، وفي ذات الوقت تمكنه من وسائل إشباع تلك الرغبات، وذلك هو المقصود بالتقدم التقني. وفي المقابل يمكن الريادة الكيفي من تقصي ماهية الإنسان وتوسيع الحرية الإنسانية ونبذ أشكال التعسف والعبودية. وبذلك يَبقى الريادة الإنساني رهين بالتطور التقني من ناحية، والتطور الكمي من ناحية أخرى، فإذا كان الأول يمكن من إشباع حاجات الإنسان فإن الثاني يساعده على تقصي ماهيته.

المحــــــور الثاني : الزمان الماضي و فكرة الريادة: مقال كارل ماركس: الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة

مقال كارل ماركس: الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة  التوجه النظري للنص: مقال “التناقض محرك الزمان الماضي”  مقتطف من كتاب “مشاركة في نقد الاستثمار السياسي” للفيلسوف والمفكر والعالم الألماني ماركس ، وهو من أكثر أهمية رواد الفلسفة الجديدة ذات السياق الجوهري,سعى الرجل عن طريق ذلك المقال تفسير فكرة الريادة في الزمان الماضي عن طريق  التناقض بين قوى الإصدار وعلاقات الإصدار.  صاحب المقال: كارل ماركس (five شهر مايو 1818 إلى 14 شهر مارس 1883). فيلسوف ألماني، سياسي، وصحفي ، ومنظّر اجتماعي. قام بتأليف الكثير من المؤلفات سوى أن نظريته المرتبطة بالرأسمالية وتعارضها مع مبدأ أجور العمال هي التي أكسبته شهرة دولية. لهذا يُعد مؤسس الفلسفة الماركسية ،. ولد ماركس بمدينة (ترير) في ولاية (رينانيا) الألمانية عام 1818م والتحق بجامعة بون عام 1833 لدراسة التشريع. أظهر ماركس اهتماماً بالفلسفة رغم معارضة أبوه الذي أراد لماركس أن يصبح محامياً. وقام ماركس بتقديم برقية الدكتوراه في الفلسفة عام 1840 . عاش كارل ماركس في القرن التاسع عشر؛ وهي مرحلة اتسمت بانتشار الرأسمالية الصناعية عن طريق تشكيل الطبقات العمالية الأوروبية وأولى صراعاتها الكبرى. وذلك العالم هو الذي سعى ماركس التفكير فيه عن طريق اعتماد العديد من مكتسبات نظرية:                *الفلسفة الألمانية وبالخصوص فلسفة هيجل (1891-1770) التي استخلص منها فكرة جدلية الزمان الماضي الكوني الذي تهيمن عليه التناقضات التي تقوم بقيادته باتجاه مآل ختامي.                    *الاستثمار السياسي الإنجليزي الذي يشكل كل من آدم سميث (1790-1723) و د. ريكاردو (1823-1772) و مالتوس (1834-1770) أبرز وجوهه. * الاشتراكية ” الطوباوية ” الفرنسية (سان سيمون، فورييه، كابي) ومعاصرو ماركس (برودون، بلانكي) الذين دخل معهم ماركس في سجال. المؤرخون الفرنسيون الذين حللوا المجتمع بحدود صراع الطبقات الاجتماعية.   سنواته الثمانية الأخيرة قد كانت صراعا حقيقيا مع الداء الذي أعاقته عن تقصي طموحاته و بلوغ أهدافه، ومع هذا كان ماركس بعد موته قد وجد بعضا من الملاحظات التي تم تجميعها و إرجاع أصدرها كمجلد رابع لكتاب رأس المال ( ماركس ربط تكون رأس المال بالقيمة المضافة الناتجة عن صلات الإصدار ولم يجعله يقتصر على وضعية تراكمية جامدة).  وفي 14 شهر مارس 1883، توفى كارل ماركس ودفن في مقبرة هاي غيت (Highgate Cemetery) بلندن. المفاهيم: الإصدار الاجتماعي، صلات الإصدار، قوى الإصدار الجوهري، الصلات الإنتاجية، البنية الاستثمارية، البنيات الفوقية، الإدراك، نمط الإصدار، الوجود الاجتماعي،الثورات الاجتماعية،المحددات والقواعد العينية،أنماط الإصدار،  لَبس المقال: هل الإدراك هو الذي يحدد  الوجود الاجتماعي أم أن ذلك الأخير هو الذي يدشن نمط الفكر و الإدراك ؟ أطروحة المقال: إن طبيعة المحددات والقواعد الاستثمارية و الاجتماعية هي التي تحدد نمط التفكير أو الإدراك  لد ى طبقة محددة  أفكار المقال: إن الوجود  الاجتماعي هو المحدد الرئيسي للوعي و هو مؤيد لتطور قوي الإصدار، التي تتم ثورات اجتماعية. إن تطور نمط الإصدار يقود إلى ظهور طبقة اجتماعية تنسجم مع ذلك النمط الحديث،  البنية الحجاجية: التأكيد و الإثبات( إن، معين وضرورية، الشرح(:) النفي (أبدا)، المثال/الأمثلة…………….  قيمة المقال: تكمن قيمة المقال الفلسفية في أن ماركس قدم لنا تصورا جديدا قلب عن طريقه موازين الاعتقاد الراسخة نحو التقليد الهيجلي محاولا بدلك تشييد أطروحة خصبة الميدان العلمي والفلسفي على حاجز سواء و خاصة على مستوى مفهوم الزمان الماضي المبني أساسا على المناحرة الطبقي بين طبقتين متصارعتين  أو المتعارضتين على مستوى الموقع الطبقي و الإدراك الطبقي و ماركس بذلك الصدد أعطى نفسا جديدا للفلسفة الهيجلية عن طريق قلب جدلها الذي أقامه بعد أن كان يقف على قمته و على الارجح ثورة فكرية في التراث الهيجلي وهنا تكمن ضرورة المقال الفلسفي في تنشيط و إدراك بحركية الزمان الماضي ومدى الدور الفعال الذي يلعبه الإنسان . الخلا صة التركيبية ينظر ماركس إلى الزمان الماضي باعتباره صيرورة عينية وتاريخية متعلقة أساسا بالتناقض الحاصل بين صلات الإصدار وقوى الإصدار، إن الحياة العينية حسب كارل ماركس تحدد سيرورة الحياة الفكرية عموما، إن تطور قوى الإصدار العينية يقود إلى تناقض تلك الأخيرة مع رابطة الإصدار ،الأمر الذي يقود إلى اختلافات اجتماعية على شكل ثورات، و هكذا يتحسن تاريخ البشرية.المحــــــور الثاني : الزمان الماضي و فكرة الريادة: مقال كارل ماركس: الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة

هل منطق الزمان الماضي يمر الإنسان؟

     يتأطر موضوع السؤال ضمن مجزوءة الحال البشري، الذي يوميء إلى الخاصية والحالة الفريدة للوجود الإنساني. يتخذ ذلك الوجود أبعادا مغايرة، تتجلى بالخصوص في البعد الذاتي كشخص وذات حرة ومسؤولة، والبعد التفاعلي الذي يدخل عن طريقه ذلك الوجود الذاتي في صلات مع الغير، ثم البعد الزماني، حيث يخضع الحال البشري لصيرورة تاريخية، وهو البعد الذي يتناوله موضوع السؤال، إذ أنه يندرج داخل مفهوم الزمان الماضي كمجموعة فاعليات ماضية، تظهر في بعض الأحيان مترابطة بعلاقات لازمة، سوى أنها تبدو، في بعض الأحيان أخرى، مفاجئة وعرضية. وهو ما يطرح مشكلة منطق الزمان الماضي ودور الإنسان فيه. ويمكن إرجاع بلوَرة مكونات تلك المشكلة في التساؤلات الآتية :هل تمشي الأحداث التاريخية بحسب سيستم ومنطق معين، أم أنها نتاج الصدفة والعرضية؟ وأي دور للإنسان في الزمان الماضي؟ هل هو خاضع للضرورة ولمنطق الزمان الماضي الذي يتجاوزه، أم أنه صانع للتاريخ وفاعل فيه؟

 

 قبل الشروع في عملية الفحص لنتوقف في الطليعة نحو منطوق السؤال لتحديد أكثر أهمية مفاهيمه والعلاقات المتواجدة بينها. يوميء المنطق إلى مجموع النُّظُم والقوانين اللازمة والحتمية المنظمة لمجال. ويعني الزمان الماضي سيرورة الأحداث التي وقعت في الماضى. ويحيل التجاوز إلى نفي وإلغاء شيء ما والتحكم فيه. أما الإنسان فهو هذه الذات العاقلة والحرة والمسؤولة. يتبين عن طريق الصلات بين المفاهيم أن السؤال يراهن على أن الإنسان خاضع لمنطق الزمان الماضي ولصيرورته ولمنطقه، أي أن مسارات الأحداث وتقدمها في اتجاه ما يتم خارج إرادة الإنسان. وهو ما يجعلنا نتحدث عن وجوب  أو حتمية تاريخية كمجموعة صلات ثابتة بين الوقائع التاريخية التي لا دخل للإنسان فيها. وبذلك ينتفي أي دور لإنسان في تصنيع الزمان الماضي أو النفوذ في مجرياته، هذا أن الزمان الماضي يتقدم باتجاه قصد بحسب منطق ومبدأ معين سلفا.

    يظهر إذن أن الزمان الماضي يتحسن ويتقدم في اتجاه محدد لا يحيد عنه ولا يتحول قانونه ومنطقه ما يجعله محكوما بمنطق الأهمية وهو ما يلغي تمكُّن الإنسان على تحويل مسار الأحداث ويكون بالتالي خاضعا له.

وفي ذلك الحين تم التعبير عن تلك الأطروحة على نحو أكثر وضوحا في الفلسفة الهيجيلية مع الفيلسوف الألماني هيجل الذي يُعد أن ما يوجه حركة الزمان الماضي هو ما يسميه الذهن الكلي أو الروح المطلق أو الله. إذ  تبقى وجوب تاريخية تتعالى على الإنسان، حتى وإن بدا هو الفاعل، بل الحقيقة هي أن الإنسان ليس سوى مجرد وسيلة في يد هذه الشدة الخفية، التي تصنع الزمان الماضي وتتقدم به وتوجهه باتجاه تقصي المطلق. يظهر الإنسان فاعلا في الأحداث التي لا معنى لها بلا الإنسان، سوى أنه في الواقع ليس سوى منفذا لإرادة تمر إرادته، وهو يتوهم أنه الفاعل الحقيقي ، بينما أن هذا ليس سوى هيئةً خارجية خادعا وهو ما يسميه هيجل “مكر الزمان الماضي”. وهكذا فلا دور للإنسان في تصنيع الزمان الماضي سوى أن يكون وسيلة وأداة في يد قوة روحية أعلى وأخفى وخادما لمنطق يتجاوزه..

تلك الأطروحة تبنتها الفلسفة الماركسية، نسبة إلى الفيلسوف الألماني ماركس ، بل حاولت إعطاءها مضمونا آخر.فإذا كان هيجل يمنح لحركة الزمان الماضي مضمونا روحيا، فماركس يُعد الزمان الماضي خاضعا لمنطق التناقض بين قوى الإصدار وعلاقات الإصدار، ما يقود إلى المشاحنة بين الطبقات المتعارضة داخل المجتمع (البورجوازية والبروليتاريا) يقود إلى ثورة ينتج عنها ظهور مجتمع حديث والانتقال إلى فترة تاريخية حديثة . بذلك المعنى يتقدم الزمان الماضي ويتطور في اتجاه إلغاء التناقض والتراتبية الاجتماعية والطبقية بإحلال المجتمع الاشتراكي الشيوعي وبذلك يُعد الزمان الماضي من إتجاه نظر ماركس حركة وتطورا لأحداث عينية ونموا لتحولات استثمارية واجتماعية وسياسية تحيل بالأساس إلى البعد الجوهري في الوجود الإنساني لكن إن الزمان الماضي في مجمله حسب الفلسفة الماركسية ليس سوى تاريخ صراع بين الطبقات تحل تلك القاعدة محل المنطق والقانون الذي يتعلق بالضرورة والحتمية، أي أن تقدم الزمان الماضي يسير حتما باتجاه إلغاء المجتمع الطبقي والقضاء على  البورجوازية، بحيث لا يمكنه تحويل قانونه ومنطقه ومساره.

  ورغم الفرق بين التصورين الهيغلي والماركسي فإنهما يلتقيان في كون الزمان الماضي خاضع للضرورة التي تتعالى على الإنسان وتتجاوزه وتلغي مقدرته على الإجراء الحر الواعي المنطلق من إرادة الفرد ككائن واعي حر . بل إلى أي حاجز يمر منطق الزمان الماضي الإنسان ؟ وأي دور يوجد للإنسان وسط تلك الأهمية؟

    يقترب من ميرلوبونتي ذلك السؤال محاولا العثور على دور للإنسان منطلقا من التأكيد على نفي خضوع السيرورة التاريخية لمنطق الأهمية خضوعا مطلقا ومغلقا، ويفتح فرصة الذهاب للخارج عن هذه الأهمية. إن منطق الزمان الماضي منفتح على قدرات متنوعة من ضمنها العرضية والفجائية التي تقابل الأهمية والحتمية. تعني العرضية انه رغم كون مغاير معدلات الأحداث تشكل كلا واحدا معقولا، فهي مع هذا ليست وثيقة الصلة فيما بينها. كما تعني العرضية أن جدلية الزمان الماضي يمكن أن تنحرف عن الغايات المحددة. وهكذا فمسار الزمان الماضي ليس محددا سلفا ولا يتحقق بالضرورة. وهو نفس الموقف الذي يتبناه سارتر مركزا على فاعلية الإنسان ودوره في صنع الزمان الماضي مركزا على مفهوم المشروع وهو يقصد امتلاك الإنسان التمكن من الإجراء عن طريق نفي ما يحيط به وإبداع مشروعه المخصص رغم أنه محكوم بشروط وضرورات . ويؤكد سارتر أن الشخص يصنع الزمان الماضي عندما يمر وضعيته باتجاه حقل ممكناته ويحقق إحداها على مرجعية الحرية والوعي.

 وبالتالي  يتضح عن طريق الموقفين السابقين أن الزمان الماضي ليس بالضرورة خاضعا لمنطق معين قبليا، وهو إن ايضاً فإنه يَبقى منفتحا على قدرات أخرى تجعل الإنسان قادرا على لعب دور رئيسي في تصنيع الزمان الماضي عندما يدرك هذا.

  كتركيب عام، يتبين أن مشكلة منطق الزمان الماضي ودور الإنسان فيه تثير العديد من مفارقات أدت إلى مواقف فلسفية متباينة . فإذا قد كانت المعرفة التاريخية تحاول إلى بلوَرة قوانين مفسرة للسيرورة التاريخية، فهذا يقصد حضور منطق يمثل وجوب تمر إرادة الإنسان واختياره وتلغي حريته في تحديد مسار الزمان الماضي وتقدمه ومشاركته في صنعه سوى أن يكون وسيلة مفتقدة للوعي بهذا المجرى. وفي المقابل تبدو العرضية في الزمان الماضي أن هناك قدرات أخرى متنوعة تتيح للإنسان أن يكون فاعلا تاريخيا، بشرط وعيه بوضعه الموضوعي، وبالإمكانيات التي يتيحها، وأيضاً بحدودها. ويمكن القول في سياق تلك المشكلة أن الإنسان خاضع لمنطق الزمان الماضي المتمثل في المحددات والقواعد الموضوعية المتداخلة، لكنه لا يقف في مواجهتها موقف المتفرج أو موقف المفعول به الذي لا يفعل. صحيح انه يبقى داخل هذه المحددات والقواعد التي صنعها بنفسه والتي يمكن أن تتجاوزه في بعض الأحيان، ولكنه يمكنه تغييرها متى امتلك الإدراك التاريخي وإرادة التحويل، ولعل أبرز مثال على هذا الثورات والنضالات التي أداها الإنسان على امتداد الزمان الماضي  بهدف التحويل دفاعا عن كرامته وعن القيم والمبادئ الإنسانية النبيلة كالحرية والعدالة والمساواة… ولعل ذكر تجلي للسعي إلى امتلاك الإدراك التاريخي أن كثيرا من الدول المتقدمة قامت وتقوم بإنشاء مراكز بحوث وتكوين أهل خبرة في ميادين الدراسات المستقبلية لوضع تدابير يمكنها عن طريقها الإمساك بالخيوط المتحكمة في الزمان الماضي لتوجهه لصالح مصالحها القومية السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها. وهو ما يجعلنا ننتهي إلى حصيلة مفادها أن الإنسان في جميع الأوضاع هو الذي يصنع الزمان الماضي فإذا كنت أنا عاجزا عن تصنيع الزمان الماضي هذه اللحظة وهنا، فغيري يصنعه هذه اللحظة وفي موضع آخر كما عبر عن هذا سارتر. فهل يمكنه الإنسان أن يتنازل عن حريته التي تكلفه المسؤولية والتضحية ودفع السعر بهدف التحويل؟

2 –الزمان الماضي وفكرة الريادة

ألا يمكن أن نجد للصيرورة التاريخية منطقا آخرا غير التتالي بطولة الدوري الارتدادي الذي يعيد إصدار ذاته ولا يضيف شيئا؟ ألا تحتوي السيرورة التاريخية نوعا من التكدس بحيث يحتفظ الدور اللاحق بشيء من الدور الماضى ويضيف له ويتجاوزه؟ وإذا صح شيء من هذا فإلى أية إتجاه يمضي ذلك التكدس والتجاوز؟

يشاهد “تيودور شانين” أن جاذبية فكرة الريادة ترجع إلى بساطتها وتفاؤليتها، فهي تعني أن كل مجتمع لين باتجاه الأعلى على سبيل طويل بيتعد فيه بشكل متدرج عن الفقر والبربرية والاستبداد والجهل ليمضي باتجاه الثراء والحضارة والديموقراطية والذهن.

يتضح التصور التراكمي للتاريخ في كتابات باسكال (1662-1623) وبخاصة في مقدمته لكتاب “عن الفراغ” حيث اعتقاد تاريخ البشرية كرجل واحد، عمره كل تلك القرون، لايتوقف خلالها عن التعلم المتواصل ؛ كوندورسيه (1743-1794) في كتابه ذي العنوان الدال: ” جدول تاريخي لتقدم الجنس البشري

تعكس لنا فلسفة الزمان الماضي مع هيغل ذلك التفاؤل الذي ميز بالخصوص عصر الأنوار في امكانية تقدم مطرد للجنس البشري باتجاه مزيد من المعرفة والحرية وفرض السيطرة على الطبيعة، وربما استدمج التصور الهيجيلي مفهوم السلب والنفي ضمن صيرورة جدلية يمر فيها اللاحق الماضي و في نفس الوقت يحتفظ في مركب أعلى بما هو مادي فيه. ولكن ذلك “الرقي” يفترض غائية للتاريخ، ومادام الزمان الماضي ليس إلا تجليات لفكرة أو روح تحاول لوعي ذاتها وللتطابق مع نفسها اعتبارا من أبسط أشكال الطبيعة وصولا إلى أعقد أشكال الزمان الماضي وأرقى أنواع المعرفة، فإن الزمان الماضي الكوني هو سيرورة الريادة الذي يحرزه إدراك الحرية، ولامناص من الاعتراف بالطابع الضرروري لذلك الريادة والتي هي وجوب منطقية في الذهن قبل أن تكون وجوب واقعية في الزمان الماضي. بذلك المعنى فحتى مشاهد الدمار وظواهر الحرب ولحظات الكبوات ليست إلا انتكاسات سطحية تخفي الريادة العميق والصامت الذي تخوضه الفكرة وهي تتقدم باتجاه مقصدها المتمثلة في الحرية. ونجد نفس تلك النظرة التفاؤلية وتأويلها “الإيجابية للكوارث” لدى لايبنز ايضاً

3- نقد فكرة الريادة – ريمون آرون

قلنا إن فكرة الريادة فتاة عصر الأنوار، ولذلك فقد ورثت تلك الفكرة النزعة الإنسية الكونية لهذا العصر ، الأمر الذي يقصد أن كل المجتمعات البشرية تتقدم بوتائر متفاوتة، ولكن على ذات المجرى الخطي التراكمي، وهو مايؤدي حسب ليفي ستروس إلى إذابة التغيرات بين المجتمعات والثقافات والحكم عليها بمنطق الريادة من الغرب العلمي،التقني، الصناعي والقيمي.

أما فيما يتعلق لريمون آرون،فإن فكرة الريادة تحتوي حكما معياريا قيميا ينتقص من علميتها، مفاده أن المجتمع اللاحق أمثل من السالف، علاوة على أنه حكم ذو صلاحية قطاعية لايمكن أن تنسحب على الزمان الماضي برمته: فإذا كنا نعاين في مجالي العلم والتكنولوجيا تراكما وتقدما لاسبيل إلى انكارهما لأن طبيعتهما تفرض تقدما يمكن قياسه دون تقدير، فإن إثبات الريادة في ميادين الفن أبوين والاقتصاد والسياسة يَبقى قضية مشكلة.

ويمضي ريمون آرون في نقده لفكرة الريادة إلى إبراز خلفيتها الميثولوجية وكذا استعمالاتها السيئة داخل فلسفة الزمان الماضي، الهيغيلية منها أو الماركسية،وكذا الأطروحات اللاحقة لفوكوياما بشأن خاتمة الزمان الماضي. هذا أن فكرة الريادة لاتنفصل عن فكرة عاقبة الزمان الماضي: فالقول بفكرة الريادة يفترض أولا حضور غائية تاريخية وحتمية ترسم للسيرورة التاريخية مسارها المحدد سلفا بتلك الغائية، ويفترض ثانيا حضور خاتمة للتاريخ تمضي نحوها تلك السيرورة بما هي مسيرة باتجاه الخلاص.

بيد أن فلسفات الريادة تسقط على نحو لامفر منه في نزعة محافظة وتبريرية وهذا في خلطها بين فكرة عقلية ليس لها إلا استخدام معياري وبين شكل متعين قائم من أنواع الإطار الاجتماعي أو الاستثماري أو السياسي ( مثلما تصرف هيغل حين طابق بين الجمهورية البروسية والذهن، أو ماركس حين جعل من الفترة الشيوعية وهيمنة البروليتاريا عاقبة الصيرورة التاريخية، أو فوكوياما حين جعل من الديموقراطية الليبرالية عاقبة الزمان الماضي…)

المحور الثالث: دور الإنسان في الزمان الماضي:

بين يدي الإشكال (تمهيد لاستيعاب الإشكال) إن البحث في دور الإنسان في الزمان الماضي لهو استمرار للتساؤل بخصوص منطق الزمان الماضي وغايته، هذا أن القول بوجود منطق وغاية للتاريخ يقتضي أن الصيرورة التاريخية تمضي بحسب مبادئ وقوانين موضوعية عينية أو عقلية بعيدا عن الذاتية المتقلبة للإنسان المفرد أو المجريات المباغتة للصدفة العمياء، أي إحلال عامل أو مبدأ ما محل الإنسان في توجيه دفة الزمان الماضي.

فمن ناحية يظهر الإنسان هو صانع تاريخه عن طريق مسابقة رياضية الأبطال وتضحيات المحاربين و ثورات الشعوب، ومن ناحية أخرى يظهر أن مسابقة رياضية هؤلاء وثورات أولئك قد صنعتها أوضاع مواتية. هل يمكن مثلا أن نعود تمدد الجمهورية الإسلامية ماضيا إلى استبسال المسلمين وقوة إيمانهم وشجاعتهم ونفسر إنحسارها هذا النهار بتخاذلهم وجبنهم أم أن ذاك الإتساع وذلك الإنحسار إنما يعاود أسباب استثمارية وسياسية دولية تمر النظام الإقليمي. من قبيل الاكتشافات الجغرافية والنهضة الأروربية

طرح الإشكال: لو كان المؤرخ لا يعتني بهبوب الهواء قدر اعتنائه بمجهود الإنسان في استعمال قوتها لتوجيه سفنه للتجارة أو أغار الحروب، ولايهتم بفيضانات المجاري المائية سوى من حيث أنها تتقاطع أو يقع تأثيرها على حياة إنسانية لائحة بجوارها… فلأن فعاليات السالف لاتكون موضوعا للتاريخ سوى من حيث أن الإنسان هو مُحدثها أو محورها على أقل ما فيها. ما حقيقة كون الإنسان “مُحدثا” للحدث التاريخي؟ هل يقصد هذا أن الإنسان هو من يصنع تاريخه ويوجه دفة صيرورته؟ أم أن الصيرورة التاريخية مشروطة بعوامل موضوعية تفوق إرادة الإنسان ذاته الذي ليس إلا قسم من بنية تمر وعيه وإدراكه؟

معالجة الإشكال:

1- الإنسان مجرد وسيلة عرضية لتحقق الفكرة – هيغل

تاريخ العالم نحو هيغل مجرد تمظهر لسعي الروح باتجاه علم نفسه، وإذا قد كانت البذرة تشتمل في نفسها كامل مواصفات الشجرة من مذاق وشكل فاكهة التي سوف تظهر لاحقا، فإن اللحظات الأولى للتاريخ بما هي آثار أولى للروح تتضمن بالشدة مسبقا ايضاً كل التمظهرات اللاحقة الزمان الماضي. ماذا يتبقى إذن للإنسان من دور في تاريخ معين قبليا؟

لاأهمية للبشر /الأشخاص نحو هيغل سوى بمقدار ما يكون هؤلاء معدات لتحقيق اغراض أسمى، وبقدر ما تتمثل فيهم حقبة من حقب الفكر المطلق. لكن إن أبطال الزمان الماضي وعظماءه بدورهم لايحققون إرادتهم المخصصة ولا يسعون لنيل سعادتهم الشخصية بمقدار ما يمتثلون لروح العصر التي تستعملهم وتتحقق بهم ومن خلالهم وتجاوزهم

2- ماركس: (المحددات والقواعد العينية)تطور قوى الإصدار هي المحركة للصيرورة التاريخية

ماهذه الفكرة أو الروح المطلق التي تستعمل الإنس – شعوبا وقادة – لتحقق ذاتها !؟

في تلك النقطة بالذات تمثل فلسفة الزمان الماضي الماركسية تجاوزا لفلسفة الزمان الماضي الهيغيلية، إذ أن الفكرة أو الروح المطلق التي قد كانت تتجلى بشكل متدرج عبر الزمان الماضي وتحرك خيوطه وتسير أبطاله، حلت محلها – في الماركسية – أسباب عينية هي أحوال الإصدار الجوهري للحياة بيد أن موقع الذات الإنسانية في الزمان الماضي استمر في الماركسية على ماهو عليه، : ففي الوقت الذي يعتقد الفاعل التاريخي أنه يتصرف بحسب ما يختاره من معتقدات دينية أو ما يتبناه من مبادئ سياسية يبين الفحص الجوهري للتاريخ أن المعتقدات الدينية والمبادئ السياسية ماهي سوى انعكاس للبينة التحتية الإقتصادية، أي لمستوى محدد من تطور قوى الإصدار. وعلى ضوء الفحص الماركسي، لاتعدو أن تكون بطولات نابليون وروبيسبيير حماس حشود وأحزاب الثورة الفرنسية إلا إنجاز لمهام عصرهم المتمثلة في انبثاق المجتمع البرجوازي وتفكيك الشركات الفيودالية.

وإذا كان الإدراك هو النمط الأوحد الذي يمكن عن طريقه إثبات تصرف الإنسان في الزمان الماضي، فإن ذلك الإدراك نتاج للوجود الاجتماعي وليس الضد

three- سارتر- الإنسان صانع تاريخه

ولكن إذا قد كانت الماركسية تقدم ذاتها كتحليل علمي للتاريخ يكشف النقاب عن القاعدة العينية المسؤولة في الواقع عن الصيرورة التاريخية، ألا تتيح تلك المعرفة للإنسان الانفلات حتمية تلك الصيرورة؟

يشاهد سارتر أن الماركسية قد أسيء تأويلها على نحو تبسيطي أو أن إمكانيتها لم تستثمر بشكل إجمالي: إن الماركسية فلسفة للحرية أو بالأحرى للتحرر ليس لاغير للإنسان الشخص لكن للطبقة المستغلة بأسرها، هذا أن الزمان الماضي لايكون قوة غريبة تستلب الإنس سوى مادامت إشارة مجهوداتهم غريبة عنهم والحال أن الفحص الماركسي يقدم الأدوات الكفيلة بالتعرف على المنتوج واستيعاب سيرورته، عن طريق مفاهيم قوى الإصدار ، صلات الانتاج،المشاحنة الطبقي، وأشكال الاستيلاب والايديولوجيا… وهكذا تصبح الممارسة الإنسانية ممارسة مستنيرة بالوعي لاممارسة عمياء قد تنقلب نتائجها ضدها.

 —–

اجليل الثاين من أنال: خالل العرب العاملية الثانية، قامت قوات االحتالل األملاين بفرنسا بقتل بلوخ يف عام ) 57م(، وال حقت فيفر، وألقت يف عام )0 57م(، القبض على فرنان بروديل )Braudel. F )الذي توّىل حترير أنال، بعد موت فيفر يف عام )5711م(. ا ملؤرخي أنال من اجليل الثاين، واليت نشرها حتت عنوان ً واعتربت أطروحة بروديل للدكتوراه منوذج : »البحر املتوسط وعا م البحر املتوسط يف فرتة فيليب الثاين« )ملك إسبانيا(، )5111 – 5178م(. ً ا منظور ً ن مع ّ ا جديدة، إىل معرفية ومنهجية فيفر وبلوخ، لتكو ً ا تارخيي ا ملدرسة أنال، قبل أن أضاف بروديل أفكار ً ا، أصبح مميز يتجاوزه اجليالن الثالث والرابع من مؤرخيها، وميكننا إيضاح أفكار بروديل اجلديدة كما يلي: التاريخ الشامل )Globale Histoire 🙂 وضع بروديل التاريخ يف مركز العلوم اإلنسانية، احيث تتالقى عنده اجلغرافيا وعلم االجتماع وعلم االقتصاد وسائر الفروع املنبثقة ً عنها؛ ا شامًال يعرض وحيلل أوجه احلياة اإلنسانية كلها

لتجعله تارخي . ا كوني ً ً والتاريخ الشامل عند بروديل، ال يعين تارخي ا ال ا مطلق حيدده زمان ومكان معينان، بل تتحدد مشوليته من خالل القضية التارخيية املدروسة. يرى بروديل أ ن القض عن ذلك بقوله ّ ية التارخيية هي اليت تفرض على املؤرخ أن خيتار مساحة مكان البحث، وعرب : »ليس املكان ا للبحث ً إطار . إن إطار البحث هو القضية«؛ أل ن »التاريخ القضية« يسعى إىل دراسة البناء بشموليته اجلغرافية واالقتصادية واالجتماعية والثقافية املرتاكمة عرب ز من »طويل األمد«، يقلل بروديل من أمهية تفاصيل األحداث التارخيية الواقعة يف زمن »قصري األمد«، أو »تاريخ األحداث«. مفهوم األطر الزمنية عن بروديل، والتي يتعامل معها التاريخ الشامل: د األمد الطويل: يسرب أووار )البناء( د عرب مسارات تارخيية طويلة ج ّ حيوي البناء أمناطً املشي ا، جتعله شبه ثابت. ا اجتماعية وثقافية وذهنية تضرب جذورها داخل اجملتمعات، وميتد فعلها لقرون عديدة، ما جيعل الناس خاضعني هلذا البناء. األمد المتوسط: طلق عليها بروديل اليت حتدث فيها مسارات تارخيية، ي »احلركات الدورية«، )Conjunctures )اليت متيز تغريات اقتصادية يف زمن، ميتد من عشر إىل مخسني سنة. 26 األمد القصير: الذي يصف به املؤرخ تاريخ األحداث. ا سطحي ً يعترب بروديل تاريخ االحداث

تارخي ا؛ ألن ه ال يتعمق يف األبعاد االجتماعية والثقافية الضاربة جذورها يف »البناء«. الجيل الثالث من أنال: منذ أواخر ستيني ق

مؤرخو اجليل الثالث دراساهتم الثقافية ّ ات القرن العشرين، عم ؛ لتشمل دراسة العائلة واألطفال والنساء، ووريها من الدراسات الثقافية اليت ترّكز على دراسة الذهنية اجلماعية يف »الزمن االجتماعي«، ويف الوقت إ أ ن مقارباهتم التارخيية ال نفسه م يتخلّوا عن فكرة أمهية دراسة البناءات االجتماعية واالقتصادية والثقافية يف الكتابة التارخيية؛ بدأت تتنوع. أنال تتخلى عن قوالبها القديمة: ا ً ّ يف كتابه »الثورة التارخيية الفرنسية«: س بورك فصًال لعرض أهم أعمال مؤرخي اجليل الثالث ملدرسة أنال، مبين مدرسة أنال، يكر املقاربات اجلدية اليت أضافوها يف دراسة الذهنية اجلماعية، مندجمني بذلك داخل التاريخ الثقايف الغريب. ا من القوالب النظرية لبروديل في دراسة الثقافة والذهنية ً وقد الحظ بورك أن مؤرخي الجيل الثالث من أنال تجاوزوا كثير الجماعية حين مالوا إلى األخذ بمقاربات جديدة: ًض األولى: املقاربة األنثروبول ا من مؤرخي اجليل الثالث يركز على وجية يف دراسة اجملتمعات الغربية اليت جعلت بع »امليكرو-تاريخ« )History-Micro )الذي يدرس اخلصائص الثقافية لوحدات اجتماعية صغرية مثل القرية أو املنطقة يف زمن تارخيي حمدد. الثانية: العودة إىل »التاريخ السياسي« مات الذهنية اجلماعية يف ّ ، باعتبار أن السلوك السياسي لألفراد واجلماعات هو من مقو زمن معطى. ولفهم أكثر ألثر هذه املقاربات اجلدية على الكتابة التارخيية ملؤرخي أنال سنقف مع كتاب: »إميانويل لورا الدوري، مونتيو، قرية )8 )أوكتانية من ) 7 5م( حىت ) 5م( . حيلل هذا الكتاب احلياة الثقافية واالجتماعية لقرية مونتيو الصغرية املكونة من مخسني عائلة يف منطقة أوكتانيا، جنوب فرنسا أحواهلم املعيشية وثقافتهم. حاول لوروا الدوري، من خالل تقارير حماكم التفتيش، أن »يدخل« بيوت الناس؛ ر حياهتم ّ ليصو املادية والروحية، فريصد حياهتم اجلنسية ومراسيم الزواج وعالقات احلب ومفهومهم للطفولة والشيخوخة واملوت والزمان واملكان ونظرهتم إىل السحر والدين. كن أن نعترب كتاب ّش مي مونتيو قفزة يف صياوة جدية ملفهومي »الذهنية اجلماعية«، و»التاريخ اإلمجايل« ر هبما مؤسسا اللذين ب أنال. ا، حني در ً ولكن ما جدده لوروا الدوري هو منحه هذا املصطلح معىن

أكثر حتدي س »الذهنية اجلماعية« لسكان مونتيو من ن من جمموع تصوراهتم ومفاهيمهم وتقديراهتم الغائبة عن وعيهم يف الواقع

املعيش َ خالل حتليل الوضع الثقايف، املكو . كان كتاب مونتيو خطوة ألوى على طريق خروج مؤرخي مدرسة أنال من قوالبها اليت حت ّكمت بكتاباهتا التارخيية حىت أواخر ا ّ لستينيات من القرن العشرين، لتعقبها خطوات أخرى جعلت مؤرخي هذه املدرسة يواكبون تطور سائر اجتاهات التاريخ الثقايف. دراسة ثقافية غريبة: إ ن أمهية دراسة ثقافة جمتمع املاضي )البعيد( هون املؤرخ بدارس األنثروبولوجيا الذي يدرس ّ ، جعلت بعض فالسفة التاريخ يشب خم ثقافة جمتمع )وريب(. والفر ق الواضح بني مقاربة كل منهما هلذه )الغرابة(، أن األنثروبولوجي، يعتمد، يف مقاربته على ربين )Informants )عايش جتارب جمامعهم يف الزمن حي احلاضر هبدف مجع قرائنه اإل ادثهم مباشرة، ورمبا ي ثنوورافية، بينما املؤرخ )حولية مثالية( من زمن ماض، يستطيع من خالل دراسة نصوصها أن جيمع قرائنه التارخيية. يناها يعتمد يف مقاربته علىكتابة مسّ ً كان املؤرخ اإلنكليزي املشهور كيث ثوماس )Thomas. K )ا ب من أوائل املؤرخني الذين رأوا تشاهب ني األنثروبولوجيا والتاريخ، حني كتب يف عام ) 571م( مقالته »التاريخ واألنثروبولوجيا«، ومن َمث حاول استخدام منهج مشابه ملناهج األنثروبولوجني يف وصف وحتليل ظاهرة االعتقاد بالسحر وانتشارها بني فقراء إنكلرتا يف القرنني السادس عشر والسابع عشر. ولبيان مدى التقارب بني املؤرخني االجتماعيني و األنثروبولوجني نستعني بوجاهات نظر مؤرخني وأنثر و بولوجيني، ونبدأ باملؤرخ الفرنسي فرنسوا فوريه الذي ا ً ا وثقافي ً تناول مسألة قصور القرائن املأخوذة من األرشيفات عن وصف وحتليل ثقافة جمتمع بعيد زمني عن جمتمع املؤرخ وحتليلها. وقد اعترب أ ن األرشيف الذي حيوي وثائق مجعت عرب الصدفة واالنتقاء، ال يستطيع، يف نظره، أن جييب عن أسئلة من خارجة. كل ما يستطيع املؤرخ أن يفعله هو أن حيتكم إىل وثائق األرشيف اليت هلا الكلمة األخرية يف حتديد 28 ً مضمون احثه التارخيي وحجمه. وأل ن ا ن رموز َ الوثائق تتضم ثقافية خمتلفة ووريبة عنه، يلجأ املؤرخ إىل ختيل نفسه يقوم برحلة تشبه اليت يقوم هبا األنثروبولوجي إىل بلد بعيد وريب يف رموزه وثقاته. لكن هذه الرحلة املتخيلة ال تستطيع، يف نظر فوريه، أن حتل معضلة عدم تواجد املؤرخ الفعلي يف زمان كتابة هذه الوثائق ومكاّنا. وكما شك فوريه يف قدرة الرحلة )املتخيلة( عرب األرشيف على خل معضلة فهم ثقافة اجملتمع الغريب والبعيد، نالحظ أن هذا الشك وصل إىل األنثروبولوجني القادرين على القيام برحلة ال متخيلة إىل بلد وريب. تناول الفيلسوف الربيطاين بيرت وينش )1 57 – 5779م( هذا املوضوع يف مقالته

»فهم جمتمع بدائي« يف عام ) 579م(. عرض وينش املشاكل املعرفية واملنهجية ً اليت تواجه األنثروبولوجي يف دراسة جمتمع بدائي )وريب( ا بنظرية فيتغنشتاين حول ، مستنجد )لعبة اللغة(، و)أشكال احلياة(. ينطلق وينش من منظور يرى أ ن ما حيدد سلوك أفر اد ثقافة معطاة هو معاين استعمال الكلمات يف )لعبة اللغة( داخل ثقافة ا أ ن ً معينة، زاعم عن عقالنية شاملة ومقبولة على ّ االستعمال ال ينم عن وجود تطابق بني معاين الكلمات والواقع، وال يعرب اجملتمعات البشرية كلها؛ إذ ميكن، يف نظره، لدارس جمتمع وريب أن مييز بني اجلزء األساسي لثقافة هذا اجملتمع وجزئها اهلامشي. فعلى سبيل املثال، ميكن أن نرى أن اإلميان يف السحر عند جمتمع بدائي يشكل )لب( قواعد سلوكياته، احيث يربط هذا )اللب( أشكال احلياة كلها يف نسيج ثقايف متماسك. خيضع األفراد لقواعد هذه النسيج، كما خيضع الالعبون لقواعد لعبتهم اليت يلعبوّنا، ما يعين وجود قواعد سلوكية للفاعلني أو الالعبني )خارج( نسيجهم الثقايف أو )خارج( لعبتهم. ًض لذلك ينفي وينش وجود قواعد ثقافية شاملة للمجتمعات ا وجود ّص الوالدة واجلنس واملوت، وينفي أي كلها، ما عدا ما خي معيار واحد وشامل للعقالنية يستطيع الدارس أن يقيس عليه ثقافة جمتمع وريب خمتلفة عن ثقافة جمتمعه. المنحى الثقافي والتاريخ الثقافي الجديد: سطع جنم هذا املنحى يف الكتابة، مع بداية الثمانينيات من القرن العشرين حني تعززت املماثلة بني األنثروبولوجيا والتاريخ. إ ن خي

مدرسة أنال عن قوالبهم النظرية السابقة، جعل لني هنت َ صعود تاريخ ثقايف جديد يف زمن ختلى مؤر )1 57 ،)-املؤرخة األمريكية الذائعة الصيت، أن تعلن يف عام )5781م( عن سقوط )النموذج-املثال( الذي بشر به بروديل، وعن صعود التاريخ الثقايف اجلديد. 29 )7 )يف مقالتها: »صعود منوذج أنال وسقوطه« شري هنت إىل ظاهرة االنتقال من التاريخ االجتماعي ، ت – الثقايف الذي ميز أنال حىت ستينيات القرن العشرين، إىل تاريخ ثقايف جديد يركز االهتمام على عادات الناس وسلوكياهتم ولغتهم وخطاباهتم، أكثر من تركيزه على حتليل البناءات االجتماعية. ويرى بيرت بورك يف كتابه: »األنثروبولوجيا التارخيية لبداية إيطاليا احلديثة«، أ ن األنثروبولوجيا والتاريخ الثقايف ينتهجان املناهج ًض نفسها، ويعا ا بالتغريات جل كالمها الظاهر الثقافية وري املتكرر، واالختالف الوحيد بينهما يكمن يف منهج املؤرخ الذي يعتين أي )50 )االجتماعية اليت حتصل عرب الزمن. إن شغف بورك وتقديره لدراسة الثقافة جعله يرى يف كتابه: »ما هو التاريخ الثقايف« أ ن »التاريخ الثقايف اجلديد« هو الشكل املسيطر على التاريخ كله، ويعتربه » ا ً منوذج -مثاًال« باملعىن نفسه الذي قصده كون يف مؤلفة بنية الثورات العلمية ونشوء علم نظامي. ّنل »التاريخ الثقايف اجلديد« يف نظر بورك، من مناهل عدة: أنثروبولوجية وريتز والنظرية األدبية مليخائيل باختني )5871- 5791م(، األديب والفيلسوف الروسي، والنظرية االجتماعية للمفكر نوربرت إلياس ) 587 – 5770م(، ونظريات ميشيل فوكو وبيار بورديو الفرنسين ع السردية التاريخية )55 )يف مقالة عنواّنا »عودة السردية« نشرها يف عام )5797م(، يالحظ املؤرخ األمريكي لورنس ستون أ ن سردية جدية بدأت ّن تبين املؤرخون االجتماعيون تربز يف أولبية األعمال التارخيية وخباصة بعد أ والثقافيون أساليب السرد يف عرض منتوجاهتم التارخيية. يعترب ستون أ ن السردية هي » ا من حيث التسلسل الزمين، وتركيز ً ا متتابع ً تنظيم املادة التارخيية تنظيم املضمون يف قصة متجانسة، وقائمة على الوصف أكثر من قيامها على التحليل؛ إ ا هتتم بالناس وليس بالظروف اجملردة، وهي تعاجل اخلاص واحملدد أكثر من ّن معاجلتها للجماعي واإلحصائي«. إ ن السردية اجلديدة اليت يدعو إليها ستون تتمسك بقواعد الكتابة التارخيية املعتمدة على »املالحظة والتجربة والبديهة«، وليس على نظريات احلتمية االقتصادية والبنيوية واالجتماعية. هتتم السردية اجلدية باألفراد العاديني أكثر من اهتمامها بالقيادات، وهي تعاجل اخلاص أكثر من حتليها الظروف العامة اجملردة. ولقد اعترب املؤرخ الربيطاين أرثور مرويك أ ن السردية واحدة من املسائل املعرفية واملنهجية يف الكتابة التارخيية، وذلك يف كتابه »طبيعة التاريخ« )5 ( . ورأى أ ن طبيعة التاريخ مرتبطة بالعالقة بني القرائن واملؤرخ، وليست متصلة باحلقيقة التارخيية أو الواقع التارخييكماكان فعًال. ليس معىن ذلك أ ن د حياكة سردية، بل هو احث يستخرج

معارف جديدة ت ّ يب التاريخ هو جمر ل احتياجات معينة يف احلاضر. إ ن معاجلة القرائن، ومن َمث خلق منتج تارخيي جديد متكامل حيتاجان، إىل السرد والتحليل، وكذلك بني مقاربة تعتمد على التسلسل الزمين لألحداث، ومقاربة تعتمد على طرح مواضيع وري خاضعة هلذا التسلسل. ( 11) Lawrence Stone, “Revival of Narrative on New Old History”, Past and Present, no.85 (November 1979),99. 3-4. ( 12) Arthur Marwick, The Nature of History, 3rd ed. (Chicago, III.: Lyceum Books, 1989). 30 من السردية األدبية إلى السردية التاريخية: اشرتك جمموعة من املؤرخني يف رؤية تارخيية تعتمد على أ ن االحداث التارخيية أو رخ يف بناء ّ أوصافها هي مواد خام يستعملها املؤ السردية. يف الوقت نفسه الذي استمر فيه فالسفة التاريخ واملؤرخون، حىت أيامنا هذه، يتناقشون حول هذه الرؤية، ظهرت يف ا ع ً فرنسا، يف ستينيات القرن العشرين، بدايات نظرية تقلب هذه الرؤية رأس لى عقب، معتربة بناء السردية هو الذي حيدد املواد اخلام ال العكس. يرى لويس منك )Mink. L( )5 57 – 578م( املتخصص بفلسفة التاريخ، أ ن العالقة بني األحداث املوصوفة يف الكتابة ال تش كل عنده األحداث املادة اخلام للسردية، بل على العكس من ذلك، تفرض التارخيية والبناء السردي هي عالقة مقلوبة. السردية على املؤرخ اختيار أوصاف األحداث اليت تدخل فيها. إ ن منط »احلبكة« هو الذي ينظّم املواد األولية، وحيدد األحداث اليت يعتربها املؤرخ مهمة. فهو يرى أن املؤرخ يفرض رؤيته على أحداث املاضي، حماوًال تفسريها على أساس أ ن وصفها يطابق ما ّدعي صحته ّ حدث فعًال، لكن ل، ال يستطيع أن ي ه يف الواقع يصوغ سردية خيلقها بنفسه على شكل متخي . ويف النهاية، وبعد حتليل رونالد بارت املبين اللغوي للسردية التارخيية، خلص إىل نتيجة مفادها أ ن الكتابة التارخيية هي ذاتية وخيالية من صنع املؤرخ الساعي، عرب » يله اللغوية ح «، إىل أن يسبغ عليها صفة املوضوعية. يستعني املؤرخ، مبرجعية املصادر »املتومهة«، ويزعم أ ّنا اليت »تتكلم عن نفسها«. إ ن احلقيقة التارخيية ا كالمي ال ليت يتحدث عنها املؤرخون هي، يف نظره، حشو ت إىل ماض واقعي، وهي جمرد صياوة لغوية، مزودة باالستعارات واجملازات، وختلق بأ ّن ّت مي ا مت إىل ماض واقعي. ينبع هذا الواهم، يف نظره، من اللهجة السلطوية املستخدمة يف السردية التارخيية املليئة بالتفاصيل. التاريخ هو ميتا – تاريخ: ) 5 )حاول هايدن وايت يف مقدمة كتابه: »ميتا-تاريخ: اخليال التارخيي يف أوربا يف القرن التاسع عشر« أن يعرض نظرية ّصلة يف حتليل السردية التارخيية، كما تظهر يف األعمال التارخيية متماسكة ومف . فهو يرسم يف فاحتة كتابه، خطوطًا عريضة ملا يقصده، حني يتناول فيها العمل التارخيي، كما يفصح عن نفسه على شكل بناء لفظي، وعلى شكل خطاب نثري-سردي. ( 13) Hayden White, Metahistory Imagination in Nineteenth-Century Europe (Baltimore: Johns Hopkins University Press, (1973). 32 ففي نظره إ ن حتليل لغة السردية كفيل بفهم القضايا املعرفية واملنهجية للكتابة التارخيية، أي إ ن اللغة هي املفتاح املعريف )األبستمولوجي( واملنهجي هلذه الكتابة. إن مقاربة فالسفة التاريخ اليت تنطلق من أحداث حصلت يف املاضي، نابعة من وهم ّضون النظ املؤرخني الذين يغ ر عن معضلة حتويل املوصوف يف املصادر إىل أحداث، وإىل منتج تارخيي. فاملؤرخ ال

يكشف املاضي ا من جدي على شكل ً تخيل و خم من خالل املصادر، بل يكشف هذه املصادر ويصووها لغوي »خطاب سردي … تلق

م «. د ّ وقد اعترب بعض منتقديه أن نظريته ختتزل حقل الدراسة التارخيية إىل جمر حقل لغوي؛ ع العدمية وحتض على نسبية ّ وبالتايل تشج ّي الدقة يف معاجلة املصادر ثورية مفرطة، بعيدةكل البعد من املسؤولية يف توخ . السردية والتاريخ الشفويًدا منذ ال ش ك أ ن السردية التارخيية القائمة على الشهادات الشفوية هي قدمية قدم الكتابة التارخيية، لكن ها أخذت شكًال جدي العقد الثالث من القرن العشرين، وذلك حني بدأ بعض دارسي الفولكلور واألنثروبولوجيا والتاريخ يضع قواعد جلمع الشهادات الشفوية، ويقرتح أدوات نظرية يف حتويل هذه الشهادات إىل مادة تارخيية ميكن استعماهلا يف السردية التارخييةالتاريخ الشفوي، املعتمد على منهجيات جديدة مستحدثة، ظهر يف عام )8 57م( يف الواليات املتحدة، لينتشر بعد ذلك إىل ا من فروع املعرفة التارخيية، ال يقل يف أمهيته عن ً أقطار أخرى، وليصبح منذ ستينيات القرن العشرين فرع »التاريخ الوثائقي«، لكن هذا التاريخ الشفوي اجلديد ما زال حم ط نقد املؤرخني الذين يرفضون منحه شرعية، على اعتبار أن الشهادات الشفوية مناسبة لدراسة األنثروبولوجيا والثقافة الشعبية واإلثنياتيدافع املؤرخون الشفويون بشدة عن تارخيهم، معتربين هذا التاريخ وسيلة يف سد النقص الذي تعانيه املصادر الوثائقية املكتوبة حول احداث من املاضي القريب، لدرجة أ ن التسجيل الصويت أصبح عند هؤالء املؤرخني هو املصدر األويل املعتمد عليهو يتفق معظم املؤرخني الشفويني أ ن دقة ومصداقية الشهادات الشفوية والتعويل عليها ليست يف واقعيتها أو عدمها، بل يف منهجية معاجلتها وتقوميها من جديد لتحويلها إىل معطيات صاحلة لسردية تارخيية ذات معىنويرى ألسيندرو بورتلي )Portelli.P ( )57م(، أحد ابرز املؤرخني الشفويني املعاصرين، أن التاريخ الشفوي هو شكل خاص من )اخلطاب( التارخيي، يسرد بطريقة نابضة باحليوية سردية من املاضي. يشدد بورتلي على ان التاريخ الشفوي باعتباره حقًال من 33 ، يف املقام األول، ّ حقول الدراسة يهتم باألبعاد اللغوية للسردية، لكن هذه السردية تتميز باحلوارية بني املؤرخ وشهادته الشفوية )5 ( . من املالحظ ان السردية التارخيية املعتمدة على التاريخ الشفوي ليست من نوع السردية الكربى اليت تتناول فرتات تارخيية طويلة أو تغطي أحداثًا تارخيية على مساحة جغرافية واسعة، بل هي نوع من امليكرو- ا من حيث الزمان ً ا حمدد ً تاريخ الذي يعاجل موضوع واملكان. هبذا املعىن يلتقي التاريخ الشفوي من املناحي اجلديدة يف الكتابة التارخيية اليت بدأت هتجر السردية التارخيية أو امليتا– سردية. بقي أن نقول: إن نا ال نستطيع التنبؤ مبستقبل الكتابة التارخيية يف العقود القادمة. كل ما نستطيع قوله هو إ ن املعرفة ر معارفنا األخرى يف الفلسفة والعلم واألدب ّ التارخيية سوف تبقى واحدة من املعارف اليت تساعدنا يف تقومي تطو . 

 

إن الزمان الماضي باعتباره سلسلة من الأحداث الفائتة يدفعنا إلى التساؤل عن مساره ومنطقه، فكيف يتم تطور الزمان الماضي وتقدمه؟ وهل يخضع في تطوره لإرادة الإنسان أم أنه سلس على نحو ليس له مبرر تفعل فيه الصدفة فعلها؟ 

لو كان “هيكل” يؤمن بفكرة الريادة ويعتبرها حقيقة الصيرورة، هذا أن حركة الزمان الماضي تتحقق عن طريقها الفكرة وتصل كمالها “المطلق”، فإن كارل ماركس يرفض ذلك التصور المثالي للتاريخ، حيث يشاهد أن الزمان الماضي الإنساني يتعلق ارتباطا وثيقا بالتقدم، وأن تطور الزمان الماضي يخضع لحتمية المشاحنة بهدف المكوث وبذلك فإن ماركس اعتقد أن الزمان الماضي هو صراع الطبقات بمعنى أن الزمان الماضي عنده يتحقق من خلال ثورة البروليتاريا وعن سبيل قهر الإنسان للطبيعة وتحويلها، كما يعتقد أن الزمان الماضي يتحقق ويبلغ الى منتهاه عندما تنمحي الطبقية عن الوجود وتسود العدالة الاجتماعية التي رسم ملامحها في المذهب الشيوعي وهو بهذا يؤكد على نظرية خاتمة الزمان الماضي وهذا بنهاية الفكر الرأسمالي. ورسم معالم حركة الزمان الماضي على شكل فترات: من فترة المشاعة البدائية والعبودية، الإقطاع، الرأسمالية، والاشتراكية. ونفس الشأن فيما يتعلق «لأجوست كونت» الذي نظّر الى حركة الزمان الماضي عن طريق فكرة مسبقة: سيادة الفكر الوضعي.

فحقب «أ ـ كونت» حركة الزمان الماضي انطلاقاً من تلك الفكرة القبلية. يمكن القول بان تشريع الظروف الثلاثة الذي صاغه «أ. كونت» يفرض على الزمان الماضي مساراً محدداً لايخرج عنه

ويلمح أن إمكانات التقدم في الزمان الماضي نحو ماركس تتخذ أشكالا عديدة:

– تطور ارتقائي، متدرج Evolution

– تطور قطعي Rupture

– تطور خطي (تراكمي – صاعد نحو واحد). (Lineal)

– تطور بطولة دوري (ارتدادي ، ومتقدم في آن (Cyclical

هناك ظاهرات في الزمان الماضي تتصف بالتدريج الارتقائي، وأخرى بتطور خطي، وثالثة بتطور منافسات دوري، ورابعة بتطور قطعي وبذلك دواليك ، فمثلا ماركس يشاهد أن الشيوعية ستتطور بشكل متدرج وستمحوا الراسمالية على نحو متدرج وذلك هو التقدم الارتقائي ، أما التقدم القطعي فهو ما يأتي ذلك في الزمان الماضي فجأة سواء نتيجة لـ الحروب أو الكوارث أو ما شاكل هذا….. 

وتأسيسا على ماسبق ندرك أن ماركس دشن نظريته التاريخية على خلفية جوهري سعى في ذلك التشييد الفلسفي للتاريخ ربط التقدم التاريخي بالتطور الاستثماري للمجتمع ونتج عن هذا الربط شرح الزمان الماضي على خلفية إحكام القبضة على وسائل الإصدار التي تمكن طبقة اجتماعية محددة من فرض أفكارها ونفوذها الاجتماعي وأن هذا التشاحن المتواصل سيؤدي الى مكسب البروليتاريا وذلك ماعرف نحو الماركسية بالمادية التاريخية .

ردا على التصور الماركسي للتاريخ والتقدم، يعترض ميرلوبونتي على كل اعتقاد مطلق ومسبق للتاريخ، حيث يصبح ذلك الأخير ذو اتجاه معين سلفا. إن الإيمان بنمطية الزمان الماضي ينزع كل فاعلية عن الإنسان ويقود إلى التسليم بهيمنة النموذج من الغرب، وهي فرضية تكذبها الأنتروبولوجية، خاصة الأنتربولوجية البنوية، هذا أن الريادة ليس سلسلة منتظمة من النكبات لأنه يخضع للصدفة والمراوحة، وذلك ما نستخلصه من الريادة الذي حققته الإنسانية منذ بدايتها الأولى.

إن ما يميز الريادة البشري حسب كلود ليفي ستراوس كونه يتم عبر تحولات وقفزات فجائية، وذلك ما تؤكده المعارف ما قبل التاريخية والحفرية، حيث أثبتت حضور أنماط

حضارية مغايرة في الموضع الواحد، وفي ذلك التوجه شبه ستراوس مجرى الريادة البشري بلاعب الشطرنج الذي يمكنه اللعب في العديد من اتجاهات مغايرة، وبذلك فالتطور البشري ليس تراكميا تنضاف عن طريقه مكتسبات كل فترة لأخرى، بمقدار ما هو جدلي. وفي ذلك الصدد قدم كلود ليفي ستراوس مثال لاعب النرد الذي يَبقى معرضا لفقدان ما ربحه في المراحل الفائتة.

تجاوزا للبس والغموض اللذان يحيطان بمفهومي الريادة والتطور، سعى إدوارد هاليت كار أن يبين أن مفهوم التقدم ذو حمولة بيولوجية حيث يتعلق أساسا بنظرية النشوء والارتقاء الداروينية، بينما يتعلق الريادة بالجانب الإجتماعي التاريخي، ويعود ذلك الخلط بين المفهومين إلى مفكري التنوير، حينما اعتبروا قوانين الزمان الماضي مطابقة لقوانين الطبيعة، وأن تلك الأخيرة تمشي على نحو تقدمي.

إن معالجة مشكلة الريادة حسب إدوارد هاليت كار لا تقتضي بالضرورة أن تطور الزمان الماضي له مستهل ونهاية، لأن هذا ينسجم أكثر مع التفكير الديني، لكن يلزم البصر إلى الزمان الماضي على أنه عملية تودع فيها متطلبات وأحوال العصور المتعاقبة. فالتقدم التاريخي ليس مستمرا في الزمن والمكان، حيث يخضع لعدد من الانحرافات.

من جانبه ميز هاربيرت ماركوز في فكرة الريادة التاريخي بين معنيين متقابلين، الأول كمي والثاني كيفي، وكلاهما يوضح اتجاه الإنسان باتجاه مراكمة تجاربه لإحكام القبضة على الطبيعة، وتحقيق ماهيته، وذلك ما يميز الفترة المعاصرة من تاريخ الحضارة الغربية.

يوميء الريادة حسب هاربيرت ماركوز إلى أن تزايد المكتسبات والمعارف الإنسانية رغم الكثير من مراحل التقهقر والنكوص، فإن الحضارة في تطورها تولد رغبات وحاجات حديثة لدى الناس، وفي ذات الوقت تمكنه من وسائل إشباع تلك الرغبات، وذلك هو المقصود بالتقدم التقني. وفي المقابل يمكن الريادة الكيفي من تقصي ماهية الإنسان وتوسيع الحرية الإنسانية ونبذ أشكال التعسف والعبودية. وبذلك يَبقى الريادة الإنساني رهين بالتطور التقني من ناحية، والتطور الكمي من ناحية أخرى، فإذا كان الأول يمكن من إشباع حاجات الإنسان فإن الثاني يساعده على تقصي ماهيته.

المحــــــور الثاني : الزمان الماضي و فكرة الريادة: مقال كارل ماركس: الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة

مقال كارل ماركس: الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة  التوجه النظري للنص: مقال “التناقض محرك الزمان الماضي”  مقتطف من كتاب “مشاركة في نقد الاستثمار السياسي” للفيلسوف والمفكر والعالم الألماني ماركس ، وهو من أكثر أهمية رواد الفلسفة الجديدة ذات السياق الجوهري,سعى الرجل عن طريق ذلك المقال تفسير فكرة الريادة في الزمان الماضي عن طريق  التناقض بين قوى الإصدار وعلاقات الإصدار.  صاحب المقال: كارل ماركس (five شهر مايو 1818 إلى 14 شهر مارس 1883). فيلسوف ألماني، سياسي، وصحفي ، ومنظّر اجتماعي. قام بتأليف الكثير من المؤلفات سوى أن نظريته المرتبطة بالرأسمالية وتعارضها مع مبدأ أجور العمال هي التي أكسبته شهرة دولية. لهذا يُعد مؤسس الفلسفة الماركسية ،. ولد ماركس بمدينة (ترير) في ولاية (رينانيا) الألمانية عام 1818م والتحق بجامعة بون عام 1833 لدراسة التشريع. أظهر ماركس اهتماماً بالفلسفة رغم معارضة أبوه الذي أراد لماركس أن يصبح محامياً. وقام ماركس بتقديم برقية الدكتوراه في الفلسفة عام 1840 . عاش كارل ماركس في القرن التاسع عشر؛ وهي مرحلة اتسمت بانتشار الرأسمالية الصناعية عن طريق تشكيل الطبقات العمالية الأوروبية وأولى صراعاتها الكبرى. وذلك العالم هو الذي سعى ماركس التفكير فيه عن طريق اعتماد العديد من مكتسبات نظرية:                *الفلسفة الألمانية وبالخصوص فلسفة هيجل (1891-1770) التي استخلص منها فكرة جدلية الزمان الماضي الكوني الذي تهيمن عليه التناقضات التي تقوم بقيادته باتجاه مآل ختامي.                    *الاستثمار السياسي الإنجليزي الذي يشكل كل من آدم سميث (1790-1723) و د. ريكاردو (1823-1772) و مالتوس (1834-1770) أبرز وجوهه. * الاشتراكية ” الطوباوية ” الفرنسية (سان سيمون، فورييه، كابي) ومعاصرو ماركس (برودون، بلانكي) الذين دخل معهم ماركس في سجال. المؤرخون الفرنسيون الذين حللوا المجتمع بحدود صراع الطبقات الاجتماعية.   سنواته الثمانية الأخيرة قد كانت صراعا حقيقيا مع الداء الذي أعاقته عن تقصي طموحاته و بلوغ أهدافه، ومع هذا كان ماركس بعد موته قد وجد بعضا من الملاحظات التي تم تجميعها و إرجاع أصدرها كمجلد رابع لكتاب رأس المال ( ماركس ربط تكون رأس المال بالقيمة المضافة الناتجة عن صلات الإصدار ولم يجعله يقتصر على وضعية تراكمية جامدة).  وفي 14 شهر مارس 1883، توفى كارل ماركس ودفن في مقبرة هاي غيت (Highgate Cemetery) بلندن. المفاهيم: الإصدار الاجتماعي، صلات الإصدار، قوى الإصدار الجوهري، الصلات الإنتاجية، البنية الاستثمارية، البنيات الفوقية، الإدراك، نمط الإصدار، الوجود الاجتماعي،الثورات الاجتماعية،المحددات والقواعد العينية،أنماط الإصدار،  لَبس المقال: هل الإدراك هو الذي يحدد  الوجود الاجتماعي أم أن ذلك الأخير هو الذي يدشن نمط الفكر و الإدراك ؟ أطروحة المقال: إن طبيعة المحددات والقواعد الاستثمارية و الاجتماعية هي التي تحدد نمط التفكير أو الإدراك  لد ى طبقة محددة  أفكار المقال: إن الوجود  الاجتماعي هو المحدد الرئيسي للوعي و هو مؤيد لتطور قوي الإصدار، التي تتم ثورات اجتماعية. إن تطور نمط الإصدار يقود إلى ظهور طبقة اجتماعية تنسجم مع ذلك النمط الحديث،  البنية الحجاجية: التأكيد و الإثبات( إن، معين وضرورية، الشرح(:) النفي (أبدا)، المثال/الأمثلة…………….  قيمة المقال: تكمن قيمة المقال الفلسفية في أن ماركس قدم لنا تصورا جديدا قلب عن طريقه موازين الاعتقاد الراسخة نحو التقليد الهيجلي محاولا بدلك تشييد أطروحة خصبة الميدان العلمي والفلسفي على حاجز سواء و خاصة على مستوى مفهوم الزمان الماضي المبني أساسا على المناحرة الطبقي بين طبقتين متصارعتين  أو المتعارضتين على مستوى الموقع الطبقي و الإدراك الطبقي و ماركس بذلك الصدد أعطى نفسا جديدا للفلسفة الهيجلية عن طريق قلب جدلها الذي أقامه بعد أن كان يقف على قمته و على الارجح ثورة فكرية في التراث الهيجلي وهنا تكمن ضرورة المقال الفلسفي في تنشيط و إدراك بحركية الزمان الماضي ومدى الدور الفعال الذي يلعبه الإنسان . الخلا صة التركيبية ينظر ماركس إلى الزمان الماضي باعتباره صيرورة عينية وتاريخية متعلقة أساسا بالتناقض الحاصل بين صلات الإصدار وقوى الإصدار، إن الحياة العينية حسب كارل ماركس تحدد سيرورة الحياة الفكرية عموما، إن تطور قوى الإصدار العينية يقود إلى تناقض تلك الأخيرة مع رابطة الإصدار ،الأمر الذي يقود إلى اختلافات اجتماعية على شكل ثورات، و هكذا يتحسن تاريخ البشرية.المحــــــور الثاني : الزمان الماضي و فكرة الريادة: مقال كارل ماركس: الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة

هل منطق الزمان الماضي يمر الإنسان؟

     يتأطر موضوع السؤال ضمن مجزوءة الحال البشري، الذي يوميء إلى الخاصية والحالة الفريدة للوجود الإنساني. يتخذ ذلك الوجود أبعادا مغايرة، تتجلى بالخصوص في البعد الذاتي كشخص وذات حرة ومسؤولة، والبعد التفاعلي الذي يدخل عن طريقه ذلك الوجود الذاتي في صلات مع الغير، ثم البعد الزماني، حيث يخضع الحال البشري لصيرورة تاريخية، وهو البعد الذي يتناوله موضوع السؤال، إذ أنه يندرج داخل مفهوم الزمان الماضي كمجموعة فاعليات ماضية، تظهر في بعض الأحيان مترابطة بعلاقات لازمة، سوى أنها تبدو، في بعض الأحيان أخرى، مفاجئة وعرضية. وهو ما يطرح مشكلة منطق الزمان الماضي ودور الإنسان فيه. ويمكن إرجاع بلوَرة مكونات تلك المشكلة في التساؤلات الآتية :هل تمشي الأحداث التاريخية بحسب سيستم ومنطق معين، أم أنها نتاج الصدفة والعرضية؟ وأي دور للإنسان في الزمان الماضي؟ هل هو خاضع للضرورة ولمنطق الزمان الماضي الذي يتجاوزه، أم أنه صانع للتاريخ وفاعل فيه؟

 

 قبل الشروع في عملية الفحص لنتوقف في الطليعة نحو منطوق السؤال لتحديد أكثر أهمية مفاهيمه والعلاقات المتواجدة بينها. يوميء المنطق إلى مجموع النُّظُم والقوانين اللازمة والحتمية المنظمة لمجال. ويعني الزمان الماضي سيرورة الأحداث التي وقعت في الماضى. ويحيل التجاوز إلى نفي وإلغاء شيء ما والتحكم فيه. أما الإنسان فهو هذه الذات العاقلة والحرة والمسؤولة. يتبين عن طريق الصلات بين المفاهيم أن السؤال يراهن على أن الإنسان خاضع لمنطق الزمان الماضي ولصيرورته ولمنطقه، أي أن مسارات الأحداث وتقدمها في اتجاه ما يتم خارج إرادة الإنسان. وهو ما يجعلنا نتحدث عن وجوب  أو حتمية تاريخية كمجموعة صلات ثابتة بين الوقائع التاريخية التي لا دخل للإنسان فيها. وبذلك ينتفي أي دور لإنسان في تصنيع الزمان الماضي أو النفوذ في مجرياته، هذا أن الزمان الماضي يتقدم باتجاه قصد بحسب منطق ومبدأ معين سلفا.

    يظهر إذن أن الزمان الماضي يتحسن ويتقدم في اتجاه محدد لا يحيد عنه ولا يتحول قانونه ومنطقه ما يجعله محكوما بمنطق الأهمية وهو ما يلغي تمكُّن الإنسان على تحويل مسار الأحداث ويكون بالتالي خاضعا له.

وفي ذلك الحين تم التعبير عن تلك الأطروحة على نحو أكثر وضوحا في الفلسفة الهيجيلية مع الفيلسوف الألماني هيجل الذي يُعد أن ما يوجه حركة الزمان الماضي هو ما يسميه الذهن الكلي أو الروح المطلق أو الله. إذ  تبقى وجوب تاريخية تتعالى على الإنسان، حتى وإن بدا هو الفاعل، بل الحقيقة هي أن الإنسان ليس سوى مجرد وسيلة في يد هذه الشدة الخفية، التي تصنع الزمان الماضي وتتقدم به وتوجهه باتجاه تقصي المطلق. يظهر الإنسان فاعلا في الأحداث التي لا معنى لها بلا الإنسان، سوى أنه في الواقع ليس سوى منفذا لإرادة تمر إرادته، وهو يتوهم أنه الفاعل الحقيقي ، بينما أن هذا ليس سوى هيئةً خارجية خادعا وهو ما يسميه هيجل “مكر الزمان الماضي”. وهكذا فلا دور للإنسان في تصنيع الزمان الماضي سوى أن يكون وسيلة وأداة في يد قوة روحية أعلى وأخفى وخادما لمنطق يتجاوزه..

تلك الأطروحة تبنتها الفلسفة الماركسية، نسبة إلى الفيلسوف الألماني ماركس ، بل حاولت إعطاءها مضمونا آخر.فإذا كان هيجل يمنح لحركة الزمان الماضي مضمونا روحيا، فماركس يُعد الزمان الماضي خاضعا لمنطق التناقض بين قوى الإصدار وعلاقات الإصدار، ما يقود إلى المشاحنة بين الطبقات المتعارضة داخل المجتمع (البورجوازية والبروليتاريا) يقود إلى ثورة ينتج عنها ظهور مجتمع حديث والانتقال إلى فترة تاريخية حديثة . بذلك المعنى يتقدم الزمان الماضي ويتطور في اتجاه إلغاء التناقض والتراتبية الاجتماعية والطبقية بإحلال المجتمع الاشتراكي الشيوعي وبذلك يُعد الزمان الماضي من إتجاه نظر ماركس حركة وتطورا لأحداث عينية ونموا لتحولات استثمارية واجتماعية وسياسية تحيل بالأساس إلى البعد الجوهري في الوجود الإنساني لكن إن الزمان الماضي في مجمله حسب الفلسفة الماركسية ليس سوى تاريخ صراع بين الطبقات تحل تلك القاعدة محل المنطق والقانون الذي يتعلق بالضرورة والحتمية، أي أن تقدم الزمان الماضي يسير حتما باتجاه إلغاء المجتمع الطبقي والقضاء على  البورجوازية، بحيث لا يمكنه تحويل قانونه ومنطقه ومساره.

  ورغم الفرق بين التصورين الهيغلي والماركسي فإنهما يلتقيان في كون الزمان الماضي خاضع للضرورة التي تتعالى على الإنسان وتتجاوزه وتلغي مقدرته على الإجراء الحر الواعي المنطلق من إرادة الفرد ككائن واعي حر . بل إلى أي حاجز يمر منطق الزمان الماضي الإنسان ؟ وأي دور يوجد للإنسان وسط تلك الأهمية؟

    يقترب من ميرلوبونتي ذلك السؤال محاولا العثور على دور للإنسان منطلقا من التأكيد على نفي خضوع السيرورة التاريخية لمنطق الأهمية خضوعا مطلقا ومغلقا، ويفتح فرصة الذهاب للخارج عن هذه الأهمية. إن منطق الزمان الماضي منفتح على قدرات متنوعة من ضمنها العرضية والفجائية التي تقابل الأهمية والحتمية. تعني العرضية انه رغم كون مغاير معدلات الأحداث تشكل كلا واحدا معقولا، فهي مع هذا ليست وثيقة الصلة فيما بينها. كما تعني العرضية أن جدلية الزمان الماضي يمكن أن تنحرف عن الغايات المحددة. وهكذا فمسار الزمان الماضي ليس محددا سلفا ولا يتحقق بالضرورة. وهو نفس الموقف الذي يتبناه سارتر مركزا على فاعلية الإنسان ودوره في صنع الزمان الماضي مركزا على مفهوم المشروع وهو يقصد امتلاك الإنسان التمكن من الإجراء عن طريق نفي ما يحيط به وإبداع مشروعه المخصص رغم أنه محكوم بشروط وضرورات . ويؤكد سارتر أن الشخص يصنع الزمان الماضي عندما يمر وضعيته باتجاه حقل ممكناته ويحقق إحداها على مرجعية الحرية والوعي.

 وبالتالي  يتضح عن طريق الموقفين السابقين أن الزمان الماضي ليس بالضرورة خاضعا لمنطق معين قبليا، وهو إن ايضاً فإنه يَبقى منفتحا على قدرات أخرى تجعل الإنسان قادرا على لعب دور رئيسي في تصنيع الزمان الماضي عندما يدرك هذا.

  كتركيب عام، يتبين أن مشكلة منطق الزمان الماضي ودور الإنسان فيه تثير العديد من مفارقات أدت إلى مواقف فلسفية متباينة . فإذا قد كانت المعرفة التاريخية تحاول إلى بلوَرة قوانين مفسرة للسيرورة التاريخية، فهذا يقصد حضور منطق يمثل وجوب تمر إرادة الإنسان واختياره وتلغي حريته في تحديد مسار الزمان الماضي وتقدمه ومشاركته في صنعه سوى أن يكون وسيلة مفتقدة للوعي بهذا المجرى. وفي المقابل تبدو العرضية في الزمان الماضي أن هناك قدرات أخرى متنوعة تتيح للإنسان أن يكون فاعلا تاريخيا، بشرط وعيه بوضعه الموضوعي، وبالإمكانيات التي يتيحها، وأيضاً بحدودها. ويمكن القول في سياق تلك المشكلة أن الإنسان خاضع لمنطق الزمان الماضي المتمثل في المحددات والقواعد الموضوعية المتداخلة، لكنه لا يقف في مواجهتها موقف المتفرج أو موقف المفعول به الذي لا يفعل. صحيح انه يبقى داخل هذه المحددات والقواعد التي صنعها بنفسه والتي يمكن أن تتجاوزه في بعض الأحيان، ولكنه يمكنه تغييرها متى امتلك الإدراك التاريخي وإرادة التحويل، ولعل أبرز مثال على هذا الثورات والنضالات التي أداها الإنسان على امتداد الزمان الماضي  بهدف التحويل دفاعا عن كرامته وعن القيم والمبادئ الإنسانية النبيلة كالحرية والعدالة والمساواة… ولعل ذكر تجلي للسعي إلى امتلاك الإدراك التاريخي أن كثيرا من الدول المتقدمة قامت وتقوم بإنشاء مراكز بحوث وتكوين أهل خبرة في ميادين الدراسات المستقبلية لوضع تدابير يمكنها عن طريقها الإمساك بالخيوط المتحكمة في الزمان الماضي لتوجهه لصالح مصالحها القومية السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها. وهو ما يجعلنا ننتهي إلى حصيلة مفادها أن الإنسان في جميع الأوضاع هو الذي يصنع الزمان الماضي فإذا كنت أنا عاجزا عن تصنيع الزمان الماضي هذه اللحظة وهنا، فغيري يصنعه هذه اللحظة وفي موضع آخر كما عبر عن هذا سارتر. فهل يمكنه الإنسان أن يتنازل عن حريته التي تكلفه المسؤولية والتضحية ودفع السعر بهدف التحويل؟

2 –الزمان الماضي وفكرة الريادة

ألا يمكن أن نجد للصيرورة التاريخية منطقا آخرا غير التتالي بطولة الدوري الارتدادي الذي يعيد إصدار ذاته ولا يضيف شيئا؟ ألا تحتوي السيرورة التاريخية نوعا من التكدس بحيث يحتفظ الدور اللاحق بشيء من الدور الماضى ويضيف له ويتجاوزه؟ وإذا صح شيء من هذا فإلى أية إتجاه يمضي ذلك التكدس والتجاوز؟

يشاهد “تيودور شانين” أن جاذبية فكرة الريادة ترجع إلى بساطتها وتفاؤليتها، فهي تعني أن كل مجتمع لين باتجاه الأعلى على سبيل طويل بيتعد فيه بشكل متدرج عن الفقر والبربرية والاستبداد والجهل ليمضي باتجاه الثراء والحضارة والديموقراطية والذهن.

يتضح التصور التراكمي للتاريخ في كتابات باسكال (1662-1623) وبخاصة في مقدمته لكتاب “عن الفراغ” حيث اعتقاد تاريخ البشرية كرجل واحد، عمره كل تلك القرون، لايتوقف خلالها عن التعلم المتواصل ؛ كوندورسيه (1743-1794) في كتابه ذي العنوان الدال: ” جدول تاريخي لتقدم الجنس البشري

تعكس لنا فلسفة الزمان الماضي مع هيغل ذلك التفاؤل الذي ميز بالخصوص عصر الأنوار في امكانية تقدم مطرد للجنس البشري باتجاه مزيد من المعرفة والحرية وفرض السيطرة على الطبيعة، وربما استدمج التصور الهيجيلي مفهوم السلب والنفي ضمن صيرورة جدلية يمر فيها اللاحق الماضي و في نفس الوقت يحتفظ في مركب أعلى بما هو مادي فيه. ولكن ذلك “الرقي” يفترض غائية للتاريخ، ومادام الزمان الماضي ليس إلا تجليات لفكرة أو روح تحاول لوعي ذاتها وللتطابق مع نفسها اعتبارا من أبسط أشكال الطبيعة وصولا إلى أعقد أشكال الزمان الماضي وأرقى أنواع المعرفة، فإن الزمان الماضي الكوني هو سيرورة الريادة الذي يحرزه إدراك الحرية، ولامناص من الاعتراف بالطابع الضرروري لذلك الريادة والتي هي وجوب منطقية في الذهن قبل أن تكون وجوب واقعية في الزمان الماضي. بذلك المعنى فحتى مشاهد الدمار وظواهر الحرب ولحظات الكبوات ليست إلا انتكاسات سطحية تخفي الريادة العميق والصامت الذي تخوضه الفكرة وهي تتقدم باتجاه مقصدها المتمثلة في الحرية. ونجد نفس تلك النظرة التفاؤلية وتأويلها “الإيجابية للكوارث” لدى لايبنز ايضاً

3- نقد فكرة الريادة – ريمون آرون

قلنا إن فكرة الريادة فتاة عصر الأنوار، ولذلك فقد ورثت تلك الفكرة النزعة الإنسية الكونية لهذا العصر ، الأمر الذي يقصد أن كل المجتمعات البشرية تتقدم بوتائر متفاوتة، ولكن على ذات المجرى الخطي التراكمي، وهو مايؤدي حسب ليفي ستروس إلى إذابة التغيرات بين المجتمعات والثقافات والحكم عليها بمنطق الريادة من الغرب العلمي،التقني، الصناعي والقيمي.

أما فيما يتعلق لريمون آرون،فإن فكرة الريادة تحتوي حكما معياريا قيميا ينتقص من علميتها، مفاده أن المجتمع اللاحق أمثل من السالف، علاوة على أنه حكم ذو صلاحية قطاعية لايمكن أن تنسحب على الزمان الماضي برمته: فإذا كنا نعاين في مجالي العلم والتكنولوجيا تراكما وتقدما لاسبيل إلى انكارهما لأن طبيعتهما تفرض تقدما يمكن قياسه دون تقدير، فإن إثبات الريادة في ميادين الفن أبوين والاقتصاد والسياسة يَبقى قضية مشكلة.

ويمضي ريمون آرون في نقده لفكرة الريادة إلى إبراز خلفيتها الميثولوجية وكذا استعمالاتها السيئة داخل فلسفة الزمان الماضي، الهيغيلية منها أو الماركسية،وكذا الأطروحات اللاحقة لفوكوياما بشأن خاتمة الزمان الماضي. هذا أن فكرة الريادة لاتنفصل عن فكرة عاقبة الزمان الماضي: فالقول بفكرة الريادة يفترض أولا حضور غائية تاريخية وحتمية ترسم للسيرورة التاريخية مسارها المحدد سلفا بتلك الغائية، ويفترض ثانيا حضور خاتمة للتاريخ تمضي نحوها تلك السيرورة بما هي مسيرة باتجاه الخلاص.

بيد أن فلسفات الريادة تسقط على نحو لامفر منه في نزعة محافظة وتبريرية وهذا في خلطها بين فكرة عقلية ليس لها إلا استخدام معياري وبين شكل متعين قائم من أنواع الإطار الاجتماعي أو الاستثماري أو السياسي ( مثلما تصرف هيغل حين طابق بين الجمهورية البروسية والذهن، أو ماركس حين جعل من الفترة الشيوعية وهيمنة البروليتاريا عاقبة الصيرورة التاريخية، أو فوكوياما حين جعل من الديموقراطية الليبرالية عاقبة الزمان الماضي…)

المحور الثالث: دور الإنسان في الزمان الماضي:

بين يدي الإشكال (تمهيد لاستيعاب الإشكال) إن البحث في دور الإنسان في الزمان الماضي لهو استمرار للتساؤل بخصوص منطق الزمان الماضي وغايته، هذا أن القول بوجود منطق وغاية للتاريخ يقتضي أن الصيرورة التاريخية تمضي بحسب مبادئ وقوانين موضوعية عينية أو عقلية بعيدا عن الذاتية المتقلبة للإنسان المفرد أو المجريات المباغتة للصدفة العمياء، أي إحلال عامل أو مبدأ ما محل الإنسان في توجيه دفة الزمان الماضي.

فمن ناحية يظهر الإنسان هو صانع تاريخه عن طريق مسابقة رياضية الأبطال وتضحيات المحاربين و ثورات الشعوب، ومن ناحية أخرى يظهر أن مسابقة رياضية هؤلاء وثورات أولئك قد صنعتها أوضاع مواتية. هل يمكن مثلا أن نعود تمدد الجمهورية الإسلامية ماضيا إلى استبسال المسلمين وقوة إيمانهم وشجاعتهم ونفسر إنحسارها هذا النهار بتخاذلهم وجبنهم أم أن ذاك الإتساع وذلك الإنحسار إنما يعاود أسباب استثمارية وسياسية دولية تمر النظام الإقليمي. من قبيل الاكتشافات الجغرافية والنهضة الأروربية

طرح الإشكال: لو كان المؤرخ لا يعتني بهبوب الهواء قدر اعتنائه بمجهود الإنسان في استعمال قوتها لتوجيه سفنه للتجارة أو أغار الحروب، ولايهتم بفيضانات المجاري المائية سوى من حيث أنها تتقاطع أو يقع تأثيرها على حياة إنسانية لائحة بجوارها… فلأن فعاليات السالف لاتكون موضوعا للتاريخ سوى من حيث أن الإنسان هو مُحدثها أو محورها على أقل ما فيها. ما حقيقة كون الإنسان “مُحدثا” للحدث التاريخي؟ هل يقصد هذا أن الإنسان هو من يصنع تاريخه ويوجه دفة صيرورته؟ أم أن الصيرورة التاريخية مشروطة بعوامل موضوعية تفوق إرادة الإنسان ذاته الذي ليس إلا قسم من بنية تمر وعيه وإدراكه؟

معالجة الإشكال:

1- الإنسان مجرد وسيلة عرضية لتحقق الفكرة – هيغل

تاريخ العالم نحو هيغل مجرد تمظهر لسعي الروح باتجاه علم نفسه، وإذا قد كانت البذرة تشتمل في نفسها كامل مواصفات الشجرة من مذاق وشكل فاكهة التي سوف تظهر لاحقا، فإن اللحظات الأولى للتاريخ بما هي آثار أولى للروح تتضمن بالشدة مسبقا ايضاً كل التمظهرات اللاحقة الزمان الماضي. ماذا يتبقى إذن للإنسان من دور في تاريخ معين قبليا؟

لاأهمية للبشر /الأشخاص نحو هيغل سوى بمقدار ما يكون هؤلاء معدات لتحقيق اغراض أسمى، وبقدر ما تتمثل فيهم حقبة من حقب الفكر المطلق. لكن إن أبطال الزمان الماضي وعظماءه بدورهم لايحققون إرادتهم المخصصة ولا يسعون لنيل سعادتهم الشخصية بمقدار ما يمتثلون لروح العصر التي تستعملهم وتتحقق بهم ومن خلالهم وتجاوزهم

2- ماركس: (المحددات والقواعد العينية)تطور قوى الإصدار هي المحركة للصيرورة التاريخية

ماهذه الفكرة أو الروح المطلق التي تستعمل الإنس – شعوبا وقادة – لتحقق ذاتها !؟

في تلك النقطة بالذات تمثل فلسفة الزمان الماضي الماركسية تجاوزا لفلسفة الزمان الماضي الهيغيلية، إذ أن الفكرة أو الروح المطلق التي قد كانت تتجلى بشكل متدرج عبر الزمان الماضي وتحرك خيوطه وتسير أبطاله، حلت محلها – في الماركسية – أسباب عينية هي أحوال الإصدار الجوهري للحياة بيد أن موقع الذات الإنسانية في الزمان الماضي استمر في الماركسية على ماهو عليه، : ففي الوقت الذي يعتقد الفاعل التاريخي أنه يتصرف بحسب ما يختاره من معتقدات دينية أو ما يتبناه من مبادئ سياسية يبين الفحص الجوهري للتاريخ أن المعتقدات الدينية والمبادئ السياسية ماهي سوى انعكاس للبينة التحتية الإقتصادية، أي لمستوى محدد من تطور قوى الإصدار. وعلى ضوء الفحص الماركسي، لاتعدو أن تكون بطولات نابليون وروبيسبيير حماس حشود وأحزاب الثورة الفرنسية إلا إنجاز لمهام عصرهم المتمثلة في انبثاق المجتمع البرجوازي وتفكيك الشركات الفيودالية.

وإذا كان الإدراك هو النمط الأوحد الذي يمكن عن طريقه إثبات تصرف الإنسان في الزمان الماضي، فإن ذلك الإدراك نتاج للوجود الاجتماعي وليس الضد

three- سارتر- الإنسان صانع تاريخه

ولكن إذا قد كانت الماركسية تقدم ذاتها كتحليل علمي للتاريخ يكشف النقاب عن القاعدة العينية المسؤولة في الواقع عن الصيرورة التاريخية، ألا تتيح تلك المعرفة للإنسان الانفلات حتمية تلك الصيرورة؟

يشاهد سارتر أن الماركسية قد أسيء تأويلها على نحو تبسيطي أو أن إمكانيتها لم تستثمر بشكل إجمالي: إن الماركسية فلسفة للحرية أو بالأحرى للتحرر ليس لاغير للإنسان الشخص لكن للطبقة المستغلة بأسرها، هذا أن الزمان الماضي لايكون قوة غريبة تستلب الإنس سوى مادامت إشارة مجهوداتهم غريبة عنهم والحال أن الفحص الماركسي يقدم الأدوات الكفيلة بالتعرف على المنتوج واستيعاب سيرورته، عن طريق مفاهيم قوى الإصدار ، صلات الانتاج،المشاحنة الطبقي، وأشكال الاستيلاب والايديولوجيا… وهكذا تصبح الممارسة الإنسانية ممارسة مستنيرة بالوعي لاممارسة عمياء قد تنقلب نتائجها ضدها.

 —–

اجليل الثاين من أنال: خالل العرب العاملية الثانية، قامت قوات االحتالل األملاين بفرنسا بقتل بلوخ يف عام ) 57م(، وال حقت فيفر، وألقت يف عام )0 57م(، القبض على فرنان بروديل )Braudel. F )الذي توّىل حترير أنال، بعد موت فيفر يف عام )5711م(. ا ملؤرخي أنال من اجليل الثاين، واليت نشرها حتت عنوان ً واعتربت أطروحة بروديل للدكتوراه منوذج : »البحر املتوسط وعا م البحر املتوسط يف فرتة فيليب الثاين« )ملك إسبانيا(، )5111 – 5178م(. ً ا منظور ً ن مع ّ ا جديدة، إىل معرفية ومنهجية فيفر وبلوخ، لتكو ً ا تارخيي ا ملدرسة أنال، قبل أن أضاف بروديل أفكار ً ا، أصبح مميز يتجاوزه اجليالن الثالث والرابع من مؤرخيها، وميكننا إيضاح أفكار بروديل اجلديدة كما يلي: التاريخ الشامل )Globale Histoire 🙂 وضع بروديل التاريخ يف مركز العلوم اإلنسانية، احيث تتالقى عنده اجلغرافيا وعلم االجتماع وعلم االقتصاد وسائر الفروع املنبثقة ً عنها؛ ا شامًال يعرض وحيلل أوجه احلياة اإلنسانية كلها

لتجعله تارخي . ا كوني ً ً والتاريخ الشامل عند بروديل، ال يعين تارخي ا ال ا مطلق حيدده زمان ومكان معينان، بل تتحدد مشوليته من خالل القضية التارخيية املدروسة. يرى بروديل أ ن القض عن ذلك بقوله ّ ية التارخيية هي اليت تفرض على املؤرخ أن خيتار مساحة مكان البحث، وعرب : »ليس املكان ا للبحث ً إطار . إن إطار البحث هو القضية«؛ أل ن »التاريخ القضية« يسعى إىل دراسة البناء بشموليته اجلغرافية واالقتصادية واالجتماعية والثقافية املرتاكمة عرب ز من »طويل األمد«، يقلل بروديل من أمهية تفاصيل األحداث التارخيية الواقعة يف زمن »قصري األمد«، أو »تاريخ األحداث«. مفهوم األطر الزمنية عن بروديل، والتي يتعامل معها التاريخ الشامل: د األمد الطويل: يسرب أووار )البناء( د عرب مسارات تارخيية طويلة ج ّ حيوي البناء أمناطً املشي ا، جتعله شبه ثابت. ا اجتماعية وثقافية وذهنية تضرب جذورها داخل اجملتمعات، وميتد فعلها لقرون عديدة، ما جيعل الناس خاضعني هلذا البناء. األمد المتوسط: طلق عليها بروديل اليت حتدث فيها مسارات تارخيية، ي »احلركات الدورية«، )Conjunctures )اليت متيز تغريات اقتصادية يف زمن، ميتد من عشر إىل مخسني سنة. 26 األمد القصير: الذي يصف به املؤرخ تاريخ األحداث. ا سطحي ً يعترب بروديل تاريخ االحداث

تارخي ا؛ ألن ه ال يتعمق يف األبعاد االجتماعية والثقافية الضاربة جذورها يف »البناء«. الجيل الثالث من أنال: منذ أواخر ستيني ق

مؤرخو اجليل الثالث دراساهتم الثقافية ّ ات القرن العشرين، عم ؛ لتشمل دراسة العائلة واألطفال والنساء، ووريها من الدراسات الثقافية اليت ترّكز على دراسة الذهنية اجلماعية يف »الزمن االجتماعي«، ويف الوقت إ أ ن مقارباهتم التارخيية ال نفسه م يتخلّوا عن فكرة أمهية دراسة البناءات االجتماعية واالقتصادية والثقافية يف الكتابة التارخيية؛ بدأت تتنوع. أنال تتخلى عن قوالبها القديمة: ا ً ّ يف كتابه »الثورة التارخيية الفرنسية«: س بورك فصًال لعرض أهم أعمال مؤرخي اجليل الثالث ملدرسة أنال، مبين مدرسة أنال، يكر املقاربات اجلدية اليت أضافوها يف دراسة الذهنية اجلماعية، مندجمني بذلك داخل التاريخ الثقايف الغريب. ا من القوالب النظرية لبروديل في دراسة الثقافة والذهنية ً وقد الحظ بورك أن مؤرخي الجيل الثالث من أنال تجاوزوا كثير الجماعية حين مالوا إلى األخذ بمقاربات جديدة: ًض األولى: املقاربة األنثروبول ا من مؤرخي اجليل الثالث يركز على وجية يف دراسة اجملتمعات الغربية اليت جعلت بع »امليكرو-تاريخ« )History-Micro )الذي يدرس اخلصائص الثقافية لوحدات اجتماعية صغرية مثل القرية أو املنطقة يف زمن تارخيي حمدد. الثانية: العودة إىل »التاريخ السياسي« مات الذهنية اجلماعية يف ّ ، باعتبار أن السلوك السياسي لألفراد واجلماعات هو من مقو زمن معطى. ولفهم أكثر ألثر هذه املقاربات اجلدية على الكتابة التارخيية ملؤرخي أنال سنقف مع كتاب: »إميانويل لورا الدوري، مونتيو، قرية )8 )أوكتانية من ) 7 5م( حىت ) 5م( . حيلل هذا الكتاب احلياة الثقافية واالجتماعية لقرية مونتيو الصغرية املكونة من مخسني عائلة يف منطقة أوكتانيا، جنوب فرنسا أحواهلم املعيشية وثقافتهم. حاول لوروا الدوري، من خالل تقارير حماكم التفتيش، أن »يدخل« بيوت الناس؛ ر حياهتم ّ ليصو املادية والروحية، فريصد حياهتم اجلنسية ومراسيم الزواج وعالقات احلب ومفهومهم للطفولة والشيخوخة واملوت والزمان واملكان ونظرهتم إىل السحر والدين. كن أن نعترب كتاب ّش مي مونتيو قفزة يف صياوة جدية ملفهومي »الذهنية اجلماعية«، و»التاريخ اإلمجايل« ر هبما مؤسسا اللذين ب أنال. ا، حني در ً ولكن ما جدده لوروا الدوري هو منحه هذا املصطلح معىن

أكثر حتدي س »الذهنية اجلماعية« لسكان مونتيو من ن من جمموع تصوراهتم ومفاهيمهم وتقديراهتم الغائبة عن وعيهم يف الواقع

املعيش َ خالل حتليل الوضع الثقايف، املكو . كان كتاب مونتيو خطوة ألوى على طريق خروج مؤرخي مدرسة أنال من قوالبها اليت حت ّكمت بكتاباهتا التارخيية حىت أواخر ا ّ لستينيات من القرن العشرين، لتعقبها خطوات أخرى جعلت مؤرخي هذه املدرسة يواكبون تطور سائر اجتاهات التاريخ الثقايف. دراسة ثقافية غريبة: إ ن أمهية دراسة ثقافة جمتمع املاضي )البعيد( هون املؤرخ بدارس األنثروبولوجيا الذي يدرس ّ ، جعلت بعض فالسفة التاريخ يشب خم ثقافة جمتمع )وريب(. والفر ق الواضح بني مقاربة كل منهما هلذه )الغرابة(، أن األنثروبولوجي، يعتمد، يف مقاربته على ربين )Informants )عايش جتارب جمامعهم يف الزمن حي احلاضر هبدف مجع قرائنه اإل ادثهم مباشرة، ورمبا ي ثنوورافية، بينما املؤرخ )حولية مثالية( من زمن ماض، يستطيع من خالل دراسة نصوصها أن جيمع قرائنه التارخيية. يناها يعتمد يف مقاربته علىكتابة مسّ ً كان املؤرخ اإلنكليزي املشهور كيث ثوماس )Thomas. K )ا ب من أوائل املؤرخني الذين رأوا تشاهب ني األنثروبولوجيا والتاريخ، حني كتب يف عام ) 571م( مقالته »التاريخ واألنثروبولوجيا«، ومن َمث حاول استخدام منهج مشابه ملناهج األنثروبولوجني يف وصف وحتليل ظاهرة االعتقاد بالسحر وانتشارها بني فقراء إنكلرتا يف القرنني السادس عشر والسابع عشر. ولبيان مدى التقارب بني املؤرخني االجتماعيني و األنثروبولوجني نستعني بوجاهات نظر مؤرخني وأنثر و بولوجيني، ونبدأ باملؤرخ الفرنسي فرنسوا فوريه الذي ا ً ا وثقافي ً تناول مسألة قصور القرائن املأخوذة من األرشيفات عن وصف وحتليل ثقافة جمتمع بعيد زمني عن جمتمع املؤرخ وحتليلها. وقد اعترب أ ن األرشيف الذي حيوي وثائق مجعت عرب الصدفة واالنتقاء، ال يستطيع، يف نظره، أن جييب عن أسئلة من خارجة. كل ما يستطيع املؤرخ أن يفعله هو أن حيتكم إىل وثائق األرشيف اليت هلا الكلمة األخرية يف حتديد 28 ً مضمون احثه التارخيي وحجمه. وأل ن ا ن رموز َ الوثائق تتضم ثقافية خمتلفة ووريبة عنه، يلجأ املؤرخ إىل ختيل نفسه يقوم برحلة تشبه اليت يقوم هبا األنثروبولوجي إىل بلد بعيد وريب يف رموزه وثقاته. لكن هذه الرحلة املتخيلة ال تستطيع، يف نظر فوريه، أن حتل معضلة عدم تواجد املؤرخ الفعلي يف زمان كتابة هذه الوثائق ومكاّنا. وكما شك فوريه يف قدرة الرحلة )املتخيلة( عرب األرشيف على خل معضلة فهم ثقافة اجملتمع الغريب والبعيد، نالحظ أن هذا الشك وصل إىل األنثروبولوجني القادرين على القيام برحلة ال متخيلة إىل بلد وريب. تناول الفيلسوف الربيطاين بيرت وينش )1 57 – 5779م( هذا املوضوع يف مقالته

»فهم جمتمع بدائي« يف عام ) 579م(. عرض وينش املشاكل املعرفية واملنهجية ً اليت تواجه األنثروبولوجي يف دراسة جمتمع بدائي )وريب( ا بنظرية فيتغنشتاين حول ، مستنجد )لعبة اللغة(، و)أشكال احلياة(. ينطلق وينش من منظور يرى أ ن ما حيدد سلوك أفر اد ثقافة معطاة هو معاين استعمال الكلمات يف )لعبة اللغة( داخل ثقافة ا أ ن ً معينة، زاعم عن عقالنية شاملة ومقبولة على ّ االستعمال ال ينم عن وجود تطابق بني معاين الكلمات والواقع، وال يعرب اجملتمعات البشرية كلها؛ إذ ميكن، يف نظره، لدارس جمتمع وريب أن مييز بني اجلزء األساسي لثقافة هذا اجملتمع وجزئها اهلامشي. فعلى سبيل املثال، ميكن أن نرى أن اإلميان يف السحر عند جمتمع بدائي يشكل )لب( قواعد سلوكياته، احيث يربط هذا )اللب( أشكال احلياة كلها يف نسيج ثقايف متماسك. خيضع األفراد لقواعد هذه النسيج، كما خيضع الالعبون لقواعد لعبتهم اليت يلعبوّنا، ما يعين وجود قواعد سلوكية للفاعلني أو الالعبني )خارج( نسيجهم الثقايف أو )خارج( لعبتهم. ًض لذلك ينفي وينش وجود قواعد ثقافية شاملة للمجتمعات ا وجود ّص الوالدة واجلنس واملوت، وينفي أي كلها، ما عدا ما خي معيار واحد وشامل للعقالنية يستطيع الدارس أن يقيس عليه ثقافة جمتمع وريب خمتلفة عن ثقافة جمتمعه. المنحى الثقافي والتاريخ الثقافي الجديد: سطع جنم هذا املنحى يف الكتابة، مع بداية الثمانينيات من القرن العشرين حني تعززت املماثلة بني األنثروبولوجيا والتاريخ. إ ن خي

مدرسة أنال عن قوالبهم النظرية السابقة، جعل لني هنت َ صعود تاريخ ثقايف جديد يف زمن ختلى مؤر )1 57 ،)-املؤرخة األمريكية الذائعة الصيت، أن تعلن يف عام )5781م( عن سقوط )النموذج-املثال( الذي بشر به بروديل، وعن صعود التاريخ الثقايف اجلديد. 29 )7 )يف مقالتها: »صعود منوذج أنال وسقوطه« شري هنت إىل ظاهرة االنتقال من التاريخ االجتماعي ، ت – الثقايف الذي ميز أنال حىت ستينيات القرن العشرين، إىل تاريخ ثقايف جديد يركز االهتمام على عادات الناس وسلوكياهتم ولغتهم وخطاباهتم، أكثر من تركيزه على حتليل البناءات االجتماعية. ويرى بيرت بورك يف كتابه: »األنثروبولوجيا التارخيية لبداية إيطاليا احلديثة«، أ ن األنثروبولوجيا والتاريخ الثقايف ينتهجان املناهج ًض نفسها، ويعا ا بالتغريات جل كالمها الظاهر الثقافية وري املتكرر، واالختالف الوحيد بينهما يكمن يف منهج املؤرخ الذي يعتين أي )50 )االجتماعية اليت حتصل عرب الزمن. إن شغف بورك وتقديره لدراسة الثقافة جعله يرى يف كتابه: »ما هو التاريخ الثقايف« أ ن »التاريخ الثقايف اجلديد« هو الشكل املسيطر على التاريخ كله، ويعتربه » ا ً منوذج -مثاًال« باملعىن نفسه الذي قصده كون يف مؤلفة بنية الثورات العلمية ونشوء علم نظامي. ّنل »التاريخ الثقايف اجلديد« يف نظر بورك، من مناهل عدة: أنثروبولوجية وريتز والنظرية األدبية مليخائيل باختني )5871- 5791م(، األديب والفيلسوف الروسي، والنظرية االجتماعية للمفكر نوربرت إلياس ) 587 – 5770م(، ونظريات ميشيل فوكو وبيار بورديو الفرنسين ع السردية التاريخية )55 )يف مقالة عنواّنا »عودة السردية« نشرها يف عام )5797م(، يالحظ املؤرخ األمريكي لورنس ستون أ ن سردية جدية بدأت ّن تبين املؤرخون االجتماعيون تربز يف أولبية األعمال التارخيية وخباصة بعد أ والثقافيون أساليب السرد يف عرض منتوجاهتم التارخيية. يعترب ستون أ ن السردية هي » ا من حيث التسلسل الزمين، وتركيز ً ا متتابع ً تنظيم املادة التارخيية تنظيم املضمون يف قصة متجانسة، وقائمة على الوصف أكثر من قيامها على التحليل؛ إ ا هتتم بالناس وليس بالظروف اجملردة، وهي تعاجل اخلاص واحملدد أكثر من ّن معاجلتها للجماعي واإلحصائي«. إ ن السردية اجلديدة اليت يدعو إليها ستون تتمسك بقواعد الكتابة التارخيية املعتمدة على »املالحظة والتجربة والبديهة«، وليس على نظريات احلتمية االقتصادية والبنيوية واالجتماعية. هتتم السردية اجلدية باألفراد العاديني أكثر من اهتمامها بالقيادات، وهي تعاجل اخلاص أكثر من حتليها الظروف العامة اجملردة. ولقد اعترب املؤرخ الربيطاين أرثور مرويك أ ن السردية واحدة من املسائل املعرفية واملنهجية يف الكتابة التارخيية، وذلك يف كتابه »طبيعة التاريخ« )5 ( . ورأى أ ن طبيعة التاريخ مرتبطة بالعالقة بني القرائن واملؤرخ، وليست متصلة باحلقيقة التارخيية أو الواقع التارخييكماكان فعًال. ليس معىن ذلك أ ن د حياكة سردية، بل هو احث يستخرج

معارف جديدة ت ّ يب التاريخ هو جمر ل احتياجات معينة يف احلاضر. إ ن معاجلة القرائن، ومن َمث خلق منتج تارخيي جديد متكامل حيتاجان، إىل السرد والتحليل، وكذلك بني مقاربة تعتمد على التسلسل الزمين لألحداث، ومقاربة تعتمد على طرح مواضيع وري خاضعة هلذا التسلسل. ( 11) Lawrence Stone, “Revival of Narrative on New Old History”, Past and Present, no.85 (November 1979),99. 3-4. ( 12) Arthur Marwick, The Nature of History, 3rd ed. (Chicago, III.: Lyceum Books, 1989). 30 من السردية األدبية إلى السردية التاريخية: اشرتك جمموعة من املؤرخني يف رؤية تارخيية تعتمد على أ ن االحداث التارخيية أو رخ يف بناء ّ أوصافها هي مواد خام يستعملها املؤ السردية. يف الوقت نفسه الذي استمر فيه فالسفة التاريخ واملؤرخون، حىت أيامنا هذه، يتناقشون حول هذه الرؤية، ظهرت يف ا ع ً فرنسا، يف ستينيات القرن العشرين، بدايات نظرية تقلب هذه الرؤية رأس لى عقب، معتربة بناء السردية هو الذي حيدد املواد اخلام ال العكس. يرى لويس منك )Mink. L( )5 57 – 578م( املتخصص بفلسفة التاريخ، أ ن العالقة بني األحداث املوصوفة يف الكتابة ال تش كل عنده األحداث املادة اخلام للسردية، بل على العكس من ذلك، تفرض التارخيية والبناء السردي هي عالقة مقلوبة. السردية على املؤرخ اختيار أوصاف األحداث اليت تدخل فيها. إ ن منط »احلبكة« هو الذي ينظّم املواد األولية، وحيدد األحداث اليت يعتربها املؤرخ مهمة. فهو يرى أن املؤرخ يفرض رؤيته على أحداث املاضي، حماوًال تفسريها على أساس أ ن وصفها يطابق ما ّدعي صحته ّ حدث فعًال، لكن ل، ال يستطيع أن ي ه يف الواقع يصوغ سردية خيلقها بنفسه على شكل متخي . ويف النهاية، وبعد حتليل رونالد بارت املبين اللغوي للسردية التارخيية، خلص إىل نتيجة مفادها أ ن الكتابة التارخيية هي ذاتية وخيالية من صنع املؤرخ الساعي، عرب » يله اللغوية ح «، إىل أن يسبغ عليها صفة املوضوعية. يستعني املؤرخ، مبرجعية املصادر »املتومهة«، ويزعم أ ّنا اليت »تتكلم عن نفسها«. إ ن احلقيقة التارخيية ا كالمي ال ليت يتحدث عنها املؤرخون هي، يف نظره، حشو ت إىل ماض واقعي، وهي جمرد صياوة لغوية، مزودة باالستعارات واجملازات، وختلق بأ ّن ّت مي ا مت إىل ماض واقعي. ينبع هذا الواهم، يف نظره، من اللهجة السلطوية املستخدمة يف السردية التارخيية املليئة بالتفاصيل. التاريخ هو ميتا – تاريخ: ) 5 )حاول هايدن وايت يف مقدمة كتابه: »ميتا-تاريخ: اخليال التارخيي يف أوربا يف القرن التاسع عشر« أن يعرض نظرية ّصلة يف حتليل السردية التارخيية، كما تظهر يف األعمال التارخيية متماسكة ومف . فهو يرسم يف فاحتة كتابه، خطوطًا عريضة ملا يقصده، حني يتناول فيها العمل التارخيي، كما يفصح عن نفسه على شكل بناء لفظي، وعلى شكل خطاب نثري-سردي. ( 13) Hayden White, Metahistory Imagination in Nineteenth-Century Europe (Baltimore: Johns Hopkins University Press, (1973). 32 ففي نظره إ ن حتليل لغة السردية كفيل بفهم القضايا املعرفية واملنهجية للكتابة التارخيية، أي إ ن اللغة هي املفتاح املعريف )األبستمولوجي( واملنهجي هلذه الكتابة. إن مقاربة فالسفة التاريخ اليت تنطلق من أحداث حصلت يف املاضي، نابعة من وهم ّضون النظ املؤرخني الذين يغ ر عن معضلة حتويل املوصوف يف املصادر إىل أحداث، وإىل منتج تارخيي. فاملؤرخ ال

يكشف املاضي ا من جدي على شكل ً تخيل و خم من خالل املصادر، بل يكشف هذه املصادر ويصووها لغوي »خطاب سردي … تلق

م «. د ّ وقد اعترب بعض منتقديه أن نظريته ختتزل حقل الدراسة التارخيية إىل جمر حقل لغوي؛ ع العدمية وحتض على نسبية ّ وبالتايل تشج ّي الدقة يف معاجلة املصادر ثورية مفرطة، بعيدةكل البعد من املسؤولية يف توخ . السردية والتاريخ الشفويًدا منذ ال ش ك أ ن السردية التارخيية القائمة على الشهادات الشفوية هي قدمية قدم الكتابة التارخيية، لكن ها أخذت شكًال جدي العقد الثالث من القرن العشرين، وذلك حني بدأ بعض دارسي الفولكلور واألنثروبولوجيا والتاريخ يضع قواعد جلمع الشهادات الشفوية، ويقرتح أدوات نظرية يف حتويل هذه الشهادات إىل مادة تارخيية ميكن استعماهلا يف السردية التارخييةالتاريخ الشفوي، املعتمد على منهجيات جديدة مستحدثة، ظهر يف عام )8 57م( يف الواليات املتحدة، لينتشر بعد ذلك إىل ا من فروع املعرفة التارخيية، ال يقل يف أمهيته عن ً أقطار أخرى، وليصبح منذ ستينيات القرن العشرين فرع »التاريخ الوثائقي«، لكن هذا التاريخ الشفوي اجلديد ما زال حم ط نقد املؤرخني الذين يرفضون منحه شرعية، على اعتبار أن الشهادات الشفوية مناسبة لدراسة األنثروبولوجيا والثقافة الشعبية واإلثنياتيدافع املؤرخون الشفويون بشدة عن تارخيهم، معتربين هذا التاريخ وسيلة يف سد النقص الذي تعانيه املصادر الوثائقية املكتوبة حول احداث من املاضي القريب، لدرجة أ ن التسجيل الصويت أصبح عند هؤالء املؤرخني هو املصدر األويل املعتمد عليهو يتفق معظم املؤرخني الشفويني أ ن دقة ومصداقية الشهادات الشفوية والتعويل عليها ليست يف واقعيتها أو عدمها، بل يف منهجية معاجلتها وتقوميها من جديد لتحويلها إىل معطيات صاحلة لسردية تارخيية ذات معىنويرى ألسيندرو بورتلي )Portelli.P ( )57م(، أحد ابرز املؤرخني الشفويني املعاصرين، أن التاريخ الشفوي هو شكل خاص من )اخلطاب( التارخيي، يسرد بطريقة نابضة باحليوية سردية من املاضي. يشدد بورتلي على ان التاريخ الشفوي باعتباره حقًال من 33 ، يف املقام األول، ّ حقول الدراسة يهتم باألبعاد اللغوية للسردية، لكن هذه السردية تتميز باحلوارية بني املؤرخ وشهادته الشفوية )5 ( . من املالحظ ان السردية التارخيية املعتمدة على التاريخ الشفوي ليست من نوع السردية الكربى اليت تتناول فرتات تارخيية طويلة أو تغطي أحداثًا تارخيية على مساحة جغرافية واسعة، بل هي نوع من امليكرو- ا من حيث الزمان ً ا حمدد ً تاريخ الذي يعاجل موضوع واملكان. هبذا املعىن يلتقي التاريخ الشفوي من املناحي اجلديدة يف الكتابة التارخيية اليت بدأت هتجر السردية التارخيية أو امليتا– سردية. بقي أن نقول: إن نا ال نستطيع التنبؤ مبستقبل الكتابة التارخيية يف العقود القادمة. كل ما نستطيع قوله هو إ ن املعرفة ر معارفنا األخرى يف الفلسفة والعلم واألدب ّ التارخيية سوف تبقى واحدة من املعارف اليت تساعدنا يف تقومي تطو . 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *