دارسة حول العدالة بين الإنصاف والمساواة للمادة الفلسفة لسنة ثاني باكلوريا

لو كان الحق قد ابتكر بهدف تقويم التصرف والقضاء على الفروق القائمة بين الناس في وضعية الطبيعة، فهو يفترض أن المساواة أساس العدالة، ومن يقول غير هذا فإنما يقول “قولا بئيسا” -حسب ألان -فهل المساواة تؤدي إلى إنصاف الجميع؟ ألا يمكن للمساواة ذاتها أن تكون ظلما؟ ألا يمكن أن تشكل هي الأخرى “تأسيسا للبؤس”؟

    ترتبط المساواة بتحقيق “تماثل وتناسب رياضي” بين الأشخاص، بغض البصر عن الفروق المتواجدة بينهم. أما العدل فيقوم على “إعطاء كل ذي حق حقه”، مع انتباه مبدأ الاستحقاق، واعتبار التفاوتات المتواجدة بين الأشخاص، إما لمكافأتها والتشجيع عليها أو للحد منها. وفي تناوله لتلك المشكلة، يطابق أرسطو بين الإنصاف والإنصاف، لكنه يقر بميزة العدل. ويختلق أسباب هذا بأن العدالة تنفيذ حرفي للنصوص القانونية، التي تمتاز بالعمومية، والتي يمكن أن يلحقها الخطأ جراء التطبيق. بينما يكون العدل عملا بروح التشريع ومقصده، وهو تقصي العدالة والخير للجميع. وهذا بمراعاة الحالات المخصصة من ناحية، وتصحيح التشريع من ناحية أخرى. وهكذا فالإنصاف أسمى من العدالة، لأن التشريع قد يدشن عدالته على المساواة على العموم، سوى أن تلك العمومية لن تكون منصفة للجميع، حين تساوي بين الجميع.

    ويؤسس الفيلسوف الأمريكي المعاصر راولز تصوره للعدالة كإنصاف، والتي تتشكل داخل سيستم سياسي ديمقراطي عادل قائم على التوافق بين المدنيين الأحرار، لضمان العدالة والخير للجميع. تقوم تلك النظرية على مبدأين أساسيين هما: المساواة في الحقوق الرئيسية (الحريات). وفي المقابل اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية. وتلك الأخيرة لن تكون عادلة ومنصفة سوى إذا استوفت شرطين هما تكافؤ الفرص من ناحية، وضمان أضخم قدر من المنفعة لأعضاء المجتمع الأكثر حرمانا من ناحية أخرى. ينتج عن هذا نفع الجميع من خيرات المجتمع، وإحساسهم بالعدالة الذي يتجلى(الشعور) عن طريق الاعتراف بالمؤسسات العادلة، وقبول سلطتها، والاقتناع بأنها تخدم اهتمامات الجميع، ولذلك يعمل على الجميع، كرد تصرف موجب، إلى الحفاظ على نظامها واستقرارها.

    إن نظرية العدالة كإنصاف تراهن على تمكين الجميع من النفع من خيرات المجتمع، وفي نفس الوقت الموافقة والاقتناع بالتمايزات والاختلافات المتواجدة بين الأشخاص داخل مجتمع تعددي. لكنها تراهن في نفس الوقت على شرعنة الاختلاف والتفاوت وعلى الحفاظ على الحال الجاري.

    ننتهي في النهاية إلى أن العدالة تمر المساواة لتتخذ من العدل قصد لها. فإذا قد كانت المساواة تقتضي التسوية بين الناس وجعلهم سواسية في الحقوق وأمام التشريع، فإن العدل يهدف إلى تقصي توزيع عادل للخيرات على الجميع مراعيا التباين والاختلاف بين الناس، وإلا تم ارتكاب البغي باسم العدالة… كل هذا في محيط سيستم سياسي شرعي يعلي من قيمة الإنسان ويحفظ كرامته.

لو كان الحق قد ابتكر بهدف تقويم التصرف والقضاء على الفروق القائمة بين الناس في وضعية الطبيعة، فهو يفترض أن المساواة أساس العدالة، ومن يقول غير هذا فإنما يقول “قولا بئيسا” -حسب ألان -فهل المساواة تؤدي إلى إنصاف الجميع؟ ألا يمكن للمساواة ذاتها أن تكون ظلما؟ ألا يمكن أن تشكل هي الأخرى “تأسيسا للبؤس”؟

    ترتبط المساواة بتحقيق “تماثل وتناسب رياضي” بين الأشخاص، بغض البصر عن الفروق المتواجدة بينهم. أما العدل فيقوم على “إعطاء كل ذي حق حقه”، مع اهتمام مبدأ الاستحقاق، واعتبار التفاوتات المتواجدة بين الأشخاص، إما لمكافأتها والتشجيع عليها أو للحد منها. وفي تناوله لتلك المشكلة، يطابق أرسطو بين الإنصاف والإنصاف، لكنه يقر بميزة العدل. ويختلق أسباب هذا بأن العدالة تنفيذ حرفي للنصوص القانونية، التي تمتاز بالعمومية، والتي يمكن أن يلحقها الخطأ جراء التطبيق. بينما يكون العدل عملا بروح التشريع ومقصده، وهو تقصي العدالة والخير للجميع. وهذا بمراعاة الحالات المخصصة من ناحية، وتصحيح التشريع من ناحية أخرى. وبذلك فالإنصاف أسمى من العدالة، لأن التشريع قد يدشن عدالته على المساواة على العموم، سوى أن تلك العمومية لن تكون منصفة للجميع، حين تساوي بين الجميع.

    ويؤسس الفيلسوف الأمريكي المعاصر راولز تصوره للعدالة كإنصاف، والتي تتشكل داخل سيستم سياسي ديمقراطي عادل قائم على التوافق بين المدنيين الأحرار، لضمان العدالة والخير للجميع. تقوم تلك النظرية على مبدأين أساسيين هما: المساواة في الحقوق الرئيسية (الحريات). وفي المقابل اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية. وتلك الأخيرة لن تكون عادلة ومنصفة سوى إذا استوفت شرطين هما تكافؤ الفرص من ناحية، وضمان أضخم قدر من المنفعة لأعضاء المجتمع الأكثر حرمانا من ناحية أخرى. ينتج عن هذا نفع الجميع من خيرات المجتمع، وإحساسهم بالعدالة الذي يتجلى(الشعور) عن طريق الاعتراف بالمؤسسات العادلة، وقبول سلطتها، والاقتناع بأنها تخدم تطلعات الجميع، ولذلك يعمل على الجميع، كرد إجراء موجب، إلى الحفاظ على نظامها واستقرارها.

    إن نظرية العدالة كإنصاف تراهن على تمكين الجميع من النفع من خيرات المجتمع، وفي نفس الوقت الموافقة والاقتناع بالتمايزات والاختلافات المتواجدة بين الأشخاص داخل مجتمع تعددي. لكنها تراهن في نفس الوقت على شرعنة الاختلاف والتفاوت وعلى الحفاظ على الحال الحالي.

العدالة بين المساواة والإنصاف

إلتباس المحور: إذا قد كانت العدالة تهدف إلى خلق المساواة في المجتمع فهل بإمكانها إنصاف جميع أفراده؟

– أطروحة أفلاطون:

يشاهد أفلاطون أن العدالة تحتاج من الشخص “أن يقوم بعمله وأن لا يتدخل في عمل الآخرين”. ولذا فالعدالة لا تقوم على الشدة والمنفعة، لكن تقوم على الفكر أي تنبع من صميم تفكير الفيلسوف الذي يعمل على إلى بلوغ الخير الأسمى. إنها فضيلة يحققها الشخص في ذاته أولا، وهذا حين يحقق الانسجام بين ذهنه وعاطفته وشهوته، إذ تجمع وتوجد القوى المشتتة في قوة واحدة (قوى النفس ثم قوى المجتمع). لهذا فالعدالة ليست مجرد فضيلة فردية منعزلة لكن هي “أم الفضائل” فهي التي تمثل هذا النسق بين قوى النفس الثلاثة: الشدة العاقلة، والقوة الغضبية والقوة الشهوية. وقوة الذهن هي الآمرة الحاكمة، في حين ترضخ الرغبة والحنق لأوامر الذهن. وهذا بهدف الحفاظ على توازن الشخصية، ولكي لا تطغى الغرائز الجامحة على البنيان السيكولوجي فتدمره. وبذلك  متى ما قام الشخص بتأدية المهنة التي تناسبه،  متى ما كان هناك توافق على مستوى التشييد الاجتماعي. بمعنى أن الحرف والمهن التي يمارسها الشخص تتناسب مع مؤهلاته النفسية، أي مع درجة تحكم ذهنه في سائر قواه النفسية الأخرى.

إن من يعلم العدالة علم نظرية لا يستطيع أن يتصرف سوى باعتباره عادلا، فالمعرفة فضيلة والجهل هو عدم حضور لها، ومن ثم لن تبقى قيم أخلاقية بلا علم شركة لتلك القيم. فعدالة المدينة (المجتمع أو الجمهورية) هي صورة مكبرة لعدالة الشخص، وبواسطتها يتم احترام النسق الاجتماعي، ويحقق المجتمع انسجاما يشبه هذا الانسجام المتواجد في النفس. والمدينة لن تصبح عادلة سوى إذا حكمها الفلاسفة الذين يتأملون وضعها، ويشرعون لها قوانين تنظم شؤونها وترسخ مبادئ النسق والانسجام والتوازن.

– أطروحة ماكس شيلر:

ينتقد شيلر بقوة التصور الفلسفي الذي يدعو إلى المساواة المطلقة، مؤكدا في نفس الوقت على أنه من الجور والظلم التصديق بتساوي الناس على نحو مطلق، فالعدالة في نظره لا تتضاد وظهور أنواع مغايرة من التباين الفكري والاجتماعي والاقتصادي.

فالعدالة المنصفة هي العدالة التي تأخذ بعين الاعتبار تغيرات الناس وتمايز طبائعهم وقدراتهم واستعداداتهم ومؤهلاتهم. فالناس يتفاوتون فيما بينهم تفاوتا إيجابيا وخلاقا. إن مذهب المساواة المطلقة سواء زعم أنها تنحصر في إثبات واقع، أم استند إلى وجوب أخلاقية، أم أفاد بالأمرين سويا فإنه يأتي ذلك في تصور شيلر عن الكراهية والحقد. فوراء تلك المساواة المنشودة تكمن رغبة جامحة في قلص الأفراد المعتبرين أضخم وأعظم من غيرهم إلى مستوى الأفراد الذين هم في أدنى درجات السلم. ما من أحد يشيد المساواة حينما يشعر بأنه لديه قوة أو نعمة تتيح له، على أي صعيد كان، أن يتفوق. أما الذي  يخشى الضياع، فهو وحده الذي ينشد العدالة والمساواة العامة.

تركيــ ب

إن العدالة لا تتحقق سوى بتحقيق الانسجام والتناغم بين مغاير عناصر المجتمع وهذا بأن يؤدي كل شخص الدور المنوط به وأن لا يتدخل في شؤون الغير، غير أن ربط العدالة بالمساواة المطلقة يُعد تصورا خاطئا، فالعدالة المنصفة لا تتنافى وظهور أشكال مغايرة من التباين الفكري والاجتماعي والاقتصادي 

    ننتهي في النهاية إلى أن العدالة تمر المساواة لتتخذ من العدل قصد لها. فإذا قد كانت المساواة تقتضي التسوية بين الناس وجعلهم سواسية في الحقوق وأمام التشريع، فإن العدل يهدف إلى تقصي توزيع عادل للخيرات على الجميع مراعيا التباين والاختلاف بين الناس، وإلا تم ارتكاب البغي باسم العدالة… كل هذا في محيط نسق سياسي شرعي يعلي من قيمة الإنسان ويحفظ كرامته

يأمل جميع الناس داخل الجمهورية إلى أن يحضوا بمعاملة يكون أساسها المساواة بينهم في الحقوق والقوانين، ففي الإشعار العلني الدولي لحقوق وكرامة البشر نجد الجديد جلي بشأن كون الناس سواسية ويجب أن يعاملوا على ذلك الأساس، بل معاملة الناس على مرجعية المساواة من الممكن أن يكون في بعض الأحيان مخلا ومجحفا في حق أولائك الذين

يمتلكون إمكانيات ومؤهلات أمثل من القلة الآخر، وبالتالي يكون تنفيذ العدالة  وقيامها على المساواة قد يبدوا فيه نوع من البغي لفئة اجتماعية تشاهد في ذاتها مؤهلة لتعامل بأسلوب أكثر حضوة من الآخرين، بل مادام الجميع ليسوا مؤهلين لكتابة القوانين ووضعها فإن واضع التشريع في بعض الأحيان قد يغلب رغباته وميولاته فيوظف القوانين لخدمة مصالحه وتكريس هيمنته وعلى ذلك الأساس تصبح العدالة محط مناقشة فلسفي لنتساءل بشأن الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه:  هل تقوم العدالة هل العدل أم المساواة؟ وهل يمكن لتنفيذ المساواة في مجتمع مدخول بآفة التغيرات بين أفراده  في كل شيء أن يكون عادلا؟ وهل القوانين شاملة وعامة لأجل أن تكفل هذا في حال تنفيذها أم يجب نوع من المطواعية والإجتهاد في تنفيذها حتى تتوائم مع الحالات الجزئية؟

تراسيماخوس السفسطائي/ العدالة لا تقوم على المساواة أو العدل لكن على حق الأقوى

يتعلق التفكير الفلسفي في العدالة كقيمة أخلاقية باليونان، لهذا نجد أفلاطون في محاورة “الدولة” يخصص كتابين لدحض القائل بعدم وجودها، وهو ما لخصه السفسطائيون في قولهم “لا أحد عادل إراديا “فالسفسطائيون مع تراسيماخوس رأوا في العدالة لاغير” حيلة إصطنعها الهزيل لدفع خطر الشديد” والحق حسب التصور السفسطائي هو حق الأقوى، ومن ثم فالعدالة يلزم أن تكون عدالة الأقوى،عدالة تنسجم مع طبيعة الحياة التي تخضع لمبدأ المنفعة الشخصية، أي الحياة التي لا تعترف بالقيم والحقائق الثابتة  فمثلا الحزب الديمقراطي المتعصب في اليونان مع تراسيماخوس يقدم لنا صورة جلية للقواعد السياسية المتطرفة التي لا تعتبر العدالة مثالا أخلاقيا يحقق الفضيلة ويجسدها، لكن العدالة في الأصل ليست مقصدها الفضيلة أو تقصي المساواة أو العدل، ولا تقوم على الحق أو القوانين لكن تقوم على القساوة والقوة وبالتالي يقول تراسيماخوس:”إن العدالة هي الشغل بموجب مصلحة الأقوى، فالقوانين السياسية في جمهورية يصنعها باستمرار الأقوى ولمصلحته، لأن الوالي وهو الأقوى يفرض القوانين التي تأكد مصلحته  لا مصلحة المحكوم”، وبذلك فالعدالة والقوانين لا تقوم على المساواة أو العدل لكن تقوم على سيطرة الأقوى وخدمته.

مستوى النقاش الداخلية للموقف السفسطائي/ أفلاطون العدالة فضيلة مقصدها  تقصي الانسجام وليس المساواة أو العدل

وهو ما رفضه أفلاطون حين رأى أن العدالة هي أن يقوم كل فرد لما خلق له وأن لا يتدخل في عمل الآخرين، لهذا فالعدالة لا تقوم على المنفعة والقوة لكن تقوم على الفكر أي تنبع من صميم تفكير الفيلسوف الذي يعمل على إلى بلوغ الخير الأسمى، ويرى أفلاطون أن الناس بطبيعتهم غير متساوين مع بعضهم إلى درجة هائلة من المحتمل ليس في السلطة لاغير لكن هم غير متساوين حتى المواصفات العقلية التي تمكنهم من إحكام القبضة على الذات والتحكم برغباتهم وبرغبات الأفراد الآخرين، لهذا مادامت فكرة العدالة تطبق في مدمار الصلات بين الإنس، فإنها ترتبط في الحقيقة بين أفراد غير متساوين وهو ما يفرض أن تقوم الرابطة بين الناس على مرجعية التداول المتوازن الذي يرجع بالفضل على جميع الأطراف بالفائدة حين يتمكنون من خلال الطاعة والخضوع لمن هم لديهم القدرة على التحكم برغباتهم لأجل أن يعلموهم التمكن من الإنسجام مع النسق العام للدولة، فالعدالة ليست سوى فضيلة يحققها الشخص ويبلغها حين يمكنه تقصي الإنسجام بين ذهنه وعواطفه وشهواته، فعدالة المدينة أو الجمهورية Polis هي صورة عن عدالة الشخص، الذي لن يكون عادلا سوى لو كان عارفا وفيلسوفا، والمدينة لن تكون عادلة سوى إذا حكمها الفلاسفة الذين يتأملون وضعها، ويشرعون لها قوانين تنظم شؤونها وترسخ مبادئ النسق والإنسجام والتوازن فيها.لأن الناس عاجزون عن هذا ماداموا متفاوتون بالطبيعية وخاضعون لرغباتهم وشهواتهم، وبالتالي فإن العدالة لا تتحقق سوى إذا قبل كل شخص ما هيأته الطبيعة للقيام به من أدوار، وبذلك فالمساواة فيما يتعلق لأفلاطون لا تستطيع أن تتحقق لأن الطبيعة لم تمنحهم ذلك الحق مادامت قد خلقتهم طبقات(حكام وحرفيين وعبيد).

النقاش الخارجية/ أرسطو العدالة تقوم على التوزيع المنصف للثروات  والأدوار بين الناس حسب قدرهم ومؤهلاتهم

لقد تعرضت تصورات أفلاطون إلى الكثير من الانتقادات لأنها اعتبرت تصورات مثالية تؤسس لمدينة فاضلة ولنموذج للعدالة لا يستطيع أن يكون واقعيا لأن العدالة في العمق متعلقة بالواقع وبحقوق  الناس وبانتظاراتهم داخل الجمهورية وهو ما سينتقده أرسطو إذ تعويض الجديد عن العدالة باعتبارها ترتيب وهيمنة على قوى النفس(الشهوانية والغضبية) يجب الجديد عن العدالة من زاوية الصلات التي تربطها بالقوانين المنظمة للعلاقات بين الناس، وبالتالي يتفق أرسطو على أن العدالة قيمة أخلاقية “تبهرنا بلمعانها زيادة عن انبهارنا بلمعان نجمة في قلب السماء” يؤكد أرسطو على أنه لا نستطيع استيعاب مفهوم العدالة سوى بربطه بمفهوم الفضيلة وهو هنا يتفق مع رأي أفلاطون وسقراط، بل أرسطو يشاهد أن الفضيلة ترتبط بالعادة والعادة تنمو وتتطور بفضل حضور تأهب طبيعي لدى الإنسان يمنحه التمكن من موافقة الفضيلة، والفضيلة لها ارتباط  بالآخرين من الناس، لهذا فتبادل الخيرات يفرض علينا طرح السؤال الأتي: هو كيف يمكن للإنسان أن يحقق العدالة لو كان الناس في الأصل غير متساويين؟ويجب أرسطو على أنه يلزم أن نميز في العدالة بين مفهومين، الأول عام والثاني خاص،والعدالة بالمعنى الأول تعني الخضوع للقوانين وللضمير الأخلاقي، حرصا على المصالح العامة، وهكذا تكون مرادفة للفضيلة. أما العدالة بالمعنى الثاني فتعني المساواة، وفي تلك الوضعية تسمى العدالة إنصافا Equité وحينما تصبح العدالة إنصافا نكون في مواجهة نوعين من العدالة حسب أرسطو عدالة توزيعية Justice distributive وتعني توزيع الخيرات وثروات المجتمع على أفراده حسب طاقاتهم وأعمالهم. وعدالة تعويضية Justice corrective وتتمثل في ترتيب المعاملات بين أشخاص المجتمع على مرجعية القوانين والأعراف. وهدفها هو تصحيح التصرف الخارج عما تحدده القوانين، فهي عدالة  تعاقب المجرم وتعوض أولئك الذين يذهبون ضحايا تنفيذ القوانين. وبذلك فإن قصد العدالة هو تقصي العدل وفي ذلك الصدد يقول أرسطو:”ليس هناك أفراد عادلون غير أولئك الذين يستنيرون بفكرة العدالة كإنصاف، أي أولئك الذين يمثلون روح القوانين” والعدالة لا تبقى في المجتمع كممارسة سوى حينما يكون أفراده عادلون أو يطبقون العدالة، وإذا قد كانت العدالة لا تطرح أي إشكالية على المستوى الأخلاقي فإنها على المستوى العملي حينما ترتبط بالقوانين تثير الكثير من المشكلات، فما هو قانوني قد لا ينسجم باستمرار مع حقوق الشخص وربما لا يضمنها، فمن الجائز أن تبقى القوانين غير عادلة أو تطبق في حالات عامة أو خاصة،كما أن التشريع لن يحتوي جميع الحالات الجزئية، فما هو قانوني قد لا يقود إلى تقصي العدالة طول الوقت لهذا يشاهد أرسطو بوجوب الإنصياع في تنفيذ التشريع وتكييفه مع الحالات الجزئية المتنازع عنها لأن التطبيق الحرفي قد يقود إلى الإخلال بمبدأ العدالة وبروحها الأسمى وهي العدل.

تعميق النقاش مع التصور الليبرالي المعاصر/ جان راولز العدالة لا تقوم على المساواة لكن على العدل والمساواة في الوصول إلى المراكز الإجتماعية

في نفس التوجه بل على ضوء تحولات اجتماعية جذرية في العالم الليبرالي حاول جان راولزJohn Rawls   عن طريق نظريته في العدالة التي عنونها ب”نظرية في العدالةThéorie sur  la justice” وطورها عن طريق نقاشه مع هابرماس في كتابه “العدالة كإنصاف” أن يبلغ إلى تشييد مجتمع عادل ومتعاون، وهو ما جعله يبحث عن المحددات والقواعد المنصفة التي تكفل ذلك التعاون، وفي ذلك الصدد تساءل جان راولز “هل التعاون بين الناس تحدده سلطة مغايرة عن الأفراد المتعاونين (تشريع إلهي مثلا)أم تلك المحددات والقواعد تقوم على القيم الأخلاقية المشتركة بين أشخاص المجتمع؟أم يقوم التعاون بينهم على اتفاق باعتبارهم أحرارا ومتساوين على مرجعية المنفعة المتبادلة؟ وفي ذلك الصدد يجيب راولز على أنه في مجتمع يتصف بالتعددية الثقافية والدينية والسياسية…الخ، لهذا فهذا الاتفاق يقوم نحو رولز على خلفية ما سماه الوضعية الأصلية أو غطاء رأس الجهل وهو وضعية افتراضية شبيهة بحالة الطبيعة نحو فلاسفة العقد الإجتماعي، ففي غطاء رأس الجهل يجهل كل مواطن الترتيب الإجتماعي أو المكانة أو المركز الوظيفي الذي سيشغله  أو الإعتقاد أو الإثنية التي سينتمي إليها في المستقبل داخل المجتمع، لكنهم يتفقون حسب راولز بشأن مبدأين أساسيين من شأنهما أن يضمنا تقصي التعاون الإجتماعي بينهم بوصفهم أشخاصا أحرارا ومتساويين غايتهم ترتيب مؤسساتهم، فسما المبدأ الأول “مبدأ الحرية أو المبدأ الليبرالي” وأطلق على المبدأ الثاني “مبدأ اللامساواة أو التباين الاجتماعي” وعلى ذلك الأساس يكفل المبدأ الأول للأفراد الحريات الرئيسية ومن أهمها حرية التفكير والتعبير والحق في التصويت والمشاركة السياسية وكل الحريات التي يمنحها التشريع، أما المبدأ الثاني(مبدأ التباين الاجتماعي أو اللامساواة) فيسمح لكل فرد ويشرعن لديه الأحقية في أن يكون أكثر مرتبة ومكانة اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا بل بشرط أن تكون الفرص التي تقدم وتمنح وتتاح لجميع أشخاص المجتمع لائحة على مبدأ تكافؤ الفرص  في ولوج الجامعات والوظائف والمراكز بغض البصر عن انتماءاتهم العنصرية أو الدينية أو الطبقية، وبذلك تتأسس العدالة باعتبارها إنصافا، وليشرح لنا رولز ما يقصده بالفرص العادلة هو فتح جميع المواقع الإجتماعية في مواجهة الجميع وفي ذلك الصدد يقول في كتابه نظرية في العدالة” فلابد أن يكون ذلك التوزيع (توزيع المداخيل) لفائدة كل فرد، وأن تكون مواقع السلطة والمسؤولية في الوقت ذاته في متناول الجميع. إننا نطبق المبدأ الثاني جاعلين المواقع مفتوحة” فالعدالة  بوصفها إنصافا نحو جان رولز مقصدها ضمان الخير والتعاون بين جميع الأشخاص وهذا بالسماح بوجود تفاوتات شريطة أن لا يخلق ذلك الحال  مجتمعا تكون فيه  فئة اجتماعية  محرومة من حقها في الاستحواذ على مستحقاتها التامة والفرص الرئيسية لحساب فئة أخرى تتمتع بامتيازات. وبسبب تقصي ذلك المجتمع دعا إلى المساواة الديمقراطية L’égalité démocratique .

موقف ألان (إميل شارتيي): العدالة هي معاملة الناس بالمساواة.

لا يمكن الجديد حسب ألان، عن الحق سوى في محيط المساواة بين الناس. فالقوانين العادلة هي التي يكون الجميع في مواجهتها سواسية. والحق لا يتجسد سوى داخل المساواة باعتبارها هذا الإجراء العادل الذي يعامل الناس بالتساوي بغض البصر عن التفاوتات القائمة بينهم. وهنا يتحدث ألان عن الثمن العادل ويميزه عن سعر الاحتمالية؛ بحيث أن الأول هو المعلن داخل مكان البيع والشراء والذي يخضع له الجميع بالتساوي،في حين الثاني هو سعر يتخلف عن الحضور فيه التكافؤ بين الطرفين؛ كأن يكون أحدهما مخمورا والآخر واعيا، أو يكون أحدهما عالما بسعر المنتوج والآخر جاهلا بهذا هكذا فالمساواة لن تتحقق حسب ألان سوى إذا عرض الباعة لكل الناس نفس المنتجات وبثمن متحد. ومعنى هذا أن العدالة لن تتحقق سوى قد كانت القوانين الحالي بها الشغل تداول الناس بالمساواة التي هي أساس إحقاق الحق.وفي ذلك النظام يقول ألان: ” لقد ابتكر الحق مقابل اللامساواة. والقوانين العادلة هي التي يكون الجميع في مواجهتها سواسية… أما أولائك الذين يقولون إن اللامساواة هي من طبيعة الأشياء، إستيعاب يقولون قولا بئيسا“.

موقف ماكس شيلر: المطالبة بالمساواة المطلقة هي عدالة جائرة

يذهب ماكس شيلر إلى القول بأن العدالة لا تتمثل في المطالبة بالمساواة المطلقة بين الناس؛ لأنها مساواة جائرة ما استمرت لا تراعي الفروق بين الأشخاص فيما يخص الطباع والمؤهلات التي يتوفرون عليها. فالعدالة المنصفة هي التي تراعي اختلاف الناس وتمايز طبائعهم ومؤهلاتهم. ومن البغي أن نطالب بالمساواة المطلقة بين جميع الناس؛ هذا أن خلف تلك المطالبة بالمساواة كراهية وحقد على القيم السامية، ورغبة دفينة في قلص مستوى الأفراد المتميزين إلى مستوى الأفراد الذين هم في أدنى السلم.هكذا ينتقد ماكس شيلر ما يسميه بالأخلاقية الجديدة التي تقول بأن جميع الناس متساوون أخلاقيا،وبذلك تنفي التفاوتات المتواجدة بينهم على مستوى ما يتوفرون عليه من مؤهلات. ويرى أن تلك المساواة المطلقة هي فكرة عقلانية نابعة من حقد وكراهية الضعفاء ومن هم في أدنى درجات السلم تجاه الأقوياء الذين يمتلكون مؤهلات وقدرات زيادة عن غيرهم تجعلهم يتواجدون في أعلى السلم الاجتماعي. وبدلا من تلك الأخلاق العقلانية التي تنادي بالمساواة الصورية والنظرية، يقترح شيلر ما أَطلَق عليه بالأخلاق الموضوعية التي تأخذ بعين الاعتبار الفوارق بين الناس على أرض الواقع. وهنا تكمن العدالة المنصفة التي تحافظ على القيم السامية التي يتمتع بها الأفراد المتفوقون.

ملخص عامة

لا ننكر أن إمكانيات الناس مغايرة  باختلاف مؤهلاتهم، بل لا يمكن أن نستند إلى ذلك التبرير في تكريس التباين الطبقي والإجتماعي داخل المجتمع، لأن الموافقة بذلك التسويغ سيجعل الغرض التي بررت بها الجمهورية مشروعيتها وهي ضمان الحق وتحقيق العدالة محط مناقشة! إذ عوض أن تكون الجمهورية آلية لتحقيق العدالة صارت أداتا لشرعنة التباين الإجتماعي بين الأشخاص، بل ذلك لا يجعلنا في الخاتمة نقبل بغياب تقصي المساواة لأنه مادام الزمان الماضي خاضع بالضرورة لمنطق التقدم والتقدم فإن الإنسانية قادرة على إبداع أنواع من المقاييس والتنظيمات أكثر عدالة الأمر الذي هو متاح هذه اللحظة وربما أثبت تاريخ الإنسان وتاريخ تنظيماته الإجتماعية ذلك القول، حين استطاع أن ينتقل من عدالة الأعراف والقبيلة إلى عدالة التشريع وهو ما يجعلنا نؤكد على أنه قادر في المستقبل على إبداع تنظيمات أخرى تتيح له تقصي العدالة أو “مثال العدالة” الذي يأمل إليه، لأن القول بأن العدل هو ما يمكن أن تحققه الجمهورية الليبرالية هو قول بالجمود وبالسكون وبانغلاق الزمان الماضي وهو نوع من الإستسلام لنظريات المدافعين عن عاقبة الزمان الماضي ونهاية البدائل الإنسانية(فرانسيس فوكوياما مثلا في كتابه عاقبة الزمان الماضي)، إننا مقتنعون أن الإنسان متطلبات بمجابهة نفسه(غرائزه ورغباته) ليس بغرض الهيمنة عليها أو التحكم فيها لكن بغرض تقنينها وتوجيهها لتكفل له العيش بالمعية مع المختلفين دون تناقض مع رغباتهم أيضاً وهو ما يمكنه الإنسان تحقيقه ليس لاغير من خلال القوانين وصرامتها لكن من خلال الأخلاق التي تتيح له التخلص من الوصاية والخضوع لاغير لمبدأ الإرادة الحرة التي يشرّعها الذهن والتي تحدد له ماذا يستطيع أن يفعل؟

وإذا قد كانت العدالة مثال نحاول إليه فإن الجمهورية المعاصرة التي تعتبر ذاتها جمهورية حق وقانون لازالت بعيدا عن ذلك المقصد لأن الأحداث الأخيرة التي عرفها العالم من “بورصة ول ستريت” إلى “تونس ومصر…” جعلت المفكرين والفلاسفة يعيدون التفكير في مهنة الجمهورية وفي هدفها وفي مشروعيتها وفي عدالتها وقوانينها فالأحداث برهنت على أن الناس لا يعاملون على خلفية المساواة كما أماطت اللثام على أن القساوة لم تستطع الجمهورية التخلص منه وهو ما يستوجب الرجوع للأخلاق باعتبارها دافع للإنسان إلى أن يشرع ما يكون خيرا وأخلاقيا لنفسه ويتصرف على ذلك الأساس لأنه يؤمن به وليس لأنه يخاف من الوصاية، فما قيمة الأخلاق في ذلك النظام مادامت القوانين لوحدها عاجزة عن ضمان الأمن والعيش والتقييم للآخرين.

العدالة بين الإنصاف والمساواةّ 

تسبر هذه الورقة ما لمصطلحي مفهومه المعاصر الذي يربط العدالة بالمواطنة عبر مفهوم الحقوق، وذلك بعد طول انفصال بينهمارها، من أفالطون وأرسطو ّ هكذا، تستكشف الورقة معالم الطّريق الذي سارت عليه فكرة العدالة في تطو ْك، ل ُ ر المثالي اإلسالمي للم ّ ة والتصو ّ ا بالتو ارة وتعاليم المسيحي ً وزينون وشيشرون والقانون الروماني، مرور وصوًال إلى ثورة الفكر الحديثتكشف الورقة، بشأ ز هنا هو مفهوم “الحقوق” الحديث الذي تأسست ّ الشيء الممي ّ ن العدالة في الحداثة، أن ّع مفهوم العدالة لتقوم على المساواة االجتماعية وليس عليه العدالة في خطوة أحدث. كما تكشف توس ية في الحسبان بوصفها أحد مرّكباتها. من جون رو ّ ة فقط ولتأخذ الحر ّ الطبيعي لز وأمارتيا سن، تدلف لى ما يواجه الفكر العربي من ّصة لدى الطهطاوي( وا الورقة إلى لقاء العرب مع الحداثة الغربية )خا ا )الحقوق المرتبطة بالمواطنة المتساوية، العدالة ً يات ارهنة على مستوى مرّكبات العدالة جميع ّ تحد يات المدنية والسياسية(. وترى أن الم ارحل االنتقا ّ االجتماعية، الحر لية، كالتي يعيشها العرب اآلن، هي ارت النظرية والعملية حولهاّ المناسبات األفضل للخوض في موضوع العدالة وطرح التصو غير أن األهم، واألميز، هو ما تطرحه الورقة من قضية رابعة ال يمكن ألي مفهوم للعدالة في سياق بناء ً الدولة الحديثة أن يتجاهلها، وهي “مسألة الهوية” ا ا بسبب ا من األهمية عربي ً لتي يكتسي طرحها مزيد ّه ظاهرة تسييس الهويات الفرعية داخل الدولة في خضم الص ارع ضد االستبداد، وضرورة معالجة ذلك كل ًضا ًا عن نظرية ال تنظّم العالقة بين مبدأي المساواة والحرية فحسب، بل تبحث أي في سياق مستنير، بحث ّ عن مفهوم للعدالة يشمل جم ية والمساواة، ات، من دون أن يأتي على حساب الحر ّ اعات االنتماء، أو الهوي بل على قاعدتهماالمحتويات 2 ، بدايةً معالم في طريق فكرة العدالة 2 أفكار بشأن العدالة في الحداثة 26 تحديات راهنة أمام الفكر العربي 17 مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر 2 بداي ة، ّ أول ما ينفتح أمامنا عند مقاربتنا موضوع العدالة هو الطريق السهل المؤدي إلى تفسير العدالة بضدهاً وهذه طريقة في التعريف ت ا بالتعريف السلبي ُ دعى مدرسي ، أو السالب )وهو األدق(. وهو التفسير المألوف منذ شريعة حمورابي؛ كون العدالة هي منع الشر الكامن في الظّلم، وذلك بواسطة قواعد مفروضة، سواء ّ أكانت تعاقدية أم ّ ً عقابية. ومن هنا اعتبار العدل كام نا في تطبيق هذه القواعد، سواء أكانت أعرا ً فا أم قوانيناذا رغبنا في تجاوز ذلك إلى المعنى الموجب، فإن األسهل لنا أن ننطلق أوًال من معنى لفظ العدالة و كمصطلح )قبل أ ا مبلو ً ً ن تصبح مفهوم را في نظريات( لنجد أنه يقع في حقول داللية متقاطعة مثل التساوي، و المعاملة بالمثل، والمالءمة، ّ واالستقامة، وغيرها من الدالالت التي يتضمنها اللفظ العربي؛ فلفظ ” ل” بالعربية معناه ناظ عاد ر أو شاب ًض ه، وهو يعني أي ا وازن، و” ل ّ ّ عد ” الشيء أي صححه وجعله مستقي ً ما، َّي ومن هنا ارتباط مقولة شهيرة من مأثور عمر حول تقويم االعوجاج بالعدالة: “من رأى منكم اعوجاجاً ف فليقومني”. االستقامة والعدالة في مقابل الظلم واالعوجاج. وكذلك نجد الزيغ و الميالن والهوى، في مقابل ًضا من ال يميل به الهوى العدل. فالعادل هو أي ّ حين يحكم بين خصمين، أو حين يط بق القواعد ّ االجتماعية المانعة للشردل في حتى فعل ع ” ّى عن فعل، أو تراجع عن القيام بأمر أراد القيام به، إنما يفيد دل عن” بمعنى تخل ع معنى التفكير باألمر ووزنه قبل القيام به إلى درجة رجحان العدول عنه. ويقول ابن منظور في لسان العرب ْ : “إن العدل هو ما قام في النفوس أنه مستقيم”. وعكس العدل في العربية هو الجور أو الظلم، وليس الـ”ال-عدل” كما في اإلنكليزية؛ ففي تلك اللغة نجد في مقابل كلمة justice كلمة injustice. ّ وقد صنف لسان العرب االستخدامات القرآنية للعدل كما يلي: العدل في الحكم، قال اهلل –تعالى-: ﴿ َ ْن ي َ ب ْ ُم ت ْ َ َكم َِذا ح ا َ و ّ المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات 1 ِل ْ د َ وا ِباْلع ُ ْ ُكم َح الَّنا ِس أَ ﴾ ْن ت 2 ، والمقصود هنا طب ً عا الحكم بين الناس ال حكم الناس، أو السلطة عليهمُ الحكم هنا هو القضاء في مفهومنا المعاصر. كما نجد في القرآن العدل في القول ﴿ وا ل دِ ْ فَاع ْ ُم َِذا ُقْلت ا َ و ﴾ 1 ، ْ والعدل بمعنى الفدية: ﴿ ل د َ ا ع َ ْه ن َ ُل مِ ْقب ُ َال ي و ﴾ 3 َ ، والعدل في اإلشراك﴿ ُون ل دِ ْ ع َ ي ْ ِّب ِهم َ وا ِبر ُ َ َكفَر ين ثَُّم ﴾ الَّذِ 7 أي يشركون، وأ ّ َ ما قوله – تعالى-: ﴿ ْن ي َ ُوا ب ل دِ ْ َع ْن ت وا أَ ُ ِطيع َ ت ْ َس ْن ت َ ل َ و ْ ُم َ ْصت َر ْ ح َو ل َ ِء و ا َ الِّنس ﴾ 5 وذلك في ً التحفظ القرآني على تعدد الزوجات المتاح شرع يا مع واجب العدل بينهن، مع استحالة العدل بين النساء، و ال سيما في توزيع الزوج لواجباته الزوجية بين النساءُ ًّا باعتبار أن المفاهيم ال ت هامشي ّق ا من األلفاظ، ولكننا نتعامل وقد يعتبر المرء هذا األمر ً شت فيلولوجي هنا مع لفظ له تاريخ في التحول إلى مصطلح؛ وحتى في ترجمة dike اليونانية إليهوهذا التاريخ العريق والعابر للثقافات والحضارات لمفهوم العدل والعدالة هو في رأينا جزء من المفهوم المعاصر، من منطلق التاريخ البحت لألفكار ّ التي يت ا ً ً سم انتقالها جزئي أ ا و كلي ، أو بروز أحد عنصرها، ًض بتعقيد شديد. وهو ما يختلف الباحثون في تعريفاته، ليس فقط ألنهم يختلفون في المنهج، بل ألنهم أي ا ّ يختلفون في المواقف ة القيمي ، أو المعيارية. ومن حقنا، بل من واجبنا أن نأخذ المصطلح العربي بجدية، إذا أردنا أن نتعامل مع سؤال العدالة في السياق العربيّكل القانون صلبها، وذلك باستخدامه ابتدأ تاريخ هذا اللفظ كمصطلح مع نشوء مفهوم الشريعة التي يش للتدليل على التعامل بالمثل من العين بالعين والسن بالسن في شريعة حمورابي، حتى الداللة على “إعطاء 2 القرآن الكريم، “سورة النساء،” اآلية 56. 1 المصدر نفسه، “سورة األنعام،” اآلية 251. 3 المصدر نفسه، “سورة البقرة،” اآلية 213. 7 المصدر نفسه، “سورة األنعام،” اآلية 2. 5 المصدر نفسه، “سورة النساء،” اآلية 219مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر 3 ّه كل ذي ح ٍق حق “، وهو المجال الداللي الذي يشمله اللفظ العربي. وال شك أن في إعطاء كل ذي حق ًضا من بقايا د ُ حقه بع اللة التعامل بالمثل، فما يفترض أ ّهُل مع حق ن يعطى لإلنسان هنا يتماث وقد يتعّذر التوفيق بين داللة التساوي والتعادل الكامنة في خصوصية اللفظ، وبين مفهوم العدالة القائمة ّ على الترات بية الهرمية في عصور ماضية، مثلما يبدو التوفيق بين االمتيازات والحرمان القائمة في األنظمة االجتماعية السياسية التراتبية ا ً عسير. فحتى بداية العصر الحديث -ونفكر هنا بالتاريخ الغربي- لم تعن العدالة تساوي المواطنين في الحقوق أو في الواجبات. ومفهوم الحقوق المرتبطة بالمواطنة هو بحد ذاته ً مفهوم حديث. بل على دفع ولم يتكون دفعة واحدة ات استغرقها تطور تاريخي طويل. و التالي، لم يكن ا ً مفهوم ا يتكون باستم ارر في سياق التطور التاريخيً ا بل مفهوم ً ن ّ مكو و حتى حين طرحت األرستقراطية ًال( فإنها كانت تقصد امتيازات اللوردات. ليست مسألة الحقوق في العالقة مع الملك )الم ْغناكارتا مث المواطنة مفهو ً ّال بمضامينها الجديدة( وال العدالة مفهوم حديث. ولكن ربط العدالة بالمواطنة ًا )إ ما حديث عبر مفهوم الحقوق هو الحديث في مفهوم العدالة. وهنا يكمن جوهر ثورة عصر الحداثة في تصور العالقة بين المواطن والدولةقامت ظُ ُ ثلها النظام ّ ن م ما قبل الحداثة على التراتبية المولودة كأساس لالمتيازات أو غيابها، و كان يم اإلقطاعي” الفيودالي” الفرنسي بتراتبيته المعقدة و امتيازيته الشديدة، وانبثق عنه نظام من الحقوق واالمتيازات التراتبية هو نظام االمتيازات االجتماعية والتراتبية ما قبل الثورة الفرنسية. وضد هذه الهيئات” الفيودالية” قامت الثورة الفرنسية، ضد ما نعنيه اليوم ّ بمبسطاتنا “النظام اإلقطاعي”. لقد كانت ثورة على ً نظام” فيودالي” كامل. تعني العدالة غال با تالؤم حصص مختلفة من المنافع أو الخيرات )goods) 2 مع المراتب والطبقات المختلفة، وكذلك في االمتيازات اإلقليمية، مثل إدارة األقاليم، وتلك الممنوحة للبارون، أو ّ األمير، أو الوالي في تسيير الشأن العام في منطقته أو في مجاله. و تتالءم مع ذلك ة حتى إج ارءات عقابي مختلفة تتواءم ومرتبة اإلنسان ومنزلته االجتماعية. لكن العدالة لم تعن فوضى االختالف؛ فثمة نظام ًض مضبوط من توزيع الحصص في الثروة والجاه والسلطة والوالء أي ا. وال شك أن الفارق بين العدالة 2 ليست ترجمة Goods نما خي ارت أو منافع، أي حصص في الثروة والجاه، وذلك ب هنا سلع، وا حسب تعريف الخيرات في تلك المجتمعاتّ المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات 7 وغيابها كان في مدى االلتزام بقواعد تدير الفوارق هذه بين الطبقات، أو الطوائف االجتماعية )بمعنىّ estates )رها أو تدب ؛ العدالة هنا تعني تدبير معقول للتراتبية، كما أنها كانت تعني سريان نوع من المساواة والتعامل بالمثل بين من ينتمون إلى الفئة المرجعية نفسها: منزلة اجتماعية، طائفة، طبقة… ً ويمكن للباحث أن يختار زاوية نظر يراجع من خاللها تاريخ تطور العدالة منسو با إلى تطّور فئة من الفئات وتوسيعها وتضييقها مثل: فئة األحرار، فئة المواطنين، الشعب، األمة، الدولة، و كذلك إلى انحسار مفهوم االمتيازات مع ع ّ توس هذه التعريفات للفئة التي تنطبق عليها العدالة حتى نصل إلى فكرة الحقوق والواجبات في الدولة الحديثةمفهوم الحقوق هذا مفهوم حديث، وأحدث منه في األدبيات الحديثة تأسيس العدالة عليه. وهذا ما لم يكن ً ممك ا فالمتو افر في مفهوم العدالة عنده هو ذلك األساس الذي يبقى في أي ًال؛ ن أن يخطر ببال أفالطون مث حس أخالقي بالعدالة، وهو الحس بالتناسق، والمالءمة، واالعتدال، والتناظر، وجميعها من الحقل الداللي للتساوي، والتماثل. وهي قائمة في الكون بشكل عام. ولكنه ال يعني المساواة بالحقوق والواجبات بعدفالعدالة عنده هي أن يقوم كل إنسان بو ظيفته بحسب كفاءاته ومقدراته المتالئمة مع بنيته الذهنية والطبيعية، وليس في إطار مساواة في الحقوق أو الفرص أو غيرها. العدالة هنا هي ذلك االنسجام المتحق ق نتيجة قيام كِّل إنسان ا لك بواجباته تبع فاءاته ومرتبته المحددة بموجب ذلك، و بحسب مرتبات في النفس البشرية ذاتها، بحيث ينسجم نسق الكون و بنية النفس و تنظيم الدولةوقد طرح أفالطون في حوارات الجمهورية أغلبية األسئلة والمعضالت التي تشغلنا حتى اليوم بشأن العدالة: هل لها عالقة بمفهوم الخير؟ ما عالقتها بمفهوم القوة والسلطة والقانون؟ ونحن نجد على لسان األفكار المب رة التي يمكن اعتبارها جذو ر النقاش المعاصر الدائر حول قضايا العدالة في ّك المتحاورين تلك أو ال، بدايات نظرية منفعية ل الحداثةً لعدالة على لسان سق ارط تتضمن نوعا من التبادلية أو التعامل بالمثل بين من ينتمون إلى الفئة عينها؛ ا ثاني ، العدالة كتعبير عن عالقات القوى السائدة في المجتمع، كما عند السفسطائيين، أي كمفهوم خطابي )بلغة ما بعد الحداثة(، أو أيديولوجيا بلغة الحداثة؛ وثالث ا، أن العدالة ليست معطًى ا ً وانما هي تدبير مجتمعي لتقييد نزعات طبيعية عند البشر، ومن العدالة أن يطيع طبيعي الناس ما توافقوا عليه، ومن الظلم أن يعصوه. نجد هنا جذور فكرة العقد االجتماعي في تاريخ األفكار المؤسسة على مفهوم القانونمداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر 5 ّ و للعدالة عند أرسطو معنى في سياق المنزلة االجتماعية/السياسية الواحدة، أو في سيا ٍق مرجع ٍّي محددفالعدالة تكون بالتساوي بين الر جال المواطنين األحرار؛ ففي فكره وفكر معاصريه ال عدالة في التساوي ما وسكان مدينةٍ بين الرجال والنساء، و ال بين األحرار والعبيد، دولةٍ أو بين سكان مدينةٍ دولة أخرى. ٍ العدالة هنا تعني التفاوت ال التساويّ وهذا يصح في حضارات ما قبل الحداثة كافة. و قد بقيت آثار هذا ّ الفهم للعدالة قائمة حتى يومنا في عدم نشوء عدالة كونية، إذ إ ن الوحدات المرجعية للعدالة ّ لم تتوحد حتى اليومّ لكن مرجعية العدالة توحدت ّ في الدولة الوطنية على األقل. وكلما توح ُ ّ دت المرجعية التي بموجبها ت حدد ُخ العدالة الموِج ، وكلما ضمر المضمون ازداد وزن اإلجراء. في الدولة الوطنية ازدادت فف مضمونها ب ّ تعريفات العدالة وممارستها إجرائية. لقد ّ خففت الصيرورة التاريخية من المضمون الموحد للعدالة، و ازداد االعتماد على اإلجراءات )الشكلية( أي القانونية العادلة، ولكن ليس من دون مضمون، فقد تثبتت في التر اكم الزمني مبادئ قيمية معيارية للعدالة يمكن التوصل إليها إجرائ ً يا. ومن دون ذلك، ال يمكن فهم التطور التاريخي الذي يقود إلى العدالة في إطار النظام الديمقراطيً لم يعد ممك نا تخ ّ يل عدالة ال تعني تساو ً يا ما بين المواطنين )تساٍو سياسي، أو تساٍو اقتصادي بالفرص، أو تساٍو بالقدرات، أو على األقل تساٍو أمام القانون، أو جميعها(، ولكن حتى يومنا هذا، ال تعني العدالة ً ً ّال عبر عالقة تبادلية ضامرة ج تساويا بين الدول والشعوب إ دا، وال يضمنها قانون في الواقع؛ ولم تستطع حرية التجارة ومنظمتها العالمية أن تحقق العدالة في وصول بلدان الجنوب والشمال إلى منافع متساوية بقدر ما قامت على منظومة جائرة من االمتيازات تخلق خاسرين ورابحين بالمفهوم النيولبرالي للعدالة، وظالمين ومظلومين في نقد ذلك المفهوم. ثم إن العدالة تصبح قاصرة في غالبية الدول حين يتعلق األمر بالتفاوت بين المواطنين وغير المواطنين، وأحيانا حين يتعلق األمر بالفئات المختلفة داخل الدولة ذاتهاً هذا عدا عن أن العدالة التصحيحية، العقابية أو الجنائية التي غال ب ّ ا ما تكون موحدة نظر ً يا في سريانها ّ على المواطن وغير المواطن على األقل داخل الدولة. أ ما محاولة تطبيقها بين الدول، فما زالت حل ً ما، أو أيديولوجيا تفتقر إلى الواقعّ المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات 2 معالم في طريق فكرة العدالة م أرسطو العدالة ّ قس ، بمعنى اإلنصاف في توزيع حصص األفراد، إلى شكلين: عدالة التوزيع وعدالة التصحيح. والحصة المنصفة التي يحصل عليها شخص ما ال تكون بالضرورة حصة متساوية مع غيره؛ فالتناسب بين الحصص يجب أن يخضع للتناسب بين األشخاص. و ذا لم يكونوا متساوين ّال ا فمن العدل أ تتساوى حصصهم. وقد كتب أرسطو في كتاب األخالق النيقوماخية: “إن أصل النزاعات هو في حصول 7 متساوين على أشياء غير متساوية، وفي حصول غير متساوين على أشياء متساوية … يعترف الجميع بأنه ينبغي تطبيق العدالة التوزيعية، على أساس االستحقاق القائم على األهلية، على الرغم من أنه ال يد هذا المعيار ّ يتفق الجميع على نوع األهلية ذاته الذي يمكن أن يقرر االستحقاق. ف عي الديمق ارطيون أن هو منزلة الرجال األحرار، ويقول أتباع األوليغار كية إنها الثروة )وفي بعض األحيان النبل بالوالدة، أو النسب(، أ ّ ما األرستقراطيون، فيقولون إنها االمتياز أو البراعة” 6 . وال يحاول أرسطو أن يحكم بين هذه ل ناسب بموجب عالقة التساوي وعدم التساوي المختلف على معاييرها بين ّك المعايير، نه يتمسك بمبدأ الت األفراد وبين األشياء، كما أسلفنا. و”العادل هو المتناسب، أ ّ ما غير العادل فهو الذي يخرق التناسب” 9 ، أي إذا حصل توزيع للخيرات ونقيضها ّ تحمل ما هو عكس الخيرات أي الشرور أو األعباء(، يجب أن يجري ّ ذلك بما يتناسب مع المساهمات التي يقدمها األفراد، ويحصل الظلم الذي يتناقض مع هذه العدالة عند عدم االلتزام بمبدأ التناسب. 7 يتحدث أرسطو عن عالقة بين أشياء )بضائع

أ ّ ما عدالة التصحيح، فهي في الواقع عدالة قضائية، تصحح عدم التناسب. وهي وسيطة، بمعنى أنها تبحث عن الوسط بين غير متساوين، بين من زادت حصته ومن نقصت. وهي تبحث عن المساو اة في العدالة التوزيعية التي تقوم على العالقات التبادلية الطوعية )ما نس ّ ميه في عصرنا العقود والقانون المدني(. و هنا تبحث العدالة عن الوسط لتصحح الزيادة والنقصان عنه، ولذلك ُ يعتبر القاضي فيها وسيطًاأ ّ ما في حالة التبادلية غير الطوعية، بد ً ءا بالسرقة والغش وانتهاء بالقتل )أي ما نس يه ّ م في عصرنا الحق ّ العام(، فإنها ال تأ ة ة، بل تتعامل مع مساواة مطلقة في قضايا قيمي ّ خذ بعين االعتبار المساواة التناسبي مطلقة مثل الغش والسرقة والزنا وغيرها. و هنا يتم تصحيح الخطأ من دون اعتبار شخصيات الفاعلين والمتضررين، وقيمة مساهمتهم االجتماعية، إذا كانت الضحية من المرتبة ذاتهاُط ق على أي شكل من الروابط بين األشخاص المتساوين ّ على الرغم من أن فكرة العدالة قابلة ألن ت ب يا، فإن الميدان األكثر أهمية لسيادة العدالة هو السياسة ًّ نسب . لقد كتب أرسطو يقول: “والعدالة السياسية 20 ممكنة بين رجال يتشاركون في عالقات متبادلة، ويعيشون حياة مشتركة ويحكمهم عالقاتهم قانونوالقانون يحكم في العالقات واألعمال غير العادلة، حينما يأخذ اإلنسان لنفسه أكثر م ّ ما يستحق من الخيرات، ويتح ّ مل قد ً را أقل م ّ ما يجب من األعباء. ولهذا ال نسمح لرجل أن يحكم، فما يحكم هو القانون، 22 ألن الرجل يتصرف بموجب مصالحه الذاتية ويصبح طاغية ” . و ّ يا )أو قانو ًّا إلى صنفين، العادل بطبيعته والعادل عرفًّ يقسم أرسطو ما هو عادل سياسي ً ويتأثر ّ نيا(. التفسير األ ا ً كثر انتشار ل ر أرسطو للعادل بطبيعته ب ّ تصو ة، والتصو ارت الحديثة ّ ة والمسيحي ّ التصو ارت الرواقي عن القانون الطبيعي. وكلها تتعامل مع القانون الطبيعي كمعيار أبدي وثابت وشامل يمّكن االنسان من ّ الحكم على مدى عدالة النصوص القانونية. الحقيقة أن أرسطو لم يقصد هذا، فالعادل بطبيعته يختلف ارت هذا المفهوم في الفكر الرواقي ّ ّ عن تطو ، ة ا. فقد ً وفي المسيحي ، وفي نظريات العقد االجتماعي الحق انظر: ديفيد جونستون، مختصر تاريخ العدالة، ترجمة مصطفى ناصر، عالم المعرفة؛ 367( الكويت: المجلس الوطني 20 للثقافة والفنون واآلداب، 1021 ،)ص 201. 11 Aristotle, “The Nicomachian Ethics,” 1134a, p. 1790. ّ المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات 6 ً كان لفكرة العدل الطبيعي ورديفه العدل اإللهي دور مهم ج ا د في تبلور الفكر السياسي واالجتماعي الالحق منذ الرواقيةلكن أرسطو يعتبر ما هو عادل ً بطبيعته أم ار ً ّر يا أو قانون متغي ا، مثل العادل عرفًّ ً يا. و الفارق بينه وبين ً قلب تفكير البشر أو أهوائهم. وقد قصد أرسطو التفريق في ذلك ّ العادل عرفيا يكمن في أنه غير مرتبط بت بين العدالة و قواعد السلوك الشائعة التي يع ا عن العدلً تبر خرقها ابتعاد العادل بطبيعته يشير إلى األمور التي نراعيها حتى في غياب مجموعة من القواعد واألعراف. و هي متغير ة كما تتغير األشياء الطبيعية، لكنها ال تتغير بمجرد اتفاق البشر على قواعد مخالفة لها، أو بتغير أهوائهم ومصالحهمً العدالة القانونية هي ما يتفق عليه الناس قانون يا، و ما يجري عليه االتفاق أو العرف. و ّ أما العدالة الطبيعية، فهي أقرب إلى الفعل الناجم عن أحكام خلقية تدفع لرفض الرذيلة والمساهمة في أعمال تدفع بالضرورة عادًال ؛ االعتداء أو الجريمة، وتساهم في إسعاد البشر. هذا بينما العدل العرفي ليس بطبيعته ن التشريع عادًال لكن القانون يصبح عادًال فعًال فكل قانون هو عادل ألننا نتفق على أننا نعتبر ما ينتج م عندما يصاغ بب ارعة وعناية وتعق النظام السياسي ّل. وتظهر التناقضات بين القانون والعدالة عندما يفتقر إلى الخاصية األساسية، وهي بالتحديد العيش المشترك بين أشخاص أحرار ً ومتساوين نسبيا )أي نسبة إلى المعيار الم ف ّ ت ق عليه، كما أسلفنا(. فالعدالة هي القواعد الالزمة لعيش مشترك يجمع أفرا ً دا أحرا ا ً ر ً ومتساوين. ومن دون هذا ال تعني العدالة كنظام حياة شي ئا، فنعود القهقرى إلى معانيها كلفظ، ودالالتها المتعلقة بالتعامل بالمثل. ويؤكد أرسطو أن فعل اإلنسان الحر فقط هو الذي ُ ًال عادًال أو غير يعتبر فع ّ عادل، أ ًا وبشكل مفارق ّال حدوث ما فعل اإلنسان غير الحر فال تنطبق عليه صفة العدالة أو غير العدالة، إ .)incident, contingent) هذه العناصر تظل في رأينا ثابتة كأطر للعدالة السياسية. وما يتغير هو توسع الفئة التي ينطبق عليها هذا ّ التعريف، وتوسع التعريف ذاته، وأقصد تعريف الذوات التي تنطبق عهم ّ عليهم )بتوس من جماعة الرجال األحرار الذين يحكمهم قانون إلى فئات أوسع، مثل المواطنين، ثم المواطنين والمواطنات في دولة وطنية(. ًص يناقش أرسطو في كتابه السياسة موقف أفالطون في الجمهورية في أنه يجب أن يكون ا الحكم اختصا نة، ّ ا لفئة معي ً دائم مثل بقية الوظائف في المجتمع، بما يماثل توزيع الوظائف على أعضاء الجسد ً اإلنساني. ويكتب مقتر ب ّ ا من فكرة السياسة كشأن عمومي، ومؤس ً ً سا لها نظر يا، لكن المهم هنا أنه يبني مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر 9 الفكرة على فكرة التبادلية التي تط ّ رق إليها في كتاب األخالق: “لهذا فإن خالص الدول يكون في مبدأ التبادلية، كما سبق أن نبهت في كتاب األخالق. يجب الحفاظ على هذا المبدأ حتى بين المتساوين واألحرار، ألنه ال يمكنهم أن يحكموا جمي ً عا في الوقت ذاته، ويجب أن يتغيروا في نهاية العام، أو في نهاية مدة أخرى، أو يكون شكل من أشكال التتابع )التوارث(… وهذا ال يتحقق بالمساواة الطبيعية التي ّ ب أن يكون لكل الناس على حد سواء حق ٍ يتمتع بها كل المواطنين، وفي الوقت ذاته فإن العدالة تتطل ً مشترك في ممارسة الحكم )سواء أكان هذا األمر جيدا أم سي ئاُ في مثل هذه الحاالت ينبغي أن تبذل محاولة لمحاكاة االختالف الموجود في األصل بين الناس، وذلك بالتناوب على ممارسة الحكم، وكذلك الخضوع للحكم بين األشخاص المتساوين. من هنا سوف يوجد على الدوام بعض األشخاص الذين ّ يكونون في موقع الحكم بينما يخضع آخرون لل ن لحكام حكم، وسوف يحصل أن يخضع حكام زمن معي 21 زمن آخر األشخاص” . ليس المقصود هنا تداول السلطة بالطبع، بل رفض فكرة أن الحكم اختصاص مقصور على فئة دون غيرها، وتأكيد أن الحكام قد يصبحون محكومين، والمحكومون قد يصبحون حكا ً ما، وأن السياسة في جوهرها شأن عمومي. والناس يتساوون عمو ً ما، أ ّ ما االختالف بين الناس فمتغير، ويستنتج منه ضرورة تغيير الحكام، وليس ثباتهم في مواقعهم كأ َّن الحكم صفة طبيعية في البشر تقابلها صفة طبيعية أخرى في المحكومين. وافتراض الفوارق االجتماعية كفوارق طبيعية هي األساس الفلسفي للتراتبية األرستقراطية الطابع، التي تركت آثارها برأينا في العنصرية عبر العصور. لكنها انحرفت عبر عصور طويلة من االرستقراطية بالنسب العائلي الساللي داخل المجتمعات لتصل إلى التفسير الطبيعي العرقي لالختالف بين البشر، ومن النخبوية الفكرية التي بدأ بها بعض تعليالت حكم القلة األرستقراطية لتصل إلى االنتخاب الطبيعي في بعض نظريات القرنين التاسع عشر والعشرينته في العدال ّ يطرح أرسطو نظري ة في إطار فهمه للفضائل اإلنسانية. ويعتمد مفهوم العدالة عنده على اإلنصاف في توزيع الخيرات واألعباء بين األفراد، وعلى التعامل بالمثل. والتعامل بالمثل هو المنهج الذي 12 Aristotle, Politics, II,” 1261 a.2, in: Aristotle, The Complete Works of Aristotle, vol. 1, p. 2001. ّ المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات 20 بموجبه ُ يحكم على عدالة التوزيع وعدالة التصحيح ا لما هو عادل، فال 23 ً . لكن التعامل بالمثل ليس م اردف يمكن مث على الضرب من أي من الطرفين ًال أن يكون التعامل بين مسؤول ومواطن بالضرب ّ كرد وعندما يقوم واقع هرمي غير متكافئ ال تكون العدالة تعامًال بالمثل، بل تجري مناقشة فكرة التعامل بالمثل )وهي في صميم نظرية العدالة عند أرسطو( بناء على ارتباط “الحقوق والواجبات” في بيئة المواطن، و بناء على منزلته االجتماعية، والطبقة التي ينتمي إليها. التعامل بالمثل ليس تبادًال ألشياء ذات قيمة متساوية وانما هو منسوب إلى عدم المساواة بين األشخاص؛ فهو تبادل عادل إذا كانت األشياء المتبادلة يا، ًّ حساب تتناسب مع االستحقاقات أو المؤهالت، ة التبادل. إن المفهو ّ أي مساهمة األط ارف في عملي م الجوهري ًّا ّال على عالقات التبادل المتناسب بين أشخاص متساوين نسبي 27 وغير المشروط للعدالة ال ينطبق إ . هل يعني هذا أن العدالة هي التفاوت، ا، وتحولها ً وبالتالي فقدان معنى الكلمة تمام إلى د تعبير ّ مجر عن ً عالقات غير متساوية بين القوى السائدة في مجتمع من المجتمعات؟ إذا صح ذلك، فلن يكون، تالي ة ّ ا، ثم فارق بين العدالة والظلم. هذا ما يعتقده بعضهم. وهذه مقولة عدمية معروفة نجدها عند أحد متحاوري ًض جمهورية أفالطون، ويصو غها نيتشه أي ا من جديد في أصول القيم وما وراء الخير والشر لتالئم التعبير عن أزمات الحداثة. تصبح العدالة هنا مجرد انعكاس لعالقات القوى القائمة اجتماع ً يا. وهي في تحليل آخر بنية فوقية، و أداة في تبرير النظام السياسي، أو الطبقي، القائم وتكريسه )مثلما هو مفهوم األيديولوجيا عند ماركس(، ومن هنا تصبح العدالة إ ّ ما غير ممكنة في نقد للحداثة، ا ّ م وا ممكنة في نقد ّ آخر إذا أُلغي قت المساواة المطلقة والكاملة، ومعها الحريةالتقسيم الطبقي، وحتى تقسيم العمل، وتحق ً ولكن ال، ا هذا ليس صحيح ؛ فالعدالة ليست التفاوت ذاته، وال هي إلغاءه، بل هي قائمة فيه، أو للدقة إذا أردنا استخدام فهم أكثر حداثة، هو قدرة اإلنسان على اإلحساس بالعدالة حتى في النظم التي تتضمن تفاو ً تا، بحيث تتضمن الصيرورة التاريخية صرا ً عا دائ ً ما مع مظاهر الظلم في هذا التفاوت. 23 المصدر نفسه، ص 66. 27 جونستون، ص 90 – 92مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر 22 لقد كانت البداية تاريخ ً يا ممكنة فقط ألن التفاوت يشمل تساوي الشيء مع ذاته، كما أن العدالة في التفاوت تعني نظا ً ما ما من العالقات التبادلية غير المتساوية، ولكن المحددة بين غير متساوين. والعدالة كانت بدايةً قائمة في هذا التساوي بين المتساوين، و في عدم تساوي األشياء المختلفة ولكن من خالل نظام ما يحدد نو ً ّعه. ولكن من هنا انطلق تطور العدالة إلى آفاق أرحبعا من التبادلية يمكن تو ق وانما يبدأ ك َّل تساٍو بتساوي الشيء مع ذاته. فإذا قلنا ليس هناك مساواة بين ال تفقد العدالة معناها، األحرار والعبيد، فهذا يعني غياب العدالة في عصرنا، ولكنه ال يعني غياب أي استخدام للفظ العدالة في ذلك العصر يم يزه من الظلم بقدر ما يعني أن داللتها كانت مختلفة؛ ألن غياب العدالة بشكل مطلق ّ وضياع حسها عند البشر يعنيان غياب المساواة بين األحرار واألحرار، و بين العبيد والعبيد. وسياق المفهوم التاريخي في حينه هو تساوي األحرار مع ذاتهم، وتساوي العبيد مع ذاتهم، وليس تساوي العبيد ً واألحرار؛ فهي ال يمكن أن تعني غياب أي تساو ا ّق بإدارة الشأن العام ي بين األحرار أنفسهم. وفي ما يتعل ّ مث ت ًال، كان الديمق ارطي ّ ة األثينية تعني مساواة المواطنين مع ذاتهم، وهذا يعني مساواة في العضوية السياسية في الجماعة، أي داخل فئة المو اطنين، وهذه كانت العدالة. ولكن من منظورنا المعاصر للعدالة، ً عادًال، وهذا ما لم ا لم يكن تعريف المواطن نفسه يكن ممكن أن يخطر لألثينيين على بال. والحقيقة أن المواطن في حينه لم يعِن ما نعنيه اليوم بالمواطن، فهو ليس الفرد في عالقته مع الدولة، بل هو عضو ُ في الجماعة ّق ، بحيث ت شت حقوقه وواجباته من هذه العضوية. لم يكن ثمة حقوق وواجبات لصيقة باإلنسان الفرد بما هو فرد مولود في كيان سياسي، بل كانت امتيازاته وواجباته مشتقة من انتمائه إلى فئة محددة، قبيلة، طبقة، مواطني مدينة… و ّ طًا بالفرد والحقوق والواجبات، و يتوسع لقد توسعت شمولية مفهوم المواطن ليصبح هذا المفهوم أكثر ارتبا ليشمل ً ًض أف اردا كان يقصيهم، فاختلف معناه أي ا؛ ففئة المواطنين في حينه ا لم تشمل ً لم تشمل الم أرة، وطبع ا، ً السكان الذين ال يملكون شيئ ولم تشمل العبيدًذا ّ هنالك إ داللة تميز العدالة، وتجعل حدسها واإلحساس بها ممكنين. د ّ وهي ليست مجر انعكاس لموازين . فموازين القوة تتح ّكم في القوى كما ذهب نيتشه، وتبعه في ذلك مزاج المفكرين ما بعد الحداثيين ّ ممارستها، وكذلك في شموليتها. وال هي أيديولوجيا وبنية فوقية تعكسان البنية االقتصادية للمجتمع فحسب، فالعدالة تحمل في داخلها عبر التطور التاريخي ا ً دائم فكرة التساو ي والتعادل، على الرغم من التقلبات التاريخي ق المع ّ ّع وتضي ة وتوس نى الذ ّ ّال فإنها ال تختلف عن الظلم أو الجوروا ي تعرضت له، ّ المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات 21 إنها تحمل دائ ً ما معنى ما يفترض أن يتماثل، ويتناظر، ويعتدل، ويتالءم مع ما يفترض أنه صحيح في ًض الحكم على األشياء. ولكنها ليست أي ًال ا مثا ً مطل قا، ونموذ ً ّ ج ا مجر ً دا يمكن تنفيذه مثل خطة كونية على المجتمعات بحيث ال تأخذ بعين االعتبار الطبيعة البشرية ذاتها، بل هي حكم أخالقي ناجم عن إحساس ّخل في النظام السياسي واالجتماعيبها ويتد وقد عنى هذا في تطبيقه على المجتمع ما هو عكس الظلم والجور، باعتبار األخير خرقاً لما هو حق بحسب العرف السائد عمو ً ما، أو بموجب العدل الطبيعي )وهو معرفة ما هو صحيح في سلوك اإلنسان، ّض بغ النظر ا ّ عم إذا وجد عرف أو قانون أم لم يوجد( أو بموجب اإلرادة اإللهية، وهذا هو األهم في مراحل تاريخية محددة يهمين فيها الفكر الديني، ويحتل محله الحق الطبيعي في الفكر الحديث. والحق الطبيعي في رأينا هو علمنة للحق اإللهي يشترك معه بوجود تصور لعدل متجاوز للواقع أو سابق عليهّة” اإلنسان الطبيعية وجوهره استخدام مفهوم حالة الطبيعة لتقرير حالة المساواة والعدالة المنقوشة في” جبل األولى. وهذا هو جوهر المفهوم الروسوي، كما هو مضمون الراية الفكرية العظيمة التي رفعها عمر بن الخطّاب: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أ ا” ً ًا” في زمان ح ارر . فلقد كانت راية الخطّاب “حادث بداية العصور الوسطى، وتتجاوز مفاهيم العدالة في زمنها. وطب ً عا ال عالقة لهذه الحرية الطبيعية التي يولد معها اإلنسان في رأي عمر بمفهوم الحرية كقيمة؛ فاإلنسان، في رأينا، ال يولد ح ً را. الحرية التي نقصدها، و هي التي سوف تدخل الح ً قا في مفهوم العدالة، ال تولد مع اإلنسان، بل هي حرية ُ تكتسب الحاجة إليها بالوعي، وتطبَّق اجتماع ُ ً يا وسياس ً يا، وال تمارسها الكائنات الحية طبيع ً يا. فالعصفور ليس ح ا ً ر، ًا لما يظهر في االستعارات األدبية، وكذلك ال يولد اإلنسان ح ً خالف ّال را، وما كالم عمر بن الخطاب إ استعارة، أو فرضية معيارية الطابع من نوع فرضيات الحالة الطبيعية في نظريات العقد االجتماعيّ ومشكلة التصورين النيتشوي والما بعد حداثي من جهة، والماركسي من جهة أخرى، في عدم أخذهما بجدية أن أصل العدالة كمعطى موضوعي )طبيعي أو إلهي( يعتمد على وجود حس أخالقي بالعدالة لدى ّ جزء من الناس على األقل ن مم يمكننا أن نس ّ ميهم أحرا ً را ينفرون م ّ ما هو غير عادل. وهؤالء هم الذين يتصورون العدل الطبيعي، ولكنهم يقصرونه على تصورهم هم، ويقطعون صلته بتصوراتهم الخلقية الذاتية. ولذلك ما زلت أعتقد أن عدم وجود “علم أخالق” لدى فكر محدد يحجب عن هذا الفكر إمكانية أن ًال. يتحول إلى فلسفة سياسية فع مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر 23 و كما يبدو لنا بمنظور تاريخي، ربما كان “علم األخالق” دافع المعتزلة الذين س ّ موا أنفسهم أهل العدل والتوحيد، إلى المساواة بين اهلل والحق، وبين اهلل والعدل، بصفة األخير قيمة إلهية عظمى. وهو تمييز ّق بالفصل بين نظامي حكم، العادل والمستبد. فالعدالة ليست مسألة نظام حكم في الحضارة غير متعل اإلسالمية، بل هي صفة ُ يتَّ ُ سم بها في سلوك الح ّكام و المحكومين، أو ال يتَّ سم بها. وال ترتبط بنظام حكم ّنمن نوع معي هنا ظهرت األخالق سمة خلقية ال في نظر المحلل فحسب، بل هي سمة خلقية سلوكية منفصلة عن نظام الحكم ومشخصنة في الحاكم والمحكوم وسلوكهماّصل هذا المفهوم، داللةً قيمةً في وقت واحد، في الخبرة اإلسالمية “المثالية” لالجتماع اإلسالمي مع تأ و “العدل أساس المل ، “ولو دامت لغيرك لما انتهت إليك”؛ ف ْ الحكم، و هي الخبرة التي يلخصها مبدأ ك” ّ مما ال بل فيها ُ ريب فيه أن العدل هو القيمة العليا للتصور المثالي اإلسالمي للمْلك، إلى درجة أن هذا الفهم ق باعتبار السوية في الظلم عدالة، ألن ليس لديه تعريف موجب للعدالة، فهي تتعلق باالستقامة والسوية وتصور العدالة بإحقاق الحق، من دون تعريف موجب للحقوقالعدالة في اهلل جوهر ّ حتمي، تما ً ما مثل التوحيد. و هي في اإلنسان قيمة أخالقية تقوم على الحرية؛ فاهلل ّ عادل بطبيعته وجوهره )وليس ألنه ال يمكنه أن يكون غير عادل، بل ألنه هو قيمة العدل المطلقة(، أ ما ًال بطبيعته، بل في خياراته، ويمكنه اإلنسان، فليس عاد أن يكون ظال ً ما، ومن هنا الحق في محاسبته. إن وان الظلم ر منطب ٍق على اهلليا غي ً ضرورة التوحيد والعدل وتالزمهما هي ما يجعل مفهوم الحرية إنسان ً ا قادر ً المتناقض مع طبيعة اهلل هو الذي يجعلنا نرى اإلنسان حر ا على اتخاذ القرار بين العدل والظلموال شك أن الخالف الكالمي بين القدرية والجبرية والمرجئة، وتطويره عند المعتزلة والحنابلة واألشعرية ا كانا صرا ً ً الحق ً عا ّ سياسيا. أ ما ً فلسفيا، فهو خالف على مصطلحات ال يشترك المتخاصمون في تعريفها؛ فال شك أن فهم كلية القدرة اإللهية تجعل الحنابلة يكف رون من يجرؤ على القول بأن ليس في إمكان اهلل أن يدفع اإلنسان على فعل الظلم، ألنه ال يمكن أن يصدر عنه ظلم، في حين أن التعامل مع اهلل كمطلق العدل ومطلق القدرة تمنع من طرح هذه األسئلة، وتمّكن المعتزلة من نقل النقاش من الميتافيزيقا والالهوت إلى األخالقولكن الناحية القيمية لم تقتصر على المعتزلة؛ إذ اعتقد عدد من السلف من أهل الس ّ نة بقيمة العدل من زاوية أنه حيث ساد العدل فثمة شرع اهلل )كما وضعها ابن القيم(، أو كما نجدها عند ابن تيمية، ويحتاج ّ المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات 27 ّ كثير من مقل دي هذا العالم إلى وقت لهضمها: “إن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، ِ ّ والظلم محر م ُ ًض س مطلقاً ال يباح بحال”. وهو ال يقصر ذلك على تطبيق الشريعة، بل قال أي النا ُ ا: “وأمور في الدنيا مع العدل الذي فيه االشت ار ُك في أنواع اإلثم، أكثر م ُ تستقيم ّ م مع الظلم في الحقوق، و ُ ا تستقيم ان لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: الدول ُ إن اهلل يقيم ة العادلة و ان كانت كافرة، وال يقيم الظالمة وان كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر وال تدوم مع الظلم واإلسالم. وقد قال النبي صلى اهلل عليه ليس ذنب أسرع حم’ صرع في الدنيا و وسلم: ‘ عقوبة في الدنيا من البغي وقطيعة الر ُ ، فالباغي ي ان كان ً مغفورا له مرحو ً ما في اآلخرة … وذلك أن العدل نظام كل شيء. فإذا الدنيا بعدل، قامت، و ُ أقيم أمر ان لم يكن لصاحبها في اآلخرة من خالق، ومتى لم تقم بعدل، لم تقم، وان جز كان لصاحبها من اإليمان ما ي ى ُ 25 به في اآلخرة” . في هذا التصور، كانت تتردد فكرة أن الحكم قد يدوم مع الكفر لكنه ال يدوم مع الظلم. ومازالت حتى اآلن تتردد أصداء الحكاية التيمورية الشهيرة عن التفضيل بين حاكم كافر عادل وحاكم ظالم مسلم لمصلحة تفضيل الكافر العادل. وجوهر ذلك أن العدل يحقق أحد أهم مصالح ال دين وكلياته التي هي مصالح االجتماع نفسه. ولقد كمن فهم مقاصدي مبكر في هذا الفهم يتجاوز حدود الوسائل والقياسات قبل أن ً يصاغ ا في المدرسة المقاصدية، و فقهي ال سيما لدى ألمعها، الشاطبي الذي أعطاها مداها، مع أنه تبقى للمقاصدية حدودها وتناقضاتها إن لم تتلقح بالمفاهيم الحديثة. وفي تاريخ السرديات اإلسالمية الكالسيكية ُضرب األمثلة للتاريخ اإلسالمي يحضر عدل الخليفة والحاكم كقيمة عليا باستم ارر، وت “المناقبية” به، وتضطلع بدور مهم في تقييم دور الخليفة أو الحاكميقول ابن تيمية إن العدل في الدنيا ممكن في ظل حكومة غير مسلمة؛ ففي ظل حكومة عادلة، ولو كانت غير مسلمة، تستقيم أمور الناس في الدنيا أكثر م ّ ما تستقيم في ظل حكومة ظالمة، ولو كانت مسلمة. والعدل )نعم حتى العدل اإللهي( قائم في األولى أكثر ّ مما هو قائم في الثانية، أ ّ ما اإليمان فغير أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، “الحسبة،” في: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، 25 مجموع الفتاوى، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، 12 مج )بيروت: دار الكتب العلمية، ]د. ت.[(، مج 22 ،ج 16 ،ص .26 مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر 25 ّال إذا كان عادًال فعًال، وهذه صفة قد كاف إلقامة العدل في الدنيا، وال يقال عن صاحبه أنه عادل إ يستحقها غير المؤمنين، أ ّ ما المؤمن فيجازى على إيمانه في اآلخرةَ ٰى لكن العدل الذي يقصده ابن تيمية هنا هو المقصو د في اآلية ﴿ ِت إِل َا ان َ ْألَم َُؤُّدوا ا ْن ت أَ ْ ُكم ُ ر ُ أْم َ ي َ إ َّن اللَّه ِل ْ د َ وا ِباْلع ُ ْ ُكم َح ْن ت الَّنا ِس أَ َ ْن ي َ ب ْ ُم ت ْ َ َكم َِذا ح ا َ ا و َ ِه أَ َّن ْهل إِ َ َّم الل ا َّه عِ ِ ن ْ عِظُُكم َ ي َّن ِ ِبه إِ َ اللَّه َ َكان ا يع مِ َ س ا ِصير َ ب ﴾ 22 . ونحن نعتقد أنه يقترب من أحد مفهومين للعدل، ا ّ إم أخالقي ما ً وا إجرائي؛ إذ ال مضمون جوهريا عنده في حالة دولة اإلسالم سوى حكم الشريعة كما يفهمه. وهو يفترض أن العدل ممكن عند حاكم غير مسلم، أي ّب تطبيق من دون حكم الشريعة، ومعنى أن العدل ممكن عند حاكم غير مسلم هو أن العدل ال يتطل الشريعة، و التالي ليس عنده مضمون مو َّحد للعدل. وهو ال يعني بالضرورة المساواة مث ًال، ّال تعّذر علينا وا التوفيق بين موقفه هذا وبين إصراره على رفض أي نوع من المساواة ألهل الذمة، ومنعهم من إظهار ً دينهم، واعتبار إذاللهم متوافقا مع العدل كما يقتبس الخليفة عمر بن الخطاب في قوله: “وكان عمر بن . العدالة هنا ال تعني المساواة، بل تقتضي عدم 27 الخطاب رضي اهلل عنه يقول أذلوهم وال تظلموهم” المساواة بين المسلم وغير المسلم. ونحن نرى ذلك على طول الجزء المس ّ مى “السياسة الشرعية” في مجمع الفتاوىيمكن مناقشة هذا األمر في مجلدات. ولن تنفع االقتباسات كلها من دون فهم الفارق في الموقف؛ فثمة فارق جوهري بين أن يؤمن اإلنسان بقيمة العدالة التي يمكنه تحديدها أخالق ً يا، وبأنه إذا سادت ساد شرع اهلل من جهة، وبين أن يؤمن اإلنسان بتفسير مع ّ ين لشرع اهلل وأنه إذا ساد هذا التفسير تكون العدالة من ُ دون تعريف أخالقي قيمي للعدالة سابق على هذه التفسيرات. هذا فا رق جوهري بين مواقف وال ي ح ّل بالنقاش مهما يطُل، ومهما ُ ك يس ب عليه من مداد. ونحن ال نعتقد أن ابن تيمية كان في وارد وضع تعريفات معيارية للعدالة، أو وضع نظرية في العدالةال، رفض فكرة وجود تكمن الثورة التي أحدثها الفكر الحديث منذ نظريات العقد االجتماعي في: أو ّ المساواة طبيعية بين البشر تبرر الفارق بين حاكم ومحكوم بها وحدها، و قد رأينا أصل هذا الموقف في الفكر اليوناني عند أرسطو ؛ مث ثان يا، في ل ّ تخي المساواة بين مختلفين، وليس فقط بين متساوين؛ ثالثا، في القدرة على رؤية فكرة اإلنسان كمرجعية لفكرة العدالة، و مفادها أن البشر متساو و ن بطبيعتهم، وأن الفوار ق الطبيعية بين البشر ال تؤسس لجعل بعضهم ا و ً أح ارر بعضهم ا ً اآلخر عبيد ، وهذا ما ال نجده عند أرسطو، ونجد بدايته في الفكر الرواقي الذي أبقى لإلنسانية فكرة األخالق الكونية التي جسدتها مقولة زينون أن “البشر أخوة في اإلنسانية” أربعة قرون قبل المسيحية، ثم في المسيحية ذاتهاا، ً تاريخي تفاعلت فكرة المساواة الطبيعية بين البشر مع فكرة الحرية وتأسيس اجتماع مدني يتساوى فيه ُ باالجتماع السياسي، أو بالمواط نة. ولكن هذا التفاعل لم يمنح االهتمام الكافي؛ فقد بدت فكرة المساواة متنافرة مع فكرة الحرية في األيديولوجيات. ولكن الحرية هي بدايةً عكس العبودية، أي عكس عدم المساواة بين البشر اً ا واآلخر عبد ً ر أن يكون إنسان سيد ّ . والمساواة الطبيعية بين البشر تعني أن الطبيعة ال تبر وا ضد الظلم عبر التاريخ ل العدل ن النضال ّ هو الذي حو من فضيلة إلى مجموعة حقوق منصوص عليها؛ و ما لبث أن ّ ّ حول الحرية من نقيض مجرد للعبودية، بمعنى أن الحر هو رجل ال يملكه رجل ، إلى حرية موجبة ذات مضمون يتجاوز نقض العبودية في مواطني المدن في العصر الوسيط، ثم 26 آخر إلى حرية التعاقد في عقود قوانين السوق، إلى ات سياسية” ّ “حري يملكها رجال ونساء في مفهوم المواط نة المعاصرذا كان وا ت فكرة المحكومين والحاكمين بالطبيعة مرفوضة عند أرسطو، فإن تصور المساواة الطبيعية بين يث بالكامل، وال هو فكرة علمانية قائمة بذاتها منذ نظريات العقد االجتماعي، بل ً البشر لم يكن بدوره حد ا علمنة لفكرة دينية متعلقة بتساوي المؤمنين أمام اهلل مع صعود المسيحية في صراع مع الالهوت العبري القديمو حتى هذه الفكرة الدينية المتعلقة بـ”اإلنسان كإنسان”، لم تكن أي ًض ّ ا دينية خالصة، بل نتاج تطور تاريخي ّ طويل. العدالة في التوراة )أو كما يس ميها المسيحيون العهد القديم، والمقصود العهد القديم بين اهلل الحديث في شؤون الحرية والتحرر ظل لفترة طويلة يتناول الرجال فقط. ومن هنا، ليس من قبيل المصادفة أن نكتب 26 “رجل” وليس “إنسان“. مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر 27 وشعبه( ال تخرج عن سياق ا ً العصور القديمة عموم ، فهي عدالة تنطبق على شعب، أكان هذا الشعب ًّا أم ة إثني ّ ّ طائفة ديني أو غير ذلك. أ ً ما في العالقة ب ا، الشعوب األخرى جماعةً وأف ارد فال تسود العدالة، وال وانما يسود الص ارع وشرعة القتل، و يسود الغدر والخداع المتاحان في الحروب حتى التعامل األخالقي، عمو ً ما. ن وا داللة “دار الحرب”، بمعنى قانون الحرب الذي يسود مع “اآلخرين”، وردت أو ًال وقبل كل شيء في التعامل مع غير اليهود في التوراة من الكنعانيين والفلسطينيين والعماليق. ولست بحاجة إلى تقديم اقتباسات بشأن تبرير إبادة الشعوب في التوراة كأمر إلهي، و حتى قتل من يرفض المشاركة فيها من شعب “يهو ه” نفسهّعات ّ وفي السياق المتوسطي، ر عند زينون مؤسس المذهب بدأ هذا الموقف بالتغي الرواقي، ثم بالتطل التوسعية لإلمبراطورية الرومانية، وتمثله تنظيرات سيسرو )شيشرون بالترجمة العربية( الذي يجعل تعريف الكائن البشري ا ً كة العقل، والقدرة على للبشر عموم شامًال ، وهو ارتفاعهم كبشر عن مملكة الحيوان بمل لكة، وكذلك في مجال الفضيلة. التفكير واالستدالل المنطقي من دون أن تكون لديهم مساواة في هذه الم كة العقل والفضيلة، وهذا ما يرفع بعضهم وهذا يعني أن التساوي الطبيعي بين البشر ال يعني التساوي بمل ًض فوق بعض عند أرسطو أي اّض ولكن كما يؤكد سيسيرو، “ما من شخص، بغ ة التي ينتمي إليها، ال يستطيع الوصول ّ النظر عن األم ، أي إن التهذيب والتعليم يمكنهما أن 29 إلى المستوى المطلوب من الفضيلة إذا تلقى مساعدة من مرشد ما” يساعدا اإلنسان في تجاوز الفوارق في العقل والفضيلة. لقد قال هذا قبل عصر التنوير األوروبي بقرون ا لذلك، ا )وليس المواطن ً ً عديدة. وطبق ّعامل مع البشر ألنهم جميع فإن العدالة متعلقة بالت و ن فقط( قادرون على اكتساب مفهوم العدالة. ويقول سيسرو: “نحن مجبرون بطبيعتنا على أن نكون عادلين في تعامالتنا ّض مع اآلخرين، بغ النظر ع ّ ما إذا كنا نشترك معهم في رابطة سياسية أو هوية، وهم بدورهم مجبرون ًضا على أن يكونوا عادلين معنا من ناحية أخرى” أي . وهذا فكر إمبراطوري روماني يخرج من حدود، حصص، مزايا( وأشخاص. فاألشخاص يمكن أن يكونوا متساوين ّن، أو غير متساوين، وكذلك األشياء، وهو ما خلق أربعة أنواع من العالقات في ما بينهم، اثنان منهما بموجب معيار معي بان ن ازعات

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *