دراسة اشكال العنف بين الحقيقة والخيال في مادة الفلسفة الثانية باكلوريا

لقد نبأ الانسان اشكالا متنوعة  و متعددة من القساوة لدرجة يصعب معها الكشف عن مغاير مظاهره و تجلياته عبر الزمان الماضي .  عندما يتم التفكير في تجربة القساوة . يجد الانسان ذاته في مُواجهة قساوة مشروع و اخر غير قانوني . فالمشروعية هنا ما هي الا مسعى لضبط القساوة و تقنينه.انها ارادة مؤسساتية تحاول الى الحفاظ على استمرارية المجتمع وتوازنه .  سواء معلق   الامر بما هو داخلي او خارجى .                                                                                        .                                                                                                       

الطرح الاشكالي

بدا القساوة لدى الانسان عضليا و انهى رمزيا وعقليا. بمعنى انه اتخد اشكالا متنوعة و متعددة عبر تاريخ البشرية.وهده السيرورة تعكس نطاق ملازمة القساوة للبشر و صعوبة القضاء عليه او تجاوزه رغم الاشواط التي قطعها الانسان أثناء مسيرته الطويلة.فما طبيعة القساوة? ماهي اشكاله ومظاهره?كيف يتولد القساوة في الزمان الماضي البشري?وهل من حق الشخص او الجماعة احتكار القساوة بدعوى الحراسة عن اعتقاد خاص لما يعتقد انه حق وعدل وخير?                                                                     

المحور الاول:              اشكال القساوة                               

اشكال المحور :      ما طبيعة القساوة  ? ما هي اشكاله و مظاهره ?             

القساوة البدني

اطروحة ايف ميشو (1942) مقال صفحة 141:

هناك اجماع على ان تاريخ البشرية عرف اشكالا عديدة من العنغ بعضها جسدي و بعضها معنوي او رمزي . و يشاهد ‘ايف     شيتو’ ان القساوة باشكاله هو اعتداء من الاشكال الاكثر احتفاء(ندرة التغدية) الى اكثرها ضراوة (الاعدامات)   يعد من ضمن الملامح الفريدة لمجتمعات القرن العشرين . اد حدتث فيه حربان عالميتان تسببتا   في مقتل الكثير من الارواح وانتهت احداهما بما يشبه القيامة النووية (هيروشيما). والعديد من الابادات والعنصرية…).                   

وفي ذلك الحين شارك الريادة التقني في تعديل ادوات القساوة و ادوات حربية اكثر فتكا و تطورا الأمر الذي يزيد ليس لاغير من كمية القساوة لكن   ايضاً من نوعيته و كيفياته واشكاله . يقول ‘ميشو’:”ان هده التقنية المتطورة لا تجعل القساوة في المتناول لاغير. لكن تجعله على وجه الخصوص اكثر فتكا.ووسائل القتل و الجرح و التخريب لا رابطة لها بالوسائل اليدوية المستعملة في الماضى . هدا وتبقى الرابطة بين القساوة و وسائل الاعلام خاصة ال …………….. اد يشاهد ‘ميشو’ انه لا يمكن فصل القساوة عن   وسائل الاعلام التي تنشره و تستعماه متى تشاء و كمى تشاء و تصمت عنه متى تشاء. و المشاهد يتلقى كل يوم الكثير من   المشاهد الشرسة اما في شكل حروب (دولة العراق) .صراعات(سنية و انفجارات ارهابية) . كما ان بعض المذنبين يحاولون  تقليد ما يرونه في الافلام من اجل السطو مثلا على المصارف.                                                     

القساوة الرمزي

موقف’ بيير بورديو'(2002-1930 ) مقال صفحة 143 ك.م:

القساوة الرمزي هو كل اشكال القساوة غير الجوهري (الضرب-الجرح-…) القائمة على الحاق الادى و الالم بالغير من خلال الخطاب او اللغة او التربية. و يعرفه ‘يورديو’ قائلا :” القساوة الرمزي هو دلك الشكل من القساوة الدي يمارس على فاعل اجتماعي بموافقته و تواطئه” اي ان القساوة الرمزي يقوم على تكييف رد تصرف المتلقي لتقبل القساوة اللطيف و يعتبره امرا بديهيا و عاديا ( تقبل المراة لعنف الرجل في وجود مجتمع دكوري) . وبحكم اننا نولد في عالم اجتماعي له ثقافته المخصصة فاننا نتقبل الكثير من الافكار المتداولة (موضع المراة الحقيقي هو البيت) على نحو أتوماتيك دون ان نحس بدلك . و يشاهد   ‘يورديو’ ان القساوة الرمزي – يحقق حصائل حسنة – مضاهاة مع القساوة السياسي – البوليسي – الدي يعتمد الضرب و التعديب من اجل تقصي اهدافه .                                                                                                     

يقول’يورديو’:” ان القساوة الرمزي يمكن له ان يفعل احسن بكثير من القساوة السياسي (البوليسي) . تحت بعض المحددات والقواعد و بقيمة محدد” ويعتقد بورديو’ مضاهاة بين ضربتنا التي قامت بالقضاء نسبة كبرى من فلاحيها في ثلاثين سنةمن دون اقل مستوى قساوة بوليسي في حين التجا التحالف السوفياتي الى اعنف الوسائل لأجل أن يجهز على طبقته الفلاحية .               

ملخص

ان الانسان الدي عرف بانه مفكر. دين. صانع… هو أيضاً عنيف . القساوة يكون اما ماديا فزيائيا ( التعديب – الضرب- …) او قساوة رمزي يتمثل في الحاق الادى و الالم بالغير عبر الخطاب او التربية او القساوة الديني

مجزوءة السياسة – دروس الفلسفة للسنة الثانية باك  Doros-2Bac

إن قد كانت أشكال القساوة تظهر لنا جلية وجلية في جرائم القتل، الحروب، الإبادة العنصرية، الإرهاب، العدوان… عن طريق الصورة وتقنيات التواصل والإعلام، فما إن يبدأ المرء في التفكير والتأمل في طبيعة السلوكات الشديدة، حتى يكتنف ذلك الموضوع التعقد والغموض، من حيث تعدد وتنوع أنواع ذلك القساوة، من قساوة جوهري محسوس، إلى قساوة آخر رمزي غير جلي. بالإضافة إلى الدور الذي لعبه في الزمان الماضي وتجليات ذلك الدور. وفي النهاية الرابطة المضطربة التي تربطه بمسألة المشروعية. وهو ما يمكن التعبير عنه عن طريق تلك الأسئلة

ما هي أنواع القساوة إذن؟

كيف يعمل القساوة على رسم مجريات الزمان الماضي الإنساني؟

هل القساوة تصرف مشروع؟ أم أنه يفتقد لأي مشروعية؟

أولا: أنواع القساوة

أ– القساوة الجوهري

إن الحرب كأعلى شكل من أنواع القساوة الجوهري – في نظر كارل فون كلوزفيش – هي مجموعة من المعارك تتركب من عدد لا مقيد من الاقتتال الفردي الذي اتسع لأجل أن يشكل الحرب. إن كل واحد، خلال المشاحنة، يسعى بواسطة الشدة الجسمانية، أن يسقط الآخر ويحطم مقاومته. فالحرب إجراء من أعمال الشدة، نسعى بواسطته إرغام الخصم على الخضوع لإرادتنا، ولأجل أن تتغلب قوة على قوة، فإنها تستعمل كل ما توفره لها العلوم والصناعات من وسائل

إن الشدة الجسمية هي مجرد أداة، أما قصد القساوة – كما يشاهد كلوزفيش – فهي إرغام الخصم على الخضوع

ب– القساوة الرمزي

يعني بالعنف الرمزي كل أنواع القساوة غير الفيزيائي، في نظر بيير بورديو، أي أنواع القساوة القائمة على تسجيل الأذى عبر الخطاب أو اللغة أو التربية أو القساوة الذهني. وهو درجات، حيث يقوم معظمه على تكييف رد تصرف المتلقي ليتقبل القساوة اللطيف، لكن ويعتبره أمرا عاديا، والمثال الأوضح للعنف الرمزي هو الإيديولوجيا والأفكار المتداولة، فانطلاقا من كوننا نولد في عالم اجتماعي، فإننا نتقبل عددا من البديهيات والمسلمات التي تفرض ذاتها علينا بتلقائية وسهولة و لا تكاد تحتاج تلقينا

هكذا يمكن أن يحقق القساوة الرمزي – حسب بورديو – عواقب أحسن الأمر الذي يحقق القساوة الجوهري

ثانيا: القساوة في الزمان الماضي

أ– المناحرة كمحرك للتاريخ

لم يكن تاريخ أي مجتمع، إلى يومنا ذلك، في اعتقاد كارل ماركس، سوى تاريخ المناحرة بين الطبقات: الأحرار والعبيد، الإقطاعيون والأقنان… وبعبارة أخرى المضطهِدون والمضطهَدون، الذين كانوا دوما في وضعية تضاد ومجابهة مستدامة، قامت بينهم حروبا لا تتوقف، معلَنة في بعض الأحيان، وخفية في بعض الأحيان أخرى، حروبا قد كانت تنتهي دوما إما بتحويل جذري للمجتمع برمته، أو بتحطيم الطبقتين المتصارعتين سويا

إن المجتمع البورجوازي الجديد، لم يقض على التشاحن بين الطبقات حسب ماركس، وإنما أحل طبقات حديثة وهي البورجوازية والبروليتاريا، كما أحل أوضاعا حديثة للاضطهاد، وأشكالا حديثة من التشاحن

ب– القساوة الاستثماري

يلعب القساوة دورا بارزا في الزمان الماضي، حسب فريديريك إنجلس، وهذا في ارتباط بالتطور الاستثماري. فيمكن للعنف السياسي أن يعمل لأجل التقدم الاستثماري فترتفع سرعته. كما يمكن أن يعمل مقابل ذلك التقدم، وفي تلك الوضعية فإنه يستسلم بشكل متدرج للتطور الاستثماري، مع بعض الاستثناءات، ففي تلك الحالات ينتهي فيها المناحرة إلى قلب النسق

إن كل قساوة سياسي – في نظر إنجلس – يقوم أصلا على مهنة استثمارية ذات طبيعة اجتماعية

ثالثا: القساوة والمشروعية

أ– القساوة المشروع

يمثل القساوة إشكالية للفلسفة، فيما يتعلق لإريك فايل، أما الفلسفة فهي لا تمثل أي إشكالية للعنف الذي يزيح الفيلسوف من خلاله  متى ما وجده يعوق مسيرته الشاغرة من أي اتجاه. إن القساوة ليس له معنى سوى فيما يتعلق إلى الفلسفة، التي هي أبى للعنف، وإذا كان من السهل أن نجد فلسفة تأمر باستخدام القساوة، لأنها تبينت أن عليها أن تحارب القساوة. بل ذلك القساوة الذي تدعو إليه ليس إلا أداة لازمة لخلق وضعية اللاعنف، حسب فايل، وهذا بواسطة الذهن وفكرة التماسك

ب– لا مشروعية للعنف

إن الملمح الرئيسية للعنف – في نظر غاندي – هي أنه يلزم أن تكون خلف الفكر والكلام والفعل، نية عنيفة، أي رغبة في تسجيل الأذى والألم بهذا الذي يُعد خصما، أما اللاعنف، فهو عدم الحضور الكامل للإرادة السيئة، لكن هو إرادة طيبة تجاه كل ما يحيا، إنه حب متكامل. إن اللاعنف ليس تخليا عن كل صراع حقيقي مقابل الشر، لكن هو مناهض للشر بكفاح وصراع فعال يمر حواجز القصاص، إلى معارضة ذهنية وأخلاقية. وبذلك فالعنف – حسب غاندي – لا مشروعية له

استنتاجات عامة

يمكن تقسيم الحيوانات على مستوى التغذية إلى حيوانات عاشبة وهي مسالمة بطبعها، وحيوانات لاحمة وهي حيوانات عدوانية، لأنها لا يمكنها إن تكفل بقاءها سوى على مرجعية الصيد وقتل الكائنات الأخرى. وما استمر الإنسان مزدوج الطبيعة: عاشب ولاحم في هذه اللحظة ذاته، فإن المنحى اللاحم فيه يجعله كائنا عنيفا بالطبيعة

إن القساوة يمارس على مستويين

القساوة الجوهري المحسوس: والذي يتمظهر في القساوة البدني، والعنف السياسي كالانتفاضات والثورات… والعنف الاجتماعي كالعنف مقابل المرأة، والعنف الاستثماري كالاستغلال

القساوة المعنوي الرمزي: والذي يتجلى في القساوة اللغوي كالسب والشتم، والعنف التربوي مجسدا في بعض أشكال الطقوس والتقاليد، وبعض المقررات الدراسية

إن القساوة لا مشروعية له حتى وإن استعمل لصالح قضايا عادلة، أو للقضاء على القساوة نفسه، لأن القساوة لا يمكن أن يولّد سوى القساوة. إن القساوة لا يمكن أن يحارب سوى بنقيضه وهو اللاعنف

يُعَدُّ الإنسان كائنا فاعلا إلى منحى أمثاله من الفاعلين في عالم يمتاز بوفرة المحددات والقواعد المتحكمة في كل إمكانات الإجراء وبتعدد المصادر الدافعة إليه، سواء من ناحية الوجود الجماعي للإنسان الذي يُوجب التفاعل أو من ناحية الوجود الطبيعي المتفاوت في موارده ومُعطياته على نحو يستدعي النزاع والصراع. ولذا فإن الفاعلية الإنسانية مُوَلِّدة ومُنتجة لـ”القساوة” الذي يتغلغل في الحياة الإنسانية بِكُلِّ جوانبها ومستوياتها والذي يتشكل حسب مغاير أوضاع الحياة الإنسانية على باتجاه يجعله ظاهرة معقدة تُفْلِتُ من كل تحديد. وبذلك، فإنه بنفس القدر الذي يُشَكِّل “القساوة” أحد أشكال الإجراء الإنساني، فإنه يفرض ذاته كأحد التحديات الكبرى التي تُواجه حضور الإنسان في ذلك العالم.

* الحالة-الإشكالية

آذار الإنسان “القساوة” عبر الزمان الماضي بأشكال متعددة وبأقدار مغايرة، بحيث يظهر “القساوة” مُلازِما للوجود البشري. فهل يُعَدُّ “القساوة” أحد الثوابت التي تُميِّز الطبيعة الإنسانية؟ ما هي أنواعه الرئيسية وما أهميتها؟ ما رابطة “القساوة” بالتاريخ الإنساني؟ هل هو أحد الأسباب المُساهِمة في صنع الزمان الماضي وتحقيق التوازن الاجتماعي أم أنه ليس إلا ظاهرة على هامش الأحداث التاريخية؟ كيف نُفسِّر استمرار “القساوة” رغم تطور “المجتمع الساكن” وقيام “الجمهورية”؟ هل يُعَدُّ كل قساوة، على وجه التحديد، فعلا غير قانوني أم أن هناكـ أنواعا من “القساوة” تحظى بمشروعية اجتماعية أو قانونية؟

1- أنواع القساوة

* تحديد النسق الإشكالي: ما هي طبيعة “القساوة”؟ وما هي أشكاله وأشكاله؟ هل “القساوة” واحد أم متنوع؟ وهل هو متعلق بطبيعة الإنسان أم أنه لا يتعلق بالإنسان سوى في النطاق الذي يُعَدُّ كائنا محددا بشروط اجتماعية وتاريخية؟

* مفاصل المعالجة

يشاهد “إيـﭪ ميشو” (1942-؟ [Yves Michaud]) أنه « يكون هناكـ قساوةٌ إذا قام، في وضع تفاعلي محدد، واحد أو مجموعة من الفاعلين بالتصرف على نحو مباشر أو غير مباشر، مرة واحدة أو بتدرج، على باتجاه يُلحِق الضرر بواحد أو أكثر من  الأفراد الآخرين بدرجات متغيرة، سواء على المستوى الجوهري أو على المستوى المعنوي، وسواء أتعلق الشأن بالممتلكات العينية أم بالخيرات الشكلية والثقافية». وكونُ “القساوة” يتحدد بتلك الصورة يجعله يتخذ أشكالا متنوعة وأحجاما مغايرة عبر المجتمعات والعصور. فالمجتمعات الإنسانية عرفت ولا تزال قيام أشكال متنوعة من “القساوة” تتراوح بين ما هو أكثر فظاعة وضرواة (كما في القتل أثناء الحرب أو الإعدام أو التعذيب) وما هو أقوى خفاء (سوء التغذية). كما أن القساوة في ارتباطه بالمجتمع الإنساني يخضع لا لاغير لمستويات التقدم الاجتماعي والاقتصادي وإنما يخضع كذلك لدرجات الريادة العلمي والتقني وللوسائل والآليات المترتبة عنه. وبالتالي، فالعنف يتكاثر اتساعا وتعقدا تبعا لمختلف التقدمات التي تشهدها المجتمعات الإنسانية. وتُعَدُّ المرحلةُ المعاصرة إحدى أقوى الفترات عنفا في الزمان الماضي البشري، وذلكـ على كل المعدلات التي صارت تمر الواقع لتـشمل كذلكـ الصور الخيالية والافتراضية.

ومن ثم فإن “القساوة” يتحدد كظاهرة اجتماعية وتاريخية مسيطرة على الحياة الإنسانية، الشأن الذي يجعل “الإنسان ذئبا للإنسان” كما يقول “هوبز” وكما يؤكد ذلكـ “سيغموند فرويد” (1856-1939 [Sigmund Freud]) الذي يشاهد أن النزوع إلى العدوان طبيعيٌّ في النفس الإنسانية وأنه يُشكِّلُ العامل الأساسي في صلات الناس بعضهم مع بعض، حيث إن الأهواء الغريزية أشد من الاهتمامات العقلية في واقع الحياة البشرية. ومن هنا فإن الحضارة تبذل كل ما في وسعها لتقليص العدوانية الإنسانية سواء بتطوير مناهج تَحُثُّ الناس على معيشة صلات تقارب ومودة بينهم أو بتقييد الحياة الجنسية. غير أن التدخل القانوني والأخلاقي للمجتمع عوضا عن أن يُؤدي إلى تقليص العدوانية في المجتمع فإنه يعمل، بما هو عملية قمع للنزوع الطبيعي، على تكريسها وزيادتها على نحو يجعلها تتخذ تجليات أكثر حذرا وأشد خفاء.

بل “إيريكـ فروم” (1900-1980 [Erich Fromm]) يُلاحظ أنه إذا قد كانت دراسة بعض الظواهر الاجتماعية (الحياة الجنسية، العادات) قد تُوحِي بأن النزعة التدميرية متجذرةٌ في طبيعة الإنسان، فإن الفحص المتعمق لتلك الظواهر يكشف عن أن العدوان والتدمير ليس مَيْلًا فطريا، وإنما هو نتيجةُ دوافع ونزوعات وثيقة الصلة بشروط موضوعية تتمثل في الحروب والنزاعات والتفاوتات الاستثمارية وضغوط الحياة الاجتماعية وإكراهاتها، فـ« ليست الطبيعة البشرية ذاتها هي التي تدفع فجأة إلى القيام بتلكـ الأفعال، لكن هناكـ طاقة تدميرية كامنة تُغَذِّيها الأوضاعُ الخارجية والأحداث المُفاجِئة فتدفعها إلى الظهور».

ومن ناحية أخرى، يذهب “ﭙـيير بورديو” (1930-2002 [Pierre Bourdieu]) إلى أن أنماط الهيمنة الاجتماعية والثقافية من حيث إنها لائحة على أُسُسٍ تُعتبر، من الناحية الاجتماعية، اعتباطيةً (arbitraire)، فإنها ترتبط بممارسة نوع من القساوة “الرفيق” أو “اللطيف” (une violence douce) هو “القساوة الرمزي” (la violence symbolique) الذي هو كل قساوة يتلقاه الفاعل الاجتماعي بالقبول أو التجاهل كما إذا كان طبيعيا أو بديهيا بإجراء نَوْعٍ من التواطؤ الوجودي الذي يجعل البنيات الذهنية/الذاتية تتوافق مع البنيات العينية/الموضوعية للعالَم الاجتماعي. فكونُنَا نُولَدُ ونُنَشَّأُ في ميدانٍ اجتماعيٍّ أمرٌ يجعلُنا نتقبل عددًا من الأشياء التي تفرض ذاتها علينا بتلقائية وسهولة من دون أن تتطلب إلى عمل إضافي للترسيخ، الأمر الذي يُشكِّلُ أساسَ الهيمنةِ التي يخضع لها الفاعلون الاجتماعيون، ليس كما لو قد كانت حتمياتٍ تنزل من أعلى بِثِقَلها الإكراهي المُحاجزِّد لإراداتهم، وإنما كنسق من التفاعلات والتوازنات بين المُحاجزِّدات الحتمية الموضوعية وكيفيات إدراكها بواسطة البنيات الذاتية، الأمر الذي يجعل الفاعلين يُسْهِمُون في إصدار ما يُمارَسُ عليهم من آثار الهيمنة ضمن مجالهم المخصص. ومن هنا فإن القساوة الرمزي يتعلق بالنظام العادي للأشياء في الواقع الاجتماعي، الشأن الذي يجعله أقوىَّ أشكال الإقناع السِّرِّي التي تُمارَس على الفاعلين الاجتماعيين بتواطؤٍ منهم بإجراء انغماسهم الطبيعي في المجتمع.     

* تركيب واستنتاج

يرتبط “القساوة” بفاعلية الإنسان في ارتباطها بشروط الواقع الاجتماعي الجاري على التباين والصراع، الأمر الذي يجعل “القساوة” مُلازِما للوجود الإنساني في خضوعه لعددٍ من الإكراهات اللازمة التي تسيطر على إمكانات الشدة لدى الناس كأعضاء في مجتمع والتي تُوَجِّهُها، من ثم، في سياق تفاعلي وتنازعي على باتجاه يقود إلى بُروز أنواع من “القساوة” تتخلل الزمان الماضي والاجتماع الإنسانيين.

2- القساوة في الزمان الماضي

* تحديد النظام الإشكالي: كيف يتجلى القساوة عبر الزمان الماضي الإنساني؟ هل هو أحد عوامل الصيرورة التاريخية أم أنه ليس إلا إفراز مقيد على هامش حركة الزمان الماضي الإنساني؟

* مفاصل المعالجة

يُعد “توماس هوبز” أن الطبيعة الإنسانية تقوم على ثلاثة انفعالات تمثل العواملَ الحقيقية لكل نزاع في الحياة والتاريخ الإنسانيين: يرتبط الشأن بـ”التنافس”، “الانتباه” و”الكبرياء” ؛ فـ”التنافس” يجعل الناس يتخذون الانقضاض طريقا لبلوغ مصالحهم، و”الحيطة” هو الكيفية لضمان أمنهم، بينما أن “الكبرياء” تؤدي إلى استظهار السمعة. وكل تلك الانفعالات ترتبط باللجوء إلى القساوة إما لفرض السيطرة على ممتلكات الآخرين وإما لحماية النفس والممتلكات. ومن حيث إن هناكـ باستمرار احتمالَ التعرض للهجوم والعنف من طرف الآخر، فإن الناس يعيشون باستمرار (حتى في وضعية السلم والأمن) أجواء الحرب عن طريق التأهب لها وتوقعها طول الوقت. وبالتالي نُدرِكـ ضرورة الحرب في الزمان الماضي الإنساني من ناحية ارتباطها بالطبيعة البشرية في قيامها على النزاع والقوة.

وتقوم الفلسفة الماركسية (مع ماركس وإنغلز) على أن المناحرة يُشكِّل المُحرِّكـ الرئيسي في الزمان الماضي الإنساني، ذلكـ بأن الوجود الاجتماعي قائم على التباين بين الذين لديهم وسائل الإصدار والذين ليس لديهم إلا قوة عملهم، وهو التباين الذي يقود إلى شقاق المجتمع إلى طبقات متضادة ومتصارعة، حيث إن تاريخ الإصدار يتجلى كسلسلة من التناقضات العينية والاجتماعية التي تتعلق بصراعات طبقية (بين الأحرار والعبيد في الطور العبودي، بين السادة والأقنان في الطور الإقطاعي، بين مالكي وسائل الإصدار والعمال الكادحين في الطور الرأسمالي) تقوم بين المسيطرين والمضطهدين على شكل حروب تنتهي إما إلى تحويل جذري للمجتمع وإما إلى تحطيم الطبقتين كلتيهما. ومن هنا فإن الجدال التاريخي يلعب فيه التشاحن دورا رئيسيا، حيث إن الانتقال من طور إلى آخر لا يتأتى سوى باحتدام المشاحنة بين الطبقات المتصارعة على باتجاه يُمَكِّن من إحراز التحويل اللازم في البنيات الاستثمارية والاجتماعية

ويذهب “روني جيرار” (1923-؟ [René Gérard]) إلى أن المجتمعات الإنسانية لائحة على التشاحن الذي يتعلق بعوامل التنافس التي تجد أصلها في الرغبات المتفاوتة في تعلقها بنفس الأشياء التي هي موضوع للطلب من طرف الآخرين. ويمتاز القساوة في الحياة الإنسانية بأنه يستند إلى آلية المُحاكاة التي تجعله عُنْفًا مُعْدِيًا قابلا للانتشار على نحو أتوماتيك، الأمر الذي يُؤَدِّي إلى حضور أفعالِ عُنْفٍ يُمكن أن تتسلسل بدون عاقبة على باتجاهٍ يُهَدِّدُ استمرار وبقاء النوع الإنساني. من هنا تأتي العادات المرتبطة بـ”التضحية” (le sacrifice) كآلية لوقف دورة الانتقام في دُوَّامة القساوة، حيث يتم نقل العداء إلى ضحية واحدةٍ (كبش الفداء) تحمل كل الرغبات المتناقضة والمتنافسة لأعضاء المجتمع. وبذلك يتم توجيه القساوة إلى الضحية كتعويض عن القساوة الذي يمكن أن يُوَجَّه إلى الآخرين، بحيث يتأتى الإنشاء الاجتماعي للعنف المقدس كما عرفته كل المجتمعات الإنسانية عن طريق عادات التضحية بـ”كبش الفداء“. 

* تركيب واستنتاج

يحضر “القساوة” في الزمان الماضي الإنساني بأشكال مغايرة وبشكل قوي وبارز، الأمر الذي يتولى قيادة إلى اعتباره أحد الأشكال المُمَثِّلة للصيرورة التاريخية على مُختلف معدلاتها. وإذا قد كانت المجتمعات الإنسانية شهدت ولا تزال مغاير أشكال المشاحنة العنيف، فإن تجليات “القساوة” في الزمان الماضي البشري متنوعة ومعقدة على باتجاه يجعلها موضوعا لتأويلات مغايرة تربطها بآليات التقدم التاريخي أو بآليات التفاعل الاجتماعي في علاقته باستعدادات الطبيعة البشرية وتحولات الوسط الطبيعي والثقافي حيث تحدث فاعلية الإنسان.

3- القساوة والمشروعية

* تحديد النسق الإشكالي: ما رابطة “القساوة” بكل من “الحق” و”التشريع”؟ هل كل قساوة يُعَدُّ، بالضبط، غير قانوني من الناحية الأخلاقية والقانونية أم أن هناكـ بعض أشكال “القساوة” المقبولة والمشروعة اجتماعيا وقانونيا؟

* مفاصل المعالجة

إن قيام “المجتمع المواطن” يستوجب تفويض أمر استخدام القساوة للسلطة المشروعة كما تمثلها “الجمهورية”. ولذا يؤكد ماكس ﭭـيبر أن “الجمهورية” لا يُمكنها أن تُوجَد سوى إذا خضع الناس للسلطة المشروعة كما تتجسد في التجمع السياسي الذي تُمثِّلُه والذي يجعلها تحتكر استخدام القساوة المشروع بموجب أنها مجموعةٌ من الشركات التي تقوم على “الشرعية القانونية” والتي تُوجِّهُها أهدافٌ تتمثل في ضمان “المصلحة العامة” لمجموع أعضاء المجتمع. وهكذا فإن “القساوة” في محيط المجتمعات الجديدة لا يكون مشروعا سوى انطلاقا من “الجمهورية” كمؤسسة سياسية وقانونية تكفل قيام المجتمع الساكن والسياسي كتجمع يسعى ترتيب أعضائه على باتجاه يجعلهم يقتنعون بأن من مصلحتهم نبذ القساوة، حيث إن تَمَتُّعَهُم بكل مستحقاتهم يقتضي بالأساس انخراطهم السِّلْمِي والمدني في محيط النمط الجديد لممارسة السلطة أو الهيمنة الذي يقوم على “الشرعية القانونية” التي تكفل هي وحدها المساواة في الحقوق والواجبات بين كل المدنيين والتي تسمح بالتداول السلمي للسلطة بحسب مجموعة من النُّظُم والتدابير كما يتمثل ذلكـ في نموذج التنظيم الديموقراطي للمجتمع السياسي

وثمة من يذهب إلى حَدِّ اعتبار القساوة غير قانوني بتاتا، سواء جاء من “الجمهورية” أو من “المجتمع المواطن”، لأنه يقوم على استخدام الشدة الذي لا يمكن تسويغه من الناحية الأخلاقية. فالإنسان، في نظر غاندي، “روحٌ” تسمو على “المادة” من حيث إنه كائن أخلاقي يحاول أن إلى الفضيلة ويتجنب الرذيلة. وتتمثل الفضيلة في النهوض مقابل الشر ليس بمواجهته من خلال مقاومته بالشدة العينية وإنما بمقاومته بواسطة قوة روحية تتمثل في تصرف ما هو خير عن طريق تبني إرادة طيبة تجاه كل كائن حي بمحبته ومصادقته. فـ”اللَّاعُنف” يتحدد كغياب كامِل لكل إرادة سيئة تجاه الأحياء بدافع الحقد أو الكراهية، ومن ثم فهو ليس نزوعا سلبيا أو استسلاميا، لكن إنه سعي باتجاه المناهضة الأخلاقية للشر بكل مظاهره من دون تسجيل الأذى بواحد من الأحياء. ومن هنا فإن الشدة الحقيقية تتمثل في التداول الإيجابي مع الآخر من الأحياء وتجنب إيذائه أو إيلامه.   

* تركيب واستنتاج

يظهر أن ممارسة “القساوة” في محيط المجتمعات الجديدة أصبحت موكولة إلى “الجمهورية” التي صار من حقها هي وحدها أن تضطلع بمهام استظهار الأمن والسلم وحماية الحقوق بكل الوسائل الممكنة في محيط ما تسمح به الشرعية القانونية. بل تركيز “القساوة” بين يدي “الجمهورية” لا يقصد، في الغالب، اجتثاثه من كل أركان المجتمع الساكن، حيث إنه يتواصل بأشكال ونِسَبٍ تكثر أو تقل حسب المجتمعات، وذلكـ إلى الحد الذي يقود إلى التشكيكـ في نفع مجابهة “القساوة العشوائي” للخارجين على الشرعية بـ”القساوة المشروع” لمؤسسة الجمهورية. فبدلا من تقليص “القساوة” في المجتمعات بواسطة التنظيم السياسي والقانوني، شهدنا على امتداد القرن العشرين حروبا دولية وإقليمية طاحنة ومدمرة، لكن حتى على مستوى المجتمعات المتقدمة يُلاحَظ صعود أشكال “القساوة” على كل المعدلات. وإذا قد كانت حركات اللاعنف والسلام تتوسع عبر بلدان العالم كنوع من الحركات المضادة، فإن التجذر التاريخي والاجتماعي للعنف يجعل مثل تلك الحركات ضربا من الطوبى التي تُؤْمِن بأن “نسيم الحب يُمكن أن يطعن السيف بِوَرْدَةٍ” كما يقول الشاعر. بل القساوة المتجذر تاريخيا وثقافيا في كل المجتمعات يتطلب لا لاغير إلى مقاومةٍ عينيةٍ ومعنوية، لكن إلى إنشاء واقعي لآليات تصريف القساوة سواء كان ماديا أو رمزيا ومن دون السقوط في وهم أن “القساوة” يكفي لاستئصاله تأكيد عدم مشروعيته القانونية أو الأخلاقية، إذ لا قساوة أقوى من تَوَهُّم أن القساوة يُعَدُّ، على وجه التحديد، غير إنساني وأنه لا يمكن أن يشكل ثمة قساوة أخلاقي كليا

يعد مفهوم السياسة من الأمور التي اهتمت بها الفلسفة لكونها تتناول التنظيم الاجتماعي ووضع ضوابط للسلوك الإنساني، إنها الميدان الذي يتعلق بامتلاك السلطة و ممارستها عن طريق شركات تهدف إلى خطة الأمر العام، ويمكن تقسيم الانتباه بالسياسة إلى مجالين مختلفين يتمثل الأول في الميدان الفلسفي الذي يتناول موضوع السياسة من جهة نظرية يهدف عن طريقها إلى تحديد ما ينبغي أن يكون، لهذا فان أغلب النظريات الفلسفية في السياسة اتصفت بالمثالية و توخت التنظير لدولة مثالية، و انتقاد ما هو قائم في الواقع، أما الميدان الثاني فيتجلى في الممارسة التطبيقية للسياسة في الواقع من قبل رجل السياسة و تعتمد العديد من شركات تتحدد مهمتها في الحفاظ على حقوق الناس و معيشة الإنصاف و القضاء على القساوة.

               

الجمهورية

يتربع مفهوم الجمهورية عرش الفلسفة السياسية، لما يحمله من ضرورة قصوى سواء اعتبرناه كيانا بشريا ذو مواصفات تاريخية، جغرافية، لغوية، أو ثقافية مشتركة؛ أو مجموعة من الأجهزة المكلفة بتدبير الأمر العام للمجتمع. وتعتبر الجمهورية مدافعة عن حقوق وكرامة البشر ومنظمة للعلاقات الاجتماعية وضامنة للأمن، و لكنها في نفس الوقت تمارس سلطات على الإنسان و تحد من حرياته.   فإن دل الاعتبار الثاني على شيء فإنما يدل على كون الجمهورية سيف على رقاب المدنيين وعلى هؤلاء الامتثال والانصياع،

أرسطو”:لا يمكن للإنسان أن يقطن منعزلا طالما يتطلب للآخرين، لهذا وجب الخضوع لتنظيم يهدف إلى خدمة المصالح العامة، وتظل الجمهورية أكثر أهمية من الشخص.

مشروعية الجمهورية وغاياتها:

من أين تستمد الجمهورية مشروعيتها؟ و ما هي غاياتها؟

اسبينوزا” ليس المبتغى من الجمهورية الاستبداد والإخضاع، لكن مقصدها ضمان حقوق الناس وتوفير حرياتهم، شريطة ألا يتصرفوا مقابل سلطتها.

هيغل” تقوم الجمهورية بخدمة الأشخاص وبشكل منهجي توفر لهم مستحقاتهم، وتبقى أكثر أهمية من الشخص باعتبارها أجود حضور للإنسان.

طبيعة السلطة الذاتية:

كيف ينبغي للحاكم أن يتعامل مع شعبه؟ هل يلزم أن يقوم بكل ما يكفل له السلطة و الاستمرارية، أم ينبغي أن يكون قدوة لشعبه؟

ماكيافيلي”على الوالي أن يستعمل كل الوسائل للتغلب على خصومه وبلوغ مقصده، وعليه أن يعلم كيف يخضع الناس لسلطته بالقانون والقوة سويا.

ابن خلدون” على الوالي أن يكون القدوة لشعبه يحترم الأخلاق الفاضلة ويدافع عن الحق، وعليه أن يتعامل بحكمة واعتدال مع شعبه.

الجمهورية بين الحق والعنف:

من أين تستمد الجمهورية مشروعيتها، هل من الحماية عن الحقوق أم من اللجوء إلى القساوة؟ و كيف يتم خطة القساوة داخل الجمهورية؟ أليس الاعتماد على القساوة دليل على عدم مشروعية الجمهورية؟

ماكس فيبر” الجمهورية وحدها من لديها حق ممارسة القساوة وهذا لإخضاع الناس للقانون ومن هنا فإن القساوة الذي تمارسه الجمهورية يُعد مشروعا.

عبد الله العروي” كل جمهورية تعمل على ضبط الشعب لسلطاتها بالشدة والعنف ولا يجمع عليها الناس ولا يكون الوالي مختارا من طرف الشعب لا تعتبر جمهورية شرعية، والضد صحيح.

القساوة

يُعد القساوة باعتبار إفراط في استعمال الشدة على نحو يخالف التشريع ويقود إلى تسجيل الضرر سواء بالطبيعة أو الإنسان، غير أنه لا يمكن حصر القساوة في نموذج واحد من السلوكات لكن يتخذ أشكالا متنوعة عينية ومعنوية، ويأتي الانتباه بالعنف في محيط إستيعاب طبيعة الإنسان وتنظيم علاقته بالغير   قد كان انتباه الفلاسفة بالعنف منذ العصور القديمة، غير أن العصور الراهنة جعلت البحث في ميدان القساوة يتشعب ويتسع، إذ بات ينظر إلى القساوة على أنه مشكل يتوعد استقرار المجتمع غير أن القساوة تنبع أصوله من رغبات الإنسان و متجدر في الطبيعة.

ج. ج. روسو” الصلات الاجتماعية تتسم بممارسات كثيرة للعنف، و مصدر القساوة هو الحراسة عن الملكية المخصصة.

أنواع القساوة:

ما هي أنواع القساوة؟ هل القساوة طبيعي أم ثقافي؟

لورنتز” يشترك الإنسان مع الحيوان في الجوانب العدوانية، ويتصف الحيوان بامتلاك كوابح طبيعية عصبية، أما كوابح الإنسان فهي ثقافية.

كلوزفتش” الحرب هي ممارسة القساوة اتجاه الغير من أجل إخضاعه لإرادة الذات، الحرب سلوك عدواني يقتصر على الإنسان لاغير.

القساوة في الزمان الماضي:

هل ينكمش القساوة مع تقدم الزمان الماضي، أم الضد؟ و ما هو نوع القساوة المتحكم في الزمان الماضي؟

انغلز” هناك قساوة سياسي وعنف استثماري غايته الإصدار وامتلاك وسائل الإصدار، وغالبا ما يحدد الثاني الأول طالما العنصر الاستثماري اساس التقدم.

فرويد” السلطة الناتجة عن تحالف واتفاق الجماعة هي مصدر الحق والقانون، والقانون باعتبار قساوة جماعي يوجه مقابل المتمردين من أجل الحفاظ على الحقوق.

القساوة والمشروعية:

هل هناك قساوة مشروط أم إن كل إلتباس القساوة مرفوضة؟ من لديه حق ممارسة القساوة؟ هل يحق للشعب مجابهة قساوة الجمهورية بعنف عكسي(الثورة)؟

كانط” تمرد الشعب واستخدامه للعنف يقود إلى الوضع الحرج وتضيع معها كل الحقوق، إن الوالي وحده من لديه حق استعمال القساوة.

فايل” القساوة سلوك حيواني عدواني يحط من قدر الإنسان، انه مشكل في مواجهة الفلسفة، إذ تعد الفلسفة صراع فكري لا جسدي.

الحق و العدالة

الحق يندرج ضمن صلات اجتماعية لا ينبغي أن يكون مطلقا لكن يستوجب استحضار اللازم، والحق منهجية ووصايا تحدد للسلوك طريقا للأخلاق الفاضلة، والجديد عن الحق يستوجب استحضار مفهوم العدالة باعتباره قانونا يكفل للأشخاص التمتع بحقوقهم وسلطة تلزمهم بتبجيل واجبات الآخرين، ويعد مفهوم الحق من المفاهيم النبيلة إذ تتقابل مع قيم اللازم والحرية والإنصاف.

الحق بين الطبيعي و الوضعي:

هل أصل الحق طبيعي تماسس على الشدة، أم أن مصدره ثقافي مستمد من القوانين و تشريعات المجتمع؟

هوبز” كان الإنسان قبل تكوين الجمهورية والمجتمع يتمتع بحق طبيعي يخوله استعمال الشدة للوصول إلى ما يمكنه  الحصول عليه، نتيجة لـ تلك الوضع الحرج فضل الإنسان الانتقال إلى وضعية المجتمع عن طريق تعاقد اجتماعي،

ج.ج.روسو” كان الإنسان يتمتع بحقوقه في وضعية الطبيعة، ومع تبدل الأحداث أتى المجتمع فكان التعاقد الاجتماعي مصدرا لحقوق ثقافية.

العدالة أساس الحق:

اسبينوزا” العدالة هي تجسيد للحق وتحقيق له فلا تبقى حقوق خارج محيط القوانين، ولذا يُحظر على الوالي خرق التشريع لأنه هو من يسهر على تنفيذه.

آلان” أساس التمتع بالحقوق هي العدالة، والعدالة هي القوانين التي يتساوى في مواجهتها كل الأشخاص بغض البصر على اختلافاتهم.

العدالة بين العدل والمساواة:

هل يكفي تنفيذ التشريع والعدالة لينال كل شخص حقه؟ أم لا مفر من استحضار العدل؟ وهل ينبغي تنفيذ التشريع على نحو حرفي، أم لا مفر من اتخاذ خصوصية كل وضعية؟

أرسطو” العدالة ينبغي أن تتوجه باتجاه العدل ومعنى هذا أن يتم تنفيذ التشريع بحسب إستيعاب سليم مع اهتمام أحوال الإنسان طول الوقت وحسب الوضعية المخصصة.

راولس” تتأسس العدالة على مبادئ أخلاقية منها مبدأ اللازم الذي يجب الإنسان الاتصاف بالعدل، والعدالة حسب هي المساواة النابعة من أساس طبيعي، ومستندة على اتفاق يتم بموجبه بلوَرة قوانين تتوخى العدل، وتنبني العدالة على مبدأين المساواة في الحقوق و الواجبات

إن الرهان الأساسي من الممارسة السياسية هو السعي إلى السلطة وإقامة دولة الحق والقانون من أجل تدبير عقلاني وديمقراطي لشؤون اتمع على أساس نظام تعاقدي إرادي يتنازل فيه الأفراد على ذاتيتهم وعن جزء من حريتهم الفردية والطبيعية من أجل التعايش في أمن وأمان، ومن ثم يمتثلون بنوع من التلقائية والرضى لسلطة الدولة التي لها حق السيادة من حيث أا تمثل اتمع بجميع شرائحه عبر أساليب الديمقراطية والمؤسسات المنتخبة بحرية وشفافية، وعليه إذا كانت الدولة بالمعنى الحديث للمفهوم تتمثل في مجموع الأجهزة والمؤسسات التي تسهر على تدبير الشأن العام للمجتمع في مجالاته المختلفة سواء منها السياسية والاقتصادية والثقافية…، وبالتالي فهي مالكة السلطة، فإننا نتساءل: على أي أساس تقوم الدولة؟ هل على العنف والاستبداد أم على الحق والعدالة؟ لماذا تلجأ الدولة أحيانا إلى استعمال العنف بكل أشكاله المادية والمعنوية؟ هل هناك من مبرر ومشروعية لهذا الاستعمال؟ هل ممارسة العنف يقوي من سلطة الدولة أم يهدد وجودها واستمراريتها؟ هل العنف ملازم ومحايث للسلطة أم أنه ظاهرة تاريخية متغيرة ومتحولة؟ المحور الأول: أشكال العنف: قبل الحديث عن أشكال العنف وأسبابه وآليات ممارسته، نرى من الضروري أولا أن نحد مفهوم العنف Violence ،يقصد بالعنف عموما خاصية ظاهرة أو فعل عنيف، فنقول زلزال عنيف أو انفجار عنيف، وفي اال السياسي يقصد بالعنف الاستعمال اللامشروع وغير العادل للقوة حسب معجم لالاند، ومن ثم فإن العنف هو إلحاق أذى جسمي أو نفسي أو معنوي بفرد أو جماعة بشرية، وبالتالي فإن العنف تعددت أشكاله، منها: العنف المادي – الجسدي، العنف النفسي، العنف المعنوي، كما تنوعت أدوات وتقنيات ممارسته بدءا من الكلام إلى وسائل التعذيب الحديثة التي أنتجتها الحضارة الحديثة ، ومن ثم انتقلنا من عنف الطبيعة (الزلازل، البراكين، الفيضانات…) إلى عنف الإنسان إلى درجة أصبح العنف يشكل جوهر الإنسان وماهيته ، لذلك يعرف Dadoun Roger الإنسان في كتابه ” العنف” بالكائن العنيف violens Homo الذي يتحدد بأنه مبني داخليا وعضويا بالعنف ، لقد عرف تاريخ البشرية أشكالا متعددة للعنف، حيث بدأ بممارسة القوة العضلية إلى التفوق الرمزي والعقلي، وهذه السيرورة تعكس مدى محايثة العنف للبشر، وصعوبة التخلص منه أو تجاوزه رغم التطور الهائل الذي عرفه الإنسان في مجالات حياته ، ولذلك يرى فرويدFreud أن القوة العضلية الأكثر تفوقا هي التي كانت تقرر من يملك الأشياء وإرادة من تسود، إلا أن في اللحظة التي أدخلت فيها الأسلحة بدأ التفوق العقلي يحل محل القوة العضلية الغاشمة ( فرويد، أفكار لأزمنة الحرب والموت )…. إن العنف إذن واقعة اجتماعية وتاريخية انتشرت في اتمعات الإنسانية الراهنة، بل أكثر من ذلك، إن تطور البشرية صاحبه تطوير تقنيات ووسائل ممارسة العنف إلى درجة دفعت ببعض الفلاسفة إلى القول إن الحرب أو العنف هو محرك التاريخ ، وبالمقابل طورت البشرية عبر تاريخها آليات ووسائل للحد من انتشار ظاهرة العنف، حيث لعبت الديانات والثقافات ومؤسسات اتمع المدني ذات الترعة الإنسانية والأخلاقية دور الكابح المعنوي والأخلاقي للقضاء على العنف أو على الأقل التقليل من انتشاره ، من هنا تأتي قيمة مواقف الفلاسفة من ظاهرة العنف، نذكر على السبيل المثال لا الحصر موقف اريك ويل Well Eric الذي جعل مهمة الفيلسوف تكمن في نبذ العنف العنف والقضاء عليه أو على الأقل الحد منه لنشعر الإنسان بكرامته في حياته اليومية، من أجل بناء مجتمع مدني يقوم على الحوار والتعايش بدل الحروب والعنف ، فهل وفقت الدولة الحديثة والنظام الديمقراطي في تثبيت ثقافة الحوار والتسامح والقضاء على العنف ، أم أن هذا الأخير أكثر رسوخا وأعمق أثرا في اتمعات الراهنة؟ المحور الثاني: العنف في التاريخ : إذا كانت السلطة هي الأداة الضرورية لتحقيق قيم إنسانية مثلى، سياسية كانت أم أخلاقية مادامت هذه القيم مرتبطة ارتباطا وثيقا بطبيعة السلطة التي يتعين عليها ترجمتها على أرض الواقع، فإن مقاربة مفهوم السلطة انطلاقا من التاريخ البشري تصطدم بظاهرة العنف الذي يعد من مكونات السلطة وركائزها الأساسية، وهو في نفس الآن يهدد وجودها واستمراريتها، وعليه فإن كل القيم الأخلاقية والسياسية تظل مرتبطة بشكل أو بآخر بظاهرة العنف . لم يحضر مفهوم العنف في الفلسفة اليونانية كإشكالية فلسفية متميزة وواضحة المعالم، بحيث لا نصادف في حوارات أفلاطون، ولا في الكتب السياسية أو الأخلاقية لأرسطو قولا حول حقيقة العنف وماهيته، ومع ذلك فإن كتابات أفلاطون وأرسطو تبقى في عمقها مناهضة لكل شكل من أشكال العنف، حيث يعتبران أن السياسة الحقة هي التي تتميز بالمساواة والانسجام الفردي والجماعي وتحقق الوحدة والتضامن، وتغيب فيها كل مظاهر العنف والصراع الشيء الذي لا يحصل في نظام الطاغية الذي يقوم على العنف والسيطرة، لأن ما يتوخاه الطاغي هو إخضاع الناس واستعبادهم بغية تحقيق مصالح فردية وخاصة. نفس الأمر نجده لدى الفارابي حيث يشير في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة” إلى أن الغلبة والقهر من خاصيات المدينة الضالة لا المدينة الفاضلة، إذ يقول في هذا السياق: “مدينة التغلب وهي التي قصد أهلها أن يكونوا القاهرين لغيرهم، الممتنعين أن يقهرهم غيرهم، ويكون كدهم اللذة التي تنالهم من الغلبة فقط“. يمثل العنف إذن عنصرا أساسيا في العلاقات الاجتماعية ولاسيما في المرحلة الطبيعية حيث يخضع فيها الإنسان لأهوائه وغرائزه ويمارس العنف على أخيه الإنسان من أجل البقاء والحفاظ على الذات، والحق ينال بممارسة القوة والعنف، كما يذهب إلى ذلك هوبز حيث يصف الحالة الطبيعية الأولى للإنسان بأوصاف قاتمة، منها: “حرب الكل ضد الكل ،” لكن ماركس يرى أن العنف إفراز تاريخي نتج عن تعارض المصالح لما ظهرت الملكية الفردية، ومن ثم فإن العنف لا يمثل أحد المكونات الطبيعية للسلطة، بل هو ناتج عن الواقع الاجتماعي ، وعليه فإن الدولة والعنف قابلان للتغير والاختفاء في ظروف تاريخية مغايرة. نخلص إذن إلى أن العنف في نظر ماركس ضرورة تاريخية، ولكن يجب القضاء على كل مظاهره بعد المرحلة الانتقالية المتمثلة في دكتاتورية الطبقة البروليتاريا، ومن ثم يتعينيئ وتنظيم الثورة وتأطير العنف الجماهيري، أما ميشل فوكو فيرى أن العنف متواجد في عدة مستويات وله مظاهر مختلفة، وكثيرا ما يرتبط بالسلطة وبالسياسة والظروف التاريخية: فهناك عنف في المعرفة والخطاب، وعنف في القوانين، وعنف في المؤسسات الطبية والملاجئ، وعنف في السجون ،… على أن العنف الذي يحمل دلالة خاصة بالنسبة للمجتمع الحديث هو ذلك الذي يتجلى في مؤسسات السجون، فيتعرض الإنسان في السجن لأفظع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي ، إن الغاية المتوخاة من ممارسة العنف تتمثل في تطويع الأجساد وتذويب العقول وغرس الرعب في النفوس، قصد إقبار كل نزوع إلى العصيان والتمرد والقضاء بصفة ائية على كل روح نقدية ، ولما يفرج عن الإنسان يكون فاقدا لذاته ولوعيه الاجتماعي وفي اغتراب تام. المحور الثالث: العنف والمشروعية: إن السلطة السياسية بمعناها الحديث لا تقوم على السيطرة والغلبة والعنف كما يذهب إلى ذلك كثير من المفكرين الذين يعتقدون أن من أهم القواعد السياسية التي يجب أن يتمسكا الفاعل السياسي، وهي ضرورة اللجوء إلى العنف الذي يعد من المكونات الأساسية لكل عمل سياسي يتوخى النجاعة والفاعلية، ما دامت السياسة مجال للصراع الدائم والمستمر حول القيادة والزعامة، فالعنف إذن هو الشرط الأساسي الكفيل بتحقيق التوازن الاجتماعي، حيث يحافظ على كيان اتمع، بل ينقذه في الحالات المتأزمة، يمكن الحديث عن تداخل عضوي بين العنف والسياسة لكن السلطة السياسية اليوم أصبحت تتأسس على التجاور والتواصل والتداول، ومن هنا فإن العنف يتعارض جوهريا مع الممارسة السياسية، بل يقصيها ويغيبها مادام يرتبط بأفعال غير سياسية في عمقها، مثل التحايل، الضبط أو التطويع الاجتماعي والتحذير الاديولوجي، ولذلك، تقول حنا أراندت Arendt Hannad في كتااla que ce est’Qu politique” :إن السلطة والعنف يتعارضان: فحين يحكم أحدهما حكما مطلقا يكون الآخر غائبا، ويظهر العنف لما تكون السلطة مهددة”، ومن ثم يمكن القول إن الفلسفة السياسية بمفهومها الحديث تنبذ كل أشكال العنف لأادف أساسا إلى التفكير والتأمل في القيم الإنسانية في بعدها السياسي والأخلاقي استنادا إلى الحوار والاعتراف بالغير مهما كانت خصوصيته السوسيو – ثقافية (اللغة، الدين، العادات والتقاليد…)، فالفلسفة وجدت من أجل مواجهة ومحاربة العنف، ولذلك تواجه العنف غير المشروع بالعنف المشروع، أي بالخطاب المعقول والمتماسك، أو كما يسميه إريل فايل باللاعنف الذي هو نقطة البداية والهدف المنشود لكل ممارسة فلسفية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق مفاده: هل نجحت الفلسفة في هذه المهمة، أي القضاء على العنف؟ أو على الأقل الحد من انتشاره؟ في الواقع إنه إذا تم الاتفاق أن هناك تقهقرا أو تراجعا للعنف السياسي والاقتصادي، فإن هناك أشكال أخرى من العنف بدأت تتقوى ويتسع مجالها في الحياة الإنسانية، مثل عنف الملاعب الرياضية، والمدارس، وعنف الجماعات المتطرفة، وعنف الأسرة إلخ …، لذلك فإن المهمة الأساسية للفلسفة ورهاا الأساسي هو احتواء كل مظاهر العنف ومحاربتها بوصفهاديدا للعقل، وضد الخطاب المتماسك والنقدي، ومن ثم ضد الترابط الاجتماعي وقيم الحداثة، لأن مثل هذه الممارسات التي تتأسس على العنف هيديد للإنسان، ومع ذلك فإن اللجوء إلى العنف يمكن تبريره واعتباره ممارسة عقلانية ومنطقية في بعض الحالات، مثل: الدفاع عن النفس، مقاومة الاضطهاد ومحاربة العنصرية، كما تذهب إلى ذلك “حنا أراندت“. ومهما يكن من أمر فإن العنف لا يمكن أن يكون مبررا ومشروعا، لأنه ذو طبيعة “أداتية”، فهو دائما موجه للاستعمال، ويعمل على تحطيم كل سلطة متوافق عليها، وبالتالي فهو يحطم شروط إمكان قيام جماعة

3-العنف بالمشروعية

ما العنف؟ هل يمكننا حصره وتحديده؟

ما أشكال العنف وما هي مظاهره وصوره؟

ما دور العنف في التاريخ؟ وكيف يشتغل داخل المؤسسات؟

هل يوجد عنف مشروع وعنف غير مشروع؟

ما دور الفلسفة في فهم العنف وإقامة اللاعنف؟

المحور الأول: أشكال العنف ما العنف وما أشكاله وصوره ومظاهره؟

يعتبر  العنف تعسفا في استعمال القوة، وبهذا المعنى فهو يحيل إلى الفعل أو التصرف « ضد القانون » أو « الإخلال بالاحترام الواجب للشخص » وقد حدد الإغريق العنف باعتباره إفراطا في القوة، فالعنف هو تعسف في القوة وتدنيس للطبيعة وخرق للقوانين المقدسة.

وقد ارتبط العنف في العصر الحديث بشكلين بارزين هما الحرب والعدوانية، فالفعل من حيث هو فعل مدمر، يتم توجيهه ضد الآخر قصد إخضاعه.

إيف ميشو « العنف الجسدي »

عرف التاريخ البشري أشكالا عديدة من العنف تتراوح بين المجاعة والإعدام، ومن السمات المميزة للقرن 20، أن شهد الحرب العالمية الأولى والثانية. وانتهت الثانية بالكارثة النووية (هيروشيما)، والعديد من الإبادات الجماعية وأشكال من العنصرية والاضطهاد، ومن الحروب الاستعمارية وحروب المقاومة والتحرير، والأنظمة العسكرية، ومعسكرات الاعتقال والإجرام.

ساهم التقدم التكنولوجي المعاصر في تطوير وسائل التسلح والتخريب والقتل والإبادة الجماعية حيث ساهمت التكنولوجيا المعاصرة في انتشار العنف واستعمال الوسائل الأكثر فتكا.

توجد علاقة بين العنف كممارسة واقعية وانتشاره الإعلامي، إذ لم يعد العنف منفصلا عن وسائل الإعلام التي تنشره وتستعمله كما تشاء أو تصمت عنه، وهكذا فالإرهاب العالمي والتعذيب والإعدامات وأشكال التخريب يستخدمها الإعلام بشكل منظم، مقنن ودقيق، من حيث أن العنف أصبح قابلا للحساب والتحكم، ووسيلة لتحقيق المردودية وفرض السيطرة والقمع والتهديد به.

*سيغموند فرويد

الإنسان كائن عنيف وعدواني بطبعه، على اعتبار أنه يتوفر على أهواء وغرائز فطرية تحتم عليه القيام بسلوكات ذات نزعة تدميرية قصد إشباع تلك الغرائز، ورغم أن الإنسان عقل فإنه لا يقوى على كبح جماع تلك النزعة التدميرية، الأمر الذي يستوجب استخدام  كل الوسائل للتخفيف أو الحد من خطورة التهديد الذي يتوعد المجتمع والحضارة الإنسانية.

*بيير بورديو  » العنف الرمزي »

من مظاهر العنف، العنف الرمزي، ويقصد به كل أشكال العنف غير الفيزيائي، وهي فاعلة ومؤثرة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي كل أشكال السلوك الإنساني.

إن هذا النوع اللطيف والمهذب من العنف، تجعل ضحاياه يتقبلونه بل ينخرطون في الخضوع لإكراهاته دون مقاومة، إن الإنسان في إطار الحياة الاجتماعية يتقبل عددا من القيم والمعتقدات كبديهيات ومسلمات تفرض نفسه بسهولة وتلقائية، عبر اللغة والكلام وكل أشكال التواصل، أو التربية والعنف الدهني، وكل أشكال الإقناع الصامتة والسرية التي تتم بفعل النظام العادي للأشياء.

المحور الثاني: العنف في التاريخ

كيف يتولد العنف في التاريخ؟

أطروحة ماركس

يرى ماركس أن تاريخ المجتمعات، هو تاريخ صراع بين الطبقات، الصراع بين من يملك وسائل الإنتاج والخبرات وبين من لا يملك، وقد أخذ الصراع أشكالا مختلفة بين طبقات الأحرار والعبيد(في المجتمعات العبودية) بين الإقطاعيين والأقنان في ظل النظام الإقطاعي، وفي المجتمع البورجوازي الحديث الذي قام على أنقاض المجتمع الإقطاعي الذي عرف بدوره صراعا بين البورجوازية والبروليتاريا.

يتضح من الأطروحة الماركسية، أن الشكل الأساسي للعنف في التاريخ ناتج عن الصراع بين الطبقات، حيث إن نمط الإنتاج القائم على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، هو الذي يفسر التعارض والصراع بين الطبقة البورجوازية المالكة لوسائل الإنتاج والطبقة البروليتارية المضطهدة، حيث تكون العلاقة القائمة على أساس الاستغلال، يرى انجلز أن الصراع الطبقي يولد شكلين من العنف، عنف سياسي وعنف اقتصادي، وغالبا ما يحدد الثاني الأول، ما دام العنصر الاقتصادي هو أساس تطور المجتمع.

أطروحة هوبز

يعتبر أن مصادر العنف توجد في الطبيعة الإنسانية وهي ثلاثة: التنافس والحذر والكبرياء، غير أن هوبز يؤكد  أن ما نسميه حالة السلم والهدوء ما هو إلا استعداد لحرب جديدة.

المحور الثالث: العنف والمشروعية

هل يمكن الإقرار بمشروعية العنف من زاوية الحق والقانون والعدالة.

أطروحة ماكس فيبر

يعتبر ماكس فيبر أن أساس سلطة الدولة هو ممارسة العنف، لأن الدولة وحدها لها الحق والمشروعية في استعمال العنف المادي من أجل السيطرة على الأفراد، أو بتعبير تروتسكي « إن كل دولة هي جهاز مؤسس على العنف ».

إن غياب يعني زوال الدولة، ويعني كذلك حسب فيبر حالة « الفوضى »، إن العنف لا يعتبر الأداة الوحيدة في يد الدولة، بل هو الأداة الخصوصية لدى الدولة، إن العنف الجسدي، هو دوما الوسيلة العادية للسلطة لدى الجماعات السياسية المختلفة، بل إن الدولة الحديثة لها الحق في احتكار العنف المادي المشروع، لقد اتخذ العنف المشروع تاريخيا عدة مظاهر: عنف أساسه السلطة التقليدية ويمارسه الشيخ أو الإقطاعي، وعنف يقوم على السلطة الكارزمية التي يمارسها شخص يتوفر على خصائص مميزة تجعل منه بطلا وزعيما، وعنف يرتكز على السلطة الشرعية المبنية على أساس امتثال للقوانين، وتمارسها الدولة بطريقة عقلانية.

أطروحة غاندي

من منظور إنساني أخلاقي، يرى أن السمة الأساسية للعنف سواء في الفكر أو الكلام أو الفعل توجد نية عنيفة تضمر حقدا أي رغبة في إلحاق الأذى بالآخر (الخصم أو العدو).

فالعنف إذن شيء سلبي وهدام، أما اللاعنف الذي يدعو إليه غاندي، فهو نضال ضد الشر، وضد الحقد وكل المظاهر السلبية للعلاقة بين الأفراد والجماعات والشعوب، إن العنف رذيلة لا أحقية ولا مشروعية له، في نفس الإطار يؤكد فايل أن ليس للعنف من معنى، إنه مشكلة أمام الفلسفة بوصفها اختيارا للخطاب العقلي المتماسك، والفلسفة بذلك إنما تختار اللاعنف.

استنتاجات

تتنوع أشكال العنف من العدوان إلى الاستغلال والاستعمار، ومن الأشغال الشاقة إلى الاقتتال الفردي والجماعي، لكن العدوانية والحرب هما أبرز هذه الأشكال.

يلعب العنف في التاريخ أدوارا حاسمة، على مستوى تنظيم العلاقات الاجتماعية وتوزيع الخبرات وتحديد الأدوار، لكن أثره يظهر جليا على مستوى التطور الاقتصادي وفي نشأة فكرة الحق.

يكون العنف مشروعا إذا كان يؤسس اللاعنف ويضمنه

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *