دولة الحق والعنف هل دولة حقانية ام عنفية درس لسنة ثانية باكلوريا

تقديم عام للمحور:

جل النظريات التي حاولت تبرير حضور الجمهورية والحاجة إليها ربطت هذا، بالغاية في تخطى القساوة وتحقيق الثبات للأشخاص الذين يكونونها، وجعل الصلات بينهم مبنية على مرجعية الحق والقانون وليس على الشدة والعنف، بل المتأمل لأشكال الحكومات والدول التي عرفها الزمان الماضي قديما وحديثا، لكن حتى المتأمل في الجمهورية المعاصرة يجد أن تلك الجمهورية انحرفت على الأغراض التي قامت وادعت احتمالية تحقيقها وخصوصا نبد القساوة وتحقيق السلم وسيادة الحق والقانون،

بل الجمهورية نلمح طول الوقت أنها ترفض تلبية حاجات مواطنيها فمن ول-ستريت إلى الربيع العربي في تونس، لاحظنا مقاومة الجمهورية وتعنيفها  لمواطنيها الذين خرجوا مطالبين بحقوقهم وبضرورة احترام التشريع  وسيادته، وفي ذلك التوجه نجد أن الجمهورية لا تستكفي بالقوانين، لكن في بعض الأحيان تشاهد في ممارسة القساوة الحل الأوحد في تعاملها مع متطلبات مواطنيها، الأمر الذي يجعلها منخرطة في ممارسة القساوة الذي ادعت أنها ستقضي عليه مبررة هذا بكونه ممارسة مشروعة، وفي ذلك الصدد وجب التساؤل فلسفيا: هل يحق للدولة ممارسة القساوة؟ أليس تناقضا أن تلتجئ الجمهورية إلى استعمال الشدة والعنف بهدف تخطى القساوة والقوة التي تصدر من المدنيين؟هل يمكن تبرير ممارسة القساوة بأي شكل من الأنواع سوءا من طرف الجمهورية أم طرف المدنيين؟ وهل قساوة الجمهورية هو قساوة مشروع وقانوني؟ وهل يمكن تبرير القساوة الذي تمارسه الجمهورية أصلا؟ وهل يمكن الجديد عن قساوة مشروع؟بعبارة أدق أية مشروعية  يمتلكها القساوة؟

مستوى الفحص/فريدريك إنجلز الجمهورية لم تكن هدفها في الأصل الحفاظ على الحق لكن ممارسة القساوة

في دراسة بشأن الأساسيات الأنثروبولوجية للدولة قام بها فردريك انجلز في كتابه المعلوم باسم”أصل الأسرة والملكية والدولة” وجه إنجلز نقدا لكل التصورات المثالية التي نظرت للدولة باعتبارها أداة لتحقيق الأمن والإستقرار وضمان الحق وتحقيق العدالة، إن الجمهورية حسب فريدريك إنجلز تقوم بالأساس على القساوة وعلى احتكاره، وهو قساوة يتم توجيهه تجاه طبقة البروليتارية وبذلك، تكون الجمهورية مجرد وسيلة للسيطرة وللسيطرة الطبقية من طرف البرجوازية، فالدولة حسب إنجلز تأسست بعد تفكيك سيستم الأسرة والعشيرة الذي قامت عليه في اليونان القديمة مع ظهور الملكية وتطور الإنتقاد كوسيلة للمبادلات التجارية عوض الاستبدال وهو ما جعل الحصيلة تتركز في يد طبقات اجتماعية حديثة قد كانت في الاحتياج إلى من يحميها وبالتالي أتت الجمهورية لأجل أن تحمي البرجوازية من قساوة الطبقة البروليتارية وضمان الهيمنة للطبقة الحاكمة، وبذلك فالدولة ذات مهنة قمعية أكثر الأمر الذي هي وسيلة لتلطيف التشاحن والتقليل منه، فهي بمقدار ما ضمنت لنفسها حق ترتيب المجتمع سوى أنها سعت للهيمنة عليه لحساب طبقة أخرى وبالتالي يشاهد ماركس وإنجلز أن ما يقوم على القساوة لا يمكن مواجهته سوى بالعنف الثوري الذي سيؤدي إلى زوال الطبقة البرجوازية  والتخلص منها وتفكيك بنية السيطرة  والتمايز الطبقي الذي قامت عليه الجمهورية لصالح ترتيب حديث ومرحلة حديثة تصبح فيها الملكية مشتركة بين جميع العمال.

النقاش/ ماكس فيبر القساوة الذي تمارسه الجمهورية مشروع  ويستند إلى التشريع ويتغاير عن قساوة الأشخاص

آذار التصور الماركسي مع انجلز وماركس إغراءا على مصر العليا الدولي عن طريق التصورات التي قدمها في تحليله الجوهري التاريخي لوظيفة الجمهورية وبنيتها، بل التحولات التي عرفتها أوروبا وانهيار التحالف السوفياتي جعل الجميع ينظر للتصور الماركسي بأنه اعتقاد وثوقي حينما آمن بتجاوز الجمهورية باتجاه الشيوعية، كمرحلة يصبح فيها الجميع متساوون، وهو ما سيعرف نقاشا داخل الفكر السياسي والفلسفي بين من ينبذ القساوة ومن يقوم بتبرير احتكار الجمهورية ووظيفتها المشروعة في ممارسة القساوة واحتكاره وفقا إلى القوانين التي تسمح لها هذا، وفي ذلك الصدد نجد أطروحة ماكس فبير في كتابه “العالم والسياسي” التي دافع فيها على أنه لا يمكن اعتقاد قيام جمهورية دون قساوة، إن الجمهورية تتأسس على القساوة باعتباره آليتها وماهيتها لبسط نفوذها وسيادتها على مجالها الترابي، لهذا قد كانت كل الدول تميل  مند تأسيسها إلى احتكار القساوة وشرعنته عبر القوانين ساحبة ممارسته من بقية الفئات الإجتماعية، فردية قد كانت أو جماعية، فالعنف ليس فعلا غريبا داخل الجمهورية المعاصرة لكن إنه الكيفية اللازمة التي يلزم تقويتها وتجديدها طول الوقت، لأن القوانين وحدها لا تكفل الأمن والحق وسيادة العدالة لكن الشدة، لكن إن عدم تواجد احتكار الجمهورية للعنف وممارسته سيلغيها ويعيدنا إلى وضعية الطبيعة والبلبلة، لهذا نجد الجمهورية تعمل بمختلف الوسائل الإيديولوجية التي تملكها على تقوية احتكارها للعنف وفي ذلك الصدد تنفق الجمهورية من الثروات أكثر الأمر الذي تنفقه على ميادين حيوية أخرى من قبيل التربية والرعايا الصحية والإعلام و الأحزاب السياسية الديمقراطية…والعنف الذي تمارسه الجمهورية يجعلها  الجهة الوحيدة المخولة بهذا (السجن/الاعتقال/المواصلة القضائية والجنائية/ عقوبة الجناة والمنحرفين…)وفي ذلك الصدد يؤكد في كتابه “العالم والسياسي” :”تعتبر الجمهورية إذن هي ناشر الخبر الأوحد ‘للحق ‘ في القساوة”.

مستوى الإنتقاد الجذري /جاكلين روس  القساوة لا يمكن أن يشكل مشروعا في جمهورية الحق والقانون

إن التقدم الذي عرفته منظومة حقوق وكرامة البشر والفكر الحقوقي عموما جعل الكثير من المفكرين يدافعون عن وجوب تخطى الجمهورية للعنف، لأن القساوة لا يمكن تبريره أو موافقته تحت أي دعوى قد كانت سواء من طرف الجمهورية أو من طرف الفاعلين داخل المجتمع (حركات اجتماعية أو سياسية أو مدنية) إن الجمهورية المعاصرة حسب هؤلاء لا تقوم على القساوة لكن تقوم على الحق والقانون، لهذا فهي جمهورية حق وقانون كما تسميها جاكلين روس، فالدولة المعاصرة تحترم المدنيين لأنهم أفراد وليسوا رعايا،لهذا لا يمكن تخويفهم أو ترهيبهم، وهي أفعال تتنافى مع جمهورية الحق والقانون، لهذا دافعت جاكلين روس على وجوب عقلنة ممارسة السلطة ووجوب احترامها للقوانين ولحرية الأشخاص، ودولة الحق تقوم حسب جاكلين روس على ثلاثة مقومات رئيسية:

ü احترام حرية الأفراد  المدنية والفردية  وحماية كرامتهم مقابل كل أنواع الترهيب والتخويف

ü تعديل منظومة الحقوق الحالة على نحو دائم حتى تستجيب لمتطلبات الأفراد وحاجياتهم داخل جمهورية الحق، وبذلك يصبح التشريع أداة في خدمة كرامة الأفراد

ü الفصل الجلي بين الحكومة بهدف ضمان العدالة والمساواة بين جميع الأفراد داخل جمهورية الحق.

وبالتالي فإن القساوة نحو جاكلين روس لا يصبح له أي عزر داخل جمهورية الحق لكن تصبح جمهورية الحق لائحة على القوانين وعلى احترام الأشخاص والبصر إليهم باعتبارهم أفراد أحرار يستحقون العيش بكرامة وفي ذلك الصدد تقول جاكلين روس:”تتوفر جمهورية الحق -بفضل تلك القوى الثلاث- على كل التنظيمات التي تكفل العمليات التي يشاهد بفضلها كل الأشخاص أنهم محترمون و محميون”.

التركيب

ما يمكن أن نخلص إليه، هو أنه صحيح ما دهب إليه انجلز من كون الجمهورية تمارس القساوة وتلجأ إليه، غير أن قساوة الجمهورية كما ذهب إلى هذا ماكس فيبر يكون عنفا مبررا وليس عنفا شبيها بالعنف الذي يمارسه الأشخاص أو الجماعات-الذي يُعد عنفا تدخله الجمهورية في محيط  الجناية التي تستوجب تدخل الجمهورية وتنفيذ العقوبة من خلال التشريع- بل الجمهورية حتى إن قد كانت تقوم على القساوة وتسعى لتبريره من خلال القوانين فهي لا تقوم باستمرار على القساوة فالدولة التي تقوم على القساوة هي جمهورية فاشلة سرعان ما تنهار، لكن تتطلب الجمهورية إلى السلطة وهي تعمل على تثبيتها وممارستها ليس وفقا إلى القساوة باستمرار لكن إلى  الشدة الناعمة Soft power لممارسة السلطة، هنا تحضر الأجهزة الإيديولوجية بمختلف  أدواتها إعلاما  قد كانت أو مدرسة أو ثقافة…، وواضح من كل ما في وقت سابق أن الجمهورية كإطار ينتظم الناس فيه سياسيا على اختلافاتهم يطرح أمامنا مجموعة من الإشكالات التي تنطوي على جملة من المفارقات التي لا يمكن استيعابها سوى بالانفتاح على مفهومي القساوة والحق والعدالة، وإذا تأملنا في الجمهورية المعاصرة سواء قد كانت جمهورية حق وقانون فإنها لم تستطع القضاء على القساوة وهو ما يجعلنا مطالبين بتحليل ذلك المفهوم فلسفيا لأجل أن نقف على أصل القساوة وأشكاله ومبررات اللجوء إليه.

يعتقد السيولوجي الألماني ماكس فيبر M. Weber أن الجمهورية باعتبارها تجمعا سياسيا غير قابلة للتعريف سوى عن طريق القساوة. فالعنف الجوهري يُعد الكيفية الوحيدة التي تسمح للدولة بممارسة سيادتها، وبدون القساوة ستعم الحالة الحرجة. كما يؤكد المفكر بأن الجمهورية لديها الحق في استخدام القساوة، فهو إذن قساوة مشروع لا يمكن أن يمارسه أي شخص دون قبول الجمهورية.

أما بول ريكور P. Ricoeur فيرى أن حقيقة الجمهورية تتجلى في مقدرتها على الجمع بين ما هو عقلاني واقتصادي. فالعقلانية تجعل الجمهورية تعتمد على نوعين من الشركات : شركات تكوينية وأخرى زجرية. هذا ما يقصد أن الجمهورية تلعب دور المربي عن طريق المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام، سوى أنها تعتمد أيضا على الشدة وتضطر اللجوء إلى إكراهات زجرية. ولعل هذا هو ما صرف بماكس فيبر إلى إدماج القساوة المشروع كمكون رئيسي للدولة الشأن الذي يرفضه بول ريكور لأنه يعتقد أن الجمهورية لا تقبل التعريف سوى عن طريق ممارسة السلطة والسيادة.. فمن لازم الجمهورية أن تتوفر على بيروقراطية منسجمة وقضاء منفصل، ومراقبة بؤلمانية، وتربية الأشخاص على النقاش الحرة. إن تلك المبادئ، تشكل بعض مقاييس جمهورية الحق التي تلعب فيها السلطات دور الرقيب.

وعلى صعيد اخر الفكري تؤكد جاكلين روس J. Russ بأن جمهورية الحق أصبحت واقعا معيشا، ولم تعد كيانا مجردا. فدولة الحق تتجلى في الممارسة المعقلنة للسلطة، وتسعى إلى إدخار الحريات الفردية وبلورة الحريات العامة. لأن الجمهورية تبقى لخدمة الشخص (وليس الضد)، لأنها تعتبره قيمة شركة. فالدولة إذن “تحتل مرتبة بعد الإنسان لما بات يمثله من مقياس أسمى” و”سلطة جمهورية الحق تتخذ سمات ثلاثة : التشريع، الحق، وفصل السلط”. فلا يمكن أن يبقى حق دون تشريع عادل وصريح. كما أن إحقاق الحق مستحيل دون فصل السلط (السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية).

كتخريج عام، يتبين أن مفهوم الجمهورية من المفاهيم الرئيسية التي لا مفر من إثارتها فلسفيا. وأهمية ذلك المفهوم تتجلى في انتباه فلاسفة اليونان به. كما أن العودة إلى الزمان الماضي الإسلامي يحرض الصراعات التي خاضها المسلمون أجل توطيد ذلك المفهوم. وفي الوقت الراهن، فإن طرح مفهوم الجمهورية يستدعي بالضرورة تهييج مفاهيم كثيرة مثل الديمقراطية، والمواطنة، وحقوق الإنسان. ويلمح أن كثيرا من الناس يتشدقون بتلك المفاهيم لفرط سماعها واستعمالها، سوى أن التصرفات تدل عن بعدهم عنها، ومن ثمة لابد أن ندرك أن تشييد الجمهورية إجراء جماعي يتأسس على الإدراك وتمثل الذات والآخرين في حواجز الحق والواجب، وأن الجمهورية وحدها يمكنها أن تعطي الناس الإحساس بالانتماء.

تمهيد للمحور:

إذا قد كانت السلطة السياسية لائحة على ذكية الوالي ودهائه، أو على اعتداله وحكمته، أو على الديموقراطية وتبجيل حقوق وكرامة البشر؛ فإن الجمهورية، وإن قد كانت وظيفتها الرئيسية هي احترام الحقوق وضمان الحريات، قد يشوب ممارساتها العديد من الشطط، فتتحول إلى سلطة قاهرة مستبدة، وإلى جهاز يمارس التسلط والسيطرة والعنف. غير أن الجمهورية، سواء أكانت قديمة أو جديدة، ديموقراطية أو استبدادية، لا تستطيع أن تستغني عن القساوة، هذا أن وظيفتها الرئيسية هي ممارسة القساوة الشرعي والمنظم بقوانين وتدابير. فالممارسات التي تشاهد الجمهورية أنها غير مشروعة تتدخل ضدها لمحاصرتها والتخلص منها، ولذلك تلتجئ إلى ممارسة القساوة للدفاع عن الحق العام. فهل تمارس الجمهورية سلطتها بالشدة أو بالقانون، بالحق أم بالعنف؟ ألا يمكن الجديد عن قساوة مشروع تحتكره الجمهورية؟ وهل جمهورية الحق جمهورية قساوة؟ وما هي دشن قيام الجمهورية الجديدة؟

الأطروحة 1    لـ:ماكس فيبر  المقال رقم7ص135

يؤكد فيبر في سياق حديثه عن السياسة وعلاقتها بمفهوم الجمهورية، أن تلك الأخيرة تحتكر حق ممارسة القساوة المشروع. فماذا يعني فيبر بالسياسة؟ وبأي معنى يكون القساوة الجوهري مشروعا وأداة فريدة للدولة؟

يعلم فيبر السياسة، على نحو متفرد، بأنها “قيادة تجمع سياسي يسمى الجمهورية، أو النفوذ الذي يمارس في ذلك الوجهة”، إنها “مجموع المشقات التي تصدر عن تجمع سياسي ما، للمساهمة في السلطة أو النفوذ في توزيعها بين الدول، أو بين مغاير التجمعات السياسية داخل نفس الجمهورية”. ويوضح صاحب سوسيولوجيا الاستيعاب أن الجمهورية العصرية تعرف سوسيولوجيا عن طريق الكيفية المخصصة بها والمتمثلة في القساوة الجوهري. ومعنى ذلك هو أن أساس الجمهورية هو القساوة، لكن إنها تمثل مصدرا له، وفي عدم حضور ممارسته، فإن الجمهورية تختفي وتحل محلها الوضع الحرج. غير أن القساوة الذي تمارسه الجمهورية يُعد مشروعا، ولذلك لا يحق لأي شخص أو جماعة، كيفما كان نوعها، أن تمارس أي نوع من أشكال القساوة، سوى بتفويض من الجمهورية. إن ممارسة القساوة الجوهري من اختصاص الجمهورية، لأنها تعتبر ناشر الخبر الأوحد للحق في القساوة المشروع الحالي على التشريع.

إن الجمهورية، بوصفها تجمعا سياسيا منظما إداريا وقانونيا، لها الحق في ممارسة القساوة الجوهري، فهي وحدها لديها ذلك الحق وتحتكره، إنه الكيفية الفريدة لها.

الأطروحة 2    لـ:جاكلين روس   المقال رقم8 (مقال إضافي)[1]

تعرف جاكلين روس جمهورية الحق باعتبارها صيغة قانونية لائحة على التشريع والحق الخاضعين لمبدأ احترام الفرد، باعتباره وازعا لضمان الحريات ومراعاة الكرامة الإنسانية؛ والعمل تبعا لهذا على تجنب ومناهضة كل ما من شأنه أن يخل بذلك المبدأ من بغي وطغيان وتعسف وعنف وغيرها. فالدولة لا تقوم لاغير على القساوة المشروع، كما يشاهد فيبر، لكن تقوم ايضاً على فكرة الحق؛ ولتفادي التجاوزات الجائز حصولها إثر التمسك بذلك الحق، يجب أيضاً وضع حواجز ممكنة تشكل الضامن الرئيسي لحياة الشخص والجماعة من كل شطط في ممارسة السلطة واستغلالها. ولكي تتمكن الجمهورية من ممارسة معقلنة للسلطة لا يلزم أن يكون الأساس الذي تقوم عليه، حسب جاكلين روس، هو التشريع فحسب، لكن يلزم أن تقوم كذلك على الحق وفصل السلط؛ لأن تلك المرتكزات الثلاثة هي التي تكفل احترام الأفراد وحمايتهم وتبجيل حرياتهم وكرامتهم ومصالحهم المشتركة.

إن الجمهورية لا تتأسس على القساوة، لكن على الحق والقانون وفصل السلط، باعتبارها الضامن لاحترام الفرد وحفظ حريته وصيانة كرامته الإنسانية.

الأطروحة 3   لـ: عبد الله العروي المقال 

إن جمهورية الحق، حسب العروي، هي التي تجمع بين ما هو منهجي إداري (جهاز) وبين ما هو ذهني وسلوكي أخلاقي (أدلوجة). هذا أن أجهزة الجمهورية التوجيهية والتأديبية وحدها لا تكفل الثبات، ولذا فإن الجمهورية العصرية يلزمها وجوب امتلاك أدلوجة تكفل ولاء المدنيين وإجماعهم وتوحيد ذهنياتهم وسلوكاتهم. فالمواطن عندما يشعر أنه عضو فاعل في مجتمع سياسي، فهو يتعلق ذهنيا وسلوكيا بالدولة وبشرعيتها، ويدافع عنها عقليا ووجدانيا. إن جمهورية الحق، في نظر العروي، هي جمهورية التشريع والمؤسسات، وتجمع السياسة والأخلاق، الشدة والإقناع؛ بينما أن جمهورية الاستبداد توجد منفصلة عن الناس، وذلك ما يجعلها هشة ومعرضة دوما للفردانية والتسلط. من هنا يُعد العروي أن الجمهورية القائمة في المجتمعات العربية لا تعبر عن نشأة مجتمع سياسي، لأنها تحتاج إلى محددين هما: الشرعية والإجماع، مادام أنها لم تقطع مع الإرث السلطاني ولا مع التجديد الشكلي، وما ظل أنها لم ترسخ بعد في الذهنيات والسلوك.

إن جمهورية الحق، بوصفها تعبيرا عن نشأة مجتمع سياسي وبوصفها جهازا وأدلوجة، تقوم على الشرعية والإجماع، فهي لقاء وأخلاق، تشريع ومؤسسات، قوة وإقناع، ولا تقوم على الفردانية والاستبداد، أو على القهر والاستغلال.

تأطير إشكالي

إن تعدد أسس ومنطلقات الدولة يتعدد بتعدد الغايات التي ترمي إليها؛ فإما أن يكون أساسها ومنطلقها هو العنف للحفاظ على ذاتها انطلاقا من مؤسسات تعطيه طابعا مشروعا أو أن يكون أساسها ومنطلقها الحق لضمان حقوق الأفراد انطلاقا من قانون متعارف ومتعاقد عليه، فإذا كان الحق هو ما لا يحيد عن قاعدة أخلاقية وقانونية ويشير إلى ما مشروع إما أخلاقيا أو قانونيا يمارسه الفرد انطلاقا من إرادته، فإن العنف هو نقيض الحق من حيت أنه يشير إلى اللجوء إلى ممارسة القوة قصد إخضاع فرد ما دون إرادته. من هنا يطرح الإشكال التالي على أي أساس تقوم الدولة؟ هل على العنف أم الحق؟ هل العنف ضروري لتمارس الدولة وظيفتها؟ ألا يتعارض العنف مع الحق والقانون؟

الموقف الأول: العنف المادي المشروع هو الوسيلة المميزة للدولة

ماكس فيبر عالم اجتماع ألماني، كتاب “رجل العلم ورجل السياسة”: 

العنف  المادي المشروع الوسيلة المميزة للدولة: يقول فيبر إن الدولة هي الوحيدة التي لها الحق في احتكار وممارسة العنف المادي وليس الأفراد، فكل تجمع سياسي لا يمكنه أن يستغني عن العنف، لكنه أي عنف، أنه عنف مشروع ومنظم بقوانين وإجراءات صارمة. فإذا وجدت تجمعات بشرية لا تعرف العنف، فهذا يعني أنه لا يمكن الحديث عن وجود دولة. بل نصبح أمام حالة فوضى وصراع. من ثمة تكون الغاية من ممارسة العنف المادي المشروع للدولة غاية مزدوجة تتمثل في الحفاظ على ذاتها من جهة، ومن جهة ثانية الحفاظ وحماية حقوق الإفراد. تكمن قيمة هذا التصور في خطاب التبرير للعنف كوسيلة فعالة لمواجهة العنف ذاته، بهذا يصبح العنف سم وترياق في نفس الوقت. العنف ليس فقط من أجل حماية الدولة، بل حماية الأفراد من بعضهم البعض. لكن أليس هذا مجرد تبرير ودريعة لتمارس الدولة حقها في البقاء على حساب حق الأفراد في الاحتجاج؟ أليس لجوء الأفراد إلى الاحتجاج هو دليل على انتهاك الدولة لحقوقهم؟ فلو كانت الدولة تكفل للأفراد حقوقهم، لما احتجوا ولما هي مارست العنف عليهم؟

الموقف الثاني: دولة الحق والقانون

جاكلين روس باحثة أكاديمية فرنسية، كتاب “نظريات السلطة”المبادئ الثلاث لدولة الحق والقانون: 

إذا كان ماكس فيبر يرى بأن العنف هو الوسيلة المميزة للدولة  فإن جاكلين روس ترفض هذا التصور لأنه يتعارض مع ما  تسميه بدولة الحق والقانون التي تستند إلى ثلاثة مبادئ وهي: فصل السلط الذي تمكن من تحقيق الديمقراطية، وفكرة الحق التي تهدف الحفاظ على  الكرامة الإنسانية التي هي  فوق كل اعتبار، و مبدأ القانون الذي يمكن من تحقيق المساواة واحترام الحريات الفردية والجماعية دون تخويف أو إرهاب. تقول جاكلين روس إن ” دولة  الحق تؤدي إلى ممارسة معقلنة لسلطة الدولة ”  تكمن قيمة هذا التصور في إعادة ترتيب العلاقة بين الأفراد(الحق) والدولة(العنف) في التأسيس لدولة الحق والقانون ونبذ العنف. لكن نتساءل هل فعلا إذا ما تم الحفاظ على حقوق الأفراد يضمن لدولة عدم إثارتهم للفوضى؟ بمعنى أخر هل إذا ما تمتع الأفراد بجميع حقوقهم الأساسية يمكن أن نستغني عن العنف كوسيلة ضبط؟ بمعنى هل الطبيعة البشرية طبيعة خيرة أم طبيعة شريرة؟ هل العنف متجذر في الطبيعة البشرية أم ثقافي مكتسب؟

إذا كانت السلطة السياسية قائمة على فطنة الحاكم ودهائه، أو على اعتداله وحكمته، أو على الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان؛ فإن الدولة، وإن كانت وظيفتها الأساسية هي احترام الحقوق وضمان الحريات، قد يشوب ممارساتها الكثير من الشطط، فتتحول إلى سلطة قاهرة مستبدة، وإلى جهاز يمارس التسلط والهيمنة والعنف. غير أن الدولة، سواء أكانت قديمة أو حديثة، ديموقراطية أو استبدادية، لا يمكنها أن تستغني عن العنف، ذلك أن وظيفتها الأساسية هي ممارسة العنف الشرعي والمنظم بقوانين وإجراءات. فالممارسات التي ترى الدولة أنها غير قانونية تتدخل ضدها لمحاصرتها والقضاء عليها، ولذلك تلجأ إلى ممارسة العنف لحماية الحق العام. فهل تمارس الدولة سلطتها بالقوة أو بالقانون، بالحق أم بالعنف؟ ألا يمكن الحديث عن عنف مشروع تحتكره الدولة؟ وهل دولة الحق دولة عنف؟ وما هي أسس قيام الدولة الحديثة؟

 

الأطروحة 1    لـ:ماكس فيبر  النص رقم7ص135

يؤكد فيبر في سياق حديثه عن السياسة وعلاقتها بمفهوم الدولة، أن هذه الأخيرة تحتكر حق ممارسة العنف المشروع. فماذا يقصد فيبر بالسياسة؟ وبأي معنى يكون العنف المادي مشروعا ووسيلة مميزة للدولة؟

يعرف فيبر السياسة، بشكل حصري، بأنها “قيادة تجمع سياسي يسمى الدولة، أو التأثير الذي يمارس في هذا الاتجاه”، إنها “مجموع الجهود التي تصدر عن تجمع سياسي ما، للمشاركة في السلطة أو التأثير في توزيعها بين الدول، أو بين مختلف التجمعات السياسية داخل نفس الدولة”. ويوضح صاحب سوسيولوجيا الفهم أن الدولة العصرية تعرف سوسيولوجيا من خلال الوسيلة الخاصة بها والمتمثلة في العنف المادي. ومعنى هذا هو أن أساس الدولة هو العنف، بل إنها تمثل مصدرا له، وفي غياب ممارسته، فإن الدولة تختفي وتحل محلها الفوضى. غير أن العنف الذي تمارسه الدولة يعتبر مشروعا، ولذلك لا يحق لأي فرد أو جماعة، كيفما كان نوعها، أن تمارس أي نوع من أنواع العنف، إلا بتفويض من الدولة. إن ممارسة العنف المادي من اختصاص الدولة، لأنها تعتبر المصدر الوحيد للحق في العنف المشروع القائم على القانون.

إن الدولة، بوصفها تجمعا سياسيا منظما إداريا وقانونيا، لها الحق في ممارسة العنف المادي، فهي وحدها تمتلك هذا الحق وتحتكره، إنه الوسيلة المميزة لها.

 

الأطروحة 2    لـ:جاكلين روس   النص رقم8 (نص إضافي)[1]

تعرف جاكلين روس دولة الحق باعتبارها صيغة قانونية قائمة على القانون والحق الخاضعين لمبدأ احترام الشخص، باعتباره وازعا لضمان الحريات ومراعاة الكرامة الإنسانية؛ والعمل تبعا لذلك على تجنب ومناهضة كل ما من شأنه أن يخل بهذا المبدأ من ظلم وطغيان وتعسف وعنف وغيرها. فالدولة لا تقوم فقط على العنف المشروع، كما يرى فيبر، بل تقوم كذلك على فكرة الحق؛ ولتفادي التجاوزات الممكن حصولها إثر التمسك بهذا الحق، يلزم كذلك وضع حدود ممكنة تشكل الضامن الأساسي لحياة الفرد والجماعة من كل شطط في ممارسة السلطة واستغلالهاولكي تتمكن الدولة من ممارسة معقلنة للسلطة لا يجب أن يكون الأساس الذي تقوم عليه، حسب جاكلين روس، هو القانون فحسب، بل يجب أن تقوم أيضا على الحق وفصل السلط؛ لأن هذه المرتكزات الثلاثة هي التي تضمن احترام الأشخاص وحمايتهم واحترام حرياتهم وكرامتهم ومصالحهم المشتركة.

إن الدولة لا تتأسس على العنف، بل على الحق والقانون وفصل السلط، باعتبارها الضامن لاحترام الشخص وحفظ حريته وصيانة كرامته الإنسانية.

 

الأطروحة 3   لـ: عبد الله العروي النص رقم9 ص136 

إن دولة الحق، حسب العروي، هي التي تجمع بين ما هو تنظيمي إداري (جهاز) وبين ما هو ذهني وسلوكي أخلاقي (أدلوجة). ذلك أن أجهزة الدولة التوجيهية والتأديبية وحدها لا تضمن الاستقرار، ولهذا فإن الدولة العصرية يلزمها ضرورة امتلاك أدلوجة تضمن ولاء المواطنين وإجماعهم وتوحيد ذهنياتهم وسلوكاتهم. فالمواطن عندما يشعر أنه عضو فاعل في مجتمع سياسي، فهو يرتبط ذهنيا وسلوكيا بالدولة وبشرعيتها، ويدافع عنها عقليا ووجدانيا. إن دولة الحق، في نظر العروي، هي دولة القانون والمؤسسات، وتجمع السياسة والأخلاق، القوة والإقناع؛ في حين أن دولة الاستبداد تبقى معزولة عن الناس، وهذا ما يجعلها هشة ومعرضة دوما للفردانية والتسلط. من هنا يعتبر العروي أن الدولة القائمة في المجتمعات العربية لا تعبر عن نشأة مجتمع سياسي، لأنها تفتقر إلى محددين هما: الشرعية والإجماع، مادام أنها لم تقطع مع الإرث السلطاني ولا مع التحديث الشكلي، وما دام أنها لم ترسخ بعد في الذهنيات والسلوك.

إن دولة الحق، بوصفها تعبيرا عن نشأة مجتمع سياسي وبوصفها جهازا وأدلوجة، تقوم على الشرعية والإجماع، فهي اجتماع وأخلاق، قانون ومؤسسات، قوة وإقناع، ولا تقوم على الفردانية والاستبداد، أو على القهر والاستغلال.

ة *تقديم المجال ينفتح مجال السياسة على بعد آخر مكون للوجود االنساني أال وهو البعد السياسي، فاإلنسان الى جانب كونه كائنا اجتماعيا هو كائن سياسي أيضا، يعيش في المجتمع مع األفراد وتجمع بينهم عالقات و مصالح مختلفة يؤطرها قانون ومؤسسات . لهذا تعتبر الممارسة السياسية من أهم الممارسات البشرية الجماعية التي تجعل من الوجود االجتماعي لإلنسان وجودا منظما خاضعا لقوانين ومبادئ اخالقية وعقلية .وتعرف السياسة عموما بعلم تدبير وتنظيم شؤون المجتمع ، وذلك باالعتماد على مؤسسات مختلفة يتشكل منها جهاز الدولة الذي يعتبر االطار المنظم لهذه الممارسة ، لما يمتلكه من سلطة ، فالدولة تقوم على مجموعة من القوانين تتوخى منها احقاق الحق واإلنصاف والمساواة والعدالة. لكنها أحيانا تلجأ الى ممارسة العنف من أجل اعادة التوازن للمجتمع، بحيث تعتبره حقا مشروعا بدونه اليمكن أن تؤدي وظائفها على الشكل المطلوب . هذا العنف يتخذ مظاهر وأشكال مختلفة فهناك العنف المادي ، والعنف الرمزي ، والعنف االقتصادي … هكذا اذا فعبارة السياسة تنفتح على مجموعة من المفاهيم المركزية التي تؤطر العملية السياسية :كالدولة، القانون، الحق ، العدالة، المساواة ، االنصاف ، العنف ، السلطة …االمر الذي يفضي بنا الى نقاشها و طرح التساؤالت التالية : -ما الدولة؟- ما الغاية من وجودها ؟- من أين تستمد مشروعيتها ؟- كيف تمارس سلطتها ؟ -هل تقوم الدولة على الحق أم على العنف؟ -ما الحق ؟- ما العدالة ؟- ما العالقة الجامعة بينهما ؟ -هل العدالة تقوم على مبدأ المساواة ؟ أم على االنصاف ؟ adamich مفهوم الدولة تقديم : الدولة هي جهاز يتألف من مجموعة من المؤسسات السياسية واالدارية والقانونية والعسكرية واالقتصادية …المكلفة بتدبير الشأن العام للمجتمع داخل مجال ترابي محدد . وتعبر الدولة عن السلطة القائمة في المجتمع التي تهدف الى حماية الحريات وضمان األمن والسلم واالستقرار ، غير أن الدولة قد تتحول الى جهاز للسيطرة والتحكم والقمع واله يمنة داخل المجتمع. مما يجعلنا نتساءل عن مشروعية الدولة وغاياتها ، وطبيعة سلطتها السياسية واألساس الذي تنبني عليه . -فمن أين تستمد الدولة مشروعيتها ؟وما الغاية من وجودها ؟ -كيف تمارس الدولة سلطتها ؟ -هل تقوم الدولة على الحق و القانون أم على العنف ؟ وهل عنف الدولة عنف مبرر و مشروع أم يفتقد للمشروعية القانونية لتعارضه مع مبادئ دولة الحق والقانون ؟ adamich المحور األول : مشروعية الدولة وغاياتها. االشكالية : من أين تستمد الدولة مشروعيتها ؟ هل مما هو مقدس ” الحق اإللهي ” أم من القوة والغلبة أم من القوانين الوضعية المتعاقد عليها أم من الصراع الطبقي ؟ ثم ما الغاية من وجودها ؟ هل توجد الدولة بغاية الهيمنة وممارسة العنف على المحكومين أم بهدف حمايتهم وضمان أمنهم وسالمتهم و الحفاظ على حرياتهم ؟ وهل الدولة غاية في ذاتها أم مجرد وسيلة ؟ االحتكار الكلي للسلطة من طرف الحاكم اقصاء االفراد من المشاركة في التدبير السياس ن انتقال الإنسان من مرحلة الطبيعة والتوحش والهمجية، إلى مرحلة اتمع والتحضر وإنتاج الثقافة، دفع الأفراد إلى إيجاد جهاز يدبر هذا التعايش بينهم ويضمن استمراره، هذا الجهاز هو الدولة، وهو جهاز أثار حوله عدة نقاشات فلسفية تمحورت حول تعدد وتنوع الغايات الني من أجلها وجد هذا الجهاز، والتي أعطته مشروعية التواجد، إضافة إلى تنوع طبيعة السياسة التي تمارسها الدولة والتي قد تتخذ شكل حرب وقتال، قد كما تتخذ شكل توافق واعتدال، وأخيرا المفارقة التي تميز العلاقة بين غاية الدولة التي تتمثل في تجسيد قيمة الحق، ووسيلة هذا التجسيد التي تتخذ شكلا عنيفا، وهذا ما طرح علينا معالجة الأسئلة الموالية: لماذا ظهرت الدولة؟ ومن أين تستمد مشروعيتها؟ ما هي المظاهر التي تتخذها ممارسة السلطة السياسية؟ هل الدولة جهاز لتجسيد الحق أم العنف؟ المحور الأول: مشروعية الدولة وغاياا : – أ غاية الدولة: الحرية والأمن: إن الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليست السيادة في – نظر باروخ اسبينوزا بل – إتاحة الفرصة لأجسام الأفراد وعقولهم بأن تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام ودون خوف، بحيث يتسنى أن لهم يستخدموا عقولهم استخداما حرا، لأن الحق الوحيد الذي تخلى عنه الفرد هو أن في حقه يفعل ما يشاء، وليس في حقه التفكير والتعبير، أن أي يحتفظ قدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة، وفي العمل دون إلحاق الضرر بالغير . إذن فالغاية الحقيقية من قيام الدولة – حسب اسبينوزا – هي حرية التفكير، وضمان الأمن للأفراد، ومن يسلك ضد مشيئة السلطة العليا يلحق الضرر بالدولة. ب – الدولة تحقق للروح المطلقة: إن الدولة في – نظر فريديريك هيغل – هي التحقق الفعلي للروح المطلقة، وهي فكرة عقلانية موضوعية وكونية ذات طابع أخلاقي، كما أا تمثل إرادة جوهرية متجلية، وبينة لذاا، تعرف ذاا وتفكر فيها، إن الدولة بوصفها تحققا للإرادة الجوهرية، هي في غاية ذاا، لا يتوقف دورها ووظيفتها على الحماية والأمن، ولا يختزل في فرض السيادة والإخضاع، بل في – يمتد نظر هيغل إلى – نشر القيم الروحية والأخلاقية، والمبادئ العقلية الكونية، وهي قيم ومبادئ أساسية بالنسبة للمجتمع حتى يتمكن الإنسان من الاعتراف بإنسانيته . المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية : – أ السياسة صراع: ينبغي على الأمير – حسب نيقولاي ماكيافيلي أن – يستخدم كل الوسائل المتاحة للحفاظ على السلطة، وذلك بالاعتماد على القوانين إن كانت كافية، وعلى القوة إن اضطر إلى ذلك، أن يكون مستقيما في سلوكه، حافظا لعهده، أمينا في أعماله، إن حافظ ذلك على ملكه، لا وأن يفي بوعد سيضيع مصلحته، وأن يلتجئ إلى المكر والخداع والتمويه للبقاء على سلطته، مع القدرة على إخفاء هذه الدولة الصفات على الناس البسطاء، لأن من يمارس الخداع سيجد دائما بين الناس من يقبل إن ينخدع بسهولة، ويجب على الأمير في – نظر ماكيافيلي أن – يستخدم كل الوسائل الممكنة للحفاظ على السلطة، سواء كانت مشروعة أم غير مشروعة. ب – السياسة اعتدال: إن حسن المُلك لدى السلطان في – نظر عبد الرحمن بن خلدون – يعود إلى الاعتدال، فإن كان السلطان قاهرا باطشا بالعقوبات شمل الرعية الخوف والذل، والتجئوا إلى الكذب والمكر والخديعة، وإن كان رفيقا م متجاوزا عن سيئام استناموا إليه ولاذوا إن به، الذكاء عيب في صاحب السياسة، لأنه إفراط في الفكر، يكلف الرعية فوق طاقتهم لنفوذ نظره، أن كما البلادة إفراط في الجمود، والطرفان مذمومان من كل صفة إنسانية، والمحمود – حسب ابن خلدون هو – التوسط، في كما الكرم مع التبذير والبخل . المحور الثالث: الدولة بين الحق والعنف: – أ العنف المادي المشروع: تقوم كل دولة – حسب ماكس – فيبر على العنف المادي باعتباره الوسيلة الناجعة لممارسة السلطة، وهكذا فالدولة المعاصرة هي تجمع بشري يطالب في حدود مجال ترابي معين في بحقه احتكار استخدام العنف المادي المشروع، وذلك لفائدته، ما إن يميز عصرنا لا أنه هو توجد جماعة سياسية، ولا يوجد فرد يكون من حقهما استخدام العنف، إلا شريطة موافقة الدولة على ذلك، وهكذا تعتبر الدولة في – نظر – فيبر هي المصدر الوحيد « للحق في» ممارسة العنف المادي. ب – دولة الحق والقانون: إن دولة الحق والقانون تؤدي إلى ممارسة معقلنة للسلطة في – نظر جاكلين روس – وهي دولة تتخذ ثلاث ملامح وهي:  الحق: الذي يتمثل في احترام الحريات الفردية والجماعية التي تتمسك بالكرامة الإنسانية ضد كل أنواع العنف والقوة والتخويف.  القانون: أن أي الكل يخضع لقانون وضعي تابع للمبدأ الأخلاقي، مع إمكانية حمايته من لدن قاض.  فصل السلط: (السلطة التنفيذية، التشريعية، القضائية ،) وهي الآلية التي تحمي الدولة من السقوط يد في الاستبداد. إن دولة الحق والقانون ليست صيغة جامدة، وإنما – هي حسب روس – عملية بناء وإبداع دائم للحرية. استنتاجات عامة: لقد أوجد اتمع جهاز الدولة استجابة موعة من الحاجيات، وتحقيقا للكثير من الغايات وعلى رأسها: الحفاظ على الأمن، وضمان ممارسة الحريات الفردية والجماعية، والتصدي للأخطار الخارجية، ومعاقبة التجاوزات في الداخل، وكذلك السهر على تربية وتكوين المواطن من خلال تعليم المبادئ العقلية، ونشر القيم الأخلاقية، ومن هذه الأهداف والغايات تستمد الدولة مشروعيتها . إن طبيعة ممارسة السلطة السياسية متعددة ومتنوعة، فقد تتخذ شكل قتال وصراع إذا كانت طبيعة الحكم استبدادية تتميز بالانفراد في اتخاذ القرار، كما يمكن أن تتخذ شكل توافق واعتدال في إطار الممارسة الديمقراطية التي تشرك الجميع في التقرير والتسيير . تتخذ الدولة المعاصرة وجهان يبدوان متناقضان ولكنهما متكاملان في نفس الآن، فمن جهة تعتبر هي الضامن الأساسي للحق متمثلا في الحريات، وتطبيق مبدأ العدل والمساواة، ومن جهة ثانية تستعمل العنف المادي المشروع لضمان ممارسة هذه الحريات، والسهر على احترام القانون، لكن إذا كانت الشرعية صفة أخلاقية، فمتى كانت للعنف هذه شرعية؟ محور الدولة بين الحق و العنف الدولة كيان سياسي و قانوني يتحد بوجود مجموعة بشرية كبرى تسكن أرضا معينة بصفة دائمة و يخضع أفرادها لنفس التشريع أو التنظيم القانوني و لنفس السلطة السياسية، إنها مجال صراع القوى و اإلرادات فإن الدولة تظهر ضمن هذا الصراع بوصفها وسيلة للهيمنة و وسيلة لضمان النظام االجتماعي إنها صراع و اندماج في نفس الوقت، إنها تحمل مفارقة في صلبها فهي جهاز قمعي و ضامن للحريات و الحقوق في نفس الوقت. فكيف يمكن للدولة تحقيق غاياتها األخالقية من خالل االعتماد على وسائل الأخالقية؟ هل عنف الدولة مشروع أم غير مشروع؟ أ ال تتوفر الدولة على وسائل سلمية لتحقيق غاياتها أم غاياتها تبرر وسائلها؟ هل عنف الدولة شر ال بد منه؟ عنف الدولة اتجاه المواطنين و الخصوم ممارسة ضرورية و مشروعة غايتها المصلحة العامة. عنف الدولة شر ال بد منه: دافع مجموعة من الفالسفة و علماء االجتماع عن العنف كممارسة سياسية ضرورية إنه شر ال بد منه. و قد عملوا على تبريره و تصوروه كوسيلة أساسية تعتمدها الدولة في ممارسة سلطتها وتحقيق مجموعة من الغايات و نجد هنا كال من الفيلسوفين “ماكيفلي” و “هوبز”. لقد دعى ما كيفلي في مؤلفه الشهير األمير ليكون قويا كاألسد وماكرا كالثعلب أي دعاه إلى التسلح بعنف جسدي و آخر رمزي و برر اسعتمال هذين النوعين من العنف بكون السياسة ليست سوى صراع حول السلطة و لكي يحافظ الحاكم على سلطته و هيبته و النظام العام ال بد له من اعتماد كل الوسائل المشروعة و غير المشروعة و ما دام الخصوم أشرارا من المستحيل هزمهم من خالل اعتماد وسائل أخالقية بالنسبة لماكيفلي القوانين غير كافية لذا يجب االستعانة بالعنف. في نفس اإلطار نجد تصور الفيلسوف االنجليزي طوماس هوبز الذي دافع عن حاكم قوي له الحق في ممارسة القوة للحفاظ على السلم و األمن لذا شبه هوبز الحاكم بالتنين الذي يحمي األسماء الصغيرة من بطش األسماك الكبيرة. لقد ربط كل من هوبز و ماكيفلي بالحاكم المستبد و النظام االستبدادي أما عالم االجتماع األلماني “ماكس فيبر” فقد ربط بين العنف و الدولة المعاصرة الديموقراطية التي تمارس العنف بشكل مؤسساتي و مقنن و مراقب من طرف أجهزة الدولة. يعرف ماكس فيبر الدولة بالجهاز الذي يحتكر استعمال العنف المشروع حيث ال يحق للفرد أو الجماعة ممارسة العنف المادي إال بموافقة الدولةو هذا العنف يسميه “ماكس فيبر” بالعنف المشروع. عنف الدولة اتجاه المواطنين كممارسة سياسية غير مشروعة غايتها المصلحة الخاصة. هناك الكثير من الفالسفة الذين نظروا إلى عنف الدولة كممارسة سياسية غير مشروعة و ال أخالقية غايتها الحفاظ على مصالح فئات معينة. فالماركسية نظرت إلى عنف الدولة كوسيلة قمعية للحفاظ على مصالح الطبقة البورجوازية إلى جانب هذا العنف المادي تحدث الفيلسوف الفرنسي الماركسي “ألتوسير” عن أجهزة الدولة االيديولوجية القمعية التي ال تقل بطشا و قوة من األجهزة القمعية. و نخص بالذكر المؤسسات الدينية و اإلعالمية و التربوية التي تنشر الوهم و تزيف الواقع لصالح من يملك . هذه األطروحة طورها عالم االجتماع الفرنسي “بيير بورديو” في نظريته “إعادة النظام اإلجتماعي” ، حيث تجند الدولة مجموعة من المؤسسات التي تبدو بريئة و محايدة إلعادة إنتاج نفس الوضعيات االجتماعية كالمدرسة التي تورث أبناء الطبقات الكادحة وضعية الدونية بينما تورث أبناء الطبقات الراقية وضعية التفوق إعادة بناء نفس النظام االجتماعي ينعته بورديو بالعنف الرمزي ذلك العنف اللطيف الذي قد تمارسه الدولة من خالل المدرسة أو اإلعالم على مواطنيها بتواطئ منهم . عنف المواطنين اتجاه الدولة المستبدة عنف مشروع هناك مجموعة من المفكرين الذيا شرعنوا عنف المواطنين اتجاه الدولة المستبدة و دعوا إلى التمرد و االنتفاض و الثورة. و في مقدمتهم التيارات الفوضوية التي آمنة بأطروحة مجتمع أفضل من دون دولة. دعى بعض الماركسيين الطبقة العاملة إلى الثورة على الطبقة البورجوازية و نعتوا هذا العنف بالعنف الثوري . تقوم الفوضوية في أساسها على رفض جميع اشكال السلطان المتمثل باالشخاص والمؤسسات والقوى التي من طبيعة وجودها ان تسيطر على االنسان الفرد أو على الجماعة وتملي عليهما ارادتها ونفوذها. فكل ما هو تنظيم مقونن يحد من حرية الفرد, وكل ما هو سلطة تقوم على االكراه يجب محاربتها والغاؤها ألن الفوضوية, كما يتفق على تحديد دورها باكونين, تهدم وتبني في آن واحد: انها الفوضى العارمة والتفكك الكامل للمجتمع, وبعد هذا االنفصام الثوري الهائل تتحول الفوضوية إلى بناء نظام جديد مستقر وعقالني يقوم على أساس الحرية والتضامن. ان هذا الموقف األساسي الذي تنطلق منه الفوضوية يجعلها في مواجهة مبدئية مع الدولة مفهوماَ وواقعاً ألنها تمثل السلطة, يعني الحكم والسيطرة واالكراه. يقول ستيرنر: ”نحن االثنان, الدولة وأنا, أعداء (… )فكل دولة انما هي طغيان, أكانت طغيان فرد أم طغيان مجموعة … وليس للدولة إال هدف واحد: تحديد الفرد وتكبيله والحلول مكانه. وهي تسعى بواسطة الرقابة والبوليس إلى وضع العراقيل في طريق كل نشاط حر, وتعتبر هذا القمع واجباً ألن غريزة البقاء عندها قد فرضته عليها“. العنف ممارسة غير مشروعة و غير أخالقية ، الممارسة السياسية يجب أن تقوم على الالعنف و التواصل. لقد رفض مجموعة من الفالسفة و علماء االجتماع الممارسة السياسية القائمة على أساس العنف. في مقدمتهم الفيلسوفة جاكلين روس التي دعت إلى عقلنة السلطة السياسية و احترام حرية و كرامة المواطنين و خلق مستمر لقوانين تضمن حريات أكثر و أوسع و ضامنة للمصلحة العامة الدولة الضامنة للمواطنين كل حقوقهم يشعرون بالطمأنينة و ال تكون هناك حاجة للعنف أو العنف المضاد. في نفس السياق نجد المناضل السياسي الهندي “غاندي” الذي أقام فصال حادا بين العنف و الالعنف مؤكدا أن الوسائل العنيفة تميز الحيوان بينما الوسائل السلمية تميز اإلنسان.كما دعى إلى مواجهة العنف القائم بوسائل سلمية ألن العنف ال يولدسوى العنف، الذي ال يمكن شرعنته أو تبريره فالعنف عنف .وأخيرا سيدعوا إلى إشاعة األساليب التي يمكن أن تقضي على العنف و تعوضه بالحب و الصداقة . يرى هابرماس أن اإلجراءات التقليدية الديمقراطية مثل البرلمانات واألحزاب، ال تمثل األساس الكافي التخاذ القرار الجماعي )ومن هنا فإن علينا إصالح المسارات الديمقراطية التقليدية وتفعيل التجمعات والهيئات المجتمعية. من أجل ديمقراطية حقيقية حسب هابرماس يجب توسيع الفضاء العمومي الذي يصلح للمناقشة حيث يتم تطارح القضايا السياسية وحيث ال يغلب االعتبار اإلداري الصرف وال يطغى منطق المصلحة االقتصادية )بمعنى أخر ال يهيمن منطق الجهاز أكان اقتصاديا “منطق السوق” أو بيروقراطيا “منطق الدولة” أو ما يدعى بالفرنسية “Etat’d Raison“وحيث يساهم الرأي العام في بعث االهتمام بالسياسة حتى ال تتحول الديمقراطية إلى تكنوقراطية، وحتى ال تغادر السياسة وال يتحول الفضاء العمومي إلى فراغ عمومي

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *