شرح مفهوم الحق والعدالة هل هو الاساس ام لا شرحه وفهمه لسنة ثانية باكلوريا

إن التفكير الفلسفي في مفهوم الحق يفترض تحديد ماهيته وهذا بالوقوف نحو خصائصه الثابتة التي تجعل تقصي العدالة ممكنا. فإذا قد كانت العدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه، فما هي الرابطة بين الحق والعدالة؟ وكيف تتحقق العدالة في ارتباطها بالحق؟

إن العدالة تجسيد للحق وتحقيق له، وذلك التجسيد لا يطلع عن محيط الجمهورية حسب سبينوزا  Spinoza. فهي العاملة على نقل الأشخاص من وضعية الطبيعة، حين تخلصهم من هيمنة الشهوة والغريزة، وتحل محلها الذهن، سعيا إلى الأمن والسلام. وهو ما يفتقر الاعتراف بالقانون الساكن الوضعي، والالتزام به، دون غيره، كضامن لحقوق الأشخاص، في محيط سلطة عليا متوافق عليها تسهر على فرضه. ويؤكد سبينوزا أن الشخص ينتهك التشريع عندما يلحق الضرر بغيره، ويرفض تعليمات السلطة العليا التي يمثلها الوالي. ويؤكد أنه لا يمكن اعتقاد انتهاك التشريع سوى في مجتمع ممنهج. ويحدد الإنصاف كاستعداد دائم لأن يمنح الشخص كل ذي حق حقه بما يتوافق مع القانون. في بمقابل هذا فالظلم هو سلب لحقوق الغير. ومن هنا تبرز الرابطة الوثيقة بين العدالة والحق. إذ لا ووجود للعدالة سوى وهي ترتبط بالحق وبالقانون داخل محيط الحياة المدنية السياسية التي تعتبر الجمهورية الديمقراطية أسمى تجسيد لها.

ارتباط العدالة بالدولة- لاسيما الجديدة والمعاصرة- وبالقانون يؤكده ايضا فون هايك Von Hayek .إذ أن العدالة ينبغي أن تتأسس على سيستم شرعي متوافق عليه، يكفل الحرية والمساواة وباقي الحقوق. كما أن العدالة ينبغي أن تكون فعلا يتعلق بالممارسة اليومية، حيث يحترم حق كل شخص، ويتعهد بمبدأ المساواة، على خلفية الإدراك والإرادة والاختيار. هذا أن التصرف العادل ليس نتاج الصدفة أو العفوية، وإنما هو مقنن ومنضبط للقانون كمرجع أسمى، لأنه يحدد نُظم العدالة، ويحافظ على المجتمع السياسي الذي تسوده الحرية وهو (التشريع) ايضاً وحده الملزم للمواطنين والمفروض على الجميع.

    وفي تحديده لماهية الحق يؤكد الفيلسوف الفرنسي ألان  Alain أن تلك الماهية تتحدد في المساواة التي تفترض معاملة الناس في مواجهة التشريع بالتساوي وبدون أي مفاضلة. يقول : “لقد تم ابتكار الحق مقابل اللامساوة”. ويرى أنه من يقول غير هذا فإنما يقول قولا بئيسا. وتحقيق حق المساواة يتعلق بالقوانين العادلة التي تضعها الجمهورية للعمل على تقصي العدالة عن طريق صيانة الحق وضمانه للجميع بلا مفاضلة وبغض البصر عن المتغيرات والتفاوتات المتواجد بين الناس سواء كانوا رجالا أو سيدات كبار أو صغارا…وبهذا المعنى لا يمكن اعتقاد عدالة سوى وهي ترادف المساواة في الحقوق وتدل عليها.

    تشييد على ما في وقت سابق تعتبر العدالة أساس الحق لأنها تقوم على المساواة في الحقوق وهو ما لا يمكن أن يتحقق سوى داخل الجمهورية باعتبارها شركة سياسية تقوم على الشرعية وعلى التعاقد ووضع النُّظُم والقوانين التي تعتبر مرجعا للحقوق المدنية. بل ربط العدالة بالمساواة المطلقة قد يترتب عليه بغي لفئات اجتماعية محددة ما يفرض توسيع ميدان العدالة ليشمل مفهوما آخر هو العدل. فهل تتحقق العدالة بالمساواة أو بالإنصاف؟

تقديم عام للمفهوم

في لسان العرب نجد الحق نقيض الباطل,وفي معجم لالاند الحق ما لا يحيد عن قاعدة أخلاقية,ويعني ما هو مشروع وقانوني بمقابل ما هو غريزي وطبيعي . وفي التبادل اللغوي الحق يقصد اليقين والاستقامة والثبات, فعندما “أقول أنا على حق” أقصد “أنا على يقين”والحقLE DRIOT  مشتقة من اللفظ اللاتيني DIRECTUM  ما هو مستقيم ولا التواء فيه.

كما أن الحق قد يعني به هذه الشدة المجرة والمتعالية عن الأشخاص,والتي تفرض ما يلزم أن يكون في بمقابل ما فرض بالشدة  والإكراه,أي مجموع القوانين والشرائع المحددة لسلوكات الشخص وتصرفاته مع الآخر داخل المجتمع سواء كان ذلك الآخر أشخاص أو شركات .

ويدل لفظ العدالة في تداوله العام على احترام حقوق الغير والدفاع عنها كما يدل على الخضوع والامتثال للقوانين والإخلاص لواجباتنا باتجاه الآخرين.أما في اللغة العامية فتدل العدالة على الميزان وهي دلالة إلى النزاهة والتجرد والانصاف  أما العدالة نحو لالاند فهي صفة لما هو عادل أي في بمقابل من هو ظالم .

اذن ما الحق وما العدالة؟ وعند حديثنا عن الحق هل نقصد به هذا الحق الذي تهبه الطبيعة للإنسان في أن يفعل كل ما يرغب فيه ويريده أم أنه الحق الذي يتأسس على التشريع والتعاقد؟ واذا كان ذلك التشريع قد شارك في إرساء نُظم العدالة والايخاء بين بني الإنس فما علاقته بالحق ؟ أليست العدالة من تلك الزاوية هي تجسيد لقوة الحق عوض حق الشدة الذي كان سائدا؟ وهل العدالة مرادفة للمساواة,على اعتبار المجتمع العادل هو المجتمع الذي يساوي بين أفراده في الحقوق والواجبات؟أم أن العدالة الحقيقية لا تتمثل في المساواة,لكن إن كل إنسان هيئته الطبيعة وبالفطرة للقيام بأعمال والاتصاف بميزات لم تمنحها لغيره من الأشخاص ؟

المحور الأول : الحق بين الطبيعي والوضعي

بما أن الإنسان يتحدد من ناحية ماهيته باعتباره عضوية تبلور وجود الطبيعة فيه وباعتباره ذاتا مفكرة تبلور وجود الثقافة فيه,فالكلام عن الحق لا يمكن أن يستوي سوى انطلاقا من ارتباطه إما بالمكون الطبيعي وإما بالمكون الثقافي.

واذا قد كانت وضعية الطبيعة حالة مشتركة يتقاسم فيها الانسان مع سائر الحيوانات كل أعمال التصرف والمواقف والقوى العمياء – غرائز,نزوات,انفعالات…— وتبعا لهذا تتحدد مكانة الانسان في الطبيعة والحقوق التي يتمتع بها لما يتوفر عليه من قوة ,فيمثل الحق في ذلك الاطار أسمى تعبير عن الحياة المطلقة وعن التصور الذاتي للحق,لأن حدوده تتحدد بحدود الذات ومشيئتها.

إن وضعية الطبيعة لا تعرف حقا غير حق الشدة ولا قانونا غير تشريع الشدة – تشريع الغاب – فالحق الممارس في الطبيعة كما يقول هوبز يمكن الشخص من الفعل والفعل بحسب ما يحفظ طبيعته المخصصة ولو كان هذا على حساب إبادة الآخرين, وهو ما سينتج عنه حرب يكون طرفها الكل مقابل الكل.

ان الحق الطبيعي من تلك الزاوية هو الحرية المطلقة في الإجراء دون اهتمام لحواجز خارجية أو قوانين الزامية تمنعه من تصرف ما يريده ورغب فيه. وهنا يلزم الدلالة إلى وجوب المفاضلة بين الحق والقانون,فاذا كان الأول حرية تامة ومطلقة فان القوانين هي ما تلزم الشخص في تصرف الشيء أو الامتناع عنه,فهما – والكلام لهوبز – يختلفان بالشدة التي يتغاير بها الإلزام عن الحرية.

وفي نفس الاطار يذهب اسبينوزا ,إذ يُعد أن تشريع الشدة ينطبق على كل الموجودات والكائنات ,فمن حق الشديد أن يتحكم في الهزيل ومن حق السمك العظيم أن يأكل السمك الضئيل.فالحق الطبيعي يطول بمقدار امتداد تمكُّن الشخص وقوته,فيكون الحق الطبيعي غير اجتمع للتجاوز ,إذ يوجد هو الأوحد الذي يقضي حياة الإنس,فكل ما يشاهده الإنسان حسنا وتكون له التمكن من فعله سوى ويفعله , وليس الحق الطبيعي غير هذا.

وذلك الحق وفق اسبينوزا يتحدد حسب الرغبة والقدرة لا حسب الذهن السليم,وما ظلت أعمال ورغبات جميع الناس لا تتفق مع قوانين الذهن نظرا لحالة الجهل المطبق التي يولد عليها الجميع، إستيعاب مضطرون لأن يحيوا ويبقوا تحت دافع الشهوة وحده,لأن الطبيعة لم تمنحهم سواه.وبذلك فكل أداة مباحة سواء قد كانت قوة,مخادعة أو بالصلوات,ومن يمنعني من تصرف ما أشتهيه يصير عدوا لي.ومن هنا انتشار الأنانية ,الكراهية , القساوة والخداع… بل استمرار ذلك الحال وتشبت كل شخص بحقه الطبيعي سيؤدي إلى تضاد الحقوق والنهاية سوف تكون مأساوية.

ومن الجدير بالذكر إلى أن كل من هوبز واسبينوزا متفقين على أن الحق الطبيعي يتوعد حياة واستقرار الأشخاص,الشأن الذي يدفعم للبحث على الحياة آمنة مطابقة لمقتضيات الذهن

ويقترح هوبز طريقتين بهدف تخطى حرب الكل مقابل الكل تتمثل الأولى في أن يحد الإنسان ويتنازل عن بعض من سلوكاته المهددة للغير وإما أن يوكل إلى والي قوي – ديكتاتور- هامة اختيار أنجع الوسائل لحماية شعبه ومصالحه .

أما اسبينوزا فيؤكد أن هناك دافعين حتما على الانسان الانتقال من الوضعية الطبيعة الى وضعية المدنية :

يتمثل الأول في الاعتبارات الوجدانية الطموح فالإنسان مجبول بالفطرة على العيش بالأمن والأمان,أما  الثاني فيتمظهر في الاعتبارات العقلية اذ كل انسان يشاهد مصلحته في العيش بحسب مقتضيات الذهن لأنه ميزان صحيح،وفي كلتا الحالتين سواء مع هوبز أو اسبينوزا نكون قد تجاوزنا الحق الطبيعي الى الحق الثقافي الوضعي.

موقف روسو:  ينطلق روسو في كتابه العقد الاجتماعي من وضع المفاضلة بين ما كان عليه الانسان في حال الطبيعة والحال التي يصير عليها مع حال المدنية .فبعدما كان الاحتكام الى قوة القوانين الطبيعية والفيزيائية,أي تشريع الشدة, بات الإنسان لين بحسب الشدة القانونية التشريعية والأخلاقية,وما تلك الشدة الا الحق الثقافي الذي تواضع عليه الناس واتفقواعليه فيما بينهم وهو ما بات يعلم بالتعاقد الاجتماعي .

فاتسمت إجراءات الناس في الحق الوضعي بالعدل,الأدب وتبجيل اللازم,بعد أن صاروا يستشرون أذهانهم لا ميولاتهم ورغباتهم .إن الفوائد الكثيرة والمتعددة التي اكتسبها الإنسان في الحق المواطن هي من أهلته لأن يغدو كائنا ذكيا بعد أن كان حيوانا بليدا,ولم تعد الحرية كما قد كانت في الحق الطبيعي هي الفعل بحسب الرغبة والقوة ,لكن إن الحرية المدنية مسجلة بالمصلحة العامة لا بالمصالح الأنانية للأشخاص.

إن روسو قد أرسى نُظم المؤتمر المواطن على خلفية الحرية والمساواة عن طريق الانتقال بالانسان من كائن حيواني إلى كائن إنساني,ورغم ما يفقده في العقد الاجتماعي من حريته الطبيعية والحق غير المقيد الذي كان له على كل ما يستهويه ويجنيه ويمكنه الوصول إليه,فقد أكسبه في المقابل – والكلام لروسو- ملكية جميع ما يقتنيه, أي أن الامتلاك في الحق الطبيعي لا يكون طول الوقت.اذ بامكان الشديد أن لديه ما يملكه الهزيل,وحتى ذلك الشديد فوقه من هو أشد منه, فالملكية مؤقتة ,بعكس الحال في الحق الوضعي فالملكية مستدامة .ومن هنا نكون قد انتقلنا من حق الشدة الى قوة الحقيقة.

ملخص تركيبية  إن الانتقال إلى الوضعية المدنية لايعني أن الانسان يفقد كل الحقوق الطبيعية ,لكن إن الحياة المدنية هي من سيتكفل بضمنان الحقوق الطبيعية وتقنينها بعيدا عن الأنانية والذاتية,وهو ما سيعرف بالحقوق المدنية وهي مجموع الحقوق التي ترجع للإنسان بحكم إنسانيته وبحكم طبيعته ككائن عاقل,حر ومريد…ومن هنا فالحق الوضعي يتأسس على الحق الطبيعي شريطة التقنين والتوجيه,فالحق في العيش والأمن والحماية … منشؤها الحق الطبيعي بل خوفا من عبث الغير بها تم اتخاذ قرار الاتفاق على صيانتها وضمانها للجميع باستحداث تكثل جماعي له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات وهو ما يعلم بالتعاقد الاجتماعي لولوج الحياة الاجتماعية .

المحور الثاني : العدالة أساس الحق

في المحور السالف توصلنا إلى أن الحق الوضعي لا ينفي الحق الطبيعي ويلغيه بمقدار ما يقنن أفعال الناس في حالة حديثة هي حالة المجتمع الساكن الخاضع للقوانين والتشريعات، المراعية للمصالح العامة للأشخاص عوض حالة المجتمع الغابوي الخاضع لقانون الشدة والجبروت .

هكذا يتضح لنا أن  الحق الوضعي الجاري على التعاقد والقوانين قد أرسى مبدأ احترام حقوق الأشخاص في بمقابل التزامهم  بمجموعة من الواجبات اتجاه بعضهم بعضا بهدف تقصي العدالة الاجتماعية والمساواة والايخاء. وهو الشأن الذي  دعت له مجموعة من القوانين والأعراف العالمية فيما بات يتعارف عليه بالحقوق الكونية, الأمر الذي يدفعنا إلى ولوج الحقل الاشكالي بطرح مجموعة من التساؤلات نحدد بعضها على النحو التالي : ما طبيعة الرابطة بين الحق والعدالة ؟ هل العدالة أساسها الحق وذلك الأخير تجسيد لها ؟ واذا قد كانت العدالة تتأسس على الحق ـ أي التشريع ـ هل كل القوانين سوف تكون عادلة؟ أم أن هناك بعض القوانين لا تجسد العدالة بمقدار ما تجسد البغي والجبروت ؟

إن أول إجابة فلسفية عن رابطة العادلة بالحق قد كانت مع الفلاسفة الاغريق لاسيما مع الفيلسوف أرسطو طاليس، فمفهوم العدالة حسب ذلك الأخير يلزم أن يفهم في ارتباطه  بالنقيض له، فالعادل هو نقيض الظالم، وذلك الأخير هو من يتصرف خارج حواجز التشريع والشرائع المتعارف عليها ـ الحق الطبيعي ـ إذ يحاول أن للهيمنة والتصرف خارج الحقوق الكونية وإن كان هذا على حساب حقوق الغير. ضد العادل الذي يخدع سلوكاته وتصرفاته للضوابط القانونية مراعيا في هذا مبدأ المساواة، فكل سلوك لا يتعهد بالقوانين هو سلوك ظالم وكل سلوك خاضع للقانون هو سلوك عادل .

هكذا يخلص أرسطو إلى أن جميع الممارسات القبول للقانون نستطيع أن نقول عنها أنها إجراءات عادلة تهدف الى حراسة المصلحة العامة أو مصلحة أولياء الامور ـ الحكام ـ وبذلك فهي ممارسات فاضلة .

فالعدالة من منظور أرسطو في دلالتها العامة هي الرابطة التي تربط الأشخاص بالمؤسسات الاجتماعية وتكون مرادفة للفضيلة  التي يصفها أرسطو بأنها  أروع من نجوم العشية وكوكب الغداة ،فالإنسان الفاضل هو الانسان الخاضع للقانون.

فخضوع التصرف الانساني إلى حزمة القوانين المتعارف عليها ،أو كما يسميها اسبينوزا” بالحقوق المدنية “،هو ما يجعل العدالة تتحقق بين أشخاص  المجتمع .إذ أن المبدأ الذي يحدد سلوك الناس نابع من الذهن بعد أن تم إنقاذ الناس من هيمنة الشهوة العمياء.وعلى ذلك الأساس نجد باروخ اسبينوزا  يُعد أن هناك مبدأ تقوم عليه الجمهورية الديمقراطية هو وضع قوانين تمر قوانين الشهوة التي هي المصرح بالخبر الرئيسي لكل كراهية وفوضى.

 من هنا يتحدث ذلك الأخير عن التشريع المواطن التي تحدده السلطة العليا والذي يلزم على الأشخاص احترامه للمحافظة على حرياتهم و مصالحهم المشتركة وذلك التشريع هو الذي تتجسد عن طريقه العدالة التي تتمثل في اعطاء كل ذي حق حقه، ولذا يدعو اسبينوزا القضاة المكلفين بتنفيذ التشريع الى معاملة الناس بالمساواة والانصاف بهدف ضمان حقوق الجميع فليس عليهم أن “يحسدوا الغني ولا يحتقرون الفقير ” لكن يلزم التداول معهم استنادا للقانون باعتبارهم قوم لا باعتبارهم أغنياء أو محتاجين .

 يتضح إذن أنه لا يمكن اعتقاد عدالة خارج القوانين التي تتكلف الجمهورية بتطبيقها كما لا يمكن اعتقاد تمتع الناس بحقوقهم خارج القوانين العادلة، فالعدالة والحالة هته  هي تجسيد للحق وتحقيق له إذ لا يبقى حق خارج قوانين الجمهورية وإلا فسنكون في مواجهة عدالة الطبيعة التي استحال فيها تمتع الجميع  بحقوقهم المشروعة في الحرية والأمن والاستقرار.

إذن فالعدالة الحقيقية هي التي تتأسس على التشريع الذي تشرعه الحكومة العليا في الجمهورية ،وهته الأخيرة هي التي لها هامة السهر على تنفيذه تحقيقا للعدالة و حراسة للمصلحة العامة ،فالحق من تلك الزاوية لا يكون حقا ما لم تضعه وتقره الجمهورية وتعترف به .

وفي ذلك التوجه يؤكد آلان أن الحق لن يكون عادلا ما لم يتم الاعتراف به من طرف السلطة القائمة ،إن عدالته مرتكزة على الاعتراف به وإلا سقطنا في الحق الطبيعي المؤسس على الشدة والغلبة واللاعدل .

ويعزز آلان موقفه بأمثلة من الواقع المعاش اذ يُعد أن الإقامة في بيت لفترة ثلاثين عاما ليس دليلا على صحة الملكية ما لم ينتج ذلك حكما من الحكومة وعلى رؤوس الأشهاد بأحقية المدني للمنزل ،فالحق في الملكية لم يأخذ صفة الإنصاف سوى بعد اقرار واعتراف الحكومة به .

نخلص إذن إلى أن الحق كقانون يؤطر سلوك الناس ويجعله ينسجم ويتناغم مع فكرة العدالة،خاصة لو كان ذلك التشريع راسخ من طرف الجمهورية ،بل هل نستطيع باستمرار أن نحتكم للحق لتحديد ما هو عادل أو غير عادل ؟ ألا يمكن للقوانين أن تكون جائرة وهاضمة للحقوق المشروعة ؟

ينطلق شيشرون من كون الحق لا يتجسد باستمرار عن طريق قوانين الشعوب ،إذ يشاهد أن الشركات والقوانين لا يمكن أن تشكل أساسا للحق، طالما هناك قوانين يضعها الطغاة لخدمة مصالحهم المخصصة ضاربة بعرض الحائط اهتمامات وحقوق باقي الناس ،لهذا دعى شيشرون إلى إنشاء العدالة تأسيسا عقليا،فالحق الأوحد هو الذي يؤسسه تشريع واحد مرتكز على نُظم الذهن السليم الذي يشرع ما يلزم فعله وما يلزم اجتنابه ،ومن ناحية آخرى يذهب شيشرون إلى القول بـأنه” لن تبقى عدالة ما لم تبقى طبيعة صانعة لها ” وما تلك الطبيعة الخيرة إلا الذهن السليم والمتمثلة في ميلنا إلى حب الناس الذي هو أساس الحق ،و” ما دام لم يقم الحق على الطبيعة فان جميع الفضائل ستتلاشى 

فالحق يتأسس حسب شيشرون على نُظم الذهن لا على المنافع والقوانين الجائرة ،فالعدالة المؤسسة على الامتثال للقوانين المكتوبة ولمؤسسات الشعوب والمنافع الذاتية للطبقة الحاكمة، سوف تكون عرضة للاستخفاف والانتهاك لكل من تعارضت منفعته مع القوانين، الأمر الذي سيخلق لنا جوا من اللاعدل واللااستقرار ، من هنا وجوب الفصل بين العدالة والمنفعة وهو فصل يدشن لفضيلة مرتكزة على الحب والتبجيل كأساس للحق .

ويجب أن نشير إلى الطابع المثالي لأفكار شيشرون ،إذ أن الناس في الواقع لا تصدر عنهم طول الوقت سلوكات حسنة وخيرة ،إما بسسب نزوعاتهم الغرائزية العدوانية أو بسسب المشاحنة على المصالح، وكل ذلك داخل في التكوين الطبيعي للإنسان ،بل ما يلزم التركيز عليه أن التشريع الحق والمبدأ الأساس الذي يلزم أن يسود التصرف الانساني عامة نابع من الاحتكام إلى ما بات يتعارف عليه بالحقوق الكونية السامية، والمترفعة عن أي تطلعات أو أطماع لطبقات محددة أو أشخاص معينين ،فالكرامة الإنسانية والعدل والمساواة شكلت جميعها القاعدة المطلقة لكل قانون والنواة الحقيقية للإعلان الدولي لحقوق وكرامة البشر، وفي ذلك الحين شكل ذلك الأخير مرجعا عالميا لما يحتويه من حقوق لا يجوز الإجراء فيها ويتوخى منه أن يكون معيارا مشتركا تقيس به مختلَف الشعوب والأمم منجزاتها غرض الإنشاء والاعتراف بحقوق الإنسان  المبنية على العدالة والمساواة .

بل الناس مختلفون بطبعهم ومتفاوتون إن على مستوى المؤهلات والمزايا أو على مستوى المراتب الاجتماعية ،فهل يلزم أن نطبق التشريع عليهم بالتساوي أم يلزم انتباه روح تلك القوانين لانصاف كل واحد منهم ؟

المحور الثالث : العدالة بين الانصاف والمساواة

إذا قد كانت غرض القوانين هي تقصي السعادة البشرية، عن طريق الشغل على أصدر العدالة بين أشخاص المجتمع، ذلك الأخير الذي يعلم مجموعة من التغيرات بين أفراده إن على مستوى المؤهلات والمزايا، أو على مستوى المراتب والمناصب الاجتماعية والاقتصادية، فهل العدالة الحقيقية تتجلى في المساواة بين أشخاص المجتمع بغض البصر عن التغيرات السالفة الذكر؟ أم أن العدالة الحقة هي العدالة الآخذة بعين الاعتبار التفاوتات الطبيعية المتواجدة بين أشخاص المجتمع  وبذلك فالتطبيق الحقيقي لها يلزم أن يتصف بالانصاف لا بالمساواة ؟

يقسم أفلاطون أشخاص المجتمع تبعا للتقسيم الذي وضعه لقوى النفس فاذا قد كانت النفس تنقسم الى النفس الشهوية ،الغضبية والعاقلة، وقد كانت تلك الأخيرة، مستعدة بالطبيعة للتسيير والسهر على النفس الشهوية والغضبية، فكذلك المجتمع ينقسم الى ثلاث طبقات: هم الحكماء والجنود والحرفيون، والعدالة الحقيقية وفق أفلاطون هي التي تجعل كل من الأطفال والنساء والعبيد والأحرار والصناع والحاكمين والمحكومين يؤدون عملهم دون أن يتدخلوا في عمل الآخرين، أي أن يتصرف كل شخص بحسب الهامة التي أهلته الطبيعة لأدائها، فكما منحت الشدة العضلية للجنود وأهلتهم للاتصاف بالشجاعة، بهدف الحراسة عن المدينة من الأخطار المحدقة بها، فقد منحت الفلاسفة قوة عقلية، وأهلتهم للاتصاف بالحكمة بهدف تسيير شؤون المدينة .وما الشجاعة والحكمة وكذا الاعتدال سوى فضائل،  وتبقى ذروة تلك الفضائل هي المتجسدة  في العدالة، والعدالة المنصفة بالضبط، فلا يمكن المساواة بين الحكماء والحرفيين والجنود .

إن فكرة المساواة المطلقة والسعي الى تحقيقها على أرض الواقع، توجد مجرد فكرة تخاطب العواطف ولن تجد العون والتأييد سوى على لسان المثاليين، لأن الذهن السليم سيرفض مثل هكذا مواقف، وهذا اعتبارا أن الناس وجدوا متفاوتين ومتمايزين عن طريق طبائعهم،استعداداتهم ومؤهلاتهم …ولا يمكن بأي حال من ظروف وضعهم على قدم المساواة دون اهتمام التمايزات والاختلافات المتواجدة بينهم .

ان القيم الانسانية حسب فرديريك نيتشه وضعت على مرجعية “إرادة الشدة” لهذا قسم الناس الى قسمين: أقوياء وضعفاء، فهناك قيم وأخلاق الأقوياء، وقيم وأخلاق الضعفاء، فالعبد هو من يتخلق ويطلب السلام والحرية والمساواة … لأنه يرغب في أن يحيى حياة المحافظة على المكوث. أما السيد فهو الذي يفضل الصراع، مجابهة المشاكل ليزداد قوة .

إذن فالذين ينادون بالمساواة إنما من الحقد والكراهية ينطلقون، الحقد والكراهية اتجاه الأفراد الذين هم في أعلى درجات السلم، ذلك ما شدد عليه ماكس شيلر فمن ينادي بالمساواة ليس هو من لديه قوة او نعمة، لكن هذا الذي يخشى الفقدان ويوجد في أدنى درجات السلم . والنتيجة التي يتم الوصول إليها بعد ترويج ذلك الكلام الرومانسي الوجداني ــ الدعوة للمساواة المطلقة ــ هي الحالة الحرجة واللانظام .تلك الحالة الحرجة واللانظام هما ما نجد تجسيدا لهما في الفكر الماركسي، اذ أن الدعوة للمساواة بين الطبقة البرجوازية والطبقة البروليتارية ستؤدي بنا الى المناحرة والبلبلة: المشاحنة على امتلاك وسائل الانتاج، والبلبلة حصيلة الثورة التي ستقوم بها الطبقة التي تعمل على البرجوازية، والغاية المحركة لكل ذلك، هي السعي الى تقصي المساواة بين الطبقات، بل تلك الفكرة وكما تمت الدلالة إليها توجد فكرة مثالية، تطمح ما ينبغي أن يكون أما الواقع المعاش فهو على النقيض من هذا .

فالعدالة لا تتمثل ــ حسب شيلرــ في المطالبة بالمساواة المطلقة بين الناس، لأنها مساواة جائرة، مادامت لا تراعي الفروق بين الأشخاص فيما يخص الطباع والمؤهلات التي يتوفرون عليها. فالعدالة المنصفة هي التي تراعي هته التغيرات والتمايزات، ومن البغي أن نطالب بالمساواة المطلقة بين جميع الناس، لكن إن خلف تلك الدعوة رغبة دفينة في قلص مستوى الأفراد المتميزين الى مستوى الأفراد الذين هم في أدنى الدرجات .

وبالرجوع الى الفلسفة اليونانية مع تلميذ أفلاطون يُعد أرسطو  أن الإنصاف والانصاف متطابقين بل رغم هذا يوجد الانصاف هو الأجود، ولفهم تلك الفكرة يلزم العودة الى تصوره للعدالة .

يشاهد أرسطو أن للعدالة دلالتين:

 إشارة عامة: وتعني رابطة الشخص بالمؤسسات الاجتماعية وتكون هنا مرادفة للفضيلة أي الامتثال للقوانين،فالانسان الفاضل هو الانسان الخاضع للقانون، وهي من تلك الناحية عامة متعلقة بكل أشخاص المجتمع ومدى امتثالهم للمنظومة القانونية .

أما الإشارة المخصصة: وتعني رابطة الشخص بالفرد وهذا عن طريق اقتناع كل عضو من أعضاء المجتمع بما عنده من دون الطمع فيما نحو الأشخاص الباقين، وهي بدورها تنقسم الى قسمين: العدالة التعويضية، ونقصد بها إرجاع الحقوق المغتصبة والمنتهكة إلى أصحابها في ميدان تداولات الناس

العدالة التوزيعية: ونقصد بها توزيع الخيرات والمناصب والشرف وكل شيء، وفق ما يستحقه كل شخص اهتمام مع النظم الاجتماعية التي ينتمون إليها  ــ فمثلا  أولاد الفلاحين لايستحقون المناصب العليا في الجمهورية ــ .

فالعدالة حسب أرسطو في بعدها الحقيقي هي تكريس للسيطرة الطبقية، مع انصاف الأشخاص الذين هيئتهم الطبيعة بأن يكونوا ذوي شرف ومناصب،على حساب آخرين وجدوا في الطبيعة كعبيد وخدم، إذ لا يجوز المساواة بين السيد والعبد في مواجهة التشريع المميز بالعمومية في الألفاظ، لكن يلزم اهتمام روح القوانين عن طريق الانصاف، فالعدالة الحقة هي عدالة الانصاف

إلى هنا يكون كل من أفلاطون وأرسطو قد أسسوا العدالة على الانصاف، فالكل مهيء لما خلاق له ووجد عليه في الطبيعة ولا ميدان لتجاوز الحدود التي وضعتها الطبيعة للأشخاص .

وفي نفس النظام يذهب جون راولز :إذ يشاهد أن العدالة تتأسس على مبدأين: مبدأ المساواة ومبدأ اللامساواة

المساواة في الحقوق والواجبات، واللامساواة الاجتماعية والاقتصادية، كاللامساواة في السلطة والثروة. وهو إلى حواجز تلك الفكرة متفق مع أرسطو، سوى أن الإضافة التي أتى بها راولز في كون الإنصاف الحقيقي هو بدل الأشخاص الأقل حظا باستفادتهم من الحصيلة والسلطة .

فان كان أرسطو يشاهد بأن يوجد الأشخاص الأقل حظا في وضعياتهم الاجتماعية دون التطلع إلى الفئات الأخرى، فان راولز سيضيف مفهوم حديث هو” التعاون الإرادي ” ويعني به أن نوفر للأعضاء الأكثر حرمانا في المجتمع فرص زيادة عن أولائك الذين لا يوجدون في تلك الحالة البئيسة .

فالعدالة لا تعني هنا المساواة، ولكن مسعى انصاف الأشخاص الأقل حظا والمهمشين دون أن نجعلهم في حالة متساوية لباقي الأشخاص الآخرين .

من هنا نكون قد حققنا نوعا من الرخاء للجميع، وبدون ذلك التعاون لن يستفيد أي أحد من الرخاء فعلى الأعضاء الأكثر حرمانا ألا يكبحوا ويمنعوا الطبقات الأكثر حظا من السيادة والإتساع والعمل، كما على هؤلاء الآخرين أن لا ينسوا الفئات المهمشة داخل المجتمع .

فالعدالة الحقيقة ــ والكلام لراولزــ لن تمنعنا من استعمال الموهوبين الطبيعية التي تخلقها الصدف والظروف الاجتماعية، بوصفها أسباب عون في البحث عن عوامل المَزايا السياسية والاجتماعية، لكن لا مفر من انصاف المهمشين والأقل حظا، عن طريق مساعدتهم وفتح الآفاق لهم وفي الوقت ذاته انصاف الأعضاء الأكثر حظا .

ملخص تركيبية

إن العدالة الحقيقية هي العدالة القائمة على المساواة والانصاف سويا، المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع الأشخاص، باعتبارهم أعضاء يخضعون لنفس التشريع، وذلك الأخير هو الفصل والحكم بين المدنيين، دون انتباه لقرابة أو نسب أو مركز وظيفي أو شرف … وهنا سوف تكون المساواة هي التجسيد الفعلي للعدالة، ومن ناحية آخرى كل مجتمع يضم أشخاص مميزين بما يملكون وما يتصفون به من فوائد، هي غير متاحة نحو بقية الأشخاص، وسنكون قد ظلمنا هؤلاء إن نحن ساويناهم مع أولائك، فالعدالة الحقيقية في مثل تلك الوضعية سوف تكون انصاف الناس على قدر مؤهلاتهم ومميزاتهم .

الحق و العدالة.

تقديم المفهوم:يقترن مفهوم العدالة بمجموع القوانين و المقاييس الأخلاقية التي يعتمدها مجتمع ما في ترتيب الصلات بين أفراده فيما يخص الحقوق و العقوبات والواجبات. للعدالة مظهران أحدهما موضوعي أو خارجي تمثله الشركات التشريعية والقانونية التي ترعى توزيع الجاري للحقوق وتسهر على تطبيق وتبجيل القوانين السائدة. بل للعدالة بعدا آخر هو البعد الأخلاقي و المعياري. فالعدالة بالإضافة غلى كونها تعبيرا عن واقع وعن توزيع محدد للحقوق،هي كذلك في نفس الوقت مثال أخلاقي كوني يتطلع الجميع لاستلهامه بدرجات متباينة، وفضيلة شخصية تهفو النفوس إليها.بل إذا قد كانت العدالة فضيلة فهل هي فطرية وذات جذور طبيعة الإنسان،أم أنها مكتسب حضاري ناتج عن المجتمع أي عن التعاقد الضمني بين الأشخاص من أجل تمشي التعايش الاجتماعي؟ وهل العدالة تقترن بالحق الطبيعي أم ترتبط بالحق الوضعي؟

يتحدد الحق بما هو مسموح به بمقتضى قاعدة قانونية أو مقياس أخلاقي، وفي محيط ترتيب اجتماعي محدد تعتبر تلك النُّظُم و المقاييس تجسيدا للعدالة، وينظر إليها باعتبارها أساس الحق و قاعدته،فهل يكفي التشريع لضمان الحق والعدالة؟

محور 1ـ الحق الطبيعي و الحق الوضعي.

الإشكال الموجه: هل العدالة ترتبط بالحق الطبيعي أم تقترن بالحق الوضعي؟

1ـ الحق الطبيعي ـ طوماس هوبس ـ

يميز طوماس هوبس بين الحق و التشريع: فالحق يكمن في حرية القيام بإجراء أو الامتناع عنه، في حين التشريع يجب بأحدهما. وبذلك يتغاير التشريع عن الحق بنفس الدرجة اختلاف الإلزام عن الحرية. ويعني حق الطبيعة نحو طوماس هوبس الحرية التي لكل إنسان في أن يتصرف كما يشاء في إمكاناته المخصصة للمحافظة على طبيعته المخصصة.

وبما أن الإنسان في وضعية الطبيعة، يتصرف بحسب حقه الطبيعي، وبإيعاز من طبيعته الشريرة و العدوانية،بحكم أنه”ذئب لأخيه الإنسان” فالنتيجة هي وضعية” الحرب الكل مقابل الكل”، أي حالة يكون خلالها لكل إنسان الحق على كل شيء،حتى على جسم إنسان آخر. ولذا فمع استمرار ذلك الحق الطبيعي لا يرجع ممكنا لأي إنسان أيا كان كان قويا و ذكيا،أن يكفل استمراريته طويلا. وهكذا فالقاعدة العامة للعقل منصوص بها على أنه ينبغي على كل إنسان أن يحول جهده بهدف تقصي الأمن و السلم و الثبات، وهذا بالحد من عدوانيته و كراهيته للغير، و التخلي عن حريته المطلقة و عن أنانيته، والانتقال للعيش في وجود القوانين الحالة.

2ـ تشريع و الحق الوضعي ـ جان جاك روسو ـ

يؤكد جان جاك روسو أن الحق لا يجيء من الطبيعة، لكن هو مؤسس على اتفاقات و تعاقدات. فانتقال الإنسان من وضعية طبيعة القائمة على الحق الطبيعي اللانهائي إلى وضعية الساكن أو الوضعي المقيد بالقانون، يتم عبر العقد الاجتماعي الذي يقصد نحو جان جاك روسو “خلق النسق اجتماعي إنساني يقوم بالدفاع و يحمي بالشدة المشتركة فرد كل شخص فيه و ممتلكاته بحيث لا يخضع الشخص فيه سوى لذاته،أي يوجد حرا”. ويعد جان جاك روسو أن الانتقال وضعية الطبيعة القائمة على الحق الطبيعي إلى وضعية المدينة القائمة على الحق المواطن أو الوضعي هو انتقال من العيش بحسب منطق الفطرة و الاندفاعات الجسدية و الشهوة و الميولات الطبيعية و الحرية الطبيعية اللامحدودة، إلى الحياة استنادا للعقل و الحق و صوت اللازم و العدالة و الحرية المدنية ،أي هو الانتقال من حالة كائن هو أشبه بحيوان غبي إلى حالة إنسان فطن.

المحور 2 ـ العدالة باعتبارها أساس الحق.

الإشكال الموجه: ما العدالة؟ و ما رابطة العدالة بالحق؟ و أيهما أساس للآخر؟

1ـ العدالة أساس الفضيلة ـ أرسطو ـ

تتحدد العدالة حسب أرسطو بالتقابل مع البغي. فالسلوك العادل، هو التصرف المشروع الموافق للقوانين و الذي يضمن لكل ذي حق حقه تبعا لتناسب الرياضي بينما أن التصرف الجائر هو التصرف اللامشروع المنافي للمساواة و الذي يقوم على عدم التناسب و عدم التوسط بين الإفراط و التفريط.

إن القوانين تشرّع الممارسات، وتستصدر القرارات، وغاياتها إما حراسة المصلحة العامة أو مصلحة أولياء الموضوعات، وهذا طبقا للفضيلة أو لكل ما يماثلها.فلنقل،بتعبير واحد: إن التصرف العادل هو التصرف القادر،تماما أو جزئيا، على العثور على أو حراسة سعادة الجماعة السياسية..إذن فالعدالة،بمعنى هي فضيلة كاملة، غير أنها ليست فضيلة في نفسها،لكن هي أيضاً بالنظر إلى الغير. كما تظهر العدالة بوصفها أكثر أهمية الفضائل و أروع من نجوم السماء وكوكب الفجر. ولعل ذلك ما يجعلني،عادة،نردد القول المأثور:”كل الفضائل تبقى في طي العدالة.”

2ـ العدالة أساس الحق ـ فريدريك هايك ـ

إن سلوك العادل في نظر فريدريك هايك ليس عادلا لأن من قام به إجراء على باتجاه عادل، لكن لأن ذلك التصرف مقصود من طرفه.أي أن الوضعيات العادلة هي هذه الوضعيات التي تكون متعمدة من طرف الشخص،فتنتج في الأتي عن إرادته و اختياره.

ويعد فريدريك هايك أن “العدالة الاجتماعية” أو العدالة التوزيعية”، التي تختزل عادة لدى عامة الناس في العدالة التصحيحية،كطريقة للتعبير عن الإرادة الطيبة تجاه الأقل حظا.تلك العدالة هي في الواقع بدون معنى، ما لم تندرج ضمن محيط نسق شرعي.

فالدولة، في نظر فريدريك هايك تستمد مشروعيتها من كونها تحمي الحق، وتحرص على احترام “نُظم التصرف العادل” أي احترام الملكية المخصصة، التعاقدات،حرية المبادلات…الخ هذه النُّظُم التي هي أساس المحددات والقواعد القبلية المشروعة التي تجعل من الجائز القيام حياة مشتركة.

المحور الثالث: العدالة بين المساواة و العدل.

1ـ العدالة انسجام ـ أفلاطون ـ

يشاهد أفلاطون أنع عندما يؤدي كل شخص داخل الجمهورية مهنة واحدة، هي هذه التي وهبته الطبيعة مقدرة على أدائها.فحينها تكون الجمهورية عادلة. ففضيلة العدالة هي التي تجعل كل من الأطفال و السيدات و العبيد و الأحرار والصناع و الحاكمين و المحكومين يؤدي عمله دون تدخل في عمل غيره.وتعد فضيلة العدالة الصفة التي تتيح للفضائل الثلاث الماضية (الاعتدال و الشجاعة و الحكمة) أن تأخذ موضعها في الجمهورية واشتمل استمرارها.

2ـ المساواة الجائرة ـ ماكس شيلر ـ

العدالة لا تنافي، حسب ماكس شيلر وبروز أنواع مغايرة من التباين الفكري و الاجتماعي و الاستثماري. لكن إن العدالة المنصفة هي العدالة التي تراعي متغيرات الناس و تمايز طبائعهم وقدراتهم و استعداداتهم و مؤهلاتهم. فالناس يتفاوتون فيما بينهم تفاوتا ايجابيا وخلاقا، ومن الجوار حسب ماكس شيلر التصديق بتساويهم المطلق.

ملخص عامة:يُعد الحق قيمة عليا مطلقة تحكم صلات الناس فيما بينهم. والحق غير مفصول عن القوانين النابعة من الأخلاق والذهن.وربما شكل الانتقال من الحق الطبيعي إلى الحق المواطن منعطفا حاسما سمح بـ لإنسان العيش في وجود شركات طورت إمكانياته و إمكاناته.

وإذا قد كانت العدالة تقاس بمدى احترام الحق،فلعدالة لا تعني التطبيق الحرفي للقوانين،و إنما احترام الفرد وصيانة كرامته

تعد العدالة واحدة من أكثر الموضوعات قدسیة وشیوعا في السلوك الاجتماعي، ویمكن أن تتخذ وجوھا متضاربة جدا حتى ضمن المجتمع الواحدفمن الناحیة التاریخیة، یعود إنسان وادي الرافدین أقدم مشرعي أحكام العدالة، ÿÿ إذ أن اÿÿ1604;شرائع العراقیة القدیمة تسبق أقدم ما ھو معروف منن شرائع وقوانین في سائر الحضارات الأخرى، كالفرعونیة والإغریقیة والرومانیة بعشرات القرون، فقد وضع الإنسان العراقي القدیم تصوراتھ لموضوع العدالة والظلم في صمیم نظرتھ للآلھة والكون والإنسان. فارتبطت العدالة بالنظام مثلما ارتبطت قیم الخیر كلھا بھ، وارتبطت بنشاطات الحیاة المختلفة، فقد عدھا إلھا للحق والعدل، ومزیلا للغموض وكاشفا للحقائق، فإلھ العدل ھو إلھ المعرفة نفسھ، فكان العراقیون یحتفلون في العشرین من كل شھر بعید مكرس لإلھ العدالة ” شمس ” الذي أنجب ولدین ھما ” كیتو ” و ” میستاو ” أي العدالة والحقغیر أن ھذه التمثلات ظلت خدمة للإلھ من طرف الإنسان، أما فكرة ” أن العدالة شيء عن حق كل إنسان ” فلم تأخذ في التبلور إلا في الألف الثاني ق.م، وھو الألف الذي ظھرت فیھ شرائع حمورابي. إذ یذكر ھذا الملك البابلي الذي تولى الحكم خلال المدة ( 1792 -1752 (ق.م. في مقدمة شریعتھ : ” إن الآلھة أرسلتھ لیوطد العدل في

 الأرض، ولیزیل الشر والفساد بین البشر، ولینھي استعباد القوي للضعیف، ولكي یعلو العدل كالشمس، وینیر البلاد من أجل خیر البشر، ویجعل الخیر فیضا وكثرة“. بعد ذلك أصبحت ھذه المشكلة الأخلاقیة بعناصرھا الاستفھامیة نقطة وحاولت الخوض في ماھیة

 العدالة وغایتھا وأسالیب تحقیقھا عملیا، ومن ھنا جاءت تعددیة أشكاھا : العدالة الطبیعیة، العدالة القانونیة ، العدالة الاقتصادیة، العدالة الاجتماعیة…إلخوإذا كان الاھتمام الفلسفي في مراحلھ الأولى قد اھتم وركز على المجالین الأنطلوجي، فإن الفلسفة الحدیثة والمعاصرة ستفكر في مفھوم العدالة والحق من زاویة سیاسیة، قانونیة، أخلاقیة أما مفھوم الحق فإنھ یشیر من الناحیة اللغویة إلى الیقین والاستقامة والثبات، غیر أن تنازلھ بشكل إجرائي وربطھ بالممارسة العملیة، یعطیھ مكانة في اھتمامات الفكر الفلسفي الحدیث والمعاصر فقد اعتبره” لالاند، في معجمھ الفلسفي : معیارا أو قاعدة قانونیة أخلاقیة، تؤطر علاقات الأفراد فیما بینھم داخل مجتمع سیاسي منظم، وذلك أن تنظیم الحیاة في المجتمع حسب ” كانط” ھي التي تفرض ” وجود تحكیم عادل ومنصف یطبق على المجتمع “. وإذا أردنا تحدید بعض الأصول النظریة والتاریخیة التي كان لھا الفضل في تناول مفھوم الحق نشیر إلى تراث بعض الحضارات القدیمة وتعالیم الدیانات الكبرى، وتطور الفلسفة السیاسیة والأخلاقیة في أوربا مثلنظریات العقد الاجتماعي، فلسفة عصر الأنوار، بالإضافة إلى صدور إعلانات ووثائق تاریخیة إثر حدوث ثورات اجتماعیة كبرى مثل : ثورة 1648 ،الثورة الفرنسیة 1789 ،صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948…إلخویقترن مفھوم الحق بالعدالة، حیث لا یمكن الحدیث عن أحدھما دون استحضار الآخر، الشيء الذي یدفعنا إلى الدخول في حقل استفھامي واسع نحدد بعض تساؤلاتھ كالتالي : – ھل العدالة فطریة وذات جذور في طبیعة الإنسان؟ أم أنھا مكتسب حضاري ناتج عن المجتمع ؟ أي عن التعاقد الضمني بین الأفراد بھدف تنظیم التعایش الاجتماعي ؟. – وإذا كانت العدالة ھي تجسید للقواعد القانونیة والمعاییر الأخلاقیة بما ھي” قیمة أخلاقیة یتحدد بموجب ھذه القواعد والمعاییر، حیث لا یمكن الحدیث عنھ بمعزل عن أشكال تجسیداتھ داخل الدولة، فما ھي علاقة الحق بالعدالة ؟ وھل یكفي القانون لضمان الحق والعدالة ؟المحور الأول : الحق بین الطبیعي والوضعي یؤكد الفیلسوف الإنجلیزي TH ) 1588 9 -167 (إلى كون الحق الطبیعي، یتجلى في الحریة التي یتمتع بھا كل إنسان، ومادام كل إنسان یھدف إلى تحقیق مصالحھ وأھدافھ فإن النتیجة المترتبة عن ذلك ھي نشوب حرب الجمیع ضد الجمیعفالحق الطبیعي بھذا المعنى ھو حریة التصرف والفعل، وغیاب الحواجز الخارجیة ، التي تمنع الإنسان من فعل ما یریده، ویمكن أن تمیز بین الحق والقانون ھنا، إذ أن الحق یكمن في حریة القیام بفعل أو الامتناع عنھ، في حین یعد القانون إلزاما بأحدھما – أما القیام بالفشل أو الا تم ناع عنھ- إذ یختلفان بالقوة التي یختلف بھا الإلزام عن الحریةإن أھواء الناس میولاتھم المتناقضة والمتضاربة من شأنھا أن تؤدي بالمجتمع الإنساني إلى العودة إلى حالة الفوضى التي كانت سائدة في حالة الطبیعة، فیقدر ما یحافظ كل

 واحد منا على حق القیام بما یرید بقدر ما نكون في حالة حرب، إن الحق یقتضي حسب ھوبز وضع حد لحالة كانت سائدة في حالة

 ” حرب الكل ضد الكل ” وبناء على ذلك فإن العقل الإنساني بناء على قانون طبیعي أكشف قاعدة ضرورة التنازل عن الحریة المطلقة وتعایش الإنسان مع غیره حفاظا على سلامتھ وأمنھ في إطار توافق اجتماعي وینطلق سبینوزا ( ق7( 1 من نفس التصور الذي بنى علیھ ھوبز أطروحتھ: ( السمك الكبیر یأكل السمك الصغیر) أي أن قانون القوة یسیر على جمیع الموجودات والكاتبات حیث القوي یأكل الضعیف، وفي كتابھ “رسالة اللاھوت والسیاسة”، الذي درس فیھ المجتمع المدني وأشكال الأنظمة وأسس المجتمع المدني، یرى أن الحق الطبیعي ھو حق لا یخضع لأیة ضوابط إلا ضوابط الذات، وتبعا لذلك یكون الكل موجود طبیعي حق مطلق على كل ما یوجد تحت سیطرتھ، ومن ثم یكون الحق بالنسبة للذات مطابقا لقدرتھاإن سبینوزا وإن كان یبدو ظاھریا مع ھوبز في موقفھ ، إلا انھ یلتقي معھ في نفس التصور لحالة الطبیعة، إلا أن سبینوزا العقلاني یستبعد أن تكون ھناك سلطة خارجیة، لھا القدرة على وصف حالة الطبیعة ، إلا سلطة العقل، وللتخلي عن حالة العنف والحرب یجب أن یتنازل الفرد في الحق الطبیعي عن طریق تعاھد حاسمإن الحق الطبیعي لیس لھ حدود، سوى حدود ذلك الشخص الذي یمارس ذلك الحق، لكن استمرار ھذا الوضع و تشبت كل فرد بحقھ الطبیعي سیؤدي إلى تعارض الحقوق والنھایة ستكون مأساویة، لھذا یرى سبینوزا أن العقل ھو الذي یمیزنا عن باقي الكائنات، ھكذا فإن التعاقد السلیم ھو ذلك الذي ینبني على العقل والغایة من التعاقد ھو الخروج من حالة العنف والقوة إلى حالة السلم والأمن والتعاقد بصفة عامة تحتم على الذات التحلي عن كبریائھا ولیحل ما ھو أخلاقي محل ما ھو غریزي،فحالة المجتمع أو حالة التمدن كما یسمیھا روسو (1712 8 -177 (تجعل الإنسان یضمر ما ھو أعظم، وھي الحریة الأخلاقیة وأعراف الجماعة وبالتالي یكون الانتقال من حالة الطبیعة إلى حالة المدینة وھو انتقال من حق القوة إلى قوة الحق، أي من الاحتكام إلى القوة الطبیعیة الفیزیائیة إلى القوة القانونیة التشریعیة والأخلاقیة، والقوة المشروعة في نظر روسو ھي قوة الحق، لأن حالة التمدن التي یتحدث عنھا تضمن للإنسان نفس الحقوق والواجبات، ومعھا تنتھي الحقوق الإنسانیة فیتم إقرار العدالة عن طریق عقد القوانین والاتفاقات التي تجمع بین الشمولیة وكونیة الإدارة وشمولیة وكونیة الموضوعوضمن نظرة عامة للسیادة أرسى روسو قواعد الاجتماع المدني على أساس الحریة والمساواة وتكریس حالة المدنیة من خلال انتقال الإنسان من كائن حیواني إلى كائن إنساني ، فإذا كان العقد الاجتماعي قد أفقد الإنسان حریتھ الطبیعیة الغیر محدودة، إلا انھ أكسبھ ملكیة جمیع ما یقتنیھلكن إذا كان الحق یروم إلى العدل فإن القانون لا یرقى دائما إلى ھذا المستوى لذلك فما ھو قانوني أو مؤسساتي لا یكون بالضرورة حقا، ھنا یطرح علاقة العدالة بالحق، كیف یمكن الاحتكام إلى الحق لتحدید ما ھو عادل ؟ المحور الثاني : العدالة كأساس للحقیظھر مفھوم العدالة مرتبطا بمفاھیم أخرى خصوصا في المجتمع، وارتباطھا بحقوق الإنسان وبالأخلاق ومن ثمة تطرح التساؤلات التالیة نسفھا : ھل ھناك فعلا عدالة ؟ أم أن العدالة مجرد مثال یصعب حقیقة الوصول إلیھ ؟ ھل العدالة قیمة مطلقة أم نسبیة ؟ و أخیرا ما ھو البعد الأخلاقي للعدالة باعتبارھا قیمة ؟ لقد كان السوفسطائیون من أوائل من عالجوا إشكالیة العدالة، فكانوا یعتبرون الفرد مقیاس كل شيء وعلى ھذا الأساس اعتقدوا أن العدالة غیر موجودة أو على الأرجح إنھا مفھوم غامض وقیمة لا یؤمن بھا الضعفاء، وقد أتت الأطروحة الأفلاطونیة لتصحح الفكر السوفسطائي، علما أن أفلاطون لایؤمن بالمفھوم الدیمقراطي للعدالة، حیث أكد أفلاطون بصریح العبارة أن العبید واھمون حینما یعتقدون في المساواة لأن العدالة لا یمكنھا أن تكون كذلك أبدا لأن الناس خلقوا غیر متساویین بطبعھم، ومن ثمة فإن العدالة تتجسد عملیا في المجتمع إذا انصرف كل واحد إلى ما ھو مؤھل لھ بطبعھ، فیجب أن یكون التقسیم الطبقي للمجتمع متطابقا مع تقسیم قوى النفس، القوة الشھوانیة، القوة الغضبیة، والقوة العاقلة، والحكمة تقتضي أن تخضع القوتان الشھوانیة والغضبیة إلى القوة العاقلة لتصل القوة الغضبیة إلى فضیلتھا التي تتجلى في الشجاعة إن قیمة العدالة ھي التي توجھ قوى النفس وتضمن تراتبیتھا باعتبارھا فضیلة الفضائل، وعلى غرار ذلك لا یمكن أن تضمن مدینة مثالیة في نظر أفلاطون دون أن یضم المجتمع ثلاث طبقات ( علاوة على طبقة العبد ) وھي : طبقة العامة وطبقة الجند وطبقة الحكام، وھم الفلاسفة الذین علیھم الانصراف إلى إدراك العدالة كقیمة علیا ترتبط بعالم المثلأما أرسطو وإن كان ھدفھ محاربة الفكر السوفسطائي، إلا أنھ یختلف مع أفلاطون في تمثلھ للعدالة، حیث یرى أرسطو أن العدالة تتمثل نظریا في الوسط الذھبي ( لا إفراط ولا تفریط ) الذي یستطیع وحده أن یضمن الفضیلة، وعلى ھذا تتأسس العدالة العملیة التي تتجلى في توزیع الثروات بین الأفراد بطریقة ریاضیة تناسبیة، بمعنى أن العدالة تقتضي أن یتقاسم الأفراد بینھم بطریقة عادلة الصالح والطالح، كما تتجلى في سن قوانین كفیلة بضمان الأمن والسكینة لسكان المدینة وتقوم العلاقات بین أفراد المجتمع على صداقة حقیقیة ومثالیة، لأن المؤسسة والقوانین لا یمكن أن تكون مصدرا للعدالة ما لم تكن مؤسسة على الطبیعة، ولن تكون ھناك عدالة ما لم توجد طبیعة صانعة لھا، من ھنا ضرورة الفصل بین العدالة والمنفعة وھو فصل یؤسس لفضیلة مبنیة على الحب والاحترام كأساس للحق، وفي ھذا الصدد نجد ” شیشرون ” cioceron یؤكد أن ھناك معیار أساسي للتمییز بین القوانین حیث یقول : ” فلكي نمیز قانونا حسنا عن آخر قبیح لا نتوفر عن قاعدة غیر طبیعیة ، وسیكون من باب الحماقة الاعتقاد بأن ھذه التمییزات تقوم على الحب والإخاء، فأساس الفضائل ھو حب الناس ھو أساس الحق ومتى قام الحق على الطبیعة الخیرة للإنسان كان ملزماویعتبر سبینوزا من الفلاسفة الذین تبنوا أطروحة الحق الطبیعي ودعا على تأسیس الحق الدیمقراطي، وأكد أن ھذا الحق یتلخص في أن لكل موجود حق مطلق في البقاء على وضعھ، ولیس ھناك فرق بین الإنسان والكائنات الأخرى، فلذا كل الحق في أن یتصرف وفق ما تشتھیھ وتملیھ علیھ طبیعتھ، فمن ھو بطبعھ میال إلى ” منطق الشھوة ” یتصرف وفق ھذا المنطق ( الغایة تبرر الوسیلة ) ومن ینزع بطبعھ نحو ” منطق العقل ” فإنھ یتصرف وفق ھذا النزوع، لكن لكي یعیش الناس في وفاق وأمان كان لزاما علیھم أن سعوا إلى التوحد في نظام واحد، وذلك من خلال الخضوع لمنطق العقل وحده، وبالتالي كبح جماح الشھوة وھذا أمر لا یتناقض مع الحق الطبیعي باعتبار العقل جزءا منھ، وسبینوزا ینظر للعدالة باعتبارھا تتضمن حق كل واحد في الحفاظ على حیاتھ ومصلحتھ بالتساويكما تعتبر فكرة الحق الطبیعي القاعدة المطلقة لكل تشریع والنواة الحقیقیة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقد شكل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مرجعا دولیا لما یحتویھ من حقوق لا یجوز التصرف فیھا ویتوخى منھ أن یكون مع ای را مشتركا تقیس بھ كافة الشعوب والأمم منجزاتھا قصد التأسیس والاعتراف بحقوق

 الإنسان و………، المبنیة على العدالة والمساواة وعلى الرغم من الانتقادات الموجھة للإعلان العالمي الإنسان وما یتضمنھ من

 حقوق لا یجب محاكمتھا باسم تجریدیتھا وباسم ما ھو كائن إذ تبقى ھذه الحقوق على مثالیتھا المعیار الذي تحاكم من خلالھ الحقوق الفعلیة المتاحة في الدول المعاصرة وتبقى ھذه الحقوق المثال الذي تسعى الإنسانیة إلى تحقیقھ على أرض الواقع عبر إزالة كل العراقیل المناوئة لھا وإذا أردنا تناول قیمة العدالة كأساس الحق من منظور لیبرا يل فلا یمكننا أن نمر دون التطرق لأطروحة فریدیریك فون ھایك الذي عرف السلوك العادل بأنھ سلوك یكفل الحق في منظومة قانونیة ، شرعیة ، في إطار مجتمع تسوده الحریة حیث لا تعكس العدالة دلالتھا إلى في نظام شرعي فالقانون الذي یستند على قواعد العدالة لھ مقاما استثنائیا لا یجعل الناس یرغبون في أن یحمل إسما ممیزا فحسب بل یدفعھم أیضا إلى تمییزه بوضوح عن تشریعات أخرى تسمى قوانین ولعل مبرر ذلك یكمن في أنھ لو شئنا الحفاظ على مجتمع تسوده الحریة فإن ذلك القسم من الحقوق الذي یقوم على القواعد العادلة ھو وحده الكفیل بأن یكون ملزما للمواطنین ومفروضا على الجمیعوفي نفس السیاق یؤكد الآن أن الحق لن یكون عادلا ما لم یتم الاعتراف بھ من طرف السلطة القائمة ، إن عدالتھ مبنیة على الاعتراف بھ وإلا حصل العكس حیث القوة تؤسس لحق طبیعي ، لكنھ غیر عادل ویدعم الآن موقفھ ، ھذا بأمثلة بسیطة من الوا عق المعیش ، فحیازة ساعة ووجودھا في جیب اللص لیس في أمر الملكیة مطلقا ، ویؤكد الآن على المساواة كأساس للحق حیث ابتكر الحق ضد اللامساواة والقوانین العادلة ھي التي یكون الجمیع أمامھا سواسیة ، سواء كانوا رجالا أو نساء أو أطفالا أو مرضى أو جھالا أما أولئك الذین یقولون حسب الآن أن اللامساواة من طبیعة الأشیاء فھم یقولون قولا بئیسا المحور الثالث : العدالة بین المساواة والإنصافتدور الإشكالیة العامة لھذا المحور حول تساؤل أساسي ھو كالتالي: إذا كانت العدالة تھدف إلى خلق المساواة في المجتمع ، فھل بإمكانھا إنصاف جمیع أفراده؟ وللإجابة على ھذه الإشكالیة لا بد من مقاربة بعض المواقف الفلسفیة التي تناولتھا عبر تاریخ الفلسفة یرى أفلاطون(424-348ق.م) أن العدالة تتحدد باعتبارھا فضیلة تنضاف إلى فضائل ثلاث ھي: الاعتدال والشجاعة والحكمة ، فالعدالة حسب ھذا الأخیر ھي أن یؤدي كل فرد الوظیفة المناسبة لقواه العقلیة والجسدیة والنفسیة ، فھي (أي العدالة) تتحقق على مستوى النفوس حیث یحدث انسجام بین القوى الشھوانیة والعقلیة لدى الإنسان فالضامن الوحید لتحقیق الفضیلة والعدالة ھو الدولة التي تملك سلطة القانون والحكمة وتبعا لذلك فإن الوظائف التي تستدعي قدرات عقلیة وانسجام الغرائز مع العقل ستكون من نصیب الحكماء والفلاسفة لأنھم ھم القادرون على تحقیق الحق والعدالة الشيء الذي سیختلف معھ أرسطو( 384-322ق.م ) فالعدالة بالنسبة إلیھ لم تعد صفة من صفات النفس بل فضیلة مدنیة والعدالة قد تلحقھا أخطاء لذلك فإن الإنصاف وحده یصلح قوانین العدالة فالعدالة بالنسبة لأرسطو تقوم على مبدأین ھما : المساواة والإنصاف : أي منح الأفراد ما یستحقونھ بغض النظر عن القانونما یمكن استنتاجھ من خلال نموذج أفلاطون وأرسطو ھو أھمیة العقل النظري في تحدید الممارسة سواء عند أفلاطون في تصوره للعدالة من منظور رؤیتھ للخلاص أو عند أرسطو في تصوره للحیاة السعیدة فالحكیم الذي یكرس حیاتھ للتأمل كان یخص بالتقدیر والاحترام وینظر إلیھ كنموذج لأنھ یمثل الطریق إلى تحقیق العدالة وتكریس الحقأما دافید ھیوم ( 1711-1776م) وھو (من رواد المدرسة التجریبیة ) فإن العدالة بالنسبة إلیھ تفقد معناھا عندما تكون غیر ذات نفع، ویدعو إلى التصرف أكثر إنصافا من أجل مصلحة ما، حیث ما وجدت مصلحة وجدت العدالة مادام الإنسان یمیل بطبیعتھا إلى تحقیقھاوھناك من یذھب إلى السخریة من العدالة لاستحالة تحقیقھا، أما الإنصاف فیتحقق بفعل العرف الذي یعتبر بمثابة الأساس الروحي لسلطتھ وسببا في القبول بھ، ھذا ما عبر عنھ أحد المفكرین یدعى باسكالوابتداءا من الستینات وبدایة التسعینات من القرن الماضي ستعرف نظریة العدالة كإنصاف انتشارا كبیراوقد حاول ” جون راولس ” تطویر نظریة أرسطو فیما یتعلق بالعدالة، من خلال نقده للفلسفة النفعیة وذلك من خلال

 إعطائھ قیمة كبرى لفكرة الإنصاف في المجتمع متنكرا للمفاھیم البراغماتیة للحق والعدالة التي كرستھا فلسفة : الإنسان حر في تحقیق

 منافعھ الخاصة ولو على حساب الآخرینویعني الإنصاف بالنسبة لراولس،إعطاء كل فرد في المجتمع حق الاستفادة بالتساوي من الحقوق الأساسیة واعتبر أن اللامساواة مقبولة عقلیا على أرضیة تكافؤ الفرص التي تسمح للأفراد بلوغ مراتب ووظائف علیا في المجتمع، ھكذا یحكم راولس على المؤسسات السیاسیة والاجتماعیة ھل ھي عادلة ؟ أم لیس كذلك ؟یظھر إذن أن الإنصاف باعتباره الضامن الوحید للمساواة بین الأفراد فیما بینھم أساسي لتحقیق العدالة، ذلك أن ھذه الأخیرة ” یمكن أن تقع في أخطاء وتنحرف ” وبالتالي فإن ھذه القاعدة عندما تغدو مرجعیة شمولیة، آنذاك یتحقق الحق شرطا أساسیا لتحقیق العدالة ؟ھذه النتیجة یمكن استنتاجھا على أرضیة نقد القانون الوضعي الذي یكون في أغلب الأحوال بعیدا كل البعد عن الحق والعدالة والمساواة بین الأفراد والجماعات، أي أن القانون الوضعي لا یكون دائما مرجعیة للدفاع عن الفرد والجماعة ضد الدولة، فحتى یتسنى للحق أن یشتغل فعلیا كقیمة مشتركة من أجل العدالة والمساواة والحریة، بین مختلف جماعات المجتمع الواحد، أو بین مختلف المجتمعات وحتى یمكن أن یكون بمثابة حس مشترك للحوار والتواصل، یعني أن یظھر كإطار مرجعي شمولي تكملھ الحیاة الاجتماعیة للناسالعدالة أساس الحیاة الراقیة، ولتحقیقھا على الإنسان الالتزام بمبادئھا القائمة على الحریة والمساواة واحترام حقوق الأفراد السیاسیةوذلك لا یعني البقاء في حالة الطبیعة، كما صورھا ھوبز، ولكن المسألة تقتضي الاحتكام إلى معاییر تنسجم وطبیعة الإنسان ككائن متمیز، عاقل، واع، منتج، فالظلم رافق الإنسان منذ بدایاتھ، ظلم الطبیعة، وظلم البشر للبشر…، خصوصا عند ظھور الملكیة التي أدت إلى استغلال الإنسان لأخیھ الإنسان، ولعل حلم الإنسان لتحقیق العدالة لیس ولید الیوم، ولكنھ ضارب في تاریخ البشریة، نصادف في مساره ما یسمى قوانین حمورابي التي ستبلور مبدأ العدالة حق لكل إنسانفالتاریخ البشري یمكن النظر إلیھ بوصفھ تاریخ الظلم وتاریخ الصراعات الدامیة من اجل فرض معیار موحد للعدالة ولعل اختلاف المواقف والاتجاھات الفلسفیة التي تناولت ھذا الإشكال تعكس ذلك الرھان.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *