ماهو مفهوم الحقيقة وكيف نعرف الحقيقية درس الاول لسنة ثانية باكلوريا

مفهوم الحقيقة/ ذ شفيق كريكر

المحور الأول: الحقيقة والرأي تمهيد لاستيعاب الإشكال: ماهو التقابل أو المفارقة الموجهة لمسار تفكيرنا في ذلك المحور؟ إذا قد كانت الحقيقة هي مطابقة الفكر لموضوعه، فماذا نقصد بالرأي؟ لا يعني به في ذلك المقام إتجاه البصر الشخصية كما في قولك: ” رأيي أن نقوم عوض أن نجلس” أي إتجاه نظري أو موقفي، لكن يعني به فكرة أو تمثل أولي أو تصور يعوزه اليقين في في مقابل الحقيقة التي يفترض أنها يقينية مبرهن عليها بأسلوب من أساليب التدليل والاثبات والتحقق. بيد أن العلامة المتميزة للرأي كخطاب وكنمط من المعرفة هو كونه متداولا ومتاحا للجميع، وبهذا المعنى الأخير يغدو الرأي مرادفا للحس المشترك أي الاستيعاب الطبيعي المشترك بين الناس، المتوفر على الفور لكل شخص دونما احتياج إلى دراسات مختصة أو منهجية. طرح الإشكال: دأبت الفلسفة على تقديم ذاتها كخطاب للحقيقة والحقيقة المنزهة عن الغاية بالخصوص، هذه التي تنتج عن مجهود عقلي وروحي خاص. وإذا قد كانت الحقيقة نقيضا للخطأ والوهم والظن والتسرع والأحكام المسبقة، فإن كل تلك الأضداد تجتمع تحت مسمى واحد: الرأي ! ولكن من يقيم تلك التقابلات أولا؟ هل هناك رأي يوميء إلى ذاته باعتباره رأيا!؟ وتلك الحقيقة اليقينية الناتجة عن منهج وتدليل ومجهود عقلي، هل هي استمرار للرأي أم أنها تشكل قطيعة معه؟ معالجة الإشكال: 1- تسفيه الرأي: الحقيقة كقطيعة مع الرأي يميز أفلاطون بين الحقيقة من ناحية والرأي أو الظن أو الدوكسا من ناحية ثانية بحيث أن الأولى مرادفة لليقين والجوهر في حين يرادف الرأي الوهم والمظاهر وتقدم لنا محاورة مينون مثالا لشخصين أولهما يعرف الطريق إلى مدينة “لاريسا” معرفة اليقين وسبق له أن زارها في حين لا يعرف الثاني ذلك الطريق سوى من ناحية الإستماع والتخمين. من المحتمل أن يهتدي الثاني إلى الطريق. إن معرفته لا تمر الرأي بيد أنه “رأي صائب” ، ولكن في حين يبلغ ذو العلم إلى مبتغاه على الدوام وبشكل يقيني، يمكن لصاحب الرأي أن يصل مبتغاه حينا ويضل عنه حينا آخر. سيتخد الانتباه من الرأي نحو ديكارت طابعا منهجيا راديكاليا: تقع الحقيقة في عاقبة سرداب يبدأ بالشروع ولو مرة واحدة في حياتنا في الشك في جميع الآراء التي تلقيناها وصدقناها وفي الأشياء التي نجد فيها أسفل شبهة من عدم اليقين بغية التخلص من القرارات المسبقة و الآراء المتداولة التي تعجلنا في إطلاقها والتي تتشبت بأنفسنا بشدة. وتتواصل فكرة القطيعة بين الحقيقة و الرأي في الفلسفة المعاصرة وبالتحديد في الابستملوجيا الباشلارية: الرأي باستمرار خاطئ، الرأي نوع من التفكير السيء، لكن إنه ليس تفكيرا على الاطلاق. وليس تاريخ العلوم سوى تاريخ دحض وهدم مستمرين للرأي أو بالأحرى لبادئ الرأي الذي يعد واحدا من أشد العوائق الابستملوجية ومن حيث كونه فكرا تفرزه الحياة اليومية الغارقة في البراغماتية، فإن الرأي يكتفي بترجمة الحاجات إلى معارف عن طريق تعيينه للأشياء بحسب منفعتها فيحرم ذاته بهذا من معرفتها. بند انتقالية: لأن الفلسفة لا تتوانى عن وضع كل شيء مقر تساؤل بما في هذا ذاتها وادعاءاتها، فلامناص من أن نتساءل: ما “حقيقة” القطيعة بين الحقيقة والرأي؟ إذا قد كانت الحقيقة تفضل الرأي بكونها مبناة بحسب منهج ودليل، ألا تقوم بعض الحقائق بدورها على اعتقادات وآراء لا طريق للبرهنة أو التدليل على صحتها؟ هل يصح أن نقارب رابطة الحقيقة الفلسفية بالرأي كمقاربتنا لعلاقة الحقيقة العلمية به؟ 2- إرجاع الاعتبار للرأي: أوجه الاستمرارية بين الحقيقة والرأي يُعد الاسكتلندي توماس ريد (1710-1796) مؤلف “بحث في الفكر الانساني بحسب مبادئ الحس المشترك” من الفلاسفة القلائل الذين سعوا صراحة إلى اعادة الاعتبار إلى مقولات الحس المشترك وبداهاته والتي يشاهد أن افتراضاتها لا تقل قبولا عن الافتراضات الميتافيزية لأغلب المذاهب الفلسفية. لكن إنها تحتوي من الصواب أكثر ما تحويه النظريات الفلسفية المسابقة والمبخسة لها. كما أن ما يدخله الفلاسفة في عداد الرأي او الحس المشترك أقدر ببداهاته على مقاومة مذاهب الشك الهدامة أكثر الأمر الذي يمكنها أنساقهم الفلسفية ذاتها. وتمتاز اعتقادات الحس

 المشترك حسب توماس ريد بكونيتها، إذ لا يماري فيها إلا بعض الفلاسفة والحمقى، وببداهتها إذ أن نكرانها يوقع في

 التناقض وربما في نفس النظام يندرج كتاب جورج توماس مور (1873–1958) ” دفاع عن الحس المشترك” ويذكر فيتجنشتاين في كتابه “في اليقين” أزيد من 300 من القضايا والاعتقادات التي لا يكاد يتطرق إليها الشك ولم يجر أبدا التيقن أو التفكير في التيقن منها، لكن ويستحيل التأكد من بعضها شخصيا كالاعتقاد بأن للناس أدمغة في جماجمهم أو أن هذين هما أبي فعلا وأن لي أجدادا وأسلافا وأنه تبقى قارة تدعى استراليا…تدخل تلك القضايا وغيرها ضمن ما يسميه فيتجنشتاين بــ “صورة العالم” وهي أساس لكل ما أبحث عنه وأود تأكيده لاحقا وكل القضايا التي ترغب في وصف هذه الصورة غير خاضعة بدورها للتحقق. وهكذا يتطابق الرأي مع البداهات والحدوس الأولية التي يملكها الشخص عن العالم ملخص: ماحقيقة التضاد بين الحقيقة والرأي؟ الأمر الذي لا مراء فيه أن الحقيقة في العلم الذي يتكاثر موضوعه تخصصا ومناهجه دقة، تتضاد في أحيان كثيرة مع الرأي والحس والمشترك؛ والدوران البادي للشمس بخصوص الأرض خير دليل على هذا، ولكن ماذا عن حقائق الحياة اليومية والحقائق الأخلاقية والسياسية، وهي الساحات التي تنازع فيها الفلسفة الحس المشترك المشروعية وتنعته بالرأي؟ نسجل أولا أن الرأي أو الحس المشترك ليس كونيا أو لازمنيا كما اعتقد

 طوماس ريد، لكن هو منتوج ثقافي يترجم القيم السائدة في حقبة أو مجتمع محدد. وجع يكن الرق في وقت من الأوقات

 مقبولا من قبل الحس المشترك كممارسة لا غبار عليها من الناحية الأخلاقية ؟ ولكننا نسجل من ناحية أخرى ميل الديمقراطيات الجديدة إلى إرجاع الاعتبار للرأي فيما يسمى بالرأي العام واستطلاعات الرأي وكأن المرسوم السياسي أو الاستثماري أو الأخلاقي الحق والصائب ليس إلا جماع الرأي السائد والمتداول على أوسع مدى. قد نفسر هذا بتعذر الجديد عن حقيقة يقينية في تلك الميادين التي يسود فيها الاحتمال والترجيح le plausible، ويظهر هذا النهار أن الحقيقة كمرادف لليقين البرهاني أصبحت مجرد وهم في النظرية الحجاجية المعاصرة، إذ لايتعلق الشأن ببرهنة على حقائق، لكن بإعطاء اعتقدات ما أعلى درجات الاتساق والمعقولية لتحصل على إذعان الأذهان، أضف إلى هذا أن الرأي والحس المشترك لم يعد مجرد اعتقادات ساذجة، لكن باتَ “رأيا متنورا” منذ اختراع المطبعة وصولا إلى ثورة الفضائيات والمواقع والصحف. فهل يقصد هذا أن الفيلسوف مضطر تجنبا لتهمة النخبوية لعقد مصالحة بين الحقيقة كما ينشدها والرأي الذي ما دام عمل على ازدرائه وتسفيهه؟ المحور الثاني: مقاييس الحقيقة طرح الإشكال: المقياس لغة هو المكيال أو وحدة أو مرجع القياس، نقول “عاير الميزان” إذا قايسه وامتحنه بغيره لمعرفة صحته، وعيار الشيء ما جعل قياسا ونظاما له. ونستعملها هنا بمعنى الشرط أو العلامة الفريدة، فيكون التساؤل عن مقياس الحقيقة تساؤلا عن العلامة التي تسمح بالتعرف على الفكرة الحقيقة وتمييزها أو الشرط الذي إن توفرت في فكرة ما نعتت بالحقيقة لايتعلق الشأن هنا بالبحث عن مقياس الحقيقة؟ لكن بالبحث في احتمالية الجديد عن مقياس بصيغة المفرد أو عن مقياس كوني: في مواجهة تعدد مواضيع الفكر الإنساني، ما وجاهة التساؤل عن مقياس الحقيقة ؟ معالجة الإشكال: 1- مسعى لتحديد مقياس كوني : الوضوح والتميز عندما ينخرط المرء في مجازفة الشك الشامل وفي عملية مسح الطاولة، لابد له من مقياس أو علامة يهتدي بها إلى بر الحقيقة مرة أخرى حسب التعبير المجازي لهيغل. ولما كان مقصد الفلسفة حسب ديكارت هو أماط اللثام المبادئ الأولى التي تستنبط منها كل علم ممكنة، وجب وضع مقياس إجمالي لفحص حقيقة تلك المبادئ المؤسسة وما يستنبط منها. لننظر في الكوجيطو مثلا: لا يمثل الكوجيطو الحقيقة الأولى في النظام الديكارتي فحسب، لكن يقدم لنا نموذج الحقيقة بامتياز: فهو حقيقة طفيفة جلية استخرجها الفكر من نفسه. لهذا يشترط في جميع الحقائق أن تكون حقائقا 

أولية طفيفة يدركها الفكر بالحدس بكل وضوح وتميز أو حقائقا عربة مشتقة منها من خلال الإستنباط. وبعبارة أخرى، 

فالحقائق إما موضوع حدس إذا قد كانت أفكارا ومعان عقلية طفيفة، بديهية وفطرية يدركها الذهن على الفور؛ أو موضوع استنباط إذا قد كانت أفكارا وقضايا عربة ومشتقة. وفي جميع الأوضاع فالحقيقة صفة ذاتية للفكرة ولا تطلع عن دائرة الفكر وكأن الأفكار الحقيقية تحمل في نفسها دليل حقيقتها، لهذا يقول اسبينوزا : ” الحقيقة مقياس نفسها كالنور يعلم بذاته وبه يعلم الظلام ” ولعل هذا صادق بالخصوص فيما يتعلق لحقائق الرياضيات حيث لا يهتم الفكر سوى بالتطابق مع نفسه أي احترام مبادئه ومعاييره. 2- لاوجود لمعيار كوني سوى فيما يتعلق للحقائق الصورية بعكس ديكارت واسبينوزا اللذين اعتقدا في ظل مقياس كوني للحقيقة بصفة عامة، لا يمكن حسب كانط الجديد عن مقياس كوني للحقيقة سوى بصدد الحقائق الصورية، فمادامت المعرفة تفتقر مادة وصورة: حدوسا حسية ومقولات عقلية، فإن القرارات التي تحتوي حدوسا حسية وهي القرارات التركيبية لا يمكن علم حقيقتها بمجرد فحص مكوناتها أو البصر فيها بذاتها، لابد أن نتأكد من مطابقتها لموضوعها وهو مادتها. وبالتالي وبتأمل القضايا الثلاث الآتية “السماء غائمة ، ” الوقت متأخر” ، ” جميع المواد المعدنية تتمدد بالحرارة” نجد ثلاث أحكام لكل منها موضوع وفي كل مرة ينبغي تحليل الموضوع/الواقع للتأكد من مطابقة الحكم له . والمواضيع تتعدد إلى ما لانهاية، لهذا يستحيل إيجاد مقياس كوني إجمالي للحقائق العينية أو لنقل للأحكام التركيبية. لننظر هذه اللحظة في الحقائق الرياضيات والمنطق : لا يحتوي هذان العلمان أحكاما مرتبطة بالعالم الخارجي، ولذلك يكفي لفحص صدق أحكامهما البصر في عدم تناقضها مع نُظم الذهن والاستدلال أو المنطق أي في صحة صورتهما .غير أن المنطق لا يمكنه أن يذهب بعيدا : فما من محك بوسعه أن يتيح للمنطق أماط اللثام الخطأ حين يرتبط الشأن بمادة المعرفة وليس بصورتها المحور الثالث: قيمة الحقيقة طرح الإشكال: قيمة الشيء هي هذه الصفة التي تجعله مقر تقييم أو مراعاة أو رغبة او احترام. وعلى ذلك الأساس نصوغ مشكلة قيمة الحقيقة كما يلي: لماذا نطلب الحقيقة ونرغب فيها ؟ مالذي يجعل الحقيقة محط مناقشة وجدال وادعاء؟ هل تطلب الحقيقة لذاتها أم كوسيلة لنيل مقاصد تتجاوزها؟ هل تتمتع الحقيقة بسعر أخلاقية أم بمجرد قيم أداتية معالجة الإشكال: 1- القيمة الأداتية للحقيقة: نموذج التصور البراغماتي يتساءل وليام جيمس (1842-1910) عن مهنة الحقيقة وعن القصد من امتلاك أفكار صحيحة ويجيب بكل بساطة: أن امتلاك الحقيقة ليس غرض في حاجز نفسه لكن مجرد أداة يتوصل بها إلى إشباع حاجات حيوية، إنه يكافىء امتلاك معدات ثمينة للعمل. وبعبارة أوجز: الحقيقى هو النافع هذا هو التصور البراجماتي لسعر الحقيقة، حيث يتوقف صدق القضية على مقدرتها على تمكيننا من تناول الواقع ذهنيا أو عمليا وتوجيهنا بنجاح باتجاه الإستفادة من وجودنا، ونحن كما يقول برغسون نخترع الحقائق لنستفيد من الوجود كما نخترع الأجهزة الصناعية لتسخير القوى الطبيعية. إن الحقائق ليست زيادة عن مخترعات مفيدة ووسائل نافعة في اعتقاد الأشياء واستخدامها؛ لكن إن الفيلسوف الأمريكي جون ديوي (1859-1952) يشاهد في نشأة التفكير العقلي نحو النوع البشري تجاوب لدواع عملية براغماتية وهي الرغبة في الحياة والبقاء، لأنه يسمح للإنسان بصنع شيء أوإنجاز تصرف على باتجاه أمثل الأمر الذي لو اعتمد على الغريزة والإندفاع وحدهما. وعليه، ينشر ديوي أن الفكرة التي لا تستهدف عملا يمكن إنجازه ليست فكرة لكن ليست شيئا تماما سوى أن تكون وهما في عقل صاحبها. وإذن، فليس للحقيقة من قيمة مطلقة، لكن مجرد قيمة وظيفية عملية ونسبية بالضرورة. 2- الحقيقة كقيمة أخلاقية مطلقة: سقراط، كانط ولكن ألا نسقط مرة ثانية في القول بتعدد الحقائق بتعدد وتعارض المنافع الفردية؟ ألا تنتهي البراغماتية إلى اعتقاد لاأخلاقي تختلق أسباب فيه الغرض الكيفية، مادام الصواب و الخطأ صفتان مؤقتتان متغيرتان ترتبطان بالنافع والضار زيادة عن ارتباطهما بمبادئ عامة مجردة، ومادام أن الحقيقة لاتمثل غرض في حاجز نفسها، لكن مجرد أداة ووسيلة. على الضد من التصور البرغماتي، تقدم لنا سيرة سقراط وفلسفته اعتقاد أخلاقيا للحقيقة. فلم تكن غرض التفلسف نحو سقراط تعلم المهارة الجدلية أو الحذق أو تكديس المعارف في العقل، لكن تمرين النفس على اكتساب الفضيلة، وهكذا تتطابق الحقيقة والكمال الأخلاقي، لقد قد كانت الحقيقة غرض في حاجز نفسها، تعاش بصفة شخصية كما لاحظ كيركجارد، ولم يكتف سقراط بأن عاش الحقيقة فحسب، لكن وافته المنية من أجلها! بمعنى ألا شيء مقدم على الحقيقة، بما في هذا حياة المرء ذاتها ! نجد نفس القيمة المطلقة اللامشروطة نحو كانط حيث تتحول الحقيقة أو بالأحرى قول الحقيقة والصدق إلى لازم أخلاقي في نفسه، لازم مطلق غير مشروط ولايعرف الاستثناءات بغض البصر عن الأحوال والملابسات حتى أنه يرفض حجة بنيامين كونسطان القائلة بأن قول الحقيقة ليس واجبا سوى باتجاه من لهم الحق أو يستحقون علم الحقيقة. ومادام كانط يقيس أخلاقية التصرف بمدى قدرتنا على تعميمه لجعله قانونا كونيا، فإن شرعنة الكذب تعني تعميمه أي تجريد الإفادات أو الأقوال من أية مصداقية وتجعل جميع الحقوق المؤسسة على العقود والوعود باطلة ولاغية وذلك بغي وجور في حق الإنسانية جمعاء. ماذا عنا نحن؟ كثيرا ما ما تتعامل الذات مع الحقيقة على نحو براغماتي في معظم مواقف الحياة، لكنها تطالب الغير بالتعامل مع الحقيقة.مفهوم الحقيقة/ ذ شفيق كريكر

مفهوم الحقيقة

مفهوم الحقيقة في الخطابين: الفلسفي والإبستمولوجي جميل حمداوي توطئــــة: تعد الحقيقة من أكثر أهمية المفاهيم الفلسفية التي انشغل بها الكلام الفلسفي قديما وحديثا؛ ومازالت الحقيقة تفرض نفسها على الباحثين والمفكرين والفلاسفة سواء أكان هذا في الغرب أم في الشرق، نظرا لقيمتها الأخلاقية التي يقوم عليها التشييد الاجتماعي بهدف تقصي الفضيلة، وتحصيل السعادة الكبرى عاجلا وآجلا ، أو لقيمتها الوجودية التي بها تحدث علم الخالق والمخلوقات، أو لقيمتها المعرفية اللازمة لتقدم العلم والفنون والآداب والتقنية، بغية تقصي الرقي والازدهار والتقدم ، والرفع من مستوى الإنسانية ماديا ومعنويا . وفي ذلك الحين رأينا في أوراق الفكر الإسلامي ، وهذا مع المفكر المغربي الدكتور عابد الجابري (1935-2010م) في كتابه” بنية الذهن العربي”، أن الفلاسفة كانوا يحصرون الحقيقة في البرهان العقلاني، في حين المتصوفة كانوا يحصرونها في العرفان الوجداني والمعرفة الذوقية واللدنية. بينما، نجد أهل الجلي يحصرونها في الإخطار وظاهر المقال، في حين علماء الخطاب من معتزلة وأشاعرة وماتريدية وشيعة وخوارج ومرجئة يعتمدون على آلية الجدال والحجاج والبيان للوصول إلى الحقيقة . بيد أن الحقيقة في الخطابين: الفلسفي والإبستمولوجي ، وهذا أثناء الفترة الجديدة والمعاصرة ، تتخذ العديد من أوجه وأنماط فكرية، فقد تكون الحقيقة عقلية مع ديكارت مثلا، أو حسية مع التجريبيين، كدافيد هيوم، وجون لوك، واستيورات ميل…، أو تكون حقيقة حدسية مع هنري برجسون، أو تكون حقيقة برجماتية مع وليام جيمس… وفي ذلك الحين تكون الحقيقة فطرية أو مكتسبة، وفي ذلك الحين تكون يقينية مطلقة مع نيوتن مثلا، أو نسبية و محتملة مع إنشتاين، أو تكون منعدمة مع فيلسوف النفي نيتشه… ذلك، وتعتمد الحقيقة على أساليب وطرق عمل متعددة وأنساق فلسفية مغايرة ومتباينة المنظور والتصور. والغرض من تلك التعليم بالمدرسة هو وعي التحولات التي طالت مفهوم الحقيقة في فلسفات السالف والحاضر، وتحولاتها في الإبستمولوجيات الجديدة والمعاصرة، وإدراك قيمة الحقيقة وجوديا ومعرفيا وقيميا، وتقديرها تقديرا نقديا إيجابيا. إذاً، ماهي الحقيقة في اللغة والاصطلاح؟ وهل يمكن إنشاء الحقيقة على الرأي الشخصي والاعتقاد والظن والوهم والاحتمال؟ وهل الحقيقة معطى أم تشييد؟ وماهي مصادر الحقيقة ومعاييرها؟ وهل الحقيقة واحدة أو متعددة؟ وهل الحقيقة مطلقة أو نسبية؟ وماهي قيمة الحقيقة؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نسعى الإجابة عنها في تلك الورقة المتواضعة. Q مفهـــوم الحقيقـــة: من المعلوم أن الحقيقة في اللغة هي الاستقرار والاستقرار والقطع واليقين ومخالفة المجاز. ومن ثم، فالحقيقة في ” لسان العرب” بمعنى الحق، والصدق، والصحة، واليقين، والوجوب، والرصانة، ومقابلة التجاوز. وفي ذلك النسق يقول ابن منظور في لسانه:” وصل حقيقة الشأن أي يقين شأنه. وفي الجديد: لايبلغ المؤمن حقيقة الإيمان حتى لايعيب مسلما بعيب هو فيه؛ يقصد خالص الإيمان ومحضه وكنهه. وحقيقة الرجل: مايلزمه حفظه ومنعه ويحق عليه الحراسة عنه من أهل بيته؛ والعرب تقول: فلان يسوق الوسيقة وينسل الوديقة ويحمي الحقيقة… والحقيقة ما يحق عليه أن يحميه، وجمعها الحقائق. والحقيقة في اللغة:ما أقر في الاستخدام على أصل وضعه، والمجاز ماكان بضد هذا، وإنما يحدث المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعة ثلاثة: وهي الاتساع والتوكيد والتشبيه، فإن عدم تلك الأوصاف قد كانت الحقيقة البتة،…وحق الشيء يحق، بالكسر، حقا أي وجب… وأحققت الشيء أي أوجبته. وتحقق عنده النبأ أي صح. وحقق قوله وظنه تحقيقا أي صدق. وكلام محقق أي رصين… والحق: صدق الجديد.والحق: اليقين بعد الشك. ” أما الحقيقة في كتاب” التعريفات” لأبي الحسن الجرجاني، فهي :” اسم لما أريد به ما وضع له. وهي فعيلة من حق الشيء إذا استقر ، بمعنى فاعلة، أي حقيق، والتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية، كما في العلامة، لا للتأنيث. وفي الاصطلاح، هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح به التخاطب، والشيء الثابت قطعا ويقينا. يقال حق الشيء إذا استقر. وهي اسم للشيء المستقر في محله، وما به الشيء هوهو كالحيوان الناطق للإنسان”. وترتبط الحقيقة في معجم لالاند (Lalande) بالمعنى الحقيقي. وضمن ذلك التوجه، تتضاد الحقيقة مع الخطإ. كما أن الحقيقة تحيل على الواقع بالمفهوم المنطقي، فكل ماهو حاضر فهو حقيقي، وما ليس موجودا فهو غير صحيح . والحقيقة في الاصطلاح هي كل ماهو صادق وواقعي وثابت ويقيني، أوهي مطابقة الفكر للفكر، أو مطابقة الفكر للواقع ، أو كما يقول العرب:”الحقيقة هي مطابقة ما في العقول لما هو في الأعيان”. وتتناقض الحقيقة مع الكذب والغلط والوهم والظن والشك والتخمين والرأي والاعتقاد والباطل. ويلمح جليا أن الحقيقة تتخذ مفهوما معرفيا وقيميا. فعلى المستوى المعرفي، الحقيقة هي التي يتطابق فيها الحكم مع الموضوع المرصود، أو يتسق فيها الحكم النظري مع الممارسة العملية. كما يعني بالحقيقة على المستوى القيمي كل ما هو صادق وحسن ويقيني وثابت، وهذا في بمقابل الكذب والسيء والزائل . لهذا، يقول هيجل Hegel (1770-1831م) في موسوعته التي خصصها للعلوم الفلسفية :” عادة مانطلق لفظ الحقيقة على مطابقة موضوع ما لتمثلنا، وفي تلك الوضعية فإننا نفترض حضور موضوع ينبغي أن يتطابق مع تمثلنا له. وعلى الضد من هذا، فالمعنى الفلسفي للحقيقة يقتضي- بتعبير عام ومجرد- مطابقة محتوى ما لذاته. وتلك إشارة أخرى للفظ الحقيقة، مختلفة للدلالة المذكورة آنفا. أما الإشارة الفلسفية الأكثر عمقا للحقيقة، فهي تبقى- في جزء منها- ايضاً في استعمال اللسان. هكذا، نتحدث مثلا عن صديق حقيقي، ونعني به صديقا يسلك بأسلوب مطابقة لمفهوم الصداقة.كما نتحدث ايضا عن منتوج حقيقي.أما اللاحقيقي فيتخذ نفس المعنى الذي يتخذه ماهو سيء أو قبيح، أي ما ليس ملائما في حاجز نفسه. وبهذا، المعنى فالدولة السيئة هي جمهورية غير حقيقية، وماهو سيئ هو غير حقيقي.وبشكل عام، فاللاحقيقي يكمن في التناقض المتواجد بين التحديد أو التصور من ناحية، ووجود المتواجد من ناحية أخرى.” ويعني ذلك أن مفهوم الحقيقة مفهوم ملتبس وغامض وشائك، ومتعدد الدلالات من حقل إلى آخر، ومن فيلسوف إلى آخر، وهذا حسب تصوره النظري ونسقه الفلسفي. وبصرف النظر عن تعدد التعاريف والدلالات، فالحقيقة متعلقة في جوهرها بالصدق، واليقين، والفضيلة، والسعادة، والكمال، والمعرفة العلمية الحقة. Q الحقيقــــة والــــرأي الشخصي: عندما نرغب في التحدث عن مفهوم الحقيقة داخل الكلام الفلسفي ، يتبادر إلى أذهاننا مضاداتها العكسية. الأمر الذي يجعلنا هذا نقدم على طرح بعض الأسئلة العويصة والإشكاليات المعقدة، مثل:هل يمكن الجديد عن الحقيقة في معزل عن متقابلاتها كالوهم والرأي والاحتمال والاعتقاد؟ فهل يمكن أن نجعل من الرأي الشخصي سندا للمعرفة الحقيقية اليقينية؟ أم أن الرأي مجرد حكم ذاتي تنقصه الحجة العلمية والبرهنة الحجاجية . وهكذا، يصعب علينا الاطمئنان إليه لبناء علم حقيقية أو حقيقة يقينية ؟ 1- الرأي مانع إبستمولوجي يغير دون الوصول إلى الحقيقة: تلتقي الحقيقة مع مجموعة من المفاهيم، كالرأي الشخصي (opinion)، والظن، والاعتقاد، والاحتمال، والوهم. فالإبستمولوجي الفرنسي جاستون باشلار Gaston Bachelard (1884-1962م)يُعد الرأي مانعا معرفيا ، يمكن القضاء عليه مهما تخلص، وهذا بهدف تكوين علم علمية صحيحة وبناءة. فلا يمكن – علميا- تشييد معارفنا واستدلالاتنا واستقراءاتنا وأقيستنا الرياضية والمنطقية والعلمية على مجموعة من الآراء الشخصية والمعتقدات العامة أو المخصصة أو الانطباعات المشتركة والحدوس المشوهة؛ لكونها آراء ذاتية شخصية نابعة من الوجدان والفؤاد والعاطفة، ومرتبطة بالمنافع البشرية والمصالح الإيديولوجية. في حين الحقيقة العلمية نموذج للمعرفة الموضوعية ، التي تقوم على الحجاج الاستدلالي، والتماسك المنطقي ، والمعرفة الحقة ، والاستنتاج المتماسك نظريا وتطبيقيا:” الرأي نوع من التفكير السيئ، لكن إنه ليس تفكيرا كليا.إنه يترجم الحاجات إلى معارف عن طريق تعيينه للأشياء بحسب منفعتها، ومن ثم، يحرم ذاته من معرفتها.إننا لا يمكننا أن نؤسس أي شيء كيفما كان انطلاقا من الرأي. ولذلك، يلزم التخلص منه أولا. إن التفكير العلمي يمنعنا من تكوين رأي فيما يتعلق مسائل لا نفهمها، أي فيما يتعلق مسائل لا نعرف كيفية صياغتها على نحو ملحوظ. إذ ينبغي في الطليعة علم كيفية طرح المشكلات. وذلك المعنى الذي تتخذه الإشكالية هو الذي يعطي الذهن العلمي خاصيته الحقيقية”. وبذلك، يرفض باشلار الاعتماد على الرأي ا

لشخصي؛ لأنه لا يجدي بأي حال من الظروف في مجال المعارف العلمية. لهذا، يستبدله بالحقيقة اليقينية القائمة على

 البرهان العقلاني نظرية وتطبيقا. 2- الرأي الجاري على الاحتمال يمكن أن يشكل مصدرا للمعرفة: يشاهد الفيلسوف الألماني لايبنـز Leibniz(1646-1716م)أن الرأي المرتكز على الاحتمال يمكن أن يشكل مصدرا من مصادر المعرفة العلمية ، وخصوصا في ميدان المنطق، وهذا عندما يصعب الحسم في قضية محددة على نحو قطعي، فتتوفر لدينا بعض البيانات والمعطيات، آنذاك يمكن الاستعانة بذلك الرأي الاحتمالي لبناء المعرفة وتكوينها. وفي ذلك الصدد يقول ليبنـز:” إن الرأي الحالي على الاحتمال قد يستحق اسم المعرفة، وإلا سيتم إسقاط كل علم تاريخية وغيرها من المعارف.وبدون الدخول في نزاعات لفظية ، فأنا اعتقد أن البحث في درجات الاحتمال سوف يكون أهم لنا، وهو ما نتطلب إليه، إذ يُعد باعتبار قلة التواجد الذي تشكو منه علوم المنطق لدينا. هذا، أننا عندما لا يمكننا أن نجزم في مسألة ما على نحو قطعي، فإنه بإمكاننا أن نحدد درجة الاحتمال انطلاقا من المعطيات المتاحة، ومن ثم يمكننا أن نحكم بأسلوب عقلانية على الجزء الأضخم جلاء.” وبذلك، نشاهد أن الفيلسوف لايبنـز يقوم بالدفاع عن الرأي باعتباره وسيطا أيا كان في بناء جهاز المعرفة المنطقية، مع المشاركة في تكوينها حجاجيا واستدلاليا. 3- الرأي الشخصي درجة من درجات الحقيقة والمعرفة اليقينية: يشاهد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط E.Kant (1724-1804م)أن الرأي الشخصي درجة من درجات المعرفة ؛ لأن المعرفة تبدأ أولا بالرأي، فالإيمان ثانيا، ثم تنتهي بالحقيقة ثالثا. ويتسم الرأي بكونه ناقصا ذاتيا وموضوعيا، وغير كاف لبناء المعرفة الحقيقية واليقينية ، وخصوصا في ميادين الذهن الخالص الذي يتعلق ارتباطا كبيرا بالتجربة ، أو في ميدان الرياضيات الخالصة التي لا تعتمد إطلاقا في بناءاتها الاستدلالية على الآراء الشخصية والمعتقدات الذاتية. وايضا في الميدان الأخلاقي، فلا يمكن إنتاج القرارات اعتمادا على الآراء الشخصية. يقول كانط في ذلك التوجه:”يمثل الاعتقاد- أو القيمة الذاتية للحكم في علاقته باليقين الذي يتوفر في الوقت نفسه على قيمة موضوعية- ثلاث درجات، هي بالشكل الأتي: الرأي، والإيمان، والمعرفة. الرأي هو تصور يدرك بأنه غير كاف ذاتيا وموضوعيا، وعندما لا يكون الاعتقاد كافيا إلا من الناحية الذاتية، وفي الوقت نفسه يُعد غير كاف من الناحية الذاتية ومن الجهة الموضوعية، يدعى المعرفة. فالاكتفاء الذاتي يسمى اعتقادا راسخا فيما يتعلق لي، أما الاكتفاء الموضوعي فيسمى يقينا فيما يتعلق لكل واحد… ليس هناك أي ميدان للرأي الشخصي فيما يتعلق القرارات التي تصدر عن الذهن الخالص. فبما أن هذه القرارات لا تستند على مبادئ التجربة، فإن مبدأ الارتباط يقتضي الكونية والضرورة، ومن ثم يقينا تاما، وإلا لن يكون هناك أي خيط يتولى قيادة إلى الحقيقة. يضاف إلى ذلك أنه من العبث تكوين آراء في ميدان الرياضيات الخالصة: فإما أن نعرف وإما نمتنع عن الحكم. وايضاً الأمر فيما يتعلق للمبادئ الأخلاقية: لا يلزم أن نخاطر بإجراء ما عن طريق رأي طفيف مفاده أن كل شيء مباح، لكن يلزم أن نعرف ما نفعله”. وبذلك، نجد أن الفيلسوف كانط يعترف بدور الرأي الشخصي ، وهذا باعتباره سندا أيا كان في بلورة الحقيقة ، ولكن بعيدا عن الذهن الخالص، والذهن العلمي الأخلاقي، والذهن الرياضي الحق. 4- وجوب التحرر من الآراء الماضية لبناء الحقيقة اليقينية: يذهب ديكارت Descartes (1596- 1650 م)الفيلسوف الفرنسي إلى أن الشك هو المقياس المؤدي إلى الحقيقة واليقين على غرار رأي الغزالي (1111-1057م) في كتابه” المنقذ من الضلال”. ويعني ذلك أن ديكارت يشك في كل شيء كي يصل إلى الحقيقة المطلقة سواء على جنوب مصر الأنطولوجي أو الإبستمولوجي أو الأكسيولوجي، سوى أن شيئا واحدا لا يشك به إطلاقا هو عملية الشك ذاتها، التي تحيلنا على عمليات التفكير والتأمل والاستدلال والبرهنة. ومادام الإنسان يفكر فهو حاضر، والله حاضر، والطبيعة حاضرة ، والإنسان بدوره حاضر. لهذا، أفاد ديكارت قولته الشهيرة:” أفكر ، إذاً، فأنا حاضر” . ذلك، ويوضح ديكارت مبدأ الكوجيطو بتلك الصيغة الفلسفية:” ونحن حين نرفض على ذلك النحو كل ما نستطيع أن نشك فيه ، لكن وحين نخاله باطلا، يكون من الميسور لنا أن نفترض أنه لا يبقى إله ولا سماء ولا أرض، وأنه ليس لنا أبدان. لكننا لا يمكننا أن نفترض أننا غير موجودين حين نشك في حقيقة تلك الأشياء جميعا، لأن الأمر الذي تأباه عقولنا أن نتصور أن من يفكر لا يكون موجودا حقا حينما يفكر. وبصرف النظر عن أقوى الافتراضات شططا فإننا لا يمكننا أن نمنع أنفسنا من الاعتقاد بأن تلك الحصيلة: أنا أفكر ، وإذا فأنا حاضر، صحيحة. وبذلك، إنها أكثر أهمية وأوثق علم لمن يخطط أفكاره بتنظيم. ويظهر لي كذلك أن ذلك المسلك هو خير المسالك التي يمكننا أن نختارها لأجل أن نعرف طبيعة النفس، وأنها جوهر مميز كل التفوق عن البدن: لأننا حين نفحص عن ماهيتنا نحن الذين نفكر هذه اللحظة في أنه ليس خارج فكرنا شيء هو حاضر حقا، نعرف جليا أننا لا نتطلب لأجل أن نكون موجودين إلى أي شيء آخر يمكن أن يعزى إلى الجسد، وإنما وجودنا بفكرنا وحده. وإذا، ففكرتنا عن نفسنا أو عن فكرنا سابقة على فكرتنا عن الجسد، وتلك الفكرة أكثر يقينا، بالنظر إلى أننا لا نزال نشك في ظل أي جسد بينما أننا نعرف على وجه اليقين أننا نفكر.” وليس الشك نحو ديكارت سوى عملية فطرية ولدت معه منذ طفولته الناعمة، وتلك العملية التوثيقية والظنية هي التي ستحرره من الأخطاء الفائتة، والإشاعات الشائعة في الوسط الاجتماعي، وكل هذا بهدف تشييد سيستم معرفي حقيقي ويقيني صادق. يقول ديكارت في ذلك الميدان:” كنت قد انتبهت، منذ سنواتي الأولى، إلى أني قد تقبلت اعداد من الآراء الخاطئة على أنها آراء حقيقية وصادقة، وإلى أن ما أقمته على تلك المبادئ غير المؤكدة، لا يمكن أن يشكل سوى أمورا مشكوكا فيها وغير مضمونة؛ وهذا بحيث كان علي أن أقوم، مرة واحدة في حياتي، بالتخلص من كل الآراء التي تلقيتها وصدقتها إلى هذا الوقت، وأن أبدأ كل شيء مجددا ابتداء من الأساسيات، وهذا إذا ما كنت أريد أن أقيم قدرا من اليقين الصلب والثابت في المعارف والعلوم .بل بدا لي في هذا الوقت أن تلك الهامة ضخمة فيما يتعلق لعمري، فانتظرت إلى أن أبلغ أقصى سن بات فيه أكثر نضجا، بحيث أستطيع إنجاز ذلك الشأن…” ويتبين لنا ، عن طريق ما في وقت سابق، أن ديكارت يؤمن بوجوب التخلص من الآراء والمعتقدات الماضية ، التي تكون قد تكونت لدى الباحث أو الفيلسوف بالشكل الطبيعي أوالعادي ، وهذا من خلال ممارسة الشك بهدف الوصول إلى اليقين والمعرفة المطلقة. 5- الفؤاد مصدر للحقائق والمعارف: يشاهد بليز

 باسكال B.Pascal (1623-1662م) في كتابه:”خواطر/Pensées”أن الذهن ليس باستمرار مصدر المعارف والحقائق

 العلمية والإنسانية، فيمكن للفؤاد أن يكون مصدرا للمعرفة الحقيقية، مادامت هي نابعة من الذات والداخل. ومن ثم، فالقلب يعضد الذهن، ويقويه لمعرفة العديد من الحقائق الغامضة، وإدراكها على نحو جيد، وخصوصا الحقائق الروحانية والحقائق الرياضية والمعارف الفيزيائية. ومن هنا، فعلى الذهن أن يدشن خطابه المعرفي والعلمي على مبادئ الفؤاد والغريزة. وأي سخرية تطال الفؤاد، يمكن أن تطال أيضاً الذهن. لأن الذهن يفتقر إلى حقائق الفؤاد، مادام ينطلق منها بوصفها حقائق بديهية أولى. ويقول بليز باسكال في ذلك الصدد:” نعرف الحقيقة لابواسطة الذهن لاغير، ولكن كذلك بواسطة الفؤاد. فعن ذلك الأخير نعرف المبادئ الأولى التي يسعى الاستدلال العقلي… إن علم المبادئ الأولى، مثل: المقر والزمان والحركة والأعداد هي من الصلابة بحيث تمر سائر المبادئ التي يقوم بتقديمها لنا الاستدلال العقلي. إنما ينبغي على الذهن أن يستند، لإنشاء خطابه بكامله، على المعارف الصادرة عن الفؤاد والغريزة. فالقلب يشعر أن هناك ثلاثة أبعاد في المقر، وأن الأعداد لانهائية، وبعد هذا، يجيء الذهن ليبرهن أن لا حضور لعددين مربعين يكون أحدهما تدهور الآخر. إننا نشعر بالمبادئ، أما القضايا فيستخلص بعضها من بعض، والكل له نفس اليقين، وإن اختلفت الأساليب المؤدية إليه. ومن غير النافع أيضا، لكن من المثير للسخرية أن يطلب الذهن من الفؤاد البرهنة على مبادئه الأولى حتى يتسق معها، ومن المثير للسخرية ايضاً أن يطلب الفؤاد من الذهن أن يشعر بجميع القضايا التي يبرهن عليها حتى يتلقاها منه.” يذهب باسكال في ذلك المقتطف النصي بعيدا حينما يجعل الفؤاد مصدرا للمعرفة الحقيقية. ومن ناحية، يمكن أن نتفق معه حينما تكون المعرفة متعلقة بالإيمان ومعرفة الخالق، آنئذ يمكن أن نعتبر الفؤاد مصدرا للحقيقة الصادقة. ولكن من ناحية أخرى ، يستحيل الجديد عن الفؤاد كمصدر للحقيقة في ميدان العلوم الحقة والعلوم التجريبية. ويتبين لنا الأمر الذي في مرة سابقة بأن الحقيقة قد تنبني على الرأي الشخصي، أو الاعتقاد، أو الشك، أو فراسة الفؤاد، أو الاحتمال، أو الذهن، أو التجربة. ومن هنا، فالحقيقة – في رأينا الشخصي- تستند إلى معطيين: معطى إيماني قائم على التسليم، وتمثل الأخلاق، واستبصار الروح ، وهذا حينما يرتبط الشأن المبحوث فيه بالغيبيات أو الأخرويات التي من العسير إدراكها بالذهن والتجربة سويا. بيد أن واقعنا الفيزيائي يستلزم منا إدراكه معرفيا من خلال الذهن والتجربة. بل ثمة خطوات أولية لازمة لقيام العلم قد تسبق الاستيعاب العقلاني والخبرة التجريبية ، ويمكن حصرها – مثلا – في الانطلاق من فرضيات إمكانية، أوالاحتكام إلى اعتقادات حدسية، أو شخصية أو علمية،مثل تفاحة نيوتن التي أوحت له بنظرية الجاذبية. لكن يمكن القول: إن فراسة المؤمن الروحية قد تساعده على استشراف الموضوعات قبل وقوعها. كما أن أغلب النظريات الفلسفية انطلقت من فرضيات تخمينية وأفكار تأملية، القلة منها مثالي، والبعض الآخر واقعي. Q الحقيقـــة والواقــــع: تدل كلمة الواقع عن طريق مشتقاتها اللغوية والدلالية على ماهو ثابت ويقيني . وبذلك، واقع غير اجتمع للتغير والتحول، على ضد ماهو غير واقعي ، والذي يحيلنا على الوهمي والمجرد واللايقين والغريب والمعقول … ويدل الواقع أيضاً على ما هو حسي وتجريـبي وموضوعي ومادي. إذا، فما رابطة الفكر بالواقع؟ وهل الواقع ثابت فعلا؟ أم هو واقع متغير ومتحول ؟ وما رابطة الحقيقة بالواقع؟ هل ثمة مطابقة يقينية مطلقة أم مطابقة نسبية ومحتملة؟ 1- مصدر الحقيقة هو عالم المثل: يذهب الفيلسوف اليوناني أفلاطونPlato (نحو427-347ق.م) إلى أن الحقيقة اليقينية لا تبقى في الواقع الجوهري الحسي النسبي، لكن تبقى في عالم المثل الذي يتصف بالطابع التجريدي والمفارق للعالم الجوهري المتغير والمزيف. في حين عالم المثل هو عالم ثابت ويقيني وأصيل وجوهري. ومن ثم، فالوجود الحقيقي حسب “أسطورة الكهف” لأفلاطون ليس هو الوجود الذي نعيش فيه، فهو مجرد نسخة مزيفة من عالم حقيقي هو عالم المثل، والذي لايتم إدراكه سوى من خلال التأمل العقلي المجرد. كما أن المعرفة الحقيقية واليقينية والمطلقة لا تبقى في عالمنا الملموس والمتغير والنسبي، لكن تبقى في عالم المثل الذي يتضمن بدوره على قيم متكاملة ومطلقة، كالعدل، والحق، والخير، والجمال. وتتسم تلك القيم بكونها خالدة وحقيقية وكلية ومطلقة، في حين قيم الإنس هي قيم زائفة ونسبية، مادامت ترتبط بالعالم النسبي الذي هو انعكاس مشوه للعالم الحقيقي المثالي. ومن ثم، فالقاضي العادل الحقيقي لايوجد سوى في عالم المثل، في حين في عالمنا المتغير لا يبقى إلا قاض نسبي غير كامل في قيمه وعدالته وفضائله. وينطبق ذلك الحكم على الجميل والخير وعلى بقية القيم الأكسيولوجية والفضائل الإنسانية المعروفة لدينا. وعلى ذلك الأساس طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته الفاضلة؛ وهذا لكونهم يحاكون عالما نسبيا وغير حقيقي . ومن هنا، ينطلق أفلاطون من اعتقاد مثالي مفارق لعالم المادة والحس والتجربة والظواهر المحسوسة بغية تبيان مصدر الحقيقة اليقينية الصادقة. 2- مصدر الحقيقة هو عالم الواقع: يرفض الفيلسوف اليوناني أرسطو Aristote(نحو384-322ق.م)اعتقاد أستاذه أفلاطون على نحو جذري، وينكر أن يكون هناك عالم المثل بذلك التجريد الخيالي الطوباوي. وهكذا، يستحيل أن ينتج ذلك الجوهري الملموس عن المثالي المجرد. ومن هنا، يقول أرسطو بأن الحقيقة اليقينية تبقى في عالمنا الحسي الجوهري، ولكن تكمن في المجوهرات دون الأعراض. أي: إن الحقيقة ثابتة في الجوهر دون المواصفات والأشكال الثانوية، هذه الأنواع التي تتغير من وضعية إلى أخرى حسب الأوضاع والمتغيرات الفيزيقية والميتافيزيقية. فالشجرة ثابتة في جوهرها، ولكن أعراضها تتغير مع الفصول، ففي الربيع تكون مورقة، وتصفر في الصيف بأوراقها وثمارها، وتتساقط أوراقها الذابلة في الخريف، وتتعرى في فصل الشتاء. بل ما يوجد هو جوهر الشجرة. ومن ثم، فالحواس والأعراض هي دلائل سيميائية تدل على المجوهرات، وهي باعتبار معقولات منطقية ومجردة وثابتة نتوصل إليها من خلال الحس. وبعد هذا، ننتقل إلى عمليات التجريد والتعميم ، واستخدام الأقيسة الذهنية استقراء واستنباطا ، وإثباتا ونفيا . 3- الحقيقة هي مطابقة الفكر لذاته: يشاهد ديكارت أن الحقيقة هي مطابقة الفكر لذاته. أي: إن الله خلق الإنسان، وهو مزود بمجموعة من البداهات العقلية والمنطقية اليقينة، التي لا يمكن أن يعتريها الشك أو الظن أو الخطأ، مادام هناك ما يسمى بالضمان الإلهي، كما نحو الفيلسوف الهولندي سبينوزاSpinoza (1632-1677م. ويعني ذلك أن الله لا يمكن أن يكذب على الإنسان، وذلك محال في حقه تعالى. لهذا، فما زود به الإنسان عبارة عن حقائق صادقة يقينية ومطلقة، مثل: الكل أضخم من الجزء، والمربع له أربعة أضلاع، وواحد زائد واحد يساوي اثنين…ومن هنا، فالحقائق البديهية اليقينية من الممكن أن تكون حقائق رياضية أو منطقية تعتمد على مجموعة من المبادئ ،مثل: مبدإ الهوية كما في تلك الصيغة: محمد هو محمد، ومبدإ عدم التناقض ، فلا يعقل أن نقول: محمد موجود وغائب، ومبدإ الثالث المرفوع ، كأن نقول: المعتزلة عقلانية ونصية. فهنا، أطراف ثلاثة: المعتزلة عقلانية، والمعتزلة نصية، والمعتزلة تجمع بين العقلانية والنصية، فالمنطق يرفض ذلك التثليث القولي، فإما أن نقول: المعتزلة عقلانية وإما أن نقول إنها نصية. ونذكر ايضا مبدأ السببية، فلكل مسبب داع. ومن هنا، فالعقل بتلك الحقائق الرياضية والمنطقية يبلغ إلى اليقين المطلق، بينما يعجز الحس أو التجربة عن الوصول إلى الحقيقة لخداع الحواس للإنسان كما في مثالي: السراب، والتقاء خطي السكة الحديدية… ومن ثم، فالعقل هو أعدل قسمة متساوية بين الإنس ، كما أنه المصرح بالخبر الأوحد حسب ديكارت وليبنـز وسبينوزا للوصول إلى الحقيقة اليقينية الصادقة، في حين التجربة عاجزة عن هذا؛ نتيجة لـ اعتمادها على الحواس الخادعة ، وارتكازها على بادئ الظن ليس سوى. 4- الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع: يذهب الفلاسفة التجريبيون الإنجليز كدافيد هيوم Hume (1711-1776م)، وجون لوك Locke(1632-1704م)، وجون استيوات ميل Mill(1806-1873م)إلى أن الإنسان يولد صفحة بيضاء، وأن ذهن الإنسان يكون فارغا من الحقائق التي لا يمكن الوصول إليها سوى عبر التجربة، وتشغيل الحواس لإدراك المعارف والحقائق الصادقة. وتحدث التجربة طبعا من خلال استخدام الملاحظة المنظمة، وتجريب الفرضيات، وإرجاع التجربة مرات العديد من، واستنتاج النظريات أو القوانين. ولو كان الذهن أعدل قسمة متساوية بين الإنس كما يقول ديكارت، لما وجدنا أذهان الإنس مغايرة، ولما وجدنا في الفصل الدراسي الأذكياء والأغبياء على حاجز سواء. ومن هنا، فمصدر الحقيقة المطلقة واليقينية حسب التجربيين هو التجربة أو الواقع الحسي الخارجي. أي: إن الحقيقة ماهي سوى مطابقة الفكر للواقع المرجعي . 5- الحقيقة هي مطابقة الفكر لذاته وللواقع سويا: يشاهد الفيلسوف الألماني كانط أن الحقيقة هي مطابقة الفكر لذاته ومطابقة الفكر للواقع. ويعني ذلك أن كانط يوفق بين العقلانيين والتجربيين، وأن الحقيقة لا تكون بالذهن لاغير، ولا بالتجربة لاغير، لكن بهما سويا. فالحدوس الحسية بلا مقولات عقلية عمياء والمقولات العقلية بلا حدوس حسية جوفاء. وللتوضيح أكثر، فالتجربة بلا الذهن توجد خامة غير مفهومة. أي: عبارة عن أحاسيس وحدوس حسية غير ممنهجة أو مرتبة، حتى يتدخل الذهن بمقولاته المنطقية ليحول التجربة إلى اعتقاد عقلاني مفهوم . فإذا وجدنا قطنا يحترق وبقربه النار، فهذه عبارة عن انطباعات حسية مبهمة، فلابد أن يتدخل الذهن من خلال الاستيعاب بمقولاته المنطقية كالزمان والمكان والسببية، لأجل أن نقول: إن النار هي داع احتراق القطن. ومن ثم، يمكن القول : إن القطن والنار عبارة عن مدركات حسية، بل السببية مفهوم عقلاني مجرد له رابطة بالذهن الخالص ، وهو عبارة عن مبادئ منطيقة ومعرفية مجردة وكلية ، بها يعي الذهن المعطيات الخارجية ، وينظمها على نحو ممنهج ومرتب. ومن هنا، فمصدر الحقيقة المعرفية والعلمية نحو كانط هو الذهن والتجربة سويا (الحقيقة العينية والحقيقة الصورية). بل هناك حقائق لا يمكن الوصول إليها من خلال الذهن والتجربة ، وهي الحقائق الميتافيزيقية أو الماورائية، أو كما يسميها كانط بحقائق النومين التي لا يمكن الوصول إليها سوى من خلال الذهن العملي والأخلاقي(الإيمان الداخلي). أما الحقائق الفيزيقية (الفينومين) ، فيمكن إدراكها عبر الذهن والتجربة سويا. ويعني ذلك أن الذهن مقيد في طاقته الإدراكية، لا يمكن أن يمر نطاقه القرار له، وخصوصا في استكناه الماورائيات، كمعرفة الله ، وخلق العالم، وإدراك حقائق النفس والعالم الآخر … وفي ذلك التوجه، يقول كانط:” إن عقلنا لا يشبه، نحوا من الشبه، سهلا ممتدا لا محدودا، لا تعرف حدوده إلا بكيفية عامة، لكن ينبغي أن يشبه بالأحرى بكرة يمكن قياس أبعادها…محتوياتها وحدودها قابلة للتعيين بدقة. خارج تلك الكرة لا يرجع ثمة للعقل أي موضوع اجتمع للمعرفة، لكن إن المسائل المرتبطة بتلك الأمور المزعومة (خلود النفس، حضور الله، طليعة العالم) لا تتعلق إلا بمبادئ ذاتية تشكل أساسا لتحديد كوني شمولي للعلاقات التي يمكن أن تقوم، ضمن حواجز تلك الدائرة، بين تصورات (مفاهيم) الاستيعاب” . وعلى أي، فكانط ، في منظوره الفلسفي بخصوص الحقيقة ، قد سعى جادا النجاح بين التيار العقلاني الذي كان يمجد الذهن، ويقدسه إلى درجة التأليه، والتيار التجريبي الذي كان ينافح عن التجربة باعتبارها مناط البحث العلمي، 

وبكونها كذلك دليلا حقيقيا للوصول إلى اليقين الصحيح. 6- الحقيقة هي مطابقة الواقع للفكر: يشاهد الفيلسوف الألماني

 مارتن هيدجر Martin Heidegger (1889-1976م) أن الحقيقة ليست هي مطابقة الفكر للواقع، لكن هي مطابقة الواقع للفكر، حيث:” يفسح ذلك الطابع المزدوج للتوافق أو التطابق الميدان لبروز التعريف التقليدي لماهية الحقيقة:” الحقيقة هي مطابقة الشيء للمعرفة. ولكن ذلك يمكن أن يفهم أيضاً بالمعنى الأتي: إن الحقيقة هي مطابقة المعرفة للشيء.سوى أن الحقيقة مأخوذة بذلك المعنى، بوصفها حقيقة الحكم، لا تكون ممكنة سوى إذا تأسست على حقيقة الشيء. فهذان التصوران للحقيقة يَبقى مقصدهما هو المطابقة، وإذا، فهما يتناولان الحقيقة بوصفها مطابقة…” ويتجاوز هيدجر مفهوم المطابقة باعتبارها مفهوما تقليديا في تحديد رابطة المنطوق بالشيء المرصود منطقيا. بينما، تتجسد الحقيقة على أنها حرية وأماط اللثام للكائن وعملية تأويل ، واستعداد للانفتاح على الكائن والممكن استكشافا واستشرافا وقراءة وتقبلا. فيبدو الكل على حقيقته بلا تمويه أو تزييف أو خداع أو مكر أو قناع. 7- الحقيقة هي مفهوم الحقيقة

تعتبر الحقيقة – وهي كلمة كانت ولا تزال سامية ونبيلة– مطلبا إنسانيا فالكل يبحث عن الحقيقة و الكلّ ينشد الوصول إليها. أما الفلسفة فكانت سابقة إلى إحاطة الحقيقة بالأسئلة التي ظل الفكر الفلسفي يبحث لها عن إجابة منذ حقب طويلة من الزمن إلى وقتنا الحاضر، سواء كانت هذه الأسئلة لها علاقة بوجود الحقيقة أو بطبيعتها أو بقيمتها، فتساءلت مثلا: هل الحقيقة ممكنة ؟ وبأي معنى ؟ وإذا كانت ممكنة ما هي معانيها المختلفة ؟ وهل الحقيقة مطلقة أم نسبية ؟ موضوعية أم ذاتية ؟ وما قيمة الحقيقة ؟ ولقد أثارت مشكلة مفهوم الحقيقة كمضمون واحد وثابت بعيدا عن الحقائق الجزيئة في هذا المجال أو ذاك جدلا كبيرا بين الفلاسفة، حيث تعددت تأويلات الفلاسفة لمفهوم الحقيقة واختلفت باختلاف نزاعاتهم واتجاههم. لكن وبالرغم من اختلاف نظرة الفلاسفة للحقيقة وتفسيرهم لها، وبالرغم من تعدد المفاهيم التي أعطيت للحقيقة، إلا أننا نلاحظ أن كل الفلاسفة ومنذ أفلاطون قد تناولوا المسألة من وجهة نظر معرفية، وقد استمرت هذه النظرة للحقيقة إلى حدود الفلسفة المعاصرة التي عرفت ظهور العديد من الفلسفات الإنسانية، أو ما يطلق عليها عادة بفلسفات اللامعقول، والتي ترفض النظر إلى الإنسان على أنه مجرد ذات عارفة وللأشياء على أنها مواضيع للمعرفة، لاسيما الفلسفة الوجودية التي تصر على زحزحة الكوجيتو ونفي العقلانية، وتنظر إلى الإنسان على أنه إنفتاح وحرية، وإلى الأشياء على أنها موجودات تكشف عن نفسها بالاهتمام، لتتخذ بذلك مسألة الحقيقة منحى آخر بعيدا عن النظرة المعرفية. ويعد الفيلسوف الألماني “مارتن هيدجر” من أهم الفلاسفة الوجوديين الذين عنوا بمسألة الحقيقة حيث وجه الفيلسوف عدة انتقادات للنظرة التقليدية للحقيقة من حيث أنها محددة بالمعرفة لا تستطيع أن تتجاوز حدودها، وبذلك يمهد هيدجر لتصور جديد للحقيقة، محدثا بذلك انتقالا كبيرا من تناول مسألة الحقيقة في إطار معرفي إلى تناولها في سياق أنطولوجي. لقد انتهى هيدجر إلى أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في تعرضه للحقيقة وتعرضه لنورها، وهذه الحقيقة لا ينظر إليها في علاقتها بالمعرفة بل في علاقتها بالوجود. ب ولهذا فإن الأمر يتعلق في بحثنا هذا بإشكالية الحقيقة كما اهتم بها هيدجر، وهو بحث يبرز فيه السؤال التالي: ما الحقيقة ؟ وتندرج تحته التساؤلات التالية: ما هي الأسس التي تقوم عليها الحقيقة ؟ ما علاقة الحقيقة باللاحقيقة ؟ وإلى أي مدى يتفق السؤال عن الحقيقة مع مفهوم الفلسفة ؟ وقد قادتني متطلبات البحث ومادته إلى إتباع الخطوات التالية في بنائه، حيث قسمته إلى: أولا: مقدمة: وفيها عرفت بالموضوع وطرحت إشكاليته، ومراحل البحث والمنهج الذي استعملته. ثانيا: تمهيد: وفيه تناولت طبيعة الحس العام وعلاقته بالسؤال عن الماهية. ثالثا: الفصل الأول وعنوانه: الحقيقة والتطابق، تناولت فيه المفهوم المتداول للحقيقة وعلاقته بالتصور التقليدي للحقيقة، والأساس الذي يقوم عليه هذا الأخير، وما مدى كفاية التصور التقليدي للحقيقة في التعبير عن الحقيقة الأصيلة. رابعا: الفصل الثاني: وعنوانه: الحقيقة والحرية، تناولت فيه حقيقة الآنية، وأساس إمكانية تحقق التصور التقليدي للحقيقة، كما تناولت فيه تصور هيدجر للحقيقة وللحرية. خامسا: الفصل الثالث: وعنوانه: اللاحقيقة والفلسفة: تناولت فيه السؤال عن اللاحقيقة وتصور هيدجر لللاحقيقة، ولعلاقة الحقيقة باللاحقيقة،وعلاقة الفلسفة بالسؤال عن الحقيقة. سادسا: النقد والتقييم: تعرضت فيه لأهم الانتقادات التي وجهت لأفكار هيدجر، كما تعرضت لتقييم أفكار وآراء هيدجر وأحكام الدارسين التي تناولتها، وكذلك الأثر الذي خلفه فكر هيدجر على الفلاسفة والمفكرين الذين عاصروه والذين جاءوا من بعده. سابعا: الخاتمة: تناولت فيها أهم نتائج البحث وبلورت فيها أفكاري متوخية إخراج الفكر الهيدجري من النقد السلبي له بقدر المستطاع. وقد اعتمدت في معالجة هذا البحث على المنهج التاريخي لتقديم صورة تاريخية عن تصور الحقيقة والمنهج التحليلي لإبراز معنى الحقيقة، والمنهج المقارن بهدف إبراز المنعطفات الفكرية التي عندها يغير هيدجر وجهتـه ليخالف آراءه السابقة، أو ليخالف غيره من الوجوديين، أو لبيان المعالم التي عندها يلتقي معهم. ج وقد كان إهتمامي بهذا البحث نابعا من مجموعة من الدوافع نذكر منها: إهتمام سابق بفلسفة هيدجر، قلة البحوث والدراسات باللغة العربية التي تتناول فلسفة هيدجر لاسيما مسألة الحقيقة التي لم تحظى كغيرها من المسائل بالبحث العميق والدراسة الشاملة فكانت دائما وأبدا جزءا من عموم، تخصص لها الصفحات القليلة التي لا تستوفي حجم المادة الفلسفية التي تتضمنها فكرة الحقيقة، فمكتبتنا العربية –باستثناء كتاب عبد الغفار مكاوي المعنون بنداء الحقيقة- خالية من الدراسات المعمقة لمسألة الحقيقة، أصالة كتابات هذا الفيلسوف وثراءها بالمصطلحات الجديدة والجديرة بالتأمل والتحليل. أما عن الأهداف التي أبتغي الوصول إليها من خلال بحثي فتتمثل فيما يلي: الإجابة على التساؤلات التي تم طرحها في المقدمة، التعرف على قيمة مسألة الحقيقة ومكانتها بالنسبة للمسائل الفلسفية الأخرى، اكتساب منهجية علمية أكاديمية من شأنها أن تعينني على خوض بحوث فلسفية في المستقبل. وقد اعتمدنا في بحثتا هذا على مؤلفات الفيلسوف نفسها خاصة “في ماهية الحقيقة”، “الوجود والزمان”، “نداء الحقيقة”، “ما الفلسفة؟ ما الميتافيزيقا؟ هيلدرن وماهية الشعر”، بالإضافة إلى مجموعة من المراجع التي كتبت عن هيدجر أو المراجع العامة التي تعلقت بموضوع البحث وهي مراجع أفادتنا بصورة أو بأخرى. وكانت من طبيعة الأمور أن تعترض طريق هذا البحث عقبات لعل أشدها: لغة الفيلسوف التي يحتاج من يقبل على قراءتها إلى كثير من الجهد والصبر والتروي فهي ليست لغة عادية وإنما لغة خاصة بالفيلسوف يوظفها حسب مفاهيم يدركها هو دون غيره، قلة الدراسات العربية عن فلسفة هيدجر لاسيما ” مسألة الحقيقة”، ولو وجدت مثل هذه الدراسات لكانت مهمتي أسهل، صعوبة كتاب “الوجود والزمان” ورسالة “في ماهية الحقيقة” وهما المؤلفين الذين انصبت عليهما هذه الدراسة، لاسيما رسالة “في ماهية الحقيقة” التي تعود أساسا إلى كثافة النص ودقته وإلى طبيعة الموضوع الذي يحاول هيدجر الاقتراب منه. وفي النهاية أرجو أن يكون هذا البحث في المستوى، ومن واجبي أن أعتذر سلفا عما أكون قد وقعت فيه من خطأ أو زلل. 4 تمهيـد ما مفهوم الحقيقة ؟ وما ماهيتها ؟ سؤال عام ومجرد، تضعنا الإجابة عليه في مواجهة مباشرة مع مفهوم الماهية “ماهية شيء ما”، الطاولة، البحر، الإنسان… فالماهية من حيث مفهومها العام هي: ما به يجاب عن السؤال ما هو ؟ ففي كل مرة يطرح فيها السؤال “ما هو” ؟ يكون الهدف المباشر هو معرفة ماهية هذا الشيء أو ذاك. بيد أن التساؤل عن ماهية شيء ما، لا يعني أبدا أننا لسنا على اطلاع به أو أننا على جهل تام به، إنما نفعل ذلك فقط من أجل فتح الإمكانية أمام التساؤل وخاصة إمكانية (1 (الإجابة الموجودة بالفعل في السؤال، ثم الدخول في تيار العلاقة بين السؤال والإجابة . وإذا كانت طريقة التساؤل هي أهم ما يميز الفيلسوف فإن هيدجر يتجه بسؤاله دائما –ومن خلال معظم أعماله- صوب حقيقة الأشياء وماهيتها. ولكن ما علاقة السؤال عن الماهية بالسؤال عن الحقيقة ؟ تعرف “الماهية” « essence’L « بأنها التصور الكلي في مقابل الوجود المشخص والوجود العام والكلي في مقابل الوجود الجزئي، فماهية الكائن بمعناها الضيق هي ما (2 (يكون هو هو، أي ما به يكون موجودا من حيث هو فرد في نوع معين ، فعندما نتساءل عن ماهية شيء ما، وليكن الطاولة مثلا، فإننا في الواقع لا نستهدف بسؤلنا ما هو حاضر في هذه الطاولة بعينها كوجود جزئي، بل ما يحضر في كل طاولة، سواء كانت هذه . حيث (3 (الطاولة، طاولة واقعية أو ممكنة وكذلك الأمر بالنسبة لسؤالنا عن ماهية الحقيقة يؤكد هيدجر منذ البداية وقبل الشروع في أي حديث عن الحقيقة، أن السؤال عن ماهية الحقيقة لا يتعلق بحقيقة جزئية ومعينة في هذا المجال أو ذاك، بل بما يحضر في كل (1) – Martin Heidegger de l’essence de la vérité, approche de l’allégorie de la caverne et du thèètète de Platon, traduit par Alain Boutot, établi par Hermann Mörchen, édition Gallimard, Paris, 2001, p 17.. 931 القاھرة . 3 (2) – محمود يعقوبي، فلسفة الوجود، خلاصة الميتافيزياء، (د.ط)، دار الكتاب الحديث، (د.م)، 2002 ،ص 21 . (3) – Martin Heidegger, de l’essence de la vérité, approche de l’allégorie de la caverne et du thèètète de Platon, p p 17-185 حقيقة جزئية ويمنحها وجودها كحقيقة، أي ما هو عام ومشترك بين كل الحقائق الجزئية، (1 (أو الحقيقة كمعنى كلي . وكما أن السؤال عن ماهية الطاولة مثلا، لا يهتم بأن تكون هذه الطاولة طاولة للكتابة أو للأكل أو لحمل المعدات الطبية… بل كل ما يهتم به هو الطاولة كطاولة، أو الطاولة من حيث هي كذلك، كذلك الأمر بالنسبة للسؤال عن ماهية الحقيقة، إذ أن السؤال عن “ماهية الحقيقة” لا يهتم بأن تكون الحقيقة هي حقيقة مجال معين من المجالات، أي أنه لا يهتم بأن تكون الحقيقة هي حقيقة التجربة اليومية أو الحقيقة الاقتصادية أو السياسة أو الفلسفة، الفنية أو الدينية أو العلمية، إنما ينصب وفقط على الحقيقة من حيث هي حقيقة أي (2 (الحقيقة من حيث هي كذلك . ويعني ذلك أن السؤال عن الماهية ليس سؤالا بسيطا، كما أنه ليس بمستوى تعقيد أي سؤال آخر في أي مجال كان، مهما بلغت درجة تعقيد هذا السؤال، كما هو الحال مثلا بالنسبة لأسئلة العلوم الرياضية أو الطبيعية من حيث أن هذه الأسئلة مهما بلغت من تعقيد تظل مع ذلك بسيطة، إذا ما نظرنا إليها من جهة السؤال عن الماهية كسؤال فلسفي، لما تمتلكه (أي أسئلة العلوم الرياضية والطبيعية) من سند واقعي على خلاف سؤال الماهية، الذي يفتقر لأي سند واقعي. وعلى ذلك يمكن القول أن سؤال الماهية ليس في متناول (*) التفكير اليومي أو الحس المشترك commun sens le أو الذوق العام بحكم طبيعته التي (3 (تنفر من البحث في المواضيع التي ليس لها سند 

في الواقعولأجل ذلك يشير هيدجر إلى ضرورة تجاوز بساطة “الحس المشترك” الذي يشيد بالبداهة وينفر من التعقيد، ويسلم بالوجود ببساطة ويفر من مشقة البحث في الماهيات

*) حاسة متخصصة، وذلك بإحالتها إلى موضوع واحد وثباتا لتمكيننا من إدراكها، أما في اللغة الفلسفية المعاصرة فيشير إلى مجمل الآراء المسلم بها عموما في عصر وفي وسط معينين. أنظر: – أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة، احمد خليل، أحمد عويدات، ج3 ،ط2 ، منشورات عويدات، بيروت،2001،ص ص1269 -1270. (3) – مارتن هيدجر، نداء الحقيقة، ترجمة وتقديم ودراسة، عبد الغفار مكاوي، (د.ط)، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1977 ،ص 146 . 6 والعودة إلى البدايات، وإلى ضرورة النظر إلى مسألة ماهية الحقيقة بطريقة مغايرة لطريقة التفكير اليومي، على اعتبار أن تحديد الماهية ليس بالأمر البسيط أبدا، فالماهية ليست موضوعا في متناول الحواس، كما أنها ليست بالطبيعة التي تقبع بصورة دائمة في أفق تفكيرنا ومعرفتنا وتكشف عن ذاتها، بل هي على العكس من ذلك تتفنن في الاختفاء والتحجب ولا تنكشف إلا للمتأمل الذي اختار مشقة العلو إلى الأسئلة الأخيرة ومكابدة عناء الغوص في أعماقها، على الركون لبساطة الحس المشترك والاطمئنان إلى القريب (1 (المحسوس وبداهة الحياة اليومية . ويتفق هيدجر في هذا الصدد مع هيجل الذي أكد هو الآخر على ضرورة مجاوزة الحس المشترك على الرغم من اختلاف نظرتهما، فهيدجر يهاجم الحس المشترك بسبب طبيعته التي تهيب بالوضوح وتضيق بالسؤال والبحث عن الماهية. أما هيجل فيهاجمه بسبب عدم قدرته على بلوغ مستوى الوعي، حيث يؤكد على أن النظر المباشر- للهذا- (2 (والـ- ذاك- يعجز عن بلوغ مستوى الوعي . إن أكثر ما يثير اعتراض الحس المشترك أو الفكر اليومي -في نظر هيدجر- هو مسألة البحث في الماهيات باعتبارها موضوعا عاما ومجردا ولا طائل من البحث فيه سوى إضاعة الوقت والجهد وإهمال أمور الواقع التي أثبت الانشغال بها منذ زمن بعيد ولازال يثبت حتى وقتنا الحاضر، وذلك بالنظر إلى ما قدمته من خدمات جليلة للإنسانية جمعاء بأنها أولى الأمور بالبحث والاهتمام، وبهذا يكون سؤال الماهية من منظور الحس المشترك، من المسائل الأقل قيمة ولفتا للانتباه، فما قيمة وما جدوى الانشغال بالماهيات، (3 (مادامت لاتمدنا بأية فائدة عملية في ظل ما نكابده من مصاعب وآلام . ولا غرابة في ذلك مادام الحس المشترك يتبنى منذ البداية موقفا نفعيا موافقا لموقف الفلاسفة النفعيون، الذين يجعلون من الفائدة العملية معيارا للحكم على أية فكرة من الأفكار بحيث تكون الفكرة مقبولة أو حقيقية حينما يثبت بالتجربة أنها فكرة صالحة مفيدة وعلى اعتبار أن فكرة الماهية فكرة عقيمة وليس بإمكانها تحقيق أية فائدة عملية، فهي في نظرهم غير حقيقية، ولا قيمة لها بل وأكثر من هذا فهي –بحسب تعبير جون ديوي- صيغة مرضية من الواجب التخلص منها، شأنها في ذلك شأن كل المسائل الميتافيزيقية، فليس من شك –فيما يرى جون ديوي- أن عالم الفيزياء على حق حين يبحث عن القوانين العامة للحركة، ولكن من المؤكد أن الباحث الميتافيزيقي ليس على حق حين يجعل موضوع بحثه (1 (هو الحركة بصفة عامة . هكذا إذا هو الحس المشترك، عاجز عن تجاوز الواقع والبحث في أعماق المسائل، مطمئن إلى الأعراض وإلى كل ما هو حسي وملموس، وهو إلى هذا عنيد مكابر ماض في دعمه لمتطلبات الفائدة العملية المباشرة، وفي معارضته لكل ما هو فلسفي مستندا في ذلك إلى حجته بأن العالم بسيط، وأن كل شيء واضح ومفهوم وعلى ما يرام وأنه لا (2 (مجال لاختلاق مشاكل لا طائل من البحث فيها . قد يبدو ذلك مقبولا إذ لا أحد يستطيع أن ينكر واقعية هذه الاعتراضات بل وضرورتهـا غير أن هذه الاعتراضات ليست مبررة، ولا تكفي لرفض ما هو أساسي أيضا (أي لكل ما هو فلسفي) حتى وإن كان يبدو بالنسبة لتقدير بعض وجهات النظر أنه (3 (عكس ذلك. من هنا يؤكد هيدجر على استحالة دخول الفلسفة في أي حوار مع الحس المشترك، وذلك لأن أي حوار يتطلب بالضرورة توفر أساس مشترك يفترض أنه يجمع بين طرفي الحوار، في حين أننا نلاحظ انعدام مثل هذا الأساس بين الفلسفة والحس المشترك، لأن الحس المشترك ببساطته وقصر نظره عاجز عن الارتقاء إلى مستوى النظر الفلسفي، بل والأكثر من هذا يدير ظهر ويعطل حواسه، أمام أية محاولة تبديها الفلسفة من أجل إقناعه بضرورة وأهمية التساؤل، والبحث الفلسفي، والفلسفة من جهتها لا تستطيع النزول إلى (4 (مستوى الحس المشترك لأن مثل هذا النزول يفقدا طبيعتها من حيث هي فلسفة . (1) – زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة، ج1) ،د.ط)، دار مصر للطباعة، مصر1968 ،ص 79 . (2) – مارتن هيدجر، نداء الحقيقة، مصدر سابق، ص 146 . (3) – Martin Heidegger, de léssence de la vérité, op. cit, p 66. (4) – Ibidem. 8 لكن المهم بعد كل هذا هو، ما مدى مجاوزتنا نحن أنفسنا للحس المشترك، وما ما مدى نأينا عن تهديده ؟ وهل نحن متفطنون لكل محاولاته التي ترمي إلى توريطنا فيه ؟ هكذا يقترب منا هيدجر نحن قراؤه الدارسين للفلسفة أو المشتغلين بها ويتوجه إلينا بالسؤال ويضعنا نحن أنفسنا موضع تساؤل، إذ ليس من المستبعد أبدا أن ننزل إلى مستوى الحس السليم وأن نأخذ ببعض آرائه، بل وأن نتبنى طريقته النفعية والساذجة في التفكير، لنستحيل بذلك إلى معول للهدم بدل أن نكون معول بناء وترميم، وبهذا نساهم في دعم (1 (ثورة الحس العام على كل ما هو فلسفي . صحيح أن الحس المشترك شيء فطري فينا وأننا كثير ما نلجأ إليه لمواجهة ظروف الحياة اليومية، وصحيح أيضا أن له فلسفته الخاصة به، وإن كانت هذه الفلسفة قد ثبطت وانطفأ لهيبها مع الزمن بانطفاء شرارة الاندهاش –الذي شكل ولقرون طويلة منبعا مشتركا للفلسفة والعلم على السواء- بفعل إتساع المعارف وتطور التقنية التي استطاعت أن تبدد مخاوف الإنسان واضطرابه أمام ظواهر الطبيعة وما يحيكه الخيال حولها من أوهام وخرافات وأساطير، فلم يعد يدهش لشيء فيها باعتباره حاصل على العلم، بل إن الحس السليم قد شكل ولوقت طويل جدا أساسا لكثير من الفلسفات المشهورة خاصة الواقعية منها وفلسفة توماس ريد أكبر شاهد. ولسنا نريد بذلك التقليل من قيمة هذه الفلسفات باعتبارها امتداد للحس المشترك، وإنما نريد أن نبرز دور الحس المشترك (2 (بالنسبة لتشكل الفلسفات ، ولكن المهم –في نظر هيدجر- أن التفكير الجدير بالنظر الفلسفي لا يكون إلا إذا استطعنا أن نتجاوز هذه الطبيعة الكامنة فينا، والتي تشيد بالبساطة وتضيق بالسؤال والبحث في الماهيات، كما لن يكون بإمكاننا التساؤل عن ماهية الحقيقة، إذا نحن لم نعمل على محو هواجس اليقين التي تمدنا به الحقائق الجزئية بوصفها الأفيد (3 (من الناحية العملية . (1) – Martin Heidegger, de léssence de la vérité, op. cit, p 67(2) – مارتن هيدجر، نداء الحقيقة، مصدر سابق، ص 146 . (3) – المصدر نفسه، ص ص 146-147 . 9 يرى هيدجر أن الغاية القصوى للحس المشترك هو البحث عن الحقائق الجزئية من حيث هي حقائق واقعية تكشف لنا عن قدرة الإنسان العقلية وما استطاع تحقيقه من إنجازات علمية وتكنولوجية في إطار سيرورته التاريخية، وتساهم في ذات الوقت في تحقيق مزيد من الإنجازات، لكن حتى وإن كان الأمر كذلك فإن معرفة الحقيقة من حيث هي كذلك تظل أمرا ملحا، مادامت الغاية في النهاية هي معرفة الحقيقة، ومادامت الحقيقة (1 (من حيث هي كذلك هي الأصل في قيام الحقائق الجزئية . والغريب في الأمر -في نظر هيدجر- أن الحس المشترك يعتز ويفاخر بامتلاكه للحقيقة الواقعية كحقيقة جزئية في هذا الميدان أو ذاك، ويصر على أن امتلاكه لهذه الحقيقة، هو امتلاك للحقيقة في حد ذاتها، وليس ثمة ما يدعو إلى افتراض كائن غيبي ندعوه بالحقيقة من حيث هي كذلك، وهو الأمر الذي يجعل من معرفة الحقيقة معرفة (2 (تقريبية وغامضة. ونتيجة لهذا يؤكد هيدجر على أن الحس 

المشترك المدعي للمعرفة والمتجاهل لضرورة السؤال عن الحقيقة من حيث هي كذلك، والماضي إضافة إلى ذلك في عناده مكابرته، والمصر على أن ما يقوله هو الحق، هو أكثر إثارة للرثاء من الجاهل المقر بجهله (3)

يعتبر مفهوم الحقيقة من أكثر المفاهيم شيوعا، فالكل يتحدث عن الحقيقة، والكل يستخدم الحقيقة، بأن يصف ما يسمعه من أحكام بأنها أحكام صادقة، وما يشاهده من أشياء بأنها أشياء حقيقية، ولكن لا أحد يهتم بما يعنيه مفهوم الحقيقة، لا لأن الحقيقة هي شيئا غير أساسي بالنسبة لنا، ولهذا هي لا تستحق النظر، بل لأن الكل يعرف ما معنى الحقيقة، إما نتيجة الاعتقاد بأن الحقيقة هي أمر بديهي، أو نتيجة التسليم بما ذهب إليه التقليد الفكري فيما يتعلق بتصور الحقيقة. فما هو التصور التقليد الفكري للحقيقة ؟ وما هو الأساس الذي يقوم عليه ؟ وهل يعتبر هذا التصور تحديدا أصيلا للحقيقة ؟ 1 -التصور التقليدي للحقيقة ينطلق هيدجر في مناقشاته لمفهوم الحقيقة –تبعا لعادته- من داخل إشكالات اللغة العادية وبالضبط من خلال تأملاته العميقة لمختلف المعاني التي قد تأخذها كلمة الحقيقة (1 (تبعا لاستخداماتها المختلفة داخل الحياة اليومية. فماذا نعنيه عادة بالحقيقة ؟ يقول هيدجر: « هذه الكلمة النبيلة لكن المنهكة من كثرة الاستعمـال لدرجـة (2 (أنهـا أصبحت فارغة من المعنى، تعني ما يجعل من الحقيقي حقيقيا » ، أي أن الحقيقة هي: ما يهب للشيء الحقيقي صفة الحقيقة. لكن ماذا نعني أن يكون الشيء حقيقيا ؟ نقول مثلا: إنها فرحة حقيقية أن أتشرف بزيارتك، ونريد أن نقول من خلال ذلك أنها فرحة واقعية، وليست مجرد تظاهر. ويعني ذلك أن الشيء الحقيقي هو الشيء الواقعي، فالواقعي هو ما يطابق الواقع، وبهذا المعنى نتحدث عن معدن يفترض أنه ثمين، فنقول “ذهب حقيقي” و”ذهب مزيف” على أساس أن الذهب الحقيقي، ذهب واقعي، في حين أن الذهب المزيف ذهب غير واقعي، على اعتبار أن ما يظهر من الذهب الحقيقي، هو في الواقع كما يبدو من مظهره، في حين أن ما يظهر من الذهب المزيف يخالف ما هو عليه (1) –Alphonse de Waelhans, phénoménologie et vérité, Essai sur l’évolution de la vérité chez Husserl et Heidegger, 1ere Edition, presse universitaire de France, Pairs, 1953, p64(2) – Martin Heidegger, de l’essence de la vérité, op. cit, p 6812 في الواقع، أي لما هو ذاته، فالذهب المزيف خلافا للذهب الحقيقي الذي يكون هو ذاته يكتفي بأن يكون مجرد مظهر، ولأنه مجرد مظهر فهو غير واقعي، والغير واقعي ضد لما (1 (هو واقعي، كما أن الظاهر هو ضد لما هو ذاته. لكن هل نفهم من هذا أن قطعة الذهب المزيفة غير واقعية ؟ ولنفرض أن قطعة الذهب المزيفة هي نحاس مذهب مثلا. الواقع أن قطعة الذهب المزيفة هي شيء واقعي، وعلى الرغم من كونها قطعة نحاس مذهب، إلا أنها تظل مع ذلك قطعة واقعية، على اعتبار أن النحاس المذهب ليس (*) أقل واقعية من الذهب الحقيقي، وذلك بالنظر إلى الخصائص المادية (الفيزيائية) التي تهب لكل منهما وجودا واقعيا، وتجعل منه موضوعا في متناول الحواس، ومن جهة ثانية إلى كون الواقع لا يتضمن درجات للشدة، كما هو الحال مثلا بالنسبة للعواطف والألوان، بحيث يمكننا الحكم على شيء ما بأنه أقل أو أكثر واقعية من شيء آخر، على اعتبار أن الواقع ضد الاواقع والأضداد من الناحية المنطقية – تطبيق لمبدأ الثالث المرفوع- لا تقبل وسط بين الشيء وضده، فإما وجود الشيء أو وجود ضده، وعليه فإما أن يكون الشيء (2 (واقعيا أو يكون غير واقعي، كأن يكون عقليا مثلا . ويعني ذلك أن صفة الواقعية لا تعبر بالفعل عن أصالة الذهب الحقيقي، وعليه يمكن القول أن مفهوم الواقع لا يصلح تعريفا للحقيقة. لنعاود التساؤل من جديد – ما الحقيقة ؟ يتبين لنا من خلال ما سبق أن الحقيقة هي: مطابقة ما هو في الواقع لتصورنا عنه، وبهذا الشكل تكون الفرحة حقيقية عندما تتطابق مع تصورنا المسبق لمفهوم الفرح، كما تكون قطعة الذهب حقيقية وأصلية حينما تتوافق وتتطابق مع تصورنا المسبق عن الذهب، بينما تكون قطعة النحاس المذهب زائفة وغير حقيقية، لأن واقعها أو ما هي عليه لا يتوافق ولا ينسجم مع فكرتنا وتصورنا للذهب يقول هيدجر في هذا الصدد: « فالذهب الأصيل هو هذا الواقع الذي تتفق واقعيته حالا ودوما مع ما نتصوره بالضبط عندما نفكر في الذهب، على العكس من ذلك عندما نظن أننا أمام نحاس مذهب فنقول شيء ما هنا غير صحيح [Stimm ،[وخلافا لذلك نلاحظ فيما يتعلق بالشيء كما يتوقع أن يكون، هذا “صحيح” فالشيء يتفق مع ما نقرر أن (1 (يكونه » . أي ما يتوقع منه أو يراد به. لكن هذا لا يعني أن الحقيقة صفة تختص بها الأشياء وحدها من حيث أنها تمثل موجودات تكون هي ذاتها في واقعها، وتتوافق مع فكرتنا عنها، وإنما تمتد لتشمل وقبل كل شيء –وفقا لتقليد متوارث- كل منطوقاتنا بوصفها تعبيرات لغوية على أحكامنا (2 (المتعلقة بالأشياء، أو بحالات الأشياء -تبعا لتعبير هوسرل- موضوع حكمها. فنقول مثلا: ” زحل كوكب من كواكب المجموعة الشمسية”، “الحرب العالمية الأولى بدأت في بداية شهر أوت 1914 ” ،” سقراط فيلسوف”، “الجو بارد في الخارج”، ونصفها بأنها منطوقات حقيقية لأن كل منطوق من هذه المنطوقات يعبر عن حكم يتطابق وحالات (3 (الأشياء موضع الحكم . ومن ذلك نرى أن منطوقا من المنطوقات، أو حكما من الأحكام يكونان على وجه الدقة حق إذا كانا يتطابقان وحالات الأشياء موضوع الحكم . وبهذا يكون التوافق concordance La ،والتطابق adéquation’L ، هو ميزة كلMartin Heidegger, de l’essence de la vérité, op.cit, p 2714 والتطابق بين ما نفكر فيه وننطق به مع الشيء الموجود في الواقع (حقيقـة المنطـوق (la vérité de l’énoncé (1) . الحقيقة إذا تبعا للتصور المتداول هي: مطابقة الشيء لتصوره العقلي، وهي مطابقة التصور أو الحكم العقلي للشيء أو للواقع. ولكن الأكيد أن التصور المتداول للحقيقة ليس وليد الحس المشترك، وإنما يستند في أساسه وجوهره إلى مرجعية فكرية. فما هي هذه المرجعية الفكرية التي يستند إليها التصور المتداول للحقيقة ؟ لمعرفة هذه المرجعية الفكرية يرجع بنا هيدجر إلى تاريخ الفكر الفلسفي، ورجعة هيدجر إلى تاريخ الفكر الفلسفي لا يعني أنه سيتناول المسألة من وجهة نظر الحقيقة، وهو إذ يستعرض ما قاله الفلاسفة والمفكرين عن الحقيقة، لا يحاول غربلة ما قالوه لتميز صوابها من خطئها، بل من أجل أن يستمد من التراث الفلسفي شهادة ودليلا على امتداد مفهوم الحقيقة كتطابق والمتأصل في نفوسنا جميعا في عمق التراث الفلسفي (2) . يرى هيدجر أن تحديد الفكر الشائع للحقيقة كتطابق ليس أمرا بديهيا ولا وليد الفطرة، وإنما يقوم على أساس تحديد أسبق منه يحدد الحقيقة على أنها: “تطابق الشيء مع العقل”، تكون منذ زمن عند الفلاسفة المدرسين. فالواقع أن تحديد التصور الشائع للحقيقة ليس أمرا اعتباطيا منبث الجذور عن الماضي، وإنما هو نتيجة منطقية لتفسير قديم لوجود الموجود، لا يزال ينشط كرواسب بداخلنـا، على الرغم منا خضوعه لعامل النسيان وعلى الرغم مما أصابه من ضعف وسوء فهم وتأويل. فنحن جميعا نفهم الحقيقة سواء كان ذلك عن وعي أو عن غير وعي منا بمعنى التطابق إلا أننا ننسى أصله المدرسي الذي يعود بدوره إلى بعض العبارات المأثورة من التراث اليوناني (3) . فإلى من يعود تحديد الحقيقة كتطابق ؟ يرى هيدجر في كتابه “الوجود والزمان” أن التصور التقليدي للحقيقـة الذي يجعل من الحكم مكانا أصيلا للحقيقة، ويحدد مفهوم الحقيقة بتطابق الحكم مع موضوعـه (أو بتطابق العقل مع الشيء) يعود بأساسه إلى “أرسطو” الذي يعد أول من أشار صراحة إلى تحديد الحقيقة بمفهوم التطابق أي تطابق العقل مع الشيء، وذلك استنادا إلى عبارة أرسطو التي يقول فيها: « ليس الباطل والحق في الأشياء نفسها… وإنما هو في . التي تعني أن الفهم أو الحكم هو المكان الأصلي للحقيقة والزيف أوالخطأ، وأن (1 (الفهم» الحقيقة تقوم في توافق وتطابق الحكم أو العقل مع الأشياء، بحيث تكون العبارة حقيقية (2 (بقدر ما تتطابق وتتوافق مع الشيء مضمون العبارة، أي بقدر ما يكون تطابقا كليا. (3 (واستنادا أيضا إلى قوله: « إن تجارب النفس أو تصوراتها مكافئة للأشياء » التي تعني أن كل معارف النفس التي تدل هنا على التمثل تتوافق وتتطابق مع الأشياء كموضوع للتمثل. ويؤكد هذا الفهم الأرسطي للحقيقة كصحة وصواب واستقامة، استقامة التمثل أو مطابقة العقل للأشياء، وعلى الرغم من أن أرسطو –في نظر هيدجر- لم يكن يقصد من خلال عرضه هذا تحديدا دقيقا ومباشرا للحقيقة، إلا أنه يظل مع ذلك أول من مهد لتطور صياغة مفهوم الحقيقة بوصفها صحة الحكم المعبر عنه بالقول، أي صحة أحكامنا المتعلقة بالمواضيع، أي كـ “تطابق بين العقل والشيء” لتكون هي الصياغة الملزمة للفكر الغربي كله، ابتداء من الفلاسفة المدرسيين وحتى نيتشه و هوسرل و وليام جيمس وفلاسفة (*) الوضعية المنطقية، وذلك بفضل جهود توما الإكويني الذي يرجع له الفضل في إقرار وتأكيد تعريف الحقيقة كـ ” تطابق بين العقل والشيء” وإن كان يشير إلى أنه قد أخذ هذا التعريف عن ابن سينا الذي يقال أنه أخذه بدوره عن كتاب “التعريفات” لإسحاق الإسرائيلي (1) – عن مارتن هيدجر، نداء الحقيقة، مصدر سابق، ص 348 . (2) – المصدر نفسه، الصفحة نفسها. (3) – عن المصدر نفسه، ص118 . – توما الإكويني (1225 -1274 (acquin’d Tomas :فيلسوف لاهوتي كاتوليكي، يوحد بين الفلسفة والحكمة، والحكمة (*) عنده هي علم العلل الأولى، التي ترجع كلها إلى علة وهي االله، وتحصيل الحكمة في نظره يكون عن طريق العقل من القرن العاشر للميلاد الحقيقة” و”الخلاصة اللاهوتية” على أن العقل هو: “محل الحقيقة وموضعها”، وأن الحقيقة ، بحيث تكون (2 (تقوم في مطابقة الحكم للموضوع:« الحقيقة هي تطابق الشيء مع العقل » أحكامنا ومعارفنا صحيحة وصادقة بقدر ما تنضبط على الأشياء، أي بقدر ما تكون نسخة عن الشيء كما هو كائن في الواقع، على اعتبار أن الحقيقة هي الوفاء للنسخة بالنسبة للنموذج. وبهذا يكون التصور التقليدي 

للحقيقة تبعا لتعريف توما الأكويني الذي يعتبر الأصل في المفهوم التقليدي للحقيقة هو تطابق الشيء مع العقل ولكن ما هو الأساس الذي استند إليه توما الإكويني في تحديده لمفهوم الحقيقة ؟ ينطلق هيدجر في الإجابة على هذا

 التساؤل من تأمل الصيغتين اللتين تظهـران التعريف التقليدي للحقيقة. إن الحقيقة تبعا لتعريف توما الإكويني هي: تطابق الشيء مع العقل، ولكن الحقيقة قد تعني تطابق الشيء مع العقل، كما قد تعني تطابق العقل مع الشيء rem ad intellectus adeaquatio ، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن ما إذا كان معنى (3 (الحقيقة هو نفسه في كلتا الصيغتين اللتين تظهران التعريف التقليدي للحقيقة. يرى هيدجر أن التعريف التقليدي للحقيقة يظهر الحقيقة بطريقة مزدوجة، أولا كتطابق بين الشيء والعقل (الحقيقة الأنطولوجية أو حقيقة الشيء)، ثم كتطابق بين العقل والشيء (الحقيقة المنطقية أو حقيقة الحكم)، وإن كنا كثيرا ما نتجاهل هذه الطبيعة المزدوجة التي تميز التعريف التقليدي للحقيقة، حيث أننا عادة ما نفهم الحقيقة –تبعا لطبيعتنا التي تنشد البساطة والوضوح وتتجنب التعقيد والغموض- فهما منطقيا أي كتطابق بين العقل والشيء، أو بين الحكم وموضوعه، ونتجاهل مفهومها الأنطولوجي أي مفهوم الحقيقة من حيث هي تطابق بين الشيء والعقل، على الرغم من أن كلا الصيغتين يضلان وبنفس الدقة والعمق تعريفا صحيحا أوأساسيا للحقيقة، وعلى الرغم من ارتباط المفهوم المنطقي للحقيقة في وجوده بالمفهوم الأنطولوجي، أو على نحو آخر على الرغم من قيام الحقيقة بوصفها تطابقا بين الشيء والعقل مقام الأساس بالنسبة للحقيقة كـ “تطابق بين (1 (العقل والشيء” . ونتيجة للتهاون الذي نحيط به مفهوم الحقيقة، لا نفكر في الاختلاف الموجود بين الحقيقة الأنطولوجية والحقيقة المنطقية، أو بتعبير آخر أننا نذاوت (نطابق) بين الحقيقـة كـ ” تطابق بين الشيء والعقل” والحقيقة كـ ” تطابق بين العقل والشيء “. قد يبدو الأمر بسيطا وخال من أي إلتباس بأن يبدو التطابق أنه هو ذاته في كلا التصورين، مادام كلا التصورين يدلان دائما على التلاؤم والتوافق ومادام طرفي المطابقة هما ذاتهما في كلا التصورين، إلا أن إمعان النظر يكشف عن وجود إلتباس يعود في أساسه إلى اختلاف معيار ما هو حقيقي في كلا التصورين، حيث يأخذ العقل في التصور الأولى على أنه معيار ما هو حقيقي، بينما يأخذ الشيء أو الواقع في التصور الثاني على (2 (أنه هو معيار ما هو حقيقي . ولأن الأمر كذلك لن يكون بالإمكان نفي الاختلاف الموجود بين تصور الحقيقة كتطابق بين الشيء والعقل وتصور الحقيقة كتطابق بين العقل والشيء، وكأن التصورين مجرد صورة معكوسة للآخر، فليس تصور الحقيقة كتطابق بين الشيء والعقل، مجرد صورة معكوسة لتصور الحقيقة كتطابق بين العقل والشيء، حيث يكون بإمكاننا وضع الشيء مكان العقل والعقل مكان الشيء، من دون أن يحدث ذلك تغييرا في المعنى أو المفهوم، بل إن لكلا التصورين دلالته ومعناه واختلاف ترتيب العقل والشيء يؤدي (3 (بالضرورة إلى اختلاف معنى الحقيقة . ولأجل الفصل في المسألة وإيضاح الالتباس يشير هيدجر إلى ضرورة تأمل المسألة من منطلق اللاهوت لا من منطلق الابستمولوجيا، حيث أن تلافي الالتباس لا يكون إلا بمعرفة دلالة كل من العقل والشيء في الصيغتين المعبر بهما عن المفهوم المتداول للحقيقة من منطلق الابستمولوجيا، حيث تدل كلمة العقل في الصيغة الأولى أي “تطابق الشيء مع العقل”، على العقل الإلهي divinus intellectus’L ،بينما تدل كلمة الشيء على الشيء الموضوع أوالمخلوق من طرف العقل الإلهي، أما بالنسبة للصيغة الثانية أي “تطابق العقل مع الشيء” فتدل كلمة العقل على العقل الإنساني humanus intellectus’L، . لنحصل في (1 (بينما تدل كلمة الشيء على الشيء كموضوع لإدراك العقل الإنساني النهاية على الصيغتين التاليتين: “تطابق الشيء مع العقل الإلهي” و”تطابق العقل الإنساني مع الشيء”، وهما الصيغتين اللتين تظهران بالفعل وعلى نحو أصيل التعريف التقليدي للحقيقة، وهذا ما تؤكده عبارة توما الإكويني التي يقول فيها: « توجد الحقيقة بمعناها ، والتي يعبر من خلالها عن رفضه لأي (2 (الصحيح في العقل الإنساني أو العقل الإلهي » تصور ينظر للعقل الإنساني على أنه الموضع الوحيد والأصيل للحقيقة، مهملا بذلك العقل الإلهي كمصدر أول لكل الحقائق. وعليه فإن حل الالتباس يكون كالآتي: بالنسبة للحقيقة الأنطولوجية أو فيما يتعلق بحقيقة الشيء أي “تطابق الشيء مع العقل” فإن العقل الذي تتطابق وفقا له الأشياء هو العقل أو الروح الإلهي، أما بالنسبة للحقيقة المنطقية أو فيما يتعلق “بحقيقة الحكم” أي الحقيقة بوصفها “تطابق العقل مع الشيء”، فإن العقل الذي يتطابق هو العقل الإنساني. فمن جهة تكون الأشياء حقيقية من حيث أنها مطابقة للعقل الإلهي، ومن جهة ثانية يكون العقل (3 (الإنساني مدركا أو محققا للحقيقة بقدر ما يكون مطابقا للأشياء التي يدركها . والجدير بالذكر أن الحقيقة المعبر عنها بـ “تطابق الشيء مع العقل” والتي قد تعني ” تطابق الشيء مع المعرفة” لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن الفكرة المتعالية لدى كانط وهي الفكرة التي تعتبر: أن المعرفة هي نتاج لفعل الذهن في الأشياء أي لتوافق الأشيـاء (أو الموضوعات) مع الذهن لا لفعل الأشياء في الذهن أي لتوافق الذهن مع الأشياء تبعا لتصور الدوغماتي، والتي ما كان من الممكن التفكير فيها حسب رأي هيدجر إلا 

انطلاقا من الموقف الميتافيزيقي القائم على الذاتية، والواقع أن الحقيقة المعبر عنها بتطابق الشيء مع العقل إنما تتعلق وفقط بالعقيدة المسيحية وبفكرة الخلق التي تعتبر أن كل الأشياء هي موجودات مخلوقة (Eucreatum ،(

وأنها كلها قد وجدت بفعل خلق واحد هو فعل االله، وهي لذلك تتوافق وتتطابق مع الفكرة (Idea (الموجودة عنها سلفا في العقل الإلهي والتي على غرارها صنعت كل الأشياء. ولأن الأشياء تتوافق مع الفكرة الإلهية المتصورة عنها سلفا (1 (تعتبر حقيقية . ويعني ذلك أن الأشياء لا تكون حقيقية من تلقاء ذاتها أو بفعل الصدفة بل لأنها تتوافق وتتطابق مع الفكرة المتصورة عنها سلفا في الروح العقل الإلهي، فالشيء يكون حقيقيا حينما يتوافق مع الفكرة الإلهية المتصورة عنه سلفا، (وقطعة الذهب في المثال السابق تكون حقيقية حينما تتطابق مع الفكرة الإلهية المتصورة عن الذهب)، والعقل الإنساني بوصفه موجودا مخلوقا شأنه في ذلك شأن الأشياء، لا يستثنى بالنسبة لهذا القانون الشمولي المتعلق بمطابقة الأشياء. فالعقل البشري بوصفه موجودا مخلوقا لا بد أن يكون متطابقا ومنسجما مع الفكرة الإلهية عن هذا العقل إلا أنه بوصفه ملكة للمعرفة وأداة للتصور وإصدار الأحكام، أي بوصفه موجودا –إن صح التعبير- في علاقة دائمة ومستمرة مع غيره من الموجودات لا يمكنه أن يحقق التطابق مع الفكرة الإلهية، إلا إذا تطابق مع الأشياء مضمون معارفه وتصوراته، التي يفترض أن تكون مطابقة وموافقة (2 (للفكرة الإلهية . إن العقل الإنساني حينما يتعقل الأشياء، يتطابق مع الأشياء، ومن خلالها يتطابق مع الفكرة الإلهية كنموذج أو كمثال، على اعتبار أن المطابقة تكون دائما بالنسبة لنموذج أولمثال أسمى سواء كان هذا المثال، إلاها، فكرة أو مقولة (3) . وبهذا فقط تتحقق إمكانية المعرفة الإنسانية، لأنه –فرضا- إذا لم يكن العقل إنساني متوافقا مع الشيء، الذي يلزم بدوره أن يكون متوافقا مع الفكرة الإلهية، فإن ذلك سيؤدي إلى عدم توافق العقل مع العقل الإلهي، وبالتالي إلى انتفاء الحقيقة، وكذلك الأمر إذا لم يكن الشيء متطابقا مع العقل الإلهي -كما هو الشأن بالنسبة إلى قطعة النحاس المذهبة-

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *