ماهي السعادة وكيف نحصل على السعادة درس الاول في المحور لسنة ثانية باكلوريا

خلاصة السعادة

قديم:   اعتبر الفارابي « أن السعادة هي غرض ما يتشوقها كل إنسان»، وأنها أعظم الخيرات جميعا؛ هذا أن هناك خيرات كثيرة يبحث عنها الإنسان بهدف تقصي قصد أخرى، بينما أن السعادة غرض مطلوبة لذاتها. إنها إذن خاتمة الكمال الإنساني، وأقصى ما يحاول أن كل امرئ بهدف بلوغه. كما يمكن القول بأن السعادة هي وضعية ارتياح كامِل للذات، يمتاز عن الفرح لحركيته وعن اللذة للحظيتها. ولذلك يفترض أن السعادة هي وضعية يشعر فيها الكائن البشري بالارتياح التام والدائم في نفس الوقت، وذلك ما لا يتوفر في الفرح أو اللذة الحسية مثلا؛ لأن الأول يتعلق بحركات انفعالية وغريزية وجسدية، في حين تبقى اللذة عابرة ومؤقتة. ولذلك يحق لنا التساؤل: أين تتمثل السعادة بالتحديد؟ هل يمكن وصفها بدقة؟ هل لها مدلول واحد؟ وكيف السبيل إلى بلوغها؟ وما علاقتها بالواجب؟ هل هي رابطة تكامل أم تضاد؟   المحور الأول: تمثلات السعادة.   · طرح الإشكال: إدا قد كانت السعادة هي الغرض القصوى التي يبحث عنها كل إنسان، فهل يقصد دلك أننا نعرف على وجه التحديد ما هي السعادة؟ وهل يمكن للعقل انطلاقا من اللغة أن يعبر لنا بدقة عن مفهوم السعادة؟ ثم ألا يمكن القول بأن لكل واحد منا تمثله أو تصوره المخصص للسعادة؟ ألا يجعلنا هدا ندهب إلى أن هناك مدلولات، وأيضاً مقاييس، مغايرة للسعادة؟   لمعالجة هدا الإشكال، يمكن أن نقدم الموقفين الفلسفيين التاليين:   1- موقف أرسطو: السعادة ذات طبيعة عقلية وهي قصد في نفسها.   يُعد أرسطو أن السعادة ليست ملكة فطرية متوفرة للجميع، لكن هي إجراء يحتاج المشقة والمثابرة. كما أنها قصد بهدف نفسها، وترتبط بالفضيلة وبالأفعال المطابقة للمبادئ الأخلاقية العليا. ولذلك لا يمكن في نظره أن تتمثل السعادة في اللهو، لكن « الحياة السعيدة هي التي يحياها المرء استنادا للفضيلة، وهي حياة جد واجتهاد لا حياة لهو». وكل ما يصبو إليه الإنسان من لذات حسية أو خيرات عينية أو فكرية، إنما يكون المقصد منه هو الوصول إلى السعادة. وبهذا المعنى فالسعادة تكتفي بذاتها ولا تفتقر إلى غيرها. وإذا قد كانت التغذية والنمو والغرائز هي الأمر الذي يشترك فيه الإنسان مع النبات والحيوان، فإنه وجب البحث عن السعادة في المنحى الذي يخص الإنسان وحده وهو المتمثل في الذهن والفكر. وبالتالي فالسعادة تكمن في ما هو حق وخير وجميل، أي في الفضائل الأخلاقية التامة. هكذا يرفض أرسطو التمثلات المنتشرة بشأن السعادة، والتي تجعلها تتحدد إما في الحصيلة العينية أو في ما هو بهيمي وغريزي، أو تحددها في التهافت على المجد والشهرة و التشريفات… ويرى على الضد من هذا أنها تتمثل في حياة التأمل الفكري والعقلي، الذي من شأنه أن يجعل صاحبه يعي الفضيلة ويجسدها على المستوى العملي. بل هل يمكن للعقل فعلا أن يقدم لنا تمثلا واضحا للسعادة؟ وهل سيستخدم الناس أذهانهم بنفس الوسيلة للوصول إلى مدلول واحد للسعادة؟ ألا يمكن أن تؤثر الأهواء والأمزجة والمصالح على تمثل الناس للسعادة؟ وهل السعادة تكمن لاغير على المستوى العقلي؟ أليس لباقي الجوانب المتواجدة لدى الإنسان دور في تمثلها؟   2- موقف كانط: السعادة مثل أعلى للخيال وليس للعقل.   لا يمكن في نظر كانط إعطاء أي مدلول عقلي دقيق لمفهوم السعادة. فبالرغم من أن كل واحد من الناس يريد أن يكون سعيدا ويسعى إلى بلوغ السعادة، سوى أنه مع هذا يصعب عليه تقديم اعتقاد عقلي معين لما من شأنه أن يجعله سعيدا. فلا الثراء ولا كثرة المعارف ولا الصحة ولا السن الطويل … بإمكانها أن تحدد لنا ما تكونه السعادة! ولذلك تبقى السعادة حسب كانط غامضة وغير قابلة للتحديد الختامي؛ إذ لا يمكن اعتبارها مفهوما عقليا قابلا للصياغة الجلية والدقيقة، لكن إنها تبقى تصورا خياليا ينبني على دشن تجريبية وحسية لا متناهية تتغاير نحو الأشخاص حسب الحالات التي يمرون بها.   هكذا وجدنا أنفسنا في مواجهة تصورين فلسفيين مختلفين؛ ففي الوقت الذي اعتبر فيه أرسطو أن السعادة هي الغرض من الفضائل الأخلاقية وأنها قابلة للتعقل، نجد أن كانط ينزع صفة الغائية عن اللازم الأخلاقي، حتى ولو تعلق الشأن بالسعادة!! إذ أنه قصد في نفسه، كما ينفي احتمالية الوصول إلى تحديد عقلي للسعادة، لتظل لاغير مثلا أعلى للخيال المتعلق بمحددات تجريبية لامتناهية.   المحور الثاني: البحث عن السعادة.   · طرح الإشكال: إدا تبين أن السعادة قصد يعمل على إليها كل إنسان، فما هو السبيل أو السبل التي تؤدي إلى بلوغها؟ وإذا تبين أن الفلاسفة اختلفوا في تمثلها وتحديد مدلولها، ألا يمكن القول انطلاقا من دلك أن الأساليب المؤدية إليها تتغاير أيضاً؟ وهل الوصول إلى السعادة متوفر أصلا؟   نجد في الفلسفة اليونانية تعارضا بين موقفين:   1- الموقف الأبيقوري(أبيقور): اللذة هي طريق السعادة.   يذهب أبيقور إلى أن « اللذة هي مبدأ الحياة السعيدة وغايتها». وبالتالي، اعتبر أبيقور أن جذب اللذة ودفع الوجع هو المقياس الأول لكل ما هو خير وسعادة. واللذة عنده هي هذه التي تدفع عنا وجع الجسم وتجنبنا اختلال الروح، ولذلك لا يلزم الإسراف في اللذات حتى لا تنقلب إلى أوجاع، كما يلزم تحمل بعض الأوجاع التي من شأنها أن تخلق لدينا إحساسا باللذة!!   2- الموقف الرواقي(سينيكا): تكمن السعادة في اتباع الذهن والرضا بالمصير.   تتمثل السعادة حسب سينيكا في التحرر من هيمنة الرغبات والأحاسيس الغريزية الحيوانية، ودلك من خلال الاستخدام السليم للعقل الذي من شأنه أن نستطيع من علم حقيقة الذات الإنسانية، ويجعلنا نصدر مراسيم عقلية صحيحة بخصوص الأشياء يكون مصدرها هو الذهن السليم. كما تتمثل السعادة كذلك في الاستقامة ونهج التصرف الأخلاقي الفاضل، وعدم المبالغة في التفكير في المستقبل، والقناعة بما تأكد في الحاضر. فالسعادة إذن هي تعقل للرغبات وتحرر من سيطرتها وسلطتها من خلال الاستخدام السليم للعقل.   أما في العصور الجديدة، فنجد مواقف فلسفية متنوعة من لَبس البحث عن السعادة وأساليب بلوغها، ويمكن الدلالة إلى موقفين: أحدهما لروسو والآخر لهيوم.   3- موقف روسو: السعادة حنين إلى وضعية الطبيعة الأولى.   كان الإنسان حسب روسو يقطن في وضعية الطبيعة الأولى حياة طفيفة وسعيدة؛ فقد كان يلبي حاجاته على نحو لين وتلقائي بهدف استظهار بقائه. بل صعوبة العيش جعلته يجتمع مع غيره من الناس، وتبدو يملك بعض المشاعر الإنسانية الحديثة كالحب والكراهية والحسد… الأمر الذي سيؤدي إلى النزاع والصراع الذي سيجعل الإنسان يفقد وضعية الطمأنينة والسعادة الأولى. كما أن ظهور العديد من الكماليات في وضعية الندوة وتحولها إلى طقوس وطيدة، سيجعل الإنسان يشعر بالشقاء حينما يفتقدها، كما لا يكون سعيدا حينما يتملكها مادامت كثيرة ولامتناهية ! هكذا يظهر أن الإنسان فقد السعادة أبديا ! مادام أن العودة إلى وضعية الطبيعة أمر مستحيل!   4- موقف هيوم: تهذيب الذوق كسبيل لبلوغ السعادة.   لو كان روسو يُعد أن الاستحواذ على السعادة متعذر في محيط المؤتمر البشري، فإن دفيد هيوم يمنحنا بعض الأمل في الحصول عليها. والسبيل إلى هذا في نظره يكمن في رهافة الشعور من ناحية، ورهافة الذوق ورقته من ناحية أخرى. هكذا تؤدي مثل تلك الرفاهة إلى توسيع دائرة إحساسنا بالسعادة وبالشقاء سويا !! إذ أنها تجعلنا أكثر تأثرا بالمشاهد المفرحة والمحزنة سويا. لهذا يدعو هيوم إلى نوع من التربية الجمالية من خلال دراسة الإجراءات الإبداعية الجميلة والراقية ، لأن من شأن تلك التربية أن تهذب إحساسنا وذوقنا، وتجعلنا نحس أكثر بالسعادة.   يظهر أننا هنا في مواجهة نزعة عاطفية تشاؤمية يمثلها روسو، تتطلع إلى سعادة حاضرة في وضعية طبيعية بعيدا عن المجتمع، ونزعة جمالية تفاؤلية تربط السعادة بالذوق الجمالي المرهف الذي يجعل صاحبه يستمتع بجمالية الواقع ومشاهده، ويشعر بالسعادة من جراء هذا.   المحور الثالث: السعادة والواجب.   · طرح الإشكال: يقطن الإنسان داخل وسط اجتماعي تحكمه مجموعة من الضوابط والقواعد سواء القانونية أو العرفية أو الأخلاقية. ولذلك، فإنه يجد ذاته ملزما بمجموعة من الواجبات تجاه ذاته وتجاه الآخرين. وإذا كان الإنسان يعمل على إلى تقصي السعادة كغاية قصوى، فهل ينبغي أن تكون الواجبات هي الدافع إلى دعوة السعادة؟ ألا يمكن القول بأن السعادة لا ترتبط بالواجب وأنها ميل طبيعي وتلقائي؟ وهل تكمن السعادة بالضرورة في الامتثال للواجب؟ وهل السعادة والواجب متناغمان أم متنافران؟ وهل سعادة الشخص تتجاوز بالضرورة عن طريق إسعاد الآخرين؟ ثم ألا يمكن القول بأنه لا إسعاد للآخرين سوى من خلال إسعاد الذات أولا؟   1- موقف راسل: السعادة ليس إحساسا صادرا عن اللازم لكن هي مراعاة ودي و أتوماتيك بالآخرين.   بعدما نوه برتراند راسل إلى أن الموضة والهوايات ليست مصدرا للسعادة الحقيقية، ما ظلت تمثل نوعا من الهروب من الواقع ومن مجابهة مشكلات الحياة، اعتبر أن السعادة الحقيقية تمكن في المراعاة الودي بالأشخاص والأشياء. هكذا فالشخص السعيد هو الذي يحب الناس تلقائيا، دون أن يترقب مقابلا لمثل ذلك الحب. إنه هذا الفرد الذي يجد المتعة في تتبع ظروف الناس وتوفير الأوضاع المناسبة لإشعارهم بالسرور والسعادة، دون انتظار تلقي أية ثواب أو إعجاب من طرفهم. وغالبا ما يشعر مثل ذلك الفرد بالرضا والارتياح والسعادة من جراء سلوكه التلقائي ذلك مع الناس. من هنا لا يكون دافع الإحساس بالسعادة نابع من إكراه اللازم وإلزاميته، لكن نابع من الميل الطبيعي إلى إسعاد الآخرين وإسعاد الذات سويا. ولذلك يقول راسل: « الشعور بالواجب يكون مفيدا في الشغل، ولكنه يكون عدائيا في الصلات الإنسانية». هذا أن الناس يرغبون في أن يكونوا محبوبين على نحو أتوماتيك وليس من خلال الإجبار والإكراه الذي يمثله اللازم. كما أن أضخم سعادة يمكن للمرء أن يشعر بها هي هذه النابعة من حبه واهتمامه التلقائي والطبيعي بالناس الآخرين.   بل إن لم أتمكن طبيعيا وتلقائيا من القيام بما من شأنه إسعاد الآخرين، ألا يمكن القول بأنه يتحتم علي القيام بهذا انطلاقا من الواجبات المفروضة علي من طرف المجتمع والأخلاق؟ ألا يمكن القول بأن إسعاد الآخرين هو لازم تجاه الذات؟ ثم ألا تتوقف سعادة الذات على لازم إسعاد الآخرين؟   2- موقف ألان (إميل شارتيي): السعادة لازم تجاه الذات والغير سويا.   يؤكد ألان على أنه يلزم على الإنسان أن يبذل مجهودا بهدف الاستحواذ على السعادة. فهذه الأخيرة هي من جهة لازم على الإنسان تجاه ذاته، كما أنها من جهة أخرى نتاج للجهد والمثابرة؛ فهي تصنع ولا تعطي. وإذا قد كانت السعادة حسب ألان واجبا باتجاه الذات، فهي ايضاً لازم باتجاه الغير؛ دلك أن الأوجاع والمآسي الشائعة في كل مقر في العالم، تحتم علينا بذل مشقات بهدف التغلب عليها وتحقيق السعادة المأمولة. ومن ناحية أخرى، يُعد إسعاد الذات قنطرة لازمة لإسعاد الغير، ولذلك اعتبر ألان أن أجمل عطية يمكن أن نقدمها إلى الآخرين هي أن نعمل على إسعاد أنفسنا؛ إذ كيف نتمكن من عطاء السعادة للآخرين ونحن نفتقدها أصلا ؟!   هكذا يتبين أن إسعاد الآخرين من الممكن أن يكون ميلا طبيعيا نابعا على نحو أتوماتيك من الذات أو من الممكن أن يكون نابعا من اللازم الأمر الذي يمنحه الطابع القسري والإلزامي. كما أن إسعاد الآخرين من الممكن أن يكون مصدرا لسعادة الذات، أو يكون إسعاد الذات شرطا ضروريا لإسعاد الآخرين.    خلاصة السعادة

مجزوءة IV: الأخلاق

   2- السعادة

المفهوم الثاني: السعادة

– تقديم مفهوم السعادة

تُعتَبر “السعادة” مطلبا لكل الناس، فهي القصد التي يعملون بهدف بلوغها. بل سعي الناس باتجاه “السعادة” تَعُوقه عبقات شتى ليس أقلها تعدد تمثلاتهم حولها. إذ يربط أغلبُ الناس “السعادة” بتحصيل اللذات العينية أو الحسية (المال، الوفرة، الصحة، الشدة، السلطة، إلخ.)، بينما يشاهد بعضهم أن “السعادة” لائحة على تقصي اللذة مطلقا كنوع من الإشباع أو الرضى المعنوي (طمأنينة النفس، الارتياح والسكينة، الابتهاج والسرور)، ثم هناكـ فئة تَعُدُّ “السعادة” متعلقة بـ”الكمال” أو “الفضيلة” كغاية قُصوى للوجود الإنساني (الحقيقة، الخُلود، الجنة). ومن البَيِّن أن كل امرئ يُحاجزِّد “السعادة” عن طريق ما ينقصه أو يفتقده في شخصه أو حياته، بحيث يظن أن تقصي مطلبه هو وحده الذي سَيُمَكِّنُه من بلوغها. وعموما، فإن موضوع “السعادة” يتعلق بطرح إشكالية تحديد مقاصد معقولة للفعل الإنساني في ذلك العالم، من حيث إن تحديد تلك الأغراض يرتبط بمنح معنى لوجود الإنسان ضمن ذلك العالم بشروطه المُحاجزِّدة، ومن ثم إعطاء معنى للعمل الإنساني ذاته من الناحية العقلية والأخلاقية.

– الحالة-الإشكالية

تُعَدُّ “السعادة” مطلبا عاما لكل الناس أو لمعظمهم. بل كيف يمكن تحديد معنى “السعادة”؟ هل هي مبدأ مُحَدِّدٌ لوجود الإنسان أم أنها قصد مُوَجِّهة لِأفعاله؟ هل تقوم على مناشدة اللذات العينية والحسية بالعمل على إشباع حاجات البدن أم أنها تتمثل في الوصول إلى إرضاء متطلبات الذهن أو الوجدان؟ كيف يمكن تقصي “السعادة” عمليا؟ ما هي أنجع السبل للبحث عن السعادة؟ هل تحصل بالتأمل والاجتهاد أم أنها مسألة حظ وصدفة؟ هل هي مسألة شخصية وفردية أم أنها مسألة جماعية متعلقة بتدبير شؤون المجتمع على باتجاه يُؤدي إلى نوع من التعاون والتضامن بين الناس؟ ما رابطة “السعادة” بـ”اللازم”؟ إلى أي حَدٍّ تُعَدُّ “السعادة” واجبا؟ وأي نوع من اللازم هي؟ هل هي لازم نظري مجرد أم أنها لازم عملي وأخلاقي؟ وهل هي لازم فردي وشخصي أم أنها لازم مدني وجماعي؟      

1- تمثلات السعادة

– تحديد النسق الإشكالي: ما هو معنى “السعادة”؟ كيف يتمثل الناس “السعادة”؟ وما هو مدلولها نحو الفلاسفة؟

– مفاصل المعالجة

يشاهد أفلاطون (Platon) أن “السعادة” تتعلق بتدبير شؤون “المدينة” على باتجاه يجعل كل واحد ينصرف إلى تأدية ما يلزم عليه القيام به بحسب مؤهلاته الطبيعية، الأمر الذي يقود إلى انسجام فئات المجتمع، وهو الانسجام الذي على أساسه يتأتى انسجام أو اعتدال قُوَى النفس وفق ما تقتضيه الفضيلة. ومن هنا فإن السعادة غرض تحاول إليها “المدينة” كمجتمع من الفئات والقُوى التي يُمكِن تقصي التكامل والتضامن فيما بينها.

ويذهب أرسطو (Aristote) إلى أن “السعادة” قصد في نفسها، فلا نطلبها كوسيلة تُمكِّنُنا من بلوغ شيء آخر، لكن كل ما نبحث عنه لا نبتغيه في نفسه وإنما باعتباره خادما لغاية قُصوى هي “السعادة” التي تكتفي بذاتها فتجعل الحياة مكتملة ومرغوبا فيها. إن السعادة كخير أسمى تُشكِّل غرض لأفعالنا المرتبطة بممارسة التأمل العقلي بحسب ما هو خير وجميل، أي بحسب ما تقتضيه الفضيلة المخصصة بكل إجراء. فما يُمَيِّز الإنسان عن الحيوان إنما هو كونه عاقلا على باتجاه يجعل فعله يتفق مع الفضيلة. وما ظلت هناكـ فضائل عديدة، فإن إجراء الإنسان لا يكون كاملا حتى يتفق مع أزاد فضيلة بحيث تحدث الحياة وتكتمل في بلوغها أقصى قصد التي هي “السعادة“.    

ومن ناحية أخرى، يؤكد مسكويه أن أكثرية الفلاسفة يُجْمِعُون على أن “السعادة” ترتبط بتحقيق الفضيلة على مستوى قُوى النفس، وهي فضائل أربع: الحكمة للقوة العقلية، العِفَّة للقوة الشهوية، العدالة للقوة العملية، والشجاعة للقوة الغضبية، بحيث لا يُحتاج بعدها إلى أي فضيلة من داخل البدن أو من خارجه، لكن إن الإنسان إذا حَصَّل تلك الفضائل، فإنه لا يَضُرُّه أي قلة تواجد في بدنه أو في وضْعه سواء كان مرضا أو فقرا. بل هناكـ بعض الفلاسفة (مثل الرواقيين وبعض الطبيعيين) الذين يجعلون البدن مُشاركا في تحصيل السعادة، حيث إن النفس لا تكتمل سعادتها سوى إذا شملت البدن وما يرتبط به. غير أن المُحقِّقِين من الفلاسفة يُؤكدون أن السعادة شيء ثابت غير زائل، وأنها أشرف الموضوعات وأكرمها، الأمر الذي يجعلها متعلقة بالنفس (الذهن والفضيلة) ومنفصلة عن الحظ والبخت.

– تركيب واستنتاج

تتغاير تصورات الناس بشأن “السعادة”، فمنهم من يشاهد أنها تتمثل في إشباع اللذات البدنية، ومنهم من يميل إلى اعتبارها متعلقة بإرضاء المتطلبات النفسية والوجدانية، بينما يذهب آخرون إلى أنها لائحة على الرد على اللذات العقلية الخالصة. من هنا، نجد أن كنط يؤكد أن “السعادة” إشكاليةٌ بلا حل، لأنها ليست مفهوما من تشييد الذهن المجرد، وإنما هي مثالٌ من صنع الخيال متعلق بالتجربة العملية. وبصرف النظر عن ذلكـ، فإنه يمكن تحديدها بكونها « إرضاء كل رغباتنا أيا كان وصل تنوعها واشتدادها وامتدادها».  

2- البحث عن السعادة

– تحديد النظام الإشكالي: هل “السعادة” ممكنة؟ وكيف يمكن الوصول إليها؟ هل هي مسألة حظ واتفاق أم أنها متعلقة بالتدبير والاجتهاد؟ وهل يتم تحصيلها على نحو فردي أم على نحو جماعي؟ وإلى أي حاجزٍّ يمكن أن تتحقق سعادة القلة في عدم حضور سعادة الآخرين؟

– مفاصل المعالجة

يشاهد أرسطو أن كون “السعادة” مرتبطة بالكمال والفضيلة القُصوى يجعلها لا تُنال في يوم واحد أو في زمن قصير، كليا كما أن الخُطَّاف الأوحد لا يُنبِئُ عن قُدُوم فصل الربيع. ومن هنا فإن السعادة بحثٌ عن بلوغ الكمال بتحقيق كل الفضائل الممكنة، الأمر الذي يجعلها تستغرق حياة الإنسان بكاملها.  

غير أن سينيكا (65 ق.م-04 م [Sénéque]) يُلاحِظ أنه لو كان كل الناس يبحثون عن “السعادة”، فإن الموضوعات مختلطة فيما يتعلق كيفية السعي إليها. لهذا لا مفر من مُبخِد ومُعلِّم يُحاجزِّد كيفية السلوكـ إلى السعادة. إذ بدونه يستسلم المرء لاختلاط الأصوات واضطراب الآراء، الأمر الذي يُؤدي إلى شدة التيه والضلال. فلا شيء أكثر أهمية من عدم السلوكـ باتباع القطيع مُسايرةً لما يفعله أكثريةُ الناس، لكن لا شيء أكثر تعاسة من الحياة بالتقليد والمُحاكاة. من هنا يلزم الشغل على الاستقلال عن عامة الناس باتباع الذهن وحده.

ويذهب أبيقور ([Epicure]) إلى أن اللذة تُمثِّل مبدأ الحياة السعيدة وغايتها، إنها الخير الأول والطبيعي الذي يُمكِّننا من العثور على مبدإ أي اختيار أو أبى، ومن ثم الحكم على ما هو خير. بل يلزم ألا نختار أي لذة كيفما اتفق، لكن لا مفر من عدم الالتفات إلى اللذات التي يترتب عنها وجع أضخم أو غَـمٌّ، وهكذا فإننا نُفضِّل كثيرا من الأوجاع التي يترتب عليها الشعور باللذة بعد عذاب طويل. إن اللذة التي هي أساس السعادة ليست هي نفس اللذة نحو عامة الناس الذين يطلبون إشباع شهواتهم ورغباتهم بكل الأساليب، وإنما هي اللذة التي تجعل الجسم لا يتألم وتُمَكِّن من تجنب الإرتباك والاضطراب على باتجاه يُؤدِّي إلى سكينة النفس وطمأنينتها (أتراكسيا ataraxia,). لهذا فإن السعادة لا تتحقق سوى تشييد على التفكير العقلي الذي يبحث عن دواعي أي اختيار أو أبى والذي يَنْبِذ الآراء التي تكون السبب في التوتر والانزعاج على الدوام

وبخلاف ذلكـ يذهب أرثور شوﭙـنهاور (1788-1860 [Arthur Schopenhauer]) إلى أن الواقع يُثبِت أن اللذة والإشباع لا يمكننا أن نعرفهما بطريق مباشر، إنهما سرعان ما ينقضيان ويتفلتان، الأمر الذي يجعل السعادة سلبية ترتبط بالعذاب والألم والحرمان، حيث إن كل إشباع أو استمتاع ليس باستمرار، لكن إنه ليس إلا انقطاع للألم والحرمان. ومن هنا فإن السعادة تقوم في خوض تجربة الوجع المأساوي المتعلق بالحياة في ذلك العالم باعتباره حقيقة كل نشاط إنساني (لاسيما في الفن والشعر)

– تركيب واستنتاج

يتغاير الناس كثيرا في الوسيلة التي يبحثون بها عن السعادة. لهذا نجد ألَان (1868-1951 [Alain]) يشاهد أن “السعادة” لا يمكن الاستدلال على وجودها ولا تنبأُها، لكن هي شيء يحصل في هذه اللحظة. وحينما يظهر أنها ستتحقق في المستقبل، يتبين أننا نَملِكها سلفا. لهذا، فإن الأمل في السعادة هو السعادة ذاتها. فالسعادة، كما يقول الشعراء، لا تتجلى سوى عندما تكون بعيدة في المستقبل، وبمجرد ما نحصل عليها لا ترجع شيئا جميلا. من المستحيل، إذن، أن نقتفي آثار السعادة، اللهم سوى على مستوى المفردات، لكن إنها تظهر كنوع من العقوبة الذي يُقَدَّم إلى أولئكـ الذين لم يبحثوا عنها قط.     

3- السعادة والواجب

– تحديد النسق الإشكالي: ما رابطة السعادة بالواجب؟ هل السعادة لازم فردي أم جماعي؟ وهل هي لازم عملي وأخلاقي أم أنها لازم نظري مجرد؟

– مفاصل المعالجة

يشاهد إﭙـكتيت (125 ق.م-50 ق.م [Epictète]) أن الأشياء التي نتحكم فيها وتتعلق بقدرتنا هي آراؤنا وحركاتنا ورغباتنا. وما يَجْلُب للناس التوتر والقلق ليس هو الأشياء في حاجز نفسها، لكن إنه آراؤهم عنها. فمثلا ليس الوفاة في نفسه شرا أو شيئا مُؤلما، وإنما الشأن في تصورنا عن الوفاة. لهذا، فحينما نكون قَلِقين ومُضطربين، يلزم علينا ألَّا نَتَّهِم أحدا غير أنفسنا، أي ينبغي أن نُراجع آراءنا، فهي مَكْمَن دائنا. وبذلك يؤكد إﭙـكتيت: «لا تطلب أبدا أن تَحْدُث الأشياء كما ترغب فيها، لكن لِتَرْغَبْ في الأشياء كما تَحاجزُث فعلا، فبهذا سوف تكون سعيدا باستمرار

ويذهب أصحاب الموقف الصوفي إلى أن “السعادة” تتمثل في القيام بـ”اللازم”، حيث إن طالب السعادة لا سبيل أمثل في مواجهته إلا أن يسلكـ سبيل الفضيلة الذي يُؤدي إلى تخلية النفس من الرذائل بواسطة الدخول في تجربة روحية عميقة تقوم على كثرة العبادات والمُجاهدات التي يستطيع بها السالكـ من الترقي في مراتب الكمال إلى أن تتحلى ذاته بصفات الأخلاق الحميدة، الأمر الذي يجعله يَحْصُل على نوع من الرضى الذي لا يصحبه حُزن ولا وجع ولا غَمٌّ، لكن هو السعادة بعينها.    

وعلى مستوى آخر، يشاهد إيمانويل كنط (Kant) أن السعادة ليست شيئا آخر إلا القيام بالواجب كما يتمثل في الإرادة الخَيِّرة العاملة بموجب تشريع أخلاقي كُلِّي يجعل الإنسان يسلكـ في تصرفاته بحسب ما يُوجبه الالتزام بالفضيلة. ومن هنا فإن مجرد كون الإنسان جديرا بالسعادة كذات أخلاقية يُعَدُّ شيئا نافعا في نفسه، حتى لو لم يشتركـ بالفعل في السعادة، لأن السياق الخالص إلى القيام بالواجب يُعتَبر، في صدوره عن الإرادة الخيرة، خيرا محضا لا قِوَام للسعادة بدونه.

– تركيب واستنتاج

بصرف النظر عن أن أكثرية الناس يفكرون في “السعادة” ويرغبون فيها، فإنه يُنظَر إليها عموما بأنها ليست موضوعا للطلب، فهي ضربةُ حظٍّ تُصيب فجأة ودون ماضي تحذير، وفي ذلك الحين تُصيب من لم يفكر أو يرغب فيها قط. غير أن كون “السعادة” ترتبط بما هو غير سلبي، سواء كان شعورا بالرضى أو حسن حال عامٍّ، يجعلها ترتبط بـ”اللازم”. فمن اللازم على الإنسان أن يعمل على باتجاه “السعادة” بما هي نوع من الخير أو الفضيلة، وهذا إما بالعمل على تفادي ما يكون السبب في الشقاء (لاسيما من التصورات السلبية والأخلاق المذمومة) وإما بمثابة القيام بالواجب، من حيث هو خير محض، يُعبِّر عن حقيقة “السعادة“.  

– ملخص عامة للمفهوم

تُعَدُّ “السعادةُ” إشكالا وجوديا وفلسفيا ليس لاغير من ناحية كونها تتغاير حسب تصورات الناس (إشباعٌ للذات البدنية أم إرضاء للمطالب النفسية والوجدانية أم تجاوب إلى اللذات العقلية الخالصة)، وإنما ايضا باختلاف كيفيات البحث عنها واعتقاد إمكان حصولها أو استبعادها بالمرة كواقع و، بالتالي، الاكتفاء بجعلها أملا مرتبطا بالخيال وبالمستقبل. وعموما، فإن “السعادة”، حتى بصفتها إشكاليةً بلا حل على الصعيدين النظري والعملي، توجد متعلقة بالخير والفضيلة، الشأن الذي يجعلها في صلة بـ”اللازم”، حيث إن المراعاة بها والسعي إليها هو الذي يجدر بالإنسان ككائن أخلاقي. غير أن كون الفاعلية الإنسانية تتحدد أساسا كفاعلية اجتماعية وتاريخية يقتضي البصر إلى “السعادة” في تعلقها بالتدبير العمومي والمدني للشأن العام، ومن ثم فإن تصورها والبحث عنها لا ينفصلان عن إمكانات التنظيم الاجتماعي والتدبير السياسي، وهي الإمكانات التي يظهر أنها تُمثِّل الطريق الفعلي الذي من دونه لا يُمكن أن تحدث مقاربة “السعادة” لا نظريا ولا عمليا في الواقع الإنساني بالشروط التي تحكمه.

الجذع المشترك   عـــــــــــلــــــــمــــــــــــي لائحة الدروس السعادة

 تعليقات

مرئيات

 نماذج

خلاصة

النسق العام للدرس :

تنتمي السعادة لمبحث القيم الذي أولا الفلاسفة المسلمون اهتماما خاصا لهذا فإن امتحانات تناول المفهوم من منضور بال فلسفي إسلامي أمثلة الرغبة بالتعرف على الثراث الاسلامي من ناحية و نظرا لخصوبة والشراء (الحق) الذي يميز فلاسفة الاسلام بتناولهم لذلك المفهوم من أركان مغايرة عبرت عنها تصوراتهم المتبانية معرفيا ومينافيزفيا وقيميا وبالتالي يمكن معالجة ذلك المفهوم إلى مستويين – مستوى كيفي ويتعلق بطبيعة السعادة من حيث نطاق مادتها أو عقليتها أو وجدانيتها – مستوى الذات ومدى فرديتها وجماعيتها أي الطبيعة العملية والعلادقية للسعادة .

I- من الدلالات إلى الاشكالية :

1) الإشارة العامة : إذا تأملنا في كل التمثلات التي يعطيها عامة الناس لمفهوم السعادة فإننا نجدها لاتتجاوز المدلول الجوهري الذي يسير إلى الإرضاء والاشباع الحسي الشيء الذي يفرض علينا التساؤل إن كان الطلب جوهري لتحقيق السعادة ؟ .

2) الإشارة اللغوية ورد في لسان العرب لابن منضور أن الجدر الثلاثى سحد تسثنفا منه ثلاث ألفاظ تشترك في نفس المغنى : الساعد – السعدان والسعد، فلما عدا الإنسان دراعا مساعدا القبلية رئيسها وسائد المزرعة مجرى مائي الذي تربوي منه في مواجهة لفظ السعدان فيدل على تباث من أطيب فراعي الإبل مادام ربط + أما لفظ السعد فيدل على الطيب بالرائحة الزكية. من ذلك التعريف معنين إثنين الحفاظ في البعد الجوهري (الإرضاء والإشباع والارتواد) ثم توسيعه للإضافة بعد حديث هو حسن الخطة والرئاسة عن طريق الذهن فساعد القبيلة ورشدها مدير لشؤونها أي عقلها، الذي لديوسها وهناك لايمكن اعتقاد السعادة منذ الغبار بلا مؤتمر وبدون ذهن يديل ذلك الندوة الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل ؟ ماهو أساس السعادة هل الذهن أم الحس ؟ .

3- الإشارة الفلسفية : ترتبط السعادة في الفلسفة مع مجموعة من المفاهيم الأخلاقية مثل الميز، الإنصاف، الذهن… كما تتحدد في المقابل الشر، البغي، القبح وبشكل عام تعرف السعادة على أنها “وضعية إرضاء إشباع وارتياح “الذات تتصف بالشدة والنبات وتمتاز عن الذي – تستنتج من تلك التعاريف الفائتة أن السعادة تتخد في بعدين : – بعد يتعلق بطبيعة هذا الإرضاء هل هو جوهري أم عقلاني وبعد يتعلق بالكاتب العقلاني الإجتماعي للذات هكذا يمكن طرح من التساؤلات ماطبيعة هذا الإرضاء ؟ هل هو جوهري غرائزي أم عقلي ؟ هل السعادة تتحقق بالتوسع ورغبات الجسم ؟ أم تلبية مطالبة الذهن ؟ أم أن الأمم تمر هذا لترتبط كحاجيات الروح ؟ بتعبير آخر هل السعادة روبية وجدانية أم هي عقلية خالصة ؟ ماهو الطريق الصحيح ؟ هل هو سبيل الذهن والحكمة الفلسفية ؟ أم هو سبيل الوجد والعرفان ؟ هل يمكن فصلها عن الفرح واللذة ؟ ومن ثم هل هي لحظية آنية أم مستدامة ومستمرة ؟ هل تتحقق السعادة بحسب امتحان ووجود فردي ؟ أم أن الوصل إليها بمساندة الجماعة التي يتبع إليها.

II- السعادة بين إرضاء الرغبات البدن وتحقيق متطلبات الذهن.

تمهيد : يندرج التفكير في موضوع السعادة ضمن سياق فلسفي أفلاطوني أرسطي ينتصر النفس على الجسم حيث ينشر من شأن النفس العاقلة في حين يتم احتفار البدن والنفس الشهوية.

المشكلة فما هو أساس السعادة ؟ هل تتحقق السعادة بإشباع رغبات البدن ؟ وإذا كان الشأن أيضاً فما الذي سيميز الإنسان من الحيوان ؟ ألا يمكن القول أن السعادة البدنية زائلة وفانية ؟ وهكذا فإن السعادة لاتتحقق إلى بتحصيل العلوم والمعارف ؟ بتعبير آخر أليست السعادة التي تتحقق في الذهن أبقى وأشد من شهوات التفس ؟ وماهي الكيفية لتحقيقها حل عن طريق نهج سبيل الفلسفة والحكمة أم عن طريق سبيل الاسراف والتصوف.

ا) مجزال بين الرازي يرفض الرازي الموقف الذي يعلم السعادة بنصفها لإرخاء الغرائز وإشباع للشهوات فالسعادة لاتحقق بإرضاء الشهوات لأن الحيوان يساهم الإنسان فيها إذ ليس للإنسان فيها فضل عن الحيوان لكن إنه أشد من الإنسان في ذلك الباب كما أن اللذة الحسية ليست من التملات لكن هي ناتجة عن الاحتياج التي هي دينية وبهيمية وهكذا فإن فضيلة الإنسان التي تتحقق بها سعادته هي في تحصيل العلوم المعارف والأخلاق النبيلة لا بالأكل والشرب .

2) ابن مسكوية : وربما أبى ابن مسكوية من ناحية اختزال السعادة في إشباع الملذات الحسية واصفا من يتبنى ذلك الموقف بالبهيمية والرعاع الذين سيجدون النفس الشريفة (العاقلة) ويجعلونها في خدمة النفس الشهوية، وفي المقابل يقصد مسكوية من شأن السعادة العقلية لأنها سعادة (شريفة لاتمل) على حاجز قوله، سعادة تمتاز بالكمال والتمام، يختص بها الإنسان وحده باعتباره كائنا يمتاز عن سائر الكائنات بالذهن، الشيء الذي بحل السعادة لاتكون لغير العاقلين، وجعل أنبل الناس وأكثرهم حظا من كان نصيبه من النفس العاقلة أكثر وانصرافه إليها أتم وأوفر. ولن يتحقق التمال الإنساني سوى بالوجود القوتين :   – الشدة العالمة، يتم عن طريقها تحصيل العلوم والمعارف ويعد العلم الإلاهي أرقى تلك العلوم. حيث يتحقق الكمال النظري.

 – الشدة التي تعمل : وهي التي تقوم بالتدبير الأخلاقي لأفعال الناس حتى تتنظم أمورهم ويصلح شأنهم وهي التي تأكد التمال العملي.  فإذا قابل هذان الكريمان فقد تحققت السعادة القسوى وتحقق كمال الإنسان واستحق أن يلقب بالحكيم أو الفيلسوف.

ملخص : ينتهي الفلاسفة المسلمون إلى برط السعادة بالأعمال العقلي وتحقيق اللذة العقلية فهي أعلى شأنا وأرفع مقاما من اللذة البدنية الذي توجد محتقرة ومهمشة. بل ماهو موضوع السعادة العقلية وماهو سبيلها ؟ .

تكمن فضيلة النفس العاقلة التي تتحقق عن طريقها سعادتها في التشوق إلى العلوم والمعارف وبحسب إسراره في طلبها والتدرج في تحصيلها بحيث تكون المعرفة الإلاهية أسمى درجات المعرفة حيث يتحقق الكمال الإنساني، فإذا بلغ الإنسان إلى تلك المرتبة فقد بلغ إلى آخر السعادات وأقصاها أبو نصر الفرابي :

يشاهد الفرابي السعادة إنما تنال بالأشياء الجميلة وتلك الأخيرة لاتصبر ممكنة سوى بتصنيع الفلسفة والتي تحصل بجودة المفاضلة وقوة الوعي الذي عن طريقه نميز بين الحق والباطل وبالصناعة التي تعنينا على هذا هي تصنيع المنطق الذي تقف نحو الحق فتعتنقه ويقف نحو الباطل فنتجنبه وبالتالي تكون الفلسفة حسب الفرابي هي السبيل الأوحد لنيل السعادة باعتبارها أعظم الخيرات وألحق الغابات التي يتشوق لها إنسان.

–        سبيل المصوف : يشاهد أتباع ذلك المذهب أن السعادة هي سعادة الفؤاد والروح.

ففيها تنكشف الحقيقة الإلاهية وتتحقق الرؤية القلبية لا العقلية في الحصرة ويتحقق الإتصال في الذات الربانية والفناء فيها هذا أن المتوصفة هم أولياء الله والعارفون به والمنقطعون إليه الذين تعلقت إرادتهم بمحبته ومشاهدته بالقلوب تمثل إذن لحظة اكتشاف الأسرار الإلاهية في إحدى تجلياتها نحو المتوصفة .

مقدمة :

يتحدث المقال هو لصاحبه الفيلسوف الإسلامي ابن مسكوية المعلوم باهتمامه بالأخلاق وله كتاب في ذلك الميدان سماه تحديد الأخلاق وتنظيف السلالات الذي طرح فيه إتجاه نظره بخصوص دور الأخلاق في ابتزاز التصرف الإنساني بهدف تقصي كمال الإنسان وسعادته وهو يقدم في ذلك المقال أطروحته بخصوص موضوع السعادة متسائلا عن السبل المؤدية إلى كمال الإنسان وسعادته، وهو يقدم في ذلك المقال أطروحته بخصوص موضوع السعادة متسائلا، عن السبل المؤدية إلى كمال الإنسان وسعادته، هل تتحقق السعادة عن طريق الزهد في متاع الدنيا واعتدال الناس وعدم مخالطتهم ؟ وفي تلك الوضعية كيف تبدو الفضيلة التي بدونها لاتتحقق السعادة ؟ كيف نميز بين الخير والشر بغيات الجماعة ؟ كيف نتعلم الفضائل الإنسانية، الإجتماعية بلا مخالطة الناس ؟ ألا يمكن القول أن الفضيلة التي بها تنال السعادة لاتظهر سوى بملازمة الناس والإجتماع بهم ؟ .

يشاهد مسكوية أن العفة الفضيلة مثل العفة والسخاء والعدل التي هي أساس السعادة لايمكن أن تبدو في الزهد والخلوة والاغتزال الناس في المغازات والجبال هذا أن من لم يخالف الناس وسياكنهم تكون أفعاله مثل أعمال الموتى لايمكن وصفها لا بالخير ولا بالشر وعليه يعتقد مسكوية أن الفضلية التي تبلغ بها إلى آخر السعادات حيث يتحقق كمال الإنسان لاتتم سوى بمساهمة الناس ومساكنتهم وفي ذلك الحين قسم المقال إلى فقرتين تتم في البند الأولى عن الموقف الصوفي الذي يميل إلى الزهد والعزلة موضحا عوامل رفضه لذلك الموقف أما في البند الثانية فقد طرح فيها تصوره للسعادة الذي يقوم على مرجعية الممارسات الفاضلة والتي لن تتحقق سوى عن طريق الإجتماع بالناس ومعاشرتهم وربما بدأ الكاتب نصه سؤال شنكاري المبتغى منه هو ضغط الموقف الصوفي مستعملا مجموعة من الصيغ والروابط النمط فيه مثل معدات الإستنتاج إذن ولذلك وأدوات التأكيد لكن والنفي ليست من لم، معدات الشرط، إما، إزا، إنما، كما استعمل التشبيه حينما شبه سلوك المتصوفة بسلوك الموتى والجمادات .

2- الفرابي : يشاهد الفرابي من جانبه أن كل إنسان محتاج لتدبير قوامهم وبلوغ أجود كمالاته إلى جماعة يقوم كل واحد منهم بشيء الأمر الذي يفتقر إليه فلايمكن للإنسان أن ينال كماله وسعادته سوى بالإجتماع بجماعة يسودها التعاون والتآزر يسمى الفرابي ذلك النوع من الإجتماع الذي يتعاون على نيل السعادة “الإجتماع الفاضل” أما الجماعة التي يعني الإجتماع فيها التعاون للضفر بالسعادة “المدينة الفاضلة” فهي باعتبار الجسم من جسد الإنسان الذي يتركب من أعضاء مغايرة تتعاون على استظهار توازن الجسم وصفان بقاءه، فكذلك الأمر فيما يتعلق للجماعة التي لاغنى لأعضاءها عن التعاون والتآزر لنيل السعادة ولكي تكون تلك الجماعة فاضلة لا بد أن يقودها والي فاضل يجمع بين فضيلتي الحكمة والشريعة.

ملخص : نستخلص إذن أن الإختيار العقلاني والاجتماعي والمدني الجاري على الإجتماع والتعاون هو سبيل تحصيل السعادة في الأرض نحو مسكوية والفرارابي .

عاقبة : هناك 3 خلاصات يمكن الذهاب للخارج بها من ذلك الدرس :

–        أن السعادة لاتتحقق سوى في الذهن وهو الموقف الذي يمثله الفلاسفة المسلمين المتأثرين بالموروث الفلسفي اليوناني.

–        أن السعادة لاتتحقق سوى تلبية متطلبات الفؤاد والروح وهو اتجاه المصوفة أو الصوفي.

–        أن السعادة لاتتحقق بالعزلة والاختلاء وإنما بالإجتماع والتعاون.

 بالرغم من صعوبة تقديم اعتقاد دقيق للسعادة، فإنه يمكن القول بارتباطها بتحقيق المتعة واللذة والمصلحة الشخصية وهو ما يمكن أن يتضاد مع اللازم الذي يحيل إلى الإلزام الذي قد يفرض على الشخص ويجعله يضحي بسعادته المخصصة للقيام بهذا اللازم. فهل فعلا تتضاد

السعادة مع اللازم؟ بمعنى آخر هل تتضاد المتعة الشخصية مع المقاييس الأخلاقية؟ هل سعادتي انغلاق على متعي الشخصية أم انفتاح على الغير؟

     يعتقد عديد من الناس أن السعادة استمتاع الذات بالملذات والرغبات المخصصة بعيدا عن أي إكراه خارجي ويرون أن اللازم تقييد لذلك الاستمتاع. في بمقابل ذلك الموقف العامي يشاهد الفيلسوف الانجليزي راسل أن التصور العامي للسعادة والذي يحصرها في الاستمتاع بملذات سخيفة يقود إلى سعادة مزيفة مؤقتة تمثل هروبا من مشكلات الواقع الأليم.تقابل تلك السعادة سعادة أصيلة وحقيقية تتجسد في الانفتاح على الغير والاهتمام به عن طريق تخصيص الوقت والجهد لكل ما يبعث الفرح والسعادة في ذاته دون رغبة في الهيمنة عليه أو إخضاعه أو حتى الاستحواذ على ثنائه وإعجابه. يشاهد ذلك الفيلسوف ايضاً أن الذات ينبغي عليها التودد إلى الغير وإسعاده خارج محيط اللازم لأنه يجعل إقبال الذات نتاج إكراه وإلزام ما يقود إلى النفور وبذلك حصول العداء في الصلات الإنسانية.

يقوم موقف راسل Russel، إذن، على أن السعادة تحصل بعيدا عن فكرة اللازم، لكنها لا تتحقق سوى بالحضور مع الغير ومحاولة إدخال الفرح والسعادة والفرح على حياته. بموازاة ذلك الموقف يؤكد الفيلسوف الفرنسي ألان Alain انه لا نستطيع إسعاد الآخرين إن لم نكن نحن سعداء، هذا أن فاقد الشيء لا يعطيه. وهو ما يجعل إسعاد الفرد لذاته واجبا تجاه الغير. فانا لست مطالبا بإسعاد الغير لكن متطلبات زيادة عن هذا بإسعاد ذاتي. يضيف ذلك الفيلسوف أن السعادة ينبغي أن تكون نابعة من إرادة الذات، لإن الانسان لا يستطيع أن يكون سعيدا لو كان لا يرغب في هذا. إن الواقع الإنساني مليء بكل ما يبعث على الشقاء واليأس ويسبب اليأس والاستياء والشكوى. هنا تكون السعادة مطلبا صعبا لأنها تفرض مقاومة كل ما في وقت سابق. لذلك يلزم على كل واحد منا أن يطلب السعادة بشدة ويصنعها بنفسه كالطفل الضئيل الذي يغير كل شيء إلى مصدر متعة وسعادة. بذلك يعمل المرء السعيد على تنقية أجواء الحياة الاجتماعية من السموم التي تكدرها وتنتشر فيها كالوباء وتؤدي إلى المآسي الإنسانية التي تعود حسب ألان إلى حضور قوم لم يكونوا سعداء ولا يعرفون كيف يكونوا سعداء ولا يتحملون مشاهدة الناس سعداء.

تشييد على ما في وقت سابق نخلص إلى أن السعادة لا تتضاد مع اللازم، لكن إن التضاد يكمن في تصورنا للمفهومين وللعلاقة بينهما حيث لا تضاد كما رأينا. إن الغموض يكمن أساس في لتصورنا لجوهر الوجود الإنساني وللحياة التي لا يمكن أن تنحصر في السيطرة والتملك والاستمتاع الشخصي، وإنما تتعداه إلى المنح والتضحية العفوية التلقائية، حيث يحضر اللازم تجاه الغير كشكل من أنواع الاستمتاع وكمصدر للسعادة. سوى أن شرط إسعاد الآخرين هو أن نكون نحن سعداء.

وفي استمر الواقع الراهن تظهر السعادة نحو العديد من الناس مطلبا خاصا ينظر فيه إلى اللازم وإلى الآخرين كمصدر إعاقة في مواجهة تقصي المتع والملذات الشخصية في انغلاق شبه كامِل على الذات سوى أن يكون الغير موضوع استمتاع، أي شيئا وأداة لتحصيل المتعة. وداخل مجتمع الاستهلاك، حيث تطغى النزعة الأنانية نكون مطالبين أكثر بالموازنة بين إسعاد الذات دون الوقوع في الأنانية المفرطة وبين إسعاد الغير دون الوقوع في التضحية المدمرة أو ما يسميه القلة الفدائية. والسؤال الذي يفرض ذاته ألا تفقد السعادة ثمنها الأخلاقية والعلائقية عندما تتحول إلى تصرف استمتاع وعلى وجه التحديد إلى استهلاك أناني جامح مهووس بكل حديث وغريب؟

إن المشكلات التي تطرحها المسائل العملية سواء في مسألة الشغل وما تفتح عليه من أنواع الاغتراب و من المحتمل حتى تسخير و استعباد, أو في المسالة السياسية وما تفتح عليه من اغتراب سياسي و من فساد يجعل المواطنة مجرد فكرة صورية أو مثال أعلى يُشرَّع له قانونيا، في في مقابل ممارسة سياسية تغير الساكن إلى مستهلك و تجعل الجمهورية تستبد بالسيادة فتقضي على المواطنة كما السيادة في واقع العولمة الموجهة من قبل القوى الامبريالية في العالم, أو حتى في مستوى الممارسة العلمية التي تمثلها النمذجة النسقية و ما تفتح عليه من تهميش لمطلب الحقيقة كقيمة معرفية و الصلات المشبوهة بين المعرفة و السلطة, و التدخل العلمي في التركيبة الجينية للنباتات و الحيوانات و حتى الإنسان من اجل تقصي النجاعة والمردودية

كل تلك المشكلات و ما تطرحه من احراجات و مفارقات فيما يتعلق لفكر كائن يتحدد باعتباره قيمة، تجعل الفلسفة الأخلاقية هذا النهار، و أكثر من  أي وقت مضى, وجوب حياتية إذا ما رام الإنسان الحفاظ على إنسانيته و تقصي كونية أصيلة تصالح بين الإنسان و الإنسان, وبين الإنسان و الطبيعة في زمن الحد الأقصى من التواصل الذي غدى هو نفسه في احتياج إلى إيتيقا تنير له السبيل الأصيل لتواصل حقيقي. إن واقع الإنسان هذا النهار، ينشر الاحتياج الملحة لرجوع الفلسفة الأخلاقية و الإيتيقية، فطلب الأخلاق يظهر متزايدا هذا النهار, و بل ماذا نعني بالأخلاق و ماذا نعني بالإيتيقا؟

إن كلمة إيتيقا Ethique الفرنسية من أصل يوناني، و تعني البحث عن نظام مبادئ تهدف إلى حضور خير و سعيد, بينما أن كلمة أخلاق Morale الفرنسية من أصل لاتيني، و تتحدد كنظرية في الجبر، نظرية في التشريع و اللازم الأخلاقي باعتباره لا مشروط و كوني. و يلزم أن نلمح أن الإيتيقا تشهد هذا النهار أكثر حظوة في بمقابل احتشام الانتباه بالأخلاق. و الإيتيقا هذا النهار تفيد عموما النظرية العقلانية بشأن التصرف و الحياة الخيرة و بالتالي تتمثل في دراسة مشكلات القيم التي تطرحها مسائل المحيط (إيتيقا المحيط) و الأعمال الطبية (البيوايتيقا)… هذا أن التشريع الأخلاقي و الـجبر الأخلاقي يشهد هذا النهار تراجعا في مواجهة الحياة الخيرة. و من ذلك المنطلق يظهر من المشروع فيما يتعلق إلينا أن نطرح المشكل الإيتيقي الذي يرتبط بالخير و السعادة و لو كان الخير الأسمى هو الطلب الرئيسي في الإجراء الأخلاقي , ففيما يتمثّل ذلك الخير الأسمى؟ هل يتمثل في الخضوع لأوامر اللازم أم في تقصي السعادة ؟ أليس التصديق بأن السعادة هي الخير الأسمى هو نفي لصفة الأسمى على الخير مثلما وضح هذا كانط؟ ألا تمثّل نسبية السعادة حاجزا يعوق توحّدها مع الخير الأسمى و بالتالي تقضي بوجوب الفصل بين الخير و السعادة و بين الأخلاقية و السعادة على خلفية لا تحدد السعادة؟ و بذلك المعنى ألا يكون الخير الأسمى باعتباره الأخلاقية شرط السعادة دون أن يتماهى معها ؟ ثم كيف نعرف ما هو خير، هل يرتبط الشأن بالخيرات أي بما يرغب في الشخص تحقيقه لذاته آو حتى ليتقاسمه مع الآخرين؟ أم هل يرتبط الشأن بخير تصرف ما سنفعل, وهو ما يحدد الفضيلة نحو الرواقيين؟ أم هل يرتبط بمثال الخير، الخير في نفسه باعتباره الغرض القصوى لكل تصرف جائز مثلما ذهب إلى هذا أفلاطون؟ و كيف يمكن أن نحدد الخير خارج علاقته بالسعادة؟ ثم قبل هذا ما هو مصدر القيم الأخلاقية، هل هي واردة من أفق متعال أم أن الإنسان واضعها ؟

I  مصدر القيم الأخلاقية:

إن القيم الأخلاقية، من الزاوية المنطقية، يمكن أن تشكل صادرة إما عن كائن متعال وهو موقف ذائع تربط فيه الأخلاق بالدين، موقف بينت المقاربات الموضوعية تهافته، وإما الإنسان وهو الأصل الذي يعترف به الفلاسفة و المفكرين. غير أن المفكرين والفلاسفة وإن اتفقوا على كون مصدر الأخلاق هو الإنسان فقد اختلفت رؤاهم فمنهم من اعتبره الإنسان كعقل ومنهم من اعتبره الإنسان كرغبة ومنهم من اعتبره الإنسان كمجتمع.

1)  كانط: الذهن:

يرغب في كانط أن يحدد المبدأ الرئيسي لكل إجراء أخلاقي أي المبدأ الصوري الذي تستمد منه النُّظُم الأخلاقية, فهو إذن على خلاف الفلاسفة لا يقدم نسقا أخلاقيا يضبط فيه الواجبات الأخلاقية وإنما يبحث في المبدأ الرئيسي لكل تصرف أخلاقي, لهذا يطرح كانط سؤال يرتبط بالمفهوم المركزي الذي تدور حوله الأخلاق ليجيب بأن اللازم هو ذلك المفهوم, فالواجب نحو كانط هو جوهر التجربة الأخلاقية. والواجب يمثل الجبر الأخلاقي في نفسه بقطع البصر عن تطبيقاته وعلى ذلك الأساس يتبدل سؤال ما هو مصدر الأخلاق؟ مع كانط إلى ما هو مصدر اللازم؟

اللازم كمفهوم يتصف بالكونية والضرورة لا يمكن أن يشكل حسب كانط حصيلة للتجربة والخبرة هذا أن الكونية والضرورة هي ميزات ما هو قبلي فالواجب نحو كانط هو إذن مفهوم قبلي. كمفهوم قبلي لا يمكن أن يشكل اللازم صادرا سوى على الذهن، لهذا يميز كانط بين الشأن الشرطي والأمر القطعي, فالأول هو أمر يربط بين الإجراء والمنفعة التي تتحقق منه وذلك يقصد أن التصرف بحسب الشأن الشرطي لا يكون ضروريا بصفة محضة فهو لازم لتحقيق قصد ولذلك لا يعبر الشأن الشرطي عن اللازم باعتباره كوني وضروري. فالواجب ككوني وضروري لا يمكن أن يشكل سوى أمرا قطعيا يأمر دون شرط فهو يضبط الإرادة بالقانون وذلك يقصد أن الشأن القطعي وحده يمثل قاعدة أخلاقية فيما يتعلق لكانط.

2)  دوركايم: المجتمع :

أما في المنظور السوسيولوجي فإن مصدر اللازم والأخلاق هو المجتمع، إذ ينفي دوركهايم أن يكون اللازم صادرا عن الذهن أو عن الدين, فمن ذلك المنظور تجد الأخلاق مصدرها في المجتمع. وتناول دوركهايم للمسألة الأخلاقية يجد منطلقه في فحص الحس الأخلاقى باعتباره ملكة الحكم القيمي على أفعالنا, فالضمير يمثل صوت اللازم ويعبر عن الخاصيتين الأساسيتين للواجب:

– كون اللازم خارج عن الشخص والدليل على هذا أن اللازم لا يتطابق في كل الحالات مع طبيعة الشخص ومزاجه.

– القهر والإلزام ( مقابل كانط لأنه يفصل بين اللازم والعقاب فالقيام بالواجب لتجنب العقوبة هو خضوع لأمر شرط بينما أن اللازم أمر قطعي) وتلك الأفضلية تبدو فينا بتأنيب الحس الأخلاقى عندما لا نخضع للواجب وتأنيب المحيطين بنا. ويجب أن نلمح أن صفة القهر والإلزام هي في الحقيقة صفة ملازمة لكل الظواهر الاجتماعية فيما يتعلق لدوركهايم.

اللازم بما هو خارج عن الشخص وبما هو فريد بالقهر يجد مصدره في المجتمع, فالمجتمع هو الذي وضعه فينا بالتربية والتنشئة. وبذلك يعود دوركهايم الأخلاق كظاهرة اجتماعية إلى الحس الأخلاقى الجمعي وتتحدد في خاتمة الشأن باعتبارها مهنة في المجتمع , فالأخلاق تقوم بوظيفة خلق التماسك والوحدة الاجتماعية لهذا يحدد دوركهايم الخير باعتباره الأخلاق وفي ذلك الحين تمثلت شيئا حسنا والمجتمع هو الخير بمثابة أن المجتمع حقيقة أثرى من حقيقة الشخص, إذ بالمؤتمر يحقق الإنسان إنسانيته.

بل لو كان كانط دشن أخلاق صورية أفاد عنها هيجل أنها غير صالحة ولا تجعل الإجراء ممكنا فإن دوركهايم قد أهمل- عندما حدد مصدر اللازم باعتباره المجتمع-التفاعل بين الإدراك الفردي والوعي الاجتماعي إذ تبين لنا التجربة أن الشخص، و في عديد من الحالات، هو الذي يبادر بإرساء قيم تصبح عامة بمقتضى التتابع والتعود.

3)  نيتشه: إرادة الشدة:

الأخلاق الحق عنده تمر حقل اللازم لأن اللازم هو تقنين التصرف الموجه مقابل الحياة. فالإنسان نحو نيتشه هو قبل كل شيء إرادة الشدة لهذا يحاول أن إلى توضيح نشأة الأخلاق المثالية جينيالوجيا بإرجاعها إلى أصلها بل إذا قد كانت الأخلاق صادرة عن إرادة الشدة فكيف تكون أخلاق الفلاسفة المثاليين موجهة مقابل الحياة؟

إن إرادة الشدة نحو نيتشه منشطرة إلى إرادة حياة وإرادة عدم وذلك الانشطار ناتج عن دينامية الرغبة نفسها بما هي ماهية الإنسان, فالرغبة كرغبة تحاول إلى الإشباع وهكذا تفتح على اللذة فتتحدد باعتبارها إرادة حياة، فالإشباع هو تمجيد للحياة و تصديق لها، و بل ايضاً، الرغبة كرغبة تبحث عن الإشباع تنفي موضوعها و بالتالى تفتح على الوفاة فتتحدد كإرادة عدم.

إرادة الشدة عندما تكون في أوجها وصاعدة تناشد الحياة وتمجدها لأنها قادرة على فرض سلطانها وقوتها بل بما أن كل قوة مآلها التضاؤل و بالتالي الانحطاط فان إرادة الشدة الواهنة تنتج القيم والأخلاق, أخلاق الشفقة كحيلة للمحافظة على بقائها فتنقد اللذة والرغبة وتحاصرها ومن هنا تبدو حسب نيتشه نقمتها على الحياة, ذلك يقصد أن نيتشه يعود كل حضور إما إلى الشدة وإما إلى التضاؤل والضعف هو مصدر أخلاق الشفقة لهذا ينظر نيتشه لأخلاق الأقوياء, الأخلاق التي تقوم على الشدة وإرادة الحياة، هذا أن أخلاق الشفقة تمنع الإنسان من بلوغ أعلى درجات الشدة و البهجة و بالتالي السعادة.

و هكذا نتبيّن اتفاق كل المقاربات الفلسفية بخصوص اعتبار القيم جوهرية وأولية في الأخلاق, فحتى المقاربة الجينيالوجية التي طرحت قيمة القيمة ونقدت القيم اختتمت إلى وضع الشدة كقيمة. والفعل الأخلاقي نحو الفلاسفة هو الإجراء الذي يتطابق مع مبادئ الخير. بل فيما يتمثل ذلك الخير؟ في اللازم أم في السعادة؟ وما هي طبيعة الرابطة بين الخير والواجب والسعادة؟

II  الخير و السعادة:

1) السعادة كواجب :

إن الأنساق الأخلاقية الفائتة لكانط تشاهد في السعادة قصد كل تصرف إنساني، فهي الخير الأسمى لهذا تسمى أخلاق أودونية. بينما يُعد كانط أن الإجراء الأخلاقي هو التصرف الذي يقوم بالواجب بهدف اللازم .فهل يقصد هذا أن القيام بالفعل بهدف تقصي السعادة هو إجراء لا أخلاقي؟

يلمح كانط أن السعادة بما هي وضعية كمال هي مفهوم غامض لأنه يتعلق بالتجربة فالسعادة عنده هي مثل أعلى لا للعقل لكن للتخيل يقوم على مبادئ خبرية فحسب. فالسعادة إذن، ليست مفهوما عقليا وترتبط برغد العيش، لهذا لا يمكن تحديدها, فرغد العيش يتغاير من فرد إلى آخر وفق خبرته وميولا ته لذاك يشاهد كانط أن السعادة ليست من ميدان الأخلاق, فمجال الأخلاق هو ميدان ما هو عقلي, كوني وضروري أي لازم. ومجال السعادة حسب كانط هو الدين لأن السعادة هي موضوع أمل و من حق الإنسان ككائن رغبة أن يطمح في أن يكون سعيدا دون أن يناقض هذا اللازم. فما هو أولي فيما يتعلق لكانط هو الأخلاق الكونية ولا يهدف أي إجراء في الميدان العملي سوى إلى تقصي الفضيلة باعتبارها طاعة الشأن القطعي. بل هذا لا يمنع من أن تكون مقولات الذهن العملي مقبولة في حقل الأخلاق وهو ما يضفي مشروعية على البحث عن السعادة. يقول كانط: «الأخلاق ليست إذن نظرية تعلمنا كيف يلزم أن نكون سعداء ولكن تعلمنا كيف يلزم أن نكون جديرين بالسعادة, هذا أننا لا نأمل في تقصي السعادة سوى بتدخل الدين». وبالتالي يكون البحث عن السعادة نحو كانط أمرا مشروعا وواجبا في معنى ما بما أن التعاسة ليست ظرفا مناسبا للقيام بالواجب. السعادة كموضوع أمل فيما يتعلق لكانط لا تتحقق في الأرض و توجد موضوع أمل مشروع ليس سوى. و هكذا يتعلق كانط الحرية بالذهن، فالإرادة الخيرة هي التي تخضع لإرادة التشريع العقلاني والكوني أما الإرادة التي تخضع للرغبات الحسية فهي إرادة مرضية بالمعنى الكانطي أي لا تطلع عن نفوذ الحواس, فالحرية والذهن لا ينفصلان نحو كانط الذي يقول : “الحرية هي خاصية إرادة كل كائن عاقل”، وهكذا لا تكون السعادة فيما يتعلق لكانط شأنا سياسيا.

2)  في تضايف الخير و السعادة :

غير أن أرسطو على خلاف كانط يشاهد أن تحديد الخير يقتضي اعتباره من ناحية كونه قصد جماعية لا لاغير كغاية فردية, هذا أن الإنسان عنده هو حيوان اجتماعي, و من ذلك المنطلق تعتبر الإيتيقا فيما يتعلق إليه علم مرتبطة بالفعل, و ترتبط بالخير الأسمى الذي يمثل غرض كل تصرف إنساني, والخير الأسمى هو السعادة, و هكذا فإن السعادة نحو أرسطو تتمثل في إجراء عقلي يتحدد في التأمل كنشاط عقلي, الذي يتماهى و الفضيلة. يقول أرسطو “إن لم تكن السعادة حقا سوى التصرف المطابق للفضيلة، فمن الطبيعي أن يكون التصرف المطابق للفضيلة الكاملة، أعني فضيلة الجزء الأعلى من الإنسان”. وهو ما يقصد أن السعادة هي حصيلة الحياة الفاضلة. وبما أن الفضيلة ترتبط بالتأمل العقلي الذي يمثل ما هو أعلى في الإنسان، فإن السعادة تمر اللذة الحسية البسيطة من ناحية كون اللذة مؤقتة بينما أن السعادة لا زمنية ومستدامة، والتأمل العقلي هو الذي يحقق ثباتها دوامها. وبذلك فإن الحكيم الذي يتمعن الخالد في حياة رفاه يجسد الإنسان السعيد. وذلك الموقف الأرسطي ينخرط في التصور الإغريقي الأودوني Edémoniste الذي يقر بأن السعادة هي غرض كل تصرف، وتتحدد السعادة باعتبارها تطابق بين الإنسان ونظام الطبيعة. ولكن يلزم أن نلمح أن أرسطو يربط على نحو صريح البحث عن السعادة بالتنظيم العقلاني للحياة الاجتماعية. فالإيتيقا ترتبط بالسياسة، وخير الشخص يتوقف على الخير الأسمى للمدينة وهكذا للدولة. وبما أن السعادة هي مثال أعلى ومقصد، فإنه من اللازم تعميمها وأنسنتها وبذلك تسييس البحث عن السعادة.

هذه هي ايضاً إتجاه نظر الموقف النفعي. هذا أن اشباع اللذات لا يتولى قيادة إلى السعادة سوى في محيط المصلحة العامة. والنفعية هي موقف جيريمي بنتام Jeremy Bentham الذي اختتم إلى تجريد القيم الأخلاقية من كل أساس مرجعي متعال، بما أن المبدأ الأخلاقي الأوحد عنده هو مبدأ المنفعة بمدلولها المخصص و الفردي. و رغم تأكيده على دور الجمهورية في ضمان الاستفادة لأكبر عدد من الأشخاص، فإن بنتام يخلص إلى أنه يلزم على الشخص أن يتحقق من المنفعة التي إعتاده هو نفسه من التصرف قبل أن يقوم به. ومن ذلك المنظور الجوهري يذهب بنتام إلى الإنشاء “لعلم حساب اللذة والآلام”، قاصدا أن يكون معيارا لقياس التصرف الأخلاقي والعملي قياسا كميا. وبما أن المبدئية الأخلاقية هي المنفعة، فقد كان لازما على ذلك العلم أن يدشن لطريقة تمكن من قياس اللذة، هذه التي يصنفها بنتام إلى نوعين “متجانسة” و”غير متجانسة ويحرص بنتام على التأكد من أن معيار الكم اجتمع لقياس ما يسميه باللذات المتجانسة، غير أنه عندما يبحث اللذات غير المتجانسة، كلذة القراءة مثلا وغيرها فإنه اعترف بصعوبة حسابها كميا. لهذا نجده يبحث عن معيار آخر يقاربها به والمعيار البديل الذي وضعه لا يطلع عن البصيرة الحجم النفعية التي تحكم منظوره ككل؛ هذا أنه رأى أن تلك اللذات غير المتجانسة يمكن قياسها بـالمال أي أنه يلزم على الشخص أن يقيس هذه اللذة بحجم ما يصرفه من مال لتحصيلها، فإذا كان المبلغ المالي الذي تحتاجه مكلفا يلزم أن يعرض عنها إلى لذة أقل منها كلفة.

و جون ستيوارت ميل John Stuart Mill، الذي يحدّد السعادة من زاوية عينية وجماعية، والذي يستخدم مفهوم الخير باعتباره مجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها لين في نفس اتجاه بنتام عندما أقر : “نعني بالمنفعة امتلاك أي شيء ننحو بفضله إلى تقصي مصلحة، انتصار، لذة، خيرا او السعادة”. وهو موقف غير بعيد على التصور الابيقوري، الذي يحدّد السعادة باعتبارها اللذة وغياب الالم كليا مثل التعاسة باعتبارها “الالم والحرمان من اللذة”. إذ يُعد أبيقور أن اللذة هي مستهل الحياة السعيدة وغايتها فهي الخير الأول ومعيار الخير, فاللذة عنده هي إذن شرط الخير والخير شرط السعادة بل بالتوازي اللذة هي الخير وهي السعادة بما أنها طبيعية في الإنسان. بل عندما يُعد أبيقور أن اللذة هي الخير لا يجعل من اللذة غرض كل تصرف أخلاقي أي أنه رغم كونه يُعد اللذة هي الخير الأول لا يقدم نظرية هيدونية لأنه يقدم اقتصادا كاملا في اللذة. فنحن لا نبحث عن اللذة سوى لندفع الوجع لهذا فالسعادة نحو أبيقور لا ترتبط باللذة الحسية فحسب وإنما تقتضي الحكمة التي توجهنا في إشباع اللذات.الحكمة واللذة هي سبيل للسعادة التي تمثل نحو أبيقور وضعية تمتاز بغياب الوجع وبذلك بغياب اللذة يسميها الأتراكسيا..

3) السعادة و الرفاه :

إن ما يجعل السعادة مثال أعلى، فيما يتعلق للنفعية، هو كونها متعمدة بحسب إستراتيجيا جماعية و كونها ترتكز على الاعتقاد في الريادة التقني و الاستثماري. هذا أن تفاؤل فلاسفة الأنوار، جعلهم يربطون السعادة بتطور المعرفة و الذكاء الإنساني، تفاؤل يجد في تصديق روسو بخيرية الإنسان سندا له، الأمر الذي جعل روسو يؤكد في كتابه «إيميل» على دور التربية في تقصي سعادة الطفل، إذ ينادي روسو بوجوب ترك الطفل يتحسن بحسب طبيعته الخيرة. وهو ما يؤكد أن السعادة هي أساسا مثال أعلى، فكرة، شيء علينا تحقيقه لا لاغير فيما يتعلق للأشخاص لكن لكل الناس، و من هنا بالذات يحصل الإنزلاق الذي يجعلنا نتحول من الإنسانية إلى النفعية كما تجلت نحو بنتام وميل، ثم إلى العينية الصرفة و الفردانية التي غدت فيها السعادة هذا النهار مرادفة للرفاه.

فأن نعتبر الخير كمجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها، و أن يبحث كل شخص عن أكثر لذة و أقل عناء، هو أن نعتبر سعادة الشخص جزءا من الرفاهة العامة. هذا أن النفعية تتحدث عن السعادة في المستوى الاجتماعي، و بالتالي السعادة لكل الناس رغم كونها تختزل الخير في المفيد. فالنافع هو ما يمكن من تقصي الخير، وهو مفهوم في مرة سابقة أن تتم عنه أبيكتات و حتى سبينوزا، فالحكيم الرواقي يبحث عن المفيد. غير أن المفيد نحو إبيكتات كما نحو سبينوزا لا يتعلق بما هو جوهري، بينما ننظر هذا النهار إلى المفيد باعتباره نافعا ماديا. هذا أنه فيما يتعلق للنفعية، لأجل أن تكون السعادة شيئا يمكن توزيعه بأسلوب عادلة بين الناس، يلزم أن تكون عينية، فلكي تكون قابلة للقسمة يلزم أن تكون قابلة للقياس، و بالتالي تتماهى السعادة مع الرفاه في المجتمعات الاستهلاكية.

4) في تخطى النفعية و سعادة الرفاه :

إن الفردانية ليست لاغير واقع ولكنها ايضا مثال أعلى، وإتباع حاجات الشخص كعنصر في المجتمع ليست لاغير أمرا مقترحا لكن يقدم كخير مطلق. فالمجتمع الاستهلاكي ليس لاغير جوهري، وذو نزعة عينية لأنه يكرس خطابا يحاول أن عن طريقه لإقناع كلّ الأشخاص، لكن انه مثالي بطريقته، بما انه يقدم الرفاه على سبيل المثال أعلى، رفاه فردي ولكن رفاه فردي لكلّ الناس. وخطاب مكان البيع والشراء ذلك، ككل كلام أيديولوجي، يزعم انه يقدم أجوبة لكل التساؤلات. وحول السؤال الذي قد يطرحه كلّ واحد منا: ما السعادة؟ يجيب يجتمع مجتمع مكان البيع والشراء بدلا عنا. وإجابة المجتمع الاستهلاكي تقدم لنا مثالي السعادة كرفاه، وبهذه الوسيلة يكون لكلّ الناس نفس مثالي السعادة. بينما أن كانط عندما أقرّ بان السعادة هي مثال أعلى للتخيل، كان يؤكّد على كون السعادة شأن شخصي. ولا يلزم بالتالي أن نخلط بين تقصي الرفاه وتحقيق السعادة. ثم إن المجتمع الاستهلاكي عندما يقدم مثال أعلى للسعادة الفردية كرفاه، ينولّد عن هذا اغتراب الأشخاص فيما يتعلق للاجتماعي، إذ يصبح لهم نفس المثالي الشخصي. والمجتمع الاستهلاكي الذي يدفعنا للفردانية، يدفعنا جميعا كالقطيع، وذلك النوع من الفردانية ليس مرادفا بالضرورة للتسيير الذاتي وللحرية.

لهذا لابدّ من إعادة نظر طرح مسألة السعادة، بالعودة أولا إلى الفصل بين الايتيقيا والأخلاق، إذ لماذا تكون السعادة مسألة ايتيقية؟ لماذا علينا أن نختار بين أخلاق لازم وإيتيقا سعادة؟ لماذا لا يمكن التفكير فيهما سويا؟ وبذلك المصالحة بين اللازم والسعادة، بين الحرية وبذلك الفردانية الحقة والخضوع للجبر الأخلاقي من ناحية كونه سبيل الكونية والانسانية.

إن السعادة تطرح باعتبارها مثال أعلى وبذلك لا كشيء معيش، وهذا ليس غريب بما ان السعادة تتحدّد كحالة اشباع كامل ومتواصل في الدهر، و كحالة اكتمال لا يمكن أن تشكل السعادة شيئا معاشا، ولكن مع هذا لا يلزم الزهد في طلبها مثلما بين هذا فرويد. إن السعادة هي وضعية الرضاء الكامل والامتلاء لهذا تتغاير عن اللذة التي هي رغد حكمه مستحب من طبيعة حسية. وإذا قد كانت السعادة تعني سكون تامة وتتقدم باعتبارها الخلود نفسه فإن اللذة زمانية فهي حركة ودينامية قد تطيلها وتضخمها الذاكرة والخيال, بل السعادة تتغاير ايضا عن الفرح ففي حين أن اللذة مجزأة فإن الفرح هو وضعية وجدانية إجمالية إذ تمثل كما بين هذا سبينوزا التبدل من وضعية كمال منقوصة إلى وضعية أرفع منها, وضعية تزيد فيها قوة تصرف الجسم,أما السعادة فإنها ليست تحولا فالفرح ديناميكي بينما أن السعادة ستاتيكية فالسعادة الكاملة تظهر إذن مسألة يصعب تحقيقها رغم كون الأنساق الهيدونية قد كانت تقدم طرائق يفترض أنها تيقن السعادة أيضاً الأمر الأبيقورية مثلا. و إذا قد كانت السعادة هي وضعية الإشباع الكامل لكل الرغبات فإن هذا يقصد أن طريق تحقيقها هو القضاء على كل وجع وإذا كان أبيقور ينظّر في أخلاقه إلى أساليب تمكن من تخطى الوجع حتى وإذا كان هذا بأسلوب واهمة عبر الخيال والتخيل والتذكر فإن فرويد ينفي هذا إذ يظهر أن الوجع يتمادى مع الوجود الإنساني، إذ يجد مصدره في قوة الطبيعة وشيخوخة الجسم لكن حتى في سلاح الإنسان مقابل هذين المصدرين أي الحضارة, فالألم إذن يبقى في التركيبة النفسية للإنسان بل لو كان الوجع متماد مع الوجود الإنساني فإن هذا لا يلزم أن يؤدي بنا إلى الزهد في الحياة وفي إلتماس السعادة إذ يظهر حسب روسو أن سعادة الإنسان لا تتحقق في السكينة الكاملة ومواصلة الملذات لكن تتحقق بالمكابدة والمجاهدة لأن الحياة الكاملة التي تتحقق فيها كل آمالنا و أحلامنا تعني الوفاة لأننا عندها كون محرومين من لذة الرغبة.

و هكذا يمكن القول أنه، وفي بمقابل السعادة، يتقدم الفرح كشيء معيش. وبذلك كحالة ديناميكية غير ستاتيكية مثلما هو شأن السعادة. ولعلّ تفكير سبينوزا في الفرح وعلاقته بالمعرفة نستطيع من الجمع بين اللازم والسعادة فالمعرفة هي ميدان الحرية الحقة فيما يتعلق إلى سبينوزا، والفعل الحسن نحو سبينوزا هو البحث عما يسميه بالنافع المخصص، ولا يرتبط الشأن بالخيرات الخبرية التي تؤدي إلى الاغتراب مثل اللذة والشرف والثراء، لكن على الضد من هذا المفيد المخصص يضيف إلى قوة إجراء الشخص وقوة إجراء المجموعة، والذهن هو الذي يحدّد ذلك المفيد المخصص، إذ المعرفة هي التي تمكن الشخص من أن يحقق نفسه وفق رغبته، فالإنسان الحر حسب سبينوزا هو من يريد الخير. يقول سبينوزا “إن الإنسان الحر يريد الذهن، في الحياة، في المحافظة على كيانه على مرجعية البحث عن المفيد المخصص، هو ذاك الذي لا يفكر في الوفاة لكن إن حكمته هي تطمح في الحياة”، وذلك الوجود الحر والسعيد والعقلاني هو جائزته، وليس هو حصيلة حساب، انه التعبير من الشخص نفسه عندما يحقق نفسه هذا أن “الغبطة ليست جائزة الفضيلة ولكن الفضيلة نفسها، ونحن لا نعيش الفرح لأننا نمنع رغباتنا الحسية، لكن ضد هذا لأننا نعيش الفرح يمكننا حظر تلك الرغبات” والغبطة باعتبارها أرقى درجات الفرح تتقدم كحكمة ثابتة، والإنسان الحر يحقق الغبطة لأنه يحقق كمال نفسه.

مفهوم السعادة:

اإلطار العام للدرس : تنتمي السعادة لمبحث القيم الذي أوال الفالسفة المسلمون اهتماما خاصا لذلك فإن اختبارات تناول المفهوم من منضور فكر فلسفي إسالمي أمثلة الرغبة بالتعرف على الثراث االسالمي من جهة ونظرا لخصوبة والشراء )الحق( الذي يميز فالسفة االسالم بتناولهم لهذا المفهوم من زوايا مختلفة عبرت عنها تصوراتهم المتبانية معرفيا ومينافيزفيا وقيميا وهكذا يمكن معالجة هذا المفهوم إلى مستويين – مستوى كيفي ويتعلق بطبيعة السعادة من حيث مدى مادتها أو عقليتها أو وجدانيتها – مستوى الذات ومدى فرديتها وجماعيتها أي الطبيعة العملية والعالدقية للسعادة . I -من الدالالت إلى االشكالية

 : 1 )الداللة العامة:

 إذا تأملنا في كل التمثالت التي يعطيها عامة الناس لمفهوم السعادة فإننا نجدها التتجاوز المدلول المادي الذي يتجه إلى اإلرضاء واالشباع الحسي الشيء الذي يفرض علينا التساؤل إن كان المطلب مادي لتحقيق السعادة ؟ . 2 )الداللة اللغوية ورد في لسان العرب البن منضور أن الجدر الثالثى سحد تسثنفا منه ثالث ألفاظ تشترك في نفس المغنى : الساعد – السعدان والسعد، فلما عدا اإلنسان دراعا مساعدا القبلية رئيسها وسائد المزرعة نهر الذي تربوي منه أمام لفظ السعدان فيدل على تباث من أطيب فراعي اإلبل مادام ربط + أما لفظ السعد فيدل على الطيب بالرائحة الزكية. من هذا التعريف معنين إثنين الحفاظ في البعد المادي )اإلرضاء و اإلشباع واالرتواد( ثم توسيعه لإلضافة بعد جديد هو حسن التدبير والرئاسة من خالل العقل فساعد القبيلة ورشدها مدير لشؤونها أي عقلها، الذي لديوسها وهناك اليمكن تصور السعادة منذ الغبار بدون اجتماع وبدون عقل يديل هذا االجتماع مما يدفعنا إلى التساؤل ؟ ماهو أساس السعادة هل العقل أم الحس ؟ . 3 -الداللة الفلسفية : ترتبط السعادة في الفلسفة مع مجموعة من المفاهيم األخالقية مثل الميز، العدل، العقل… كما تتحدد في المقابل الشر، الظلم، القبح وبشكل عام تعرف السعادة على أنها “حالة إرضاء إشباع وارتياح “الذات تتسم بالقوة والنبات وتتميز عن الذي – تستنتج من هذه التعاريف السابقة أن السعادة تتخد في بعدين : – بعد يرتبط بطبيعة ذلك اإلرضاء هل هو مادي أم عقالني وبعد يرتبط بالكاتب العقالني اإلجتماعي للذات هكذا يمكن طرح من التساؤالت ماطبيعة ذلك اإلرضاء ؟ هل هو مادي غرائزي أم عقلي ؟ هل السعادة تتحقق باإلتساع ورغبات الجسد ؟ أم تلبية مطالبة العقل ؟ أم أن األمم تتجاوز ذلك لترتبط كحاجيات الروح ؟ بتعبير آخر هل السعادة روبية وجدانية أم هي عقلية خالصة ؟ ماهو الطريق الصحيح ؟ هل هو طريق العقل والحكمة الفلسفية ؟ أم هو طريق الوجد والعرفان ؟ هل يمكن فصلها عن الفرح واللذة ؟ ومن ثم هل هي لحظية آنية أم دائمة ومستمرة ؟ هل تتحقق السعادة وفق اختبار ووجود فردي ؟ أم أن الوصل إليها بدعم الجماعة التي ينتمي إليها. II -السعادة بين إرضاء الرغبات البدن وتحقيق مطالب العقل. تمهيد : يندرج التفكير في موضوع السعادة ضمن سياق فلسفي أفالطوني أرسطي ينتصر النفس على الجسد حيث يعلن من شأن النفس العاقلة بينما يتم احتفار البدن والنفس الشهوية. ذا كان األمر كذلك فما اإلشكالية فما هو أساس السعادة ؟ هل تتحقق السعادة بإشباع رغبات البدن ؟ وا الذي سيميز اإلنسان من الحيوان ؟ أال يمكن القول أن السعادة البدنية زائلة وفانية ؟ وبالتالي فإن السعادة التتحقق إلى بتحصيل العلوم والمعارف ؟ بتعبير آخر أليست السعادة التي تتحقق في العقل أبقى وأشد من شهوات التفس ؟ وماهي الوسيلة لتحقيقها حل من خالل نهج طريق الفلسفة والحكمة أم من خالل طريق االسراف والتصوف. شباع للشهوات ا( مج ازل بين ال ارزي يرفض ال ارزي الموقف الذي يعرف السعادة بنصفها إلرخاء الغ ارئز وا فالسعادة التحقق بإرضاء الشهوات ألن الحيوان يشارك اإلنسان فيها إذ ليس لإلنسان فيها فضل عن الحيوان بل إنه أقوى من اإلنسان في هذا الباب كما أن اللذة الحسية ليست من التمالت بل هي ناتجة عن الحاجة التي هي دينية وبهيمية وبالتالي فإن فضيلة اإلنسان التي تتحقق بها سعادته هي في تحصيل العلوم المعارف واألخالق النبيلة ال باألكل والشرب . 2 )ابن مسكوية : وقد رفض ابن مسكوية من جهة اختزال السعادة في إشباع الملذات الحسية واصفا من يتبنى هذا الموقف بالبهيمية والرعاع الذين سيجدون النفس الشريفة )العاقلة( ويجعلونها في خدمة النفس الشهوية، وفي المقابل يعني مسكوية من شأن السعادة العقلية ألنها سعادة )شريفة التمل( على حد قوله، سعادة تتميز بالكمال والتمام، يختص بها اإلنسان وحده باعتباره كائنا يتميز عن سائر الكائنات بالعقل، الشيء الذي بحل السعادة التكون لغير العاقلين، وجعل أنبل الناس وأكثرهم حظا من كان نصيبه من النفس العاقلة أكثر وانصرافه إليها أتم وأوفر. ولن يتحقق التمال اإلنساني إال بالوجود القوتين : – القوة العالمة، يتم من خاللها تحصيل العلوم والمعارف ويعتبر العلم اإلالهي أرقى هذه العلوم. 

حيث يتحقق الكمال النظري. – القوة العاملة

: وهي التي تقوم بالتدبير األخالقي ألفعال الناس حتى تتنظم أمورهم ويصلح شأنهم وهي التي تحقق التمال العملي. فإذا اجتمع هذان الكريمان فقد تحققت السعادة القسوى وتحقق كمال اإلنسان واستحق أن يلقب بالحكيم أو الفيلسوف. خالصة : ينتهي الفالسفة المسلمون إلى برط السعادة باألعمال العقلي وتحقيق اللذة العقلية فهي أعلى شأنا وأرفع مقاما من اللذة البدنية الذي تبقى محتقرة ومهمشة. لكن ماهو موضوع السعادة العقلية وماهو طريقها ؟ . تكمن فضيلة النفس العاقلة التي تتحقق من خاللها سعادتها في التشوق إلى العلوم والمعارف وبحسب إسراره في طلبها والتدرج في تحصيلها بحيث تكون المعرفة اإلالهية أسمى درجات المعرفة حيث يتحقق الكمال اإلنساني، فإذا وصل اإلنسان إلى هذه المرتبة فقد وصل إلى آخر السعادات وأقصاها أبو نصر الفرابي : يرى الفرابي السعادة إنما تنال باألشياء الجميلة وهذه األخيرة التصبر ممكنة إال بصناعة الفلسفة والتي تحصل بجودة التمييز وقوة اإلدراك الذي من خالله نميز بين الحق والباطل وبالصناعة التي تعنينا على ذلك هي صناعة المنطق الذي تقف عند الحق فتعتنقه ويقف عند الباطل فنتجنبه وبذلك تكون الفلسفة حسب الفرابي هي السبيل الوحيد لنيل السعادة باعتبارها أعظم الخيرات وأكمل الغابات التي يتشوق لها إنسان

. – طريق المصوف :

 يرى أتباع هذا المذهب أن السعادة هي سعادة القلب والروح. ففيها تنكشف الحقيقة اإلالهية وتتحقق المشاهدة القلبية ال العقلية في الحصرة ويتحقق اإلتصال في الذات الربانية والفناء فيها ذلك أن المتوصفة هم أولياء هللا والعارفون به والمنقطعون إليه الذين تعلقت إرادتهم بمحبته ومشاهدته بالقلوب تمثل إذن لحظة اكتشاف األسرار اإلالهية في إحدى تجلياتها عند المتوصفة . مقدمة : يتحدث النص هو لصاحبه الفيلسوف اإلسالمي ابن مسكوية المعروف باهتمامه باألخالق وله كتاب في هذا المجال سماه تحديد األخالق وتطهير األعراق الذي طرح فيه وجهة نظره حول دور األخالق في تهديد السلوك اإلنساني من أجل تحقيق كمال اإلنسان وسعادته وهو يقدم في هذا النص أطروحته حول موضوع السعادة متسائال عن السبل المؤدية إلى كمال اإلنسان وسعادته، وهو يقدم في هذا النص أطروحته حول موضوع السعادة متسائال، عن السبل المؤدية إلى كمال اإلنسان وسعادته، هل تتحقق السعادة من خالل الزهد في متاع الدنيا واعتدال الناس وعدم مخالطتهم ؟ وفي هذه الحالة كيف تظهر الفضيلة التي بدونها التتحقق السعادة ؟ كيف نميز بين الخير والشر بغيات الجماعة ؟ كيف نتعلم الفضائل اإلنسانية، اإلجتماعية بدون مخالطة الناس ؟ أال يمكن القول أن الفضيلة التي بها تنال السعادة التظهر إال بمالزمة الناس واإلجتماع بهم ؟ . يرى مسكوية أن العفة الفضيلة مثل العفة والسخاء والعدل التي هي أساس السعادة اليمكن أن تظهر في الزهد والخلوة واالغتزال الناس في المغازات والجبال ذلك أن من لم يخالف الناس وسياكنهم تكون أفعاله مثل أفعال الموتى اليمكن وصفها ال بالخير وال بالشر وعليه يعتقد مسكوية أن الفضلية التي تصل بها إلى آخر السعادات حيث يتحقق كمال اإلنسان التتم إال بمشاركة الناس ومساكنتهم وقد قسم النص إلى فقرتين تحدث في الفقرة األولى عن الموقف الصوفي الذي يميل إلى الزهد والعزلة مبينا أسباب رفضه لهذا الموقف أما في الفقرة الثانية فقد طرح فيها تصوره للسعادة الذي يقوم على أساس األعمال الفاضلة والتي لن تتحقق إال من خالل اإلجتماع بالناس ومعاشرتهم وقد بدأ الكاتب نصه سؤال شنكاري الهدف منه هو ضغط الموقف الصوفي مستعمال مجموعة من الصيغ 

والروابط النمط فيه مثل أدوات اإلستنتاج إذن ولذلك وأدوات التأكيد بل والنفي ليست من لم، أدوات الشرط، إما، إزا، إنما، كما استعمل التشبيه حينما شبه سلوك المتصوفة بسلوك الموتى والجمادات . 2

 -الفرابي : يرى الفرابي من جهته أن كل إنسان محتاج لتدبير قوامهم وبلوغ أفضل كماالته إلى جماعة يقوم كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه فاليمكن لإلنسان أن ينال كماله وسعادته إال باإلجتماع بجماعة يسودها التعاون والتآزر يسمى الفرابي هذا النوع من اإلجتماع الذي يتعاون على نيل السعادة “اإلجتماع الفاضل” أما الجماعة التي يقصد اإلجتماع فيها التعاون للضفر بالسعادة “المدينة الفاضلة” فهي بمثابة الجسد من جسم اإلنسان الذي يتكون من أعضاء مختلفة تتعاون على حفظ توازن الجسد وصفان بقاءه، فكذلك الشأن بالنسبة للجماعة التي الغنى ألعضاءها عن التعاون والتآزر لنيل السعادة ولكي تكون هذه الجماعة فاضلة ال بد أن يقودها حاكم فاضل يجمع بين فضيلتي الحكمة والشريعة. خالصة : نستخلص إذن أن اإلختيار العقالني واالجتماعي والمدني القائم على اإلجتماع والتعاون هو طريق تحصيل السعادة في األرض عند مسكوية والفرارابي . خاتمة : هناك 3 خالصات يمكن الخروج بها من هذا الدرس : – أن السعادة التتحقق إال في العقل وهو الموقف الذي يمثله الفالسفة المسلمين المتأثرين بالموروث الفلسفي اليوناني. – أن السعادة التتحقق إال تلبية 

مطالب القلب والروح وهو اتجاه المصوفة أو الصوفي. – أن السعادة التتحقق بالعزلة نما باإلجتماع والتعاون.

تقديم :

ليس يخفى أن الفلسفة تنقسم إلى ثلاثة مباحث كبرى وهي: مبحث المعرفة، ومبحث الانطولوجيا، ومبحث القيم، ويطرح كل

واحد من هذه المباحث جملة مفاهيم وإشكالات، ومن بين جملة تلكم المفاهيم التي يطرحها مبحث القيم، نلفي مفهوم “السعادة “.

فما هي دلالة هذا المفهوم؟

الدلالة المتداولة:

يتباين الناس في تمثلهم للسعادة فمنهم من يرى السعادة في الصحة، ومنهم من يراها في المال، ومنهم من يراها في الصداقة، ومنهم

من يراها في راحة البال، ومنهم من يراها في تلبية كاملة للرغبات، وتحقيق المتعة في شتى أشكالها …، والعلة في اختلاف الناس في تمثلهم

للسعادة هو جانب النقص الذي يعاني منه كل إنسان، فالفقير يرى السعادة في المال، والمريض يرى السعادة في الصحة، والأعزب يرى

السعادة في الزواج وهكذا …، هذا ويلفت الانتباه في تمثلات الناس للسعادة، أنه يغلب عليها الجانب المادي الذي يقترن بما هو إرضاء

للحواس.

الدلالة اللغ :وية

أ ” – لسان العرب” لابن منظور:

جاء في “لسان العرب”: سعد السعد بمعنى اليمن، وهو نقيض النحس، والسعود خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة،

ونقول سعد يسعد سعدا وسعادة فهو سعيد، نقيض شقي والجمع سعداء، ويشتق من نفس الجدر ثلاثة ألفاظ تشترك في نفس المعنى وهي:

الساعد، والسعدان، والسعد، فلفظ الساعد يدل أولا على ساعد الإنسان أو الطير أو القبيلة، فساعدا الإنسان ذراعاه، وساعدا الطائر

جناحاه، وساعد القبيلة رئيسها، ويدل ثانيا على مجرى المياه، فسعيد المزرعة رها الذي يسقها، ويدل ثالثا على مخرج اللبن في الناقة، أما

لفظ السعدان فيدل على نبات ذي شوك من أطيب مراعي الإبل، وأما لفظ السعد فيدل على الطيب ذي الرائحة الزكية .

إن ما يمكن استنتاجه من هذه الدلالات هو:

 اقتران السعادة بالإرضاء والارتواء، فالنهر الذي يسقي المزرعة يرويها، ولبن الناقة يروي ويشبع صغيرها، ومنبت شوك النخل

يشبع جوع الإبل، والطيب يشبع النفس برائحته العطرة.

 اقتراا بالعضوين اللذين يدبران الجسد، وهما: الساعدان.

ومن هنا يكتسب اليمن دلالتين:

 تشير إلى ما هو مادي محسوس، وتتمثل في الإرضاء والإشباع.

 تومئ إلى ما هو عقلي، وتتمثل في التدبير، فعمدة المدينة وساعدها هو رئيسها وعقلها المدبر لشؤوا والمسير لها نحو ما هو أفضل

،لها ولا يمكن في هذا السياق تصور سعادة بدون تعاون واجتماع.

يتضح من كل ما سبق أن التعريف اللغوي للسعادة قد وسع من دلالتها بشكل جعلها تنفتح على عنصر لا مادي من طبيعة عقلية

واجتماعية وسياسية تتعلق بالتفكير والتدبير .

الدلالة الفلسفية:

السعادة

” – أ المعجم الفلسفي لج” ميل صليبا:

السعادة هي الرضا التام بما تناله النفس من الخير ، والفرق بينها وبين اللذة أن السعادة حالة خاصة بالإنسان، وأن رضا النفس ا

،تام إذ من شرط السعادة أن تكون ميول النفس كلها راضية مرضية، وأن يكون رضاها بما حصلت عليه من الخير تاما ودائما ، في حين أن

“اللذة” حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وأن رضا النفس ا مؤقت، وإذا كانت السعادة هي حالة إرضاء وإشباع وارتياح تام

للرغبات يتسم بالثبات، فإنه متى سمت إلى مستوى الرضا الروحي ونعيم التأمل والنظر، أصبحت غبطة ، وإن كانت هذه أسمى وأدوم،

وللفلاسفة في حقيقة السعادة آراء مختلفة فمنهم من يقول إن السعادة هي في إتباع الفضيلة (أفلاطون)، ومنهم من يقول إا في الاستمتاع

بالملذات الحسية المدرسة (القورينائي )ة ، أما أرسطو فانه يوحد الخير الأعلى والسعادة، ويجعل اللذة شرطا ضروريا للسعادة لا شرطا كافيا ،

وعين الأمر يقول به أبيقور الذي اعتبر اللذة هي غاية الحياة، وإن كان هو يقيم فروقا بين اللذات ، أما الرواقيون فإم يرجعون السعادة إلى

الفعل الموافق للعقل، والسعادة في نظرهم غير ممتنعة عن الحكم، وإن كان طريقها محفوفا بالألم.

” – ب موسوعة لالاند ” أندريه لالاند:

 السعادة هي حالة رضا تام تستأثر بمجامع الوعي .

 السعادة هي إرضاء كل الميول وإشباعها .

يتبدى لنا من كل ما سبق أن مفهوم السعادة تتداخل فيه دلالات متباينة قاموسية وفلسفية وتمثلية، كما يلوح لنا أن هذا المفهوم

تتقاطع فيه حقول مختلفة بيولوجية واجتماعية وسياسية وميتافيزيقية وسيكولوجية ، فضلا عن أنه يتاخم جملة من المفاهيم الفلسفية الأساسية ،

كاللذة والألم والفضيلة والخير الأعلى والعقل والنفس والسياسة والعدالة والخيال والفطرة والمحاكاة والواجب والغير والإرادة …

الطرح الإشكالي :

إن السعادة هي شعور الفرد بإحساس الفرح، والارتياح، واللذة … ، وهذا ما يجعلها غاية للإنسان يسعى إليها سواء على

المستوى الحسي / الغريزي، أو على مستوى الفكر النظري، أو على مستوى السلوك الأخلاقي ، وهكذا فللسعادة قيمة حسية وقيمة

فلسفية تأملية، وقيمة أخلاقية تثير عدة قضايا فلسفية متمثلة في تعدد التمثلات التي تنسج حولها، وتنوع الموضوعات التي تحققها ، إضافة إلى

تعدد الدوافع التي تدفعنا إلى السعي ورائها ، وأخيرا ارتباطها بالواجب الذي يحقق السعادة عندما يكون اتجاه الذات واتجاه الغير كذلك ، إا

قضايا يمكن صياغتها من خلال هذه الأسئلة:

ما هي التمثلات التي تم بناؤها حول السعادة؟

لماذا نسعى نحو السعادة؟

ما علاقة السعادة بالواجب؟

المحور الأول: تمثلات السعادة:

إذا كان جميع الناس يتفقون على كون السعادة هي ما يبحثون عنه، فهل معنى هذا أم يبحثون عن الشيء نفسه؟ هل تدل

السعادة على نفس المعنى عندهم جميعا أم أن كل واحد منهم يستعملها بمعناه الخاص ويقصد ا ما قد يسميه غيره نقيضها أي تعاسة؟

في كتابه “الأخلاق إلى نيقوماخوس ” يميز أرسطو بين ثلاث تمثلات أساسية للسعادة هي: تمثل العامي، تمثل السياسي وتمثل

الفيلسوف ، فبالنسبة للعامي السعادة هي مرادف للاستمتاع المادي الناتج عن تحقيق اللذات الحسية وتجاوز مختلف أشكال النقص والحاجة ،

ونظرا لكون هذا المستوى من السعادة يتحدد من خلال نقيضه الذي هو النقص والحاجة، فإنه يختلف من فرد لآخر، بل يختلف لدى نفس

الفرد الواحد من زمان لآخر، وهو ما سيعبر عنه ابن مسكويه بقوله: “الفقير يرى أن السعادة العظمى في الثروة واليسار، والمريض يرى أا

في الصحة والسلامة، والذليل يرى أا في الجاه والسلطان، والخليع يرى أا في الظفر بالمعشوق …” ، وهكذا كل يتمثل السعادة بناءا على

النقص الذي يعانيه، أما بالنسبة للسياسي فالسعادة مرادفة للمجد والتشريفات التي ينالها الفرد نتيجة توليه مناصب سامية في الدولة، تخول

له ممارسة أكبر قدر ممكن من السلطة على غيره، وجعلهم تابعين له وينظرون إليه نظرة إجلال وتقدير، خصوصا إذا ما كانت ممارسته لتلك

السلطة يتم على أفضل نحو ممكن، بحيث تؤدي إلى جعل حيام أكثر أمنا واستقرارا ، وإلى جعل مجتمعهم أكثر تقدما بالمقارنة مع مجتمعات

غيرهم .

غير أن كل تمثل من هذين التمثلين هو خاطئ في رأي أرسطو، وفي رأي كل من ساروا على دربه ، :مثل الفارابي وابن مسكويه

وابن باجة … ،الخ فالتمثل العامي للسعادة الذي يربطها بالاستمتاع المادي واللذة الجسمية هو خاطئ وما يسميه سعادة هو ليس كذلك إلا

بالاسم، لأن جعل اللذة الحسية والاستمتاع المادي غاية لأفعال وتصرفات الإنسان يجعل من جهة هذا الأخير عبدا خاضعا لمحددات غريبة

عن طبيعته الإنسانية المتمثل في كونه عاقل، ويجعله من جهة ثانية غير متميز عن الحيوان والبهيمة، لأن اللذة الحسية والاستمتاع المادي هي

من الأمور المشتركة بين الإنسان والحيوان ، ولا يمكن للجري وراءها إلا أن يعمق البعد الحيواني فيه، وهو ما يتناقض كليا مع السعادة الحقة

التي يمثل شرطها الأول حسب كل الفلاسفة في ابتعاد الإنسان أكبر قدر ممكن عن مرتبة الحيوان. كما أن اللذة الجسمية والاستمتاع المادي

من جهة ثالثة وأخيرة ليست غايات في ذاا وإنما هي مجرد وسائل في خدمة غايات أخرى غير ذاا، وما كان كذلك لا يمكنه أن يكون

سعادة، فهذه الأخيرة كما يقول أرسطو ويردد بعده كل من الفارابي وابن مسكويه وابن باجة “هي من الأشياء التي تختار لذاا … فكل ما

يمكن تصوره إنما يطلب من أجل ما عداه إلا السعادة إذ هي غاية بحد ذاا”. أما التمثل السياسي للسعادة الذي يربطها باد والتشريفات

فهو أيضا خاطئ في رأي أرسطو ومن اتبعه وذلك لسببين رئيسيين أولهما هو ما ذكرناه قبل قليل أي أن اد والتشريفات ليست بغايات

ائية ولا تطلب لذاا وإنما هي غايات من أجل غايات أخرى من أجلها تطلب. ثانيهما أن اد والتشريفات كما يقول أرسطو ” ملك

لألئك الذين يوزعوا أكثر من أن تكون للذين يتقبلوا” أي أا ليست أمور شخصية يصل الفرد إلى حيازا بناءا على أفعال محددة

يختارها هو ويقرر إنجازها ، وإنما هي أمور متعلقة بقوى خارجية تتمثل في ذلك الذي يمتلك سلطة أكبر كالملك أو الرئيس أو الشعب نفسه،

وتبعا لذلك فليس هناك أدنى ضمانة لدوام التمتع ا، بل بالإمكان فقداا في أية لحظة، وهو ما يتعارض كليا مع السعادة الحقة أو ما يسميه

أرسطو بالخير الأسمى الذي يقول عنه بأنه “شيء شخصي محض، ولا يمكن إلا بغاية الصعوبة نزعه عن الفرد الذي هو حاصل عليه “.

لا تكمن السعادة الحقة إذن في اللذة الجسمية والتمتع المادي لأما مشتركان بين الإنسان والحيوان، ولا في اد والتشريفات

لأما معرضان للزوال في أي لحظة، فأين تكمن إذن؟ كيف يتمثل الفيلسوف السعادة؟

إن السعادة كما تمثلها الفلاسفة القدامى وبصفة خاصة الأرسطيين منهم تكمن في ما سموه بالعيشة التأملية العقلية، أي العيشة التي

يكرس فيها الفرد نفسه لممارسة التفكير والتأمل في موجودات هذا العالم بدءا من أخسها وأدناها مرتبة وهي تلك التي لا توجد إلا وهي

مجسدة في مادة، وصولا إلى أشرفها وأعلاها مرتبة وهي تلك اردة كليا عن المادة والتي يمثل الباري تعالى منتها سموها وشرفها .

إن ما يجعل السعادة الحقة تكمن حسب أرسطو وأتباعه في اللذة العقلية دون سواها من اللذات، وفي ممارسة التأمل والتفكير دون

غيرها من الممارسات ، هما أمرين اثنين: أولهما أن اللذة العقلية خاصة بالإنسان دون سواه من الموجودات، وتبعا لذلك فإن الممارسة التي

تؤدي إلى تحصيلها تجعل الإنسان يتجاوز طبيعته الحيوانية ويقترب أكثر من الطبيعة الإلهية ، ثانيهما أن هؤلاء الفلاسفة سيجعلون من ممارسة

العلم ومن التدرج في مراتبه سبيلا لضمان الخلود والأبدية اللذان يمثلان في اية التحليل جوهر وماهية السعادة .

رغم القبول الكبير الذي ناله التصور الذي قدمه الفلاسفة الأرسطيين للسعادة واعتباره من قبل غيرهم من الفلاسفة التمثل

الوحيد الصائب لها، فإن ذلك لم يمنع عدد من الفلاسفة من تقديم تمثلات أخرى لها سواء في العهد القديم نفسه أو في العهد الحديث

والمعاصر، ففي العهد القديم رفضت ما يعرف بجماعة الرواقيين إقصاء اللذات الجسمية من أن تكون شرطا للسعادة، لأن الجسد كما ينقل

ابن مسكويه عنهم “هو جزء من الإنسان وليس مجرد آلة ،” وتبعا لذلك فإن السعادة التي في النفس والتي تنال بالعلم وبالأخلاق الفاضلة لا

يمكنها في رأيهم أن تكون كاملة ما لم تقترن ا سعادة البدن التي تتمثل في رأيهم في انتفاء الألم والمعانات عنه ، وهو التصور الذي سيصل إلى

منتهاه في العهد المعاصر مع كل من الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه والفيلسوف الفرنسي إميل شارتيي المعروف ب ‘ألان ،’ فمع نيتشه

ليست اللذات الجسدية شرط للسعادة فقط وإنما هي السعادة نفسها ، لأن العقل في رأي هذا الفيلسوف ليس له أدنى امتياز أو شرف

بالمقارنة مع باقي القوى الحيوية الأخرى في الإنسان وبصفة خاصة الغرائز، وما يجعله يبدو كذلك هو فقط أن ما ينتجه من معارف وحقائق

كانت مفيدة للإنسان في معركته من أجل البقاء وصراعه من أجل دوام الوجود، وبالنتيجة فإنه ليس هناك أي مبرر لاعتبار اللذات العقلية

أشرف من اللذات الحسية كما ذئب على قول ذلك كل الفلاسفة السابقين ما دام أساسهما واحد وهو غريزة حفظ البقاء ، أما بالنسبة

‘ نلألا ‘ فليست السعادة شيئا آخر سوى النجاح الذي يحققه الفرد في أعماله، فكلما تراكمت النجاحات وتوالت الانتصارات ازداد

إحساس الفرد بالسعادة، خصوصا إذا ما كانت الأعمال التي يحقق فيها تلك النجاحات والانتصارات أعمال حرة، أي أعمال يختار الفرد

نفسه بناءا على إرادته وح ريته إنجازها أو الانخراط فيها، وليست مفروضة عليه من الخارج سواء كان هذا الخارج أشخاصا ومؤسسات أو

كان ظروفا وعوامل اجتماعية واقتصادية…الخ، يقول ألان موضحا هذا التصور ” : العمل المنظم والانتصارات تلو الانتصارات، هذه بدون

شك صيغة السعادة ،… فنحن نكون سعداء أثناء الفعل الحر، أي من خلال القاعدة التي نخضع لها ومن خلال السلوك المقبول، سواء تعلق

الأمر بلعبة كرة القدم أو بدراسة العلوم “.

يتبين من كل ما سبق أن مفهوم السعادة مفهوم نسبي لا تختلف دلالته فقط من فئة اجتماعية إلى أخرى كما اعتقد ذلك الفلاسفة

القدامى، وإنما من فرد لآخر بل ولدى نفس الفرد من زمن لآخر، فالفرد القوي الإيمان بوجود حياة أخروية يرى السعادة الحقة في الفوز

بالجنة، بينما يراها من لا يؤمن بذلك في الاستمتاع بالخيرات المادية الموجودة في هذا العالم ـ كما أن الفرد الواحد نفسه إن كان مريضا

رأى السعادة في الصحة وإن كان جائعا رآها في تناول أطباق فاخرة ، غير أن هذه الدلالات في تباينها تؤكد شيء واحد أساسي وهو أن

السعادة لا تنفصل عن نقيضها الذي هو النقص والحاجة وهو ما يجعلها كما يقول كانط “مثل للخيال وليست مثل لعقل” أي أا حلم

أكثر منه واقع .

المحور الثاني: تحصيل السعادة :

إذا كانت السعادة الحقة حسب جل الفلاسفة لا تكمن في تحقيق اللذات الحسية وإشباع متطلبات الجسد ، وإنما في تحقيق اللذات

العقلية وإشباع متطلبات الروح ، فما السبيل إلى تحقيق هذه السعادة برأيهم؟ ما الطريق الذي على الإنسان إتباعه لكي يحقق السعادة وينعم

ا؟ وهل هناك طريق واحد يصلح للجميع أم أن هناك طرقا عدة كل منها يصلح لفئة خاصة من الناس؟ وهل يمكن فعلا تحقيق لذات

العقل والروح دون تحقيق لذات الجسم والبدن؟

تماشيا مع تصورهم للسعادة ذهبت جماعة الرواقيين بزعامة أبيقور إلى القول بأن “اللذة هي بداية الحياة السعيدة وغاياا ، فللجسم

حسب أنصار هذه الجماعة نفس الأهمية التي للنفس، إنه كما قلنا سابقا ليس مجرد أداة في خدمة النفس وإنما هو جزء من الإنسان الذي

تمثل النفس جزءه الآخر، وتبعا لذلك فإن كل ألم أو عناء يصيبه فهو يؤثر بالضرورة على طمأنينة النفس واستقرارها، وذلك كما تؤثر

الاضطرابات التي تصيب النفس على راحة الجسم وسلامته، وبذلك لابد كي نضمن السعادة أن نعمل على تحقيق متطلبات كل من النفس

والجسم دون أدنى تفضيل لأحدهما على الآخر ، وهو ما يدل عليه مفهوم اللذة نفسه الذي يوضح أبيقور معناه قائلا ” : عندما نقول إن اللذة

هي غايتنا القصوى، فإننا لا نعني بذلك اللذات الخاصة بالفساق أو اللذات المتعلقة بالمتعة الجسدية، بل اللذة التي نقصدها تتميز بانعدام

الألم في الجسم والاضطراب في النفس ،” وبناءا على هذا المعنى فإن تحصيل السعادة في رأي أبيقور لا يقتضي إشباع أي لذة مهما كانت،

وتجنب أي ألم مهما كان، بل من الواجب كي نحصل السعادة أن نتجنب كل لذة ينتج عنها فيما بعد ألما وإزعاجا أو ما شاكلهما، وأن

نفضل عليها آلاما شديدة إذا ما كانت تسمح مكابدا طويلا من الفوز بلذة أعظم، وهو ما يعني أن تحصيل السعادة حسب أبيقور يقتضي

من جهة التزود بالقدرة على اتخاذ القرار الحاسم انطلاقا من الفحص الدقيق لما هو مفيد وما هو ضار ومن المقارنة بينهما، لأن في كثير من

الأحيان قد يبدو أمر ما شرا بينما هو خير، كما قد يبدو أمر ما أنه خير بينما هو شر ، ويقتضي من جهة ثانية حسن الاكتفاء بالذات

والتعود على العيش البسيط والقنوع، فما دامت السعادة تكمن في “انعدام الألم في الجسد والاضطراب في النفس” فإن أفضل سبيل

لتحقيقها هو أن نتعود على الحياة البسيطة والقنوعة حتى وإن كنا نمتلك الكثير، لأن ذلك يجعلنا لا نتأثر بتقلبات الدهر، أي حتى ما إذا

انقلب علينا الدهر وفقدنا ذلك الكثير الذي كنا نمتلك لا نعاني آلاما شديدة ولا نفقد سعادتنا .

على خلاف هذا التصور اعتقد عدد كبير من الفلاسفة مثل سقراط، أفلاطون،الفارابي…الخ بأن تحصيل السعادة لا يتم إلا

بالابتعاد كليا عن متطلبات الجسد وعن مختلف رغباته وشهواته، ومبررام في ذلك هي :

 أن متطلبات الجسد مشتركة بين الإنسان والحيوان مما يجعل إتباعها يكرس البعد الحيواني في الإنسان بدل البعد الإلهي المتمثل في

امتلاكه للعقل .

 أن الجسد ليس سوى أداة في خدمة الروح، إنه ليس غاية في ذاته وإنما فقط وسيلة على النفس أن تحسن استخدامها كي تضمن

خلاصها وخلودها، لذا فإن الاهتمام به يجب أن ينحصر في ما يضمن بقاءه وبقائه فقط .

غير أن هؤلاء الفلاسفة قد اختلفوا فيما بينهم حول ما الذي يجب القيام به بالضبط لكي نحصل السعادة، فقد ذهبت جماعة منهم

إلى اعتبار الانقطاع للتعبد وممارسة الشعائر الدينية هو السبيل الوحيد للسعادة، فالإنسان لا يمكنه أن يصل إلى مرتبة السعداء في رأي

الحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهم من المتصوفة إلا إذا استطاع التوحد بالذات الإلهية والتماهي معها، وهو ما لا يمكن أن

يتحقق إلا بالإكثار من التعبد وذكر االله والابتعاد كليا عن كل ما له صلة بالشهوات والغرائز ، بينما ذهبت جماعة أخرى منهم إلى اعتبار

الانقطاع لممارسة العلم والارتقاء في مراتبه هو السبيل الوحيد للسعادة، فالإنسان لا يمكنه أن يصل إلى مرتبة السعداء في رأي ابن باجة

مثلا إلا إذا وصل إلى أقصى درجات العلم الذي يتمثل عنده في ما يسميه بعلم العقل أي العلم الذي يهتم بالمعقولات اردة كليا عن

المادة، أو كما يقول ” المعقولات كأحد موجودات العالم” والتي يمثل العلم بالباري تعالى، بصفاته، بنحو الوجود الذي له … إلخ أقصى

درجاا وأشرفها على الإطلاق، فعبر وصول الإنسان إلى هذه المرتبة من العلم يصبح موجودا بعقله لا بجسده فيضمن بذلك خلوده الذي

هو السعادة القصوى ، لكن لما كان الوصول إلى هذه المرتبة يتطلب توفر الفرد على قدرات عقلية عالية أو ما يسميه ابن باجة بالفطرة

الفائقة، فضلا عن مساعدة الظروف الاجتماعية والاقتصادية على كمال قدراته وفطرته تلك، فإن تحصيل السعادة حسب هذا الفيلسوف

غير ممكن إلا بالنسبة لفئة قليلة من الناس هم أولئك الذين وهبتهم الطبيعة فطرة فائقة وساعدهم وضعهم على كمال فطرم تلك ، لكن

ماذا عن أولئك الذين لا تتوفر فيهم هذه الشروط؟ هل محكوم عليهم بالتعاسة إلى الأبد؟ هل من المستحيل فوزهم بالخلود؟

حسب ابن باجة نعم، فما دام السبيل الوحيد لتحصيل السعادة في رأيه هو الارتقاء في سلم العلوم وما دام إتباع هذا السبيل

يقتضي مؤهلات لا تتوفر لدى هؤلاء، فالنتيجة هي أن الظفر بالسعادة موقوف على فئة من الناس دون غيرهم ، لكن حسب بعض

الفلاسفة الآخرين مثل الفارابي وابن رشد فالأمر خلاف ذلك لأنه في رأيهم ليس هناك سبيل وحيد لتحصيل السعادة وإنما هناك سبلا عدة ،

كل منها يناسب فئة خاصة من الناس، فمن زودته الطبيعة بفطرة فائقة وساعدته الظروف على نمو واكتمال فطرته تلك فسبيله إلى السعادة

هو ما قاله ابن باجة أي ممارسة العلم والارتقاء في مراتبه، أما من لم تزوده الطبيعة بتلك الفطرة أو حالت الظروف دون نموها وكمالها

فسبيله إلى السعادة هو التزود بالفضائل الأخلاقية والسمو بوجوده إلى أعلى درجات الكمال الممكنة عبر الابتعاد عن كل ما هو حيواني

.فيه

إن ما يجمع كل المواقف السابقة هو أا نظرت إلى السعادة على أا غاية نطمح إلى تحقيقها بعد الموت، إا سعادة أخروية

وليست دنيوية ، لكن ماذا عن هذه الأخيرة؟ هل من المستحيل تحصيلها؟ هل من المستحيل أن نكون سعداء هنا والآن؟

لقد انقسم الفلاسفة على مر التاريخ إلى اتجاهين مختلفين بخصوص هذه الإشكالية، الأول ينفي كليا إمكانية تحقيق السعادة في هذه

الدنيا، وهو ما يمثله ليس فقط الفلاسفة القدامى الذين رأينا بعضهم سابقا مثل أفلاطون، أرسطو، الفارابي، ابن باجة …الخ، وإنما يمثله أيضا

عدد من الفلاسفة والمفكرين المعاصرين ومن أبرزهم الفيلسوف شوبنهاور والمحلل النفساني سيغموند فرويد، فحسب شوبنهاور ما يجعلنا

نستمتع بما لدينا في هذه الدنيا ونشعر بسعادة أثناء ذلك هو أشكال الشقاء والحرمان التي سبق أن عانيناها وتحتفظ ذاكرتنا بصور عنها، أي

أن قيمة ما نعيشه في لحظة زمنية ما لا يتحدد إلا من خلال مقارنته بما كنا نعيشه فيما مضى بحيث متى كان أقل منه اعتبرناه شقاء حتى وإن

كان يمثل مستوى عال من الرخاء والرفاهية، وبذلك فإن “كل سعادة هي سالبة، وليست لها أية إيجابية” كما يقول شوبنهاور، لأا ليست

سوى تجاوز للنقص والحاجة والحرمان والألم … ،الخ غير أن ما يتلو تعويض النقص أو تجاوزه ” سيكون بدون شك إما شرا متجسدا، وإما

فتورا وانتظارا بدون جدوى، أي ملل فهذه هي الحقيقة التي نعثر على أثرها في هذا العالم وهذه الحياة” أي أنه في اية التحليل ليس هناك

أية إمكانية لتحصيل السعادة في هذه الدنيا وأن الإنسان محكوم عليه بالشقاء .

نفس هذا الموقف نجده عند مؤسس التحليل النفسي النمساوي سيغموند فرويد، فقد دافع هو الآخر عن استحالة أن يكون

الإنسان سعيدا في هذه الدنيا فيقول ” : إنه لم يدخل في خطة الخلق البتة أن يكون الإنسان سعيدا … إن طاقتنا على السعادة محدودة أساسا

بتكويننا وجبلتنا، وبالمقابل فإنه لأيسر علينا بكثير أن نتذوق تجربة التعاسة ،” فتحقيق السعادة حسب فرويد يقتضي تحقيق هدفين أحدهما

سلبي والآخر إيجابي، الأول يتمثل في تجنب الآلام وتحاشي الحرمان من الفرح، أما الثاني فيتمثل في التمتع بملذات عارمة ، غير أن لا أحد من

هذين الهدفين قابل للتحقيق، فالأول غير قابل للتحقيق لأن الألم يهددنا من كل ناحية ، فهو يهددنا من جهة جسمنا المكتوب عليه الانحلال

والمرض، ويهددنا من جهة العالم الخارجي الذي تتوفر لديه قوى كثيرة لا تقهر ولا تعرف الرحمة في سعيه لإبادتنا، ويهددنا أيضا من جهة

علاقاتنا بالآخرين الذين لا يترددون في تعذيبنا وإصابتنا بالأذى ، أما بالنسبة للهدف الثاني المتمثل في تحقيق ملذات عارمة فهو غير قابل

للتحقيق أيضا بحكم طبيعتنا ذاا، فتلك الملذات لا تتحقق لنا إلا في شكل ظواهر عارضة، أي في شكل تلبية مؤقتة ومباغتة للحاجات التي

وصلت إلى درجة عالية من التوتر، ولا يمكن بحكم طبيعتنا ذاا لذلك الإحساس باللذة أن يدوم ويستمر لأنه كما يقول فرويد ” : كل

ديمومة لوضع يرغب فيه الإنسان بدافع مبدأ اللذة لا ينجم عنها سوى هناء فاتر” مضيفا “، لقد جبلنا على نحو لا نستطيع معه أن ننعم بمتعة

عارمة إلا إذا قامت على أساس التضاد والتنافر، أما ثبات الأحوال فلا يوفر لنا سوى إلا اليسير من المتعة “.

لا يمكن إذن للإنسان حسب كل من شوبنهاور وفرويد لا تجنب الألم ولا تحقيق لذات عارمة دائمة، وبالنتيجة فإنه مستحيل عليه

أن يكون سعيدا في هذه الدنيا .

خلافا لهذا التصور دافع فلاسفة آخرون عن أن السعادة الدنيوية ممكنة، وقد مثله في الفلسفة القديمة ما يعرف بجماعة الرواقيين

التي ذهبت إلى القول كما رأينا ذلك سابقا، بأنه يكفي للإنسان التعود على العيش البسيط والقنوع وأن يجعل جسمه لا يتألم ونفسه لا

تضطرب كي يشعر بالسعادة ، وهي أمور برأيهم قابلة للتحقيق على الأقل لأغلبية الناس إن لم يكن لجميعهم ، أما في الفلسفة الحديثة

والمعاصرة فقد مثل هذا التصور كل من دافيد هيوم وإميل شارتيي المعروف ب’ألان ‘ فحسب هيوم يمكن للإنسان أن يكون سعيدا في هذه

الدنيا وسبيله إلى ذلك برأيه هو أن يعمل على ذيب ذوقه وجعله أكثر رهافة ورقة، لأنه عبر ذلك سيدرك جمالية الحياة وسيستطيع التمتع

بما فيه، يقول هيوم ” : وباختصار لرهافة الذوق ورقته نفس الأثر الذي لرهافة الإحساس، إا توسع من دائرة سعادتنا كما توسع من دائرة

شقائنا وتجعلنا أكثر تأثرا بالأفراح وبالأحزان التي لا يبالي ا باقي الناس ،” أما الطريقة التي من خلالها يمكن للفرد ذيب ذوقه فهي تكمن

في رأي هيوم في دراسته للأعمال الفنية والتوقف عند مختلف تجليات الجمال فيها سواء كانت تلك الأعمال شعرا أو موسيقى أو رسم

…الخ، أما ‘ألان’ الذي اعتقد هو الآخر في إمكانية تحقيق السعادة في هذه الدنيا، فقد حدد السبيل إليها في العمل وفق مبدأ أساسي هو أن

نرغب في أن نكون سعداء وأن نقاوم من أجل ذلك مهما كانت العقبات والتحديات التي تواجهنا، لأنه بمجرد أن نستسلم ونعترف زيمتنا

اتجاه تلك العوائق التي يعترف ألان بأا ددنا من كل صوب ، فنحن نحكم على أنفسنا بالتعاسة وإلى الأبد، ومن هنا فالسبيل إلى تحقيق

السعادة هنا والآن حسب ألان هو أن نريدها أولا، وأن نقاوم من أجلها ثانيا .

المحور الثالث: السعادة والواجب:

لقد عرف الإنسان منذ أرسطو بأنه “كائن اجتماعي بطبعه”، أي كائن لا يستقيم وجوده إلا داخل مجتمع يتقاسم أفراده المهام

والأدوار، غير أن العيش داخل مجتمع يفرض على الفرد بالضرورة الخضوع لقوانينه وللقيم الأخلاقية السائدة فيه، أي يحدد له جملة من

الواجبات التي عليه الالتزام ا والعمل وفقها، فهل يتعارض هذا مع بحث الفرد عن سعادته وجريه نحو تحقيقها؟ هل يشكل الالتزام

بالواجبات الاجتماعية والأخلاقية عائقا أمام سعادة الفرد أم شرطا لتحصيلها؟

لقد اعتقد عدد غير قليل من الفلاسفة القدامى بأن سعادة الفرد تقتضي منه الابتعاد عن اتمع وعن الإكراهات والالتزامات التي

يقتضيها العيش فيه، فحسب ما يعرف بجماعة الرواقيين وفي مقدمتهم إبكتيت تنقسم الأشياء الموجودة في العالم إلى صنفين: الأول يتوقف

علينا ويتمثل في آرائنا وحركاتنا ورغباتنا وميولاتنا وتصوراتنا، أما الثاني فهو الأشياء التي لا تتوقف علينا كالممتلكات والخيرات والسمعة

ومظاهر التشريف، وهو ما يعني أن كل ما يتعلق باتمع والآخرين ينتمي إلى الأشياء التي لا تتوقف علينا، وتبعا لذلك فإننا لا نمتلك أدنى

سلطة عليها والسبيل الوحيد كي نكون سعداء هو أن نتخذ منها موقف اللامبالاة بحيث لا نطمح أبدا في تغييرها أو في جعلها تحدث كما

نشاء ما دامت كما يقول إبكتيت “تابعة وخاضعة لألف عائق ولألف معترض، وغريبة كليا عنا” وكل من حاول التعلق ا كسبيل لسعادته

” سيصطدم لا محالة بعوائق في كل مكان، وسيصاب بالعناء وبالاضطراب ،” وهي بكل تأكيد أمور مناقضة للسعادة .

نفس هذا الموقف نجده عند كل متصوفة الإسلام، فضلا عن بعض فلاسفته كابن باجة مثلا ، فبالنسبة للمتصوفة تحصيل السعادة لا

يتم من خلال الانخراط في الحياة الاجتماعية والقيام بالواجبات التي تقتضيها، وإنما من خلال الابتعاد عنها والانقطاع للعبادة ولذكر االله، أو

كما يقول الغزالي ” قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور ،” وهو نفس الموقف الذي سيذهب إليه ابن باجة في كتابه ” تدبير

المتوحد” مع فارق بسيط وهو أن الابتعاد عن الناس واتمع، وعن مشاغل الحياة الدنيا عامة هو من أجل التعبد بالنسبة للمتصوفة، بينما

هذا الانقطاع هو من أجل ممارسة العلم بالنسبة لابن باجة، لأن الارتقاء في سلم العلوم والتدرج في مراتبها يمثل بالنسبة لابن باجة كما

رأينا ذلك سابقا، أحد أهم السبل المؤدية للسعادة الحقة المتمثلة في الفوز بالخلود وبالحياة الأبدية، بل أنه السبيل الوحيد والأوحد لمن كانت

فطرته فائقة وساعده وضعه على كمال فطرته تلك .

ضدا على هذا الموقف دافع جل فلاسفة الفترة الحديثة والمعاصرة عن أن سعادة الفرد لا تنال إلا بانخراطه في الحياة الاجتماعية

وقيامه بالواجبات التي يقتضيها ذلك الانخراط ، فمع كانط أصبح الخضوع للواجب الأخلاقي الشرط الضروري لكل سعادة، ليس فقط

لأن الواجب الأخلاقي أمر مطلق، وقانون يتسم بالكونية والشمولية، وإنما أيضا وهذا هو الأهم، لأن ما يجب على الفرد فعله هو نفسه ما

يريده، أي أن الواجب ليس نقيضا للإرادة وإنما مرادف لها، يقول كانط موضحا هذا الترادف: “إن عبارة ‘يجب علي’ هي في حقيقة أمرها

هي نفسها ‘إنني أريد’ التي تصلح لكل كائن عاقل بشرط أن يكون العقل عنده عمليا دون ما عقبات تمنعه من ذلك” فكون الإنسان يحمل

العقل، وكون هذا العقل مزود بمبادئ قبلية للفعل، كما بمبادئ قبلية للمعرفة حسب كانط، يجعل ما تمليه إرادته الحرة هو نفسه ما يقتضيه

الواجب الأخلاقي، وبالنتيجة فإن هذا الأخير شرط للسعادة وليس عائق أمامها .

نفس هذا الموقف تقريبا نجده عند عدد من الفلاسفة المعاصرون مثل بتراند راسل و ‘إميل شارتيي’ المعروف ب”ألان ،” فحسب

راسل لا يمكن للإنسان أن يكون سعيدا إلا إذا كان محبوبا من قبل الغير، أي من قبل أفراد اتمع الذي يعيش فيه، وكان ذلك الحب

تلقائيا، أي ليس نتيجة منافع معينة يحققها لهم أو موهبة خاصة تجذم أو سلطة معينة تدفعهم للتقرب إليه وإنما فقط نتيجة ما يسميه راسل

“اهتمامه الودي م” الذي يتمثل في رأي راسل في حب ملاحظتهم وتتبع صفام وأفعالهم ومحاولة توفير لهم مجالات تحقق لهم الشعور

بالسرور والفرح. فتصرف الفرد اتجاه الآخرين ذه الطريقة وحده كفيل بأن يضمن له شعورا حقيقيا بالسعادة حسب راسل حيث يقول:

“فالشخص الذي يكون سلوكه اتجاه الآخرين من هذا النوع وبصورة طبيعية سوف يكون مصدرا للسعادة ومستقبلا للرقة المتبادلة ،…

ولن يحس بالمرارة من الجحود، لأنه قلما يلقى الجحود من الناس” وهو ما يعني أن السعادة بالنسبة للراسل تتأسس على واجب حسن

معاملة الناس، وواجب الاهتمام المتره والبريء عن كل منفعة م وليس على الابتعاد عنهم ومقاطعتهم كما اعتقد ذلك الكثير من الفلاسفة

القدامى .

نفس هذا الموقف تقريبا نجده عند الفيلسوف الفرنسي ‘ألان’ فقد اعتقد هو الآخر أن الواجب ليس نقيضا للسعادة وإنما أساس

لها، بل يذهب أبعد من ذلك فيؤكد أن السعادة نفسها واجب فيقول “من الواجب علينا أن نعلم الأطفال فن الحياة السعيدة” وهو الواجب

الذي لا يمكنه أن يتحقق إلا إذا علمناهم وربيناهم على واجب آخر وهو”أن لا نتكلم عن تعاستنا للآخرين بتاتا، سواء الحاضر منها أو

الغائب” لأن كل واحد من الناس كما يقول ألان “يريد أن يعيش ولا يريد أن يموت، ويبحث عن أولئك الذين يعيشون، أي أولئك الذين

يقولون أم مسرورون ويظهرون سرورهم” وتبعا لذلك فنحن حين نتكلم عن تعاستنا للآخرين فإن ذلك سيجعلهم ينفرون منا فضلا عن

جعلهم يحسون هم بدورهم بنوع من الألم والحزن، ولذلك فإن حديث الفرد عن تعاسته لا يجني السعادة لا له ولا للذين يتحدث إليهم،

لذلك يقو ‘ ل ألان ” :’ سوف يكون اتمع رائعا لو أن كل واحد من الناس انشغل بوضع الحطب في النار، بدل البكاء على الرماد ، ” واضح

من كل ما سبق أن السعادة وإن كانت مطلب فردي فهي لا يمكنها أن تتحقق إلا من خلال حياة اجتماعية يحس فيها الفرد بأنه محبوب

ومرغوب فيه، وهو ما لا يمكنه أن يتسنى له إلا إذا كان ملتزما بواجباته مخلصا في أعماله، نزيها في علاقاته بالآخرين .

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *