ماهي العقلانية العلمية وكيف تتم وما الغاية منها درس الثاني لسنة ثانية باكلوريا

المحور الثاني : العقلانية العلمية

طرح الإشكال

   ما هي طبيعة العقلانية العلمية؟ هل هي عقلانية منغلقة على نفسها أم منفتحة أنماط حديثة من التفكير العلمي ؟ ما هو أساس العقلانية العلمية؟ هل هو أساس حسي تجريبي أم هو أساس عقلي حدسي؟ هل العقلانية العلمية أساسها الفكر أم الواقع أم هما سويا؟

1- هانز رايشنباخ: ارتباط العقلانية العلمية بالملاحظة التجريبية

       لقد ظهرت العقلانية العلمية حصيلة دمج الذهن والتجربة أثناء الفترة المعاصرة التي شهدت عجزا كبيرا في دراسة بعض الظواهر الميكروفزيائية  التي لا يمكن ملاحظتها بالعين المجردة، بل مع هذا بقيت مجموعة من التصورات متشبثة بالمنهج التجريبي والملاحظة التجريبية كعنصر أساسي لبناء الحقيقة العلمية، في ذلك التوجه يمكن استحضار اعتقاد هانز رايشنباخ الذي استبعد الأنساق الرياضية بوصفها أنساقا عقلانية تجد أساسها في الفلسفة المثالية الأفلاطونية والعقلانية الديكارتية، إذ اعتبر أن الرياضيات أكثر قربا إلى التصوف منه إلى العلم ما استمرت تعبر عن ذاتها برموز صورية خيالية ومجردة. لهذا فإن العقلانية العلمية حسب رايشنباخ  تقوم على الأنساق التجريبية وليس على الأنساق العقلية.

2- ألبير انشتاين: انفتاح العقلانية العلمية على الخيال والأنساق الفكرية

   في بمقابل التصور السالف الذي استمر وفيا للتجربة الحسية ومنغلق عليها باعتبارها أساس تشييد النظريات العلمية نجد موقفا معاصرا أكثر انفتاحا يأخذ بعين الاعتبار الذهن والأنساق الرياضية كمبدأ خلاق في المعرفة العلمية التي تتحسن بإجراء تدخل الذهن. وذلك ما أكده ألبير انشتاين حينما أعطى الضرورة للنظرية على التجربة وصاغ فزياء حديثة هي الفيزياء النظرية على غرار الفيزياء التجريبية التي قد كانت سائدة في عصر غاليلو وإسحاق نيوتن ،بحيث اعتبر اينشتاين بأن الإطار الرياضي تابث ولا يتحول، في حين يمكن تحديث التجربة على نحو يلائم الإطار الرياضي.

ملخص تركيبية

    يظهر عن طريق ماسبق أن مشكلة العقلانية العلمية مشكلة معرفية وإبستيمولوجية وفلسفية  بامتياز تتجلى عن طريق تضارب التصورات حولها. فهناك من ربطها بالتجريب الحسي وهو اعتقاد منغلق ومتشبع بروح المذهب التجريبي وهناك من ربط العقلانية العلمية بالأنساق الرياضية المجردة وهو اعتقاد منفتح على الذهن والخيال.

   لقد تطورت المعرفة العلمية بإجراء القطيعة مع الملاحظة العفوية والتجربة العامية المباشرة، وحاولت تلك المعرفة الاعتماد على التجريب التنظيمي الذي يتداخل فيه البعد العقلي النظري بالجانب التطبيقي، ذلك التداخل يضفي على المعرفة طابعا عقلانيا ويؤسس لعقلانية علمية تتغاير عن العقلانية الفلسفية. والتساؤل المطروح: ما إشارة العقلانية العلمية؟ وما هي خصائصها؟ على تقوم على الذهن لاغير؟

    تشتق كلمة عقلانية من الذهن الذي يدل على ملكة وقدرة التفكير التي تميز الإنسان، كما يدل على النشاط أو الفاعلية التي يبني عن طريقها الإنسان معرفته بالواقع. وتحيل العقلانية إلى هذه النزعة الفلسفية التي تعتبر أن الذهن أساس تشييد المعرفة بما يتوفر عليه من نُظم ومبادئ لازمة (المنطق الأرسطي) وأفكار فطرية (المنهج الديكارتي) ومبادئ قبلية (الأطر القبلية الكانطية) غير مستمدة من التجربة. ما يجعل العقلانية في ذلك المستوى مقابلة للتجريبية كنزعة فلسفية تمنح الأولوية للتجربة الحسية في تشييد المعرفة على اعتبار أن “الذهن صفحة بيضاء” حسب لوك.

غير أن العقلانية العلمية تتخذ معنى مختلفا، فهي ترتبط باشتغال الذهن داخل ميدان المعرفة العلمية، وهذا بإضفاء المعقولية على الظواهر، بربط بعضها ببعض بعلاقات سببية انطلاقا من قوانين وقواعد منطقية رياضية. وهو ما جعل الفيزيائي الألماني ألبرت أينشتاين صاحب نظرية النسبية يُعد أن العقلانية العلمية في ميدان الفيزياء النظرية تقوم على خلفية الذهن الرياضي الذي يقوم بعملية الاستدلال الاستنباطي. فالعقل هو الذي ينشئ المفاهيم ويصوغ القوانين من خلال تشييد رياضي منطقي. وهنا ينبغي على التجريب أن يتطابق مع الذهن المنطقي الرياضي. وبذلك فالأولوية للفروض العقلية وليس للتجريب، ضد ما ذهب إليه برنار. وبهذا يكون الاستنباط المنطقي الذي يمثله الذهن الرياضي قادرا على إستيعاب الطبيعة لأنه منبع النظرية ومنبع الخيال والإبداع. إذن فالعقلانية العلمية مع اينشتاين تقوم على إعطاء الأولوية للعقل ويكون التجريب تابعا له في عملية تشييد المعرفة العلمية.

    سوى أن الذهن لا يستطيع الاشتغال بعيدا عن الواقع وبعيدا عن التجربة، كما أن تلك الأخيرة لم تعد تقوم بدور الحكم في تشييد النظرية العلمية. وذلك ما جعل الفيزيائي الفرنسي باشلار يعيد البصر في رابطة التجربة بالذهن في عملية تشييد المعرفة العلمية، موضحا أن العقلانية في ميدان العلم تقوم على خلفية يقين مزدوج يجمع بين الذهن النظري وبين التجريب التطبيقي، وهو ما اصطلح عليه ذلك الفيلسوف بالعقلانية التطبيقية أو المطبقة. فليست المعرفة العلمية تجريبا أعمى ولا عقلانية فارغة، وإنما هي تجريب عقلاني يخضع لمنهج وفرضيات دقيقة، وهي ايضاً عقلانية تجريبية مطبقة على مادة المعرفة وهو الواقع.

    تشييد على ما في وقت سابق فالمعرفة العلمية عقلانية، لأنها تتركب من مفاهيم وفروض عقلية واستنتاجات رياضية وعلاقات سببية ومبادئ وأفكار، لكنها ليست منغلقة وإنما منفتحة على التجريب العلمي وتتكامل معه. كما أن التجارب العلمية نفسها تقوم على اعتقاد عقلاني يمر التصور الكلاسيكي للعلم الذي يحتل فيه التجريب الدور العصيب في موافقة النظرية أو رفضها. وبالتالي أعاد التصور المعاصر للعقلانية العلمية التفكير في معايير ومعايير النظريات العلمية وطرح مشكلة علمية النظريات، فمتى تكون نظرية ما علمية؟

المجــــزوءة: المعرفة الدرس : النظرية و التجربة 2- مقال روني توم، الكتاب المدرسي: مباهج الفلسفة

 صاحب المقال:  “روني توم” عالم رياضي فرنسي 1923 – 2002.  لَبس المقال :  – هل هناك منهج يحدد لنا خطوات مسبقة ننقاد بواسطتها للعمل؟ – وهل ننفي المنهج التجريبي، أم نؤكد على الممارسة التجريبية المفاهيم :  -المنهج : هو مجموعة من الخطوات النظرية المنظمة والسابقة على الشغل، والتي عن طريقها ننقاد للمارسة. – المنهج التجريبي: ويتلخص أساسا في الخطوات الآتية: الملاحظة، الفرضية، التجربة، ثم الاستنتاج. – الممارسة التجريبية : وهي التجريب بمعناه العلمي، أي عدم وضع خطوات مسبقة، والدخول على الفور، للمستوى العملي. -الميدان : وهو مقر عزل الحالة المجتمعية الأطروحة: يتمحور المقال بخصوص ضرورة الممارسة التجريبية في إرساء دعائم التجربة العلمية الناجعة،وتحديد خطوات تلك الممارسة التجريبية الأفكار: – تفنيد دور المنهج التجريبي الكلاسيكي. – إعطاء بديل ناجع لبلورة النظرية العلمية والمتجلي في خطوات الممارسة التجريبية وشروطها. مع تحديد تلك الخطوات وتلك المحددات والقواعد البنية الحجاجية: – أبى النهج التجريبي بخطواته الفائتة على الممارسة العلمية. – التأكيد على نجاعة الممارسة التجريبية وخطواتها المتناسقة. –  خطوات التجربة العلمية تتجلى فيتهييء ميدان العزل. ثم ملئ  ذلك الميدان، ثم خلخلة ذلك الميدان وفي النهاية تحديد عواقب عزل الحالة المجتمعية من خلال التجريب.للاستحواز على الواقعة التجريبية. – تحديد محددات وقواعد الواقعة التجريبية .المجــــزوءة: المعرفة الدرس : النظرية و التجربة 2- مقال روني توم، الكتاب المدرسي: مباهج الفلسفة

العقلانية العلمية:

عُرِّفت العقلانية كاتجاه فلسفي يؤكد على أولوية الذهن في إصدار المعرفة اليقينية، دون حاجته إلى التجربة الحسية التي كثيرا ما ما تكون وهمية زائفة. والجديد عن العقلانية العلمية، يدفعنا بالضرورة إلى المفاضلة بين تصورين لتلك العقلانية، أحدهما يقوم على دشن عقلانية كلاسيكية تمتاز بالثبات والانغلاق، والآخر يقوم على دشن عقلانية معاصرة قوامها الانفتاح والتغير. أي إنما هو الجديد في أصله، عن الرابطة بين ما هو عقلي يعتمد على التماسك الداخلي للعقل، وما هو واقعي يعتمد على الملاحظة الدقيقة والتجارب في تشييد النظريات العلمية. انه إذن حوار بين الذهن والتجربة.

بين الذهن و التجربة ، بين الانسجام المنطقي الداخلي للنظرية ومطابقتها للواقع تنبسط المسافة المعبرة عن مشكلة أساس العقلانية العلمية. فإذا كان الذهن هو وسيلة تشييد النظرية، فإن الواقع هو موضوعها. وإذن ما أساس العقلانية العلمية ؟ هل هو الذهن ، أم التجربة، أم حوار بين الذهن والتجربة؟وما هي المراحل التي قطعتها المعرفة العلمية والقطائع التي مرت بها؟ وما هو مفهوم الذهن في التصور العلمي الجديد؟ هل للعقل محتوى ماضي كما شدد على دلك التصور الكلاسيكي أم ليس سوى فعالية و نشاط بلا أي محتوى ماضي؟ وهل هو ذهن خارج الزمان الماضي أم ينطبع بسمات كل فترة تاريخية وكل عصر…؟

ماهي الأساسيات التي تقوم عليها النظريات العلمية؟ وبذلك ماهي التحولات التي طالت الذهن والعقلانية العلمية؟ وفي النهاية كيف تتحدد العقلانية العلمية بين المعرفة العلمية والكلاسيكية والمعرفة العلمية المعاصرة ؟ لقد شكل ذلك السؤال مثار جدل ابستيمولوجي بين الأطروحات   و التصورات الابستيمولوجية المغيرة .

مقال جان بيير فرنان

قيمة المقال:

لقد عرفت العلوم ومعها الذهن البشري تطورا هاما وجذريا مع أواخر القرن 19 وبداية القرن 20، مثال هذا ظهور المنهج الاكسيوماتيكي في الرياضيات عقب ظهور الهندسات اللاأقليدية ،ونظرية المجموعات، وفي مجال الفيزياء ظهور نظرية كوانطوم للطاقة مع ماكس بلانك ثم اكتشاف عالم الذرة بجزئياته المتناهية في الصغر…. وذلك التقدم في مجال الرياضيات أو الفيزياء قد كانت له انعكاسات على الذهن البشري وأسلوب تفكيره والمفاهيم التي كان يعتقد بها  من قبل وكذا تصوره المخصص عن العالم الخارجي وطبيعة المادة … الشيء الذي أدى لحدوث قطيعة ابيستمولوجية في التفكير العلمي المعاصر حيث تم تخطى الأساليب الكلاسيكية في التفكير والبحث.

استنتاج:

يمتاز الذهن نحو ج بيير فرنان بكونه ظاهرة بشرية خالصة، يخضع في تطوره وتحوله لشروط الزمان الماضي، فتقنياته تتغير بتحويل الأمور وتتباين وفق اللغة التي يستعلمها (عادية، شكلية)، الأمر الذي يضفي عليه أفضلية  خصوصا في الأنواع التي يعتمدها في الاستدلال والبرهان والتفنيد. ليخلص في الأخير إلى أن الذهن محايد للتاريخ البشري بجميع معدلاته، وبذلك لا يمكن القول بوجود ذهن ثابت ومطلق، لكن إن الذهن نسبي متغير، وأكثر من ذلك فهو يناقش ويناقض العقلانية العلمية المعاصرة، والجدال الجاري هذا النهار خير دليل على حيوية الفكر العقلاني وتقدمه .

* ينطلق ” جون بيير فرنان ” من مساءلة طبيعة الذهن وأصوله ، إذ يعتبره ظاهرة بشرية ومن ثم فهو خاضع في تطوره للشروط التاريخية، إن الذهن إذن مقحم في الزمان الماضي فهو لا يحدث على هامش الزمان الماضي لكن هو متعلق بالسيرورة التاريخية والتحولات التي تلحق مجرى المعرفة العلمية . وفي ذلك النظام نجد ” جون بيير فرنان ” يحدد لنا طبيعة الذهن بين العقلانية الكلاسيكية والعقلانية المعاصرة . تتحدد طبيعة الذهن في العلم الكلاسيكي باعتباره بنية قبلية ثابتة فهو إذن جوهر متعال مطبوع بالصرامة والثبات والانغلاق، ولعل ذلك ما يمكن أن نلمسه في العقلانية الكلاسيكية التي قد كانت تنهض على مفاهيم مثل الاستقرار، الصرامة، الاطلاقية، والانغلاق . لقد بات الذهن المعاصر يعبر عن الروح العلمية المعاصرة التي شكلت قطيعة ابستيمولوجية مع التقنيات والمطلقات الكلاسيكية . فالعقلانية المعاصرة أصبحت أكثر انفتاحا ومرونة ونسبية الشيء الذي جعل الذهن المعاصر يتشبع بتلك الروح العلمية المعاصرة .

مقال محمد أركون،

* في ذات التوجه يندرج اعتقاد المفكر ” محمد أركون ” ضمن سياق المناقشة   الابستيمولوجي المتعلق بتطور الذهن وانتقاله من ذهن كلاسيكي منغلق إلى ذهن معاصر منفتح .

–   قيمة المقال:

لقد عرف مبحث المعرفة وأساليب التفكير ونماذج القول المخصصة بها تطورا هاما، بداية من المعرفة الأسطورية والمعرفة ثم الدينية القائمة على التفسيرات الميتافيزيقية المفارقة للعالم، وصولا إلى المعرفة العلمية بمختلف تخصصاتها كالرياضيات والفيزياء والبيولوجيا وعلوم الإنسان (معرفة الندوة، معرفة النفس…)، والأسس والمبادئ التي تقوم عليها تلك المعرفة، ثم قيمة تلك المعرفة ومدى مقدرة الذهن الإنساني على الكشف عن الحقيقة الموضوعية للواقع الذي يدرسه، وكذا ميكانيزمات الذهن البشري ودوره في تطور المعرفة العلمية وكيفية انتقاله من التفسيرات الميتافيزيقية إلى التفسيرات العقلية المطلقة والثابتة وصولا إلى الذهن العلمي المعاصر المتشبع بروح الإنتقاد والتقدم.

–   استنتاج:

لقد سعى محمد أركون عن طريق ذلك المقال مراقبة التقدم الذي لحق الذهن الاوربي انطلاقا من الذهن القروسطوي اللاهوتي، ومرورا بالذهن الجديد الكلاسيكي- مع كل من ديكارت وليبنيز- المنغلق على نفسه والمؤمن بالحقائق الكلية، ووصولا إلى الذهن النسبي أو النقدي كعقل نسبي متغير ومتطور مع الفكر الفلسفي المعاصر.

يميز ” أركون ”   داخل سيرورة   الذهن التابع للغرب بين 3 مدد وهي فترة القرون الوسطى   والمرحلة الجديدة أو الكلاسيكية ثم الفترة المعاصرة . ففي القرون الوسطى كان الذهن من الغرب لاهوتيا، إذ كان آباء الكنيسة يحتكرون المعرفة الفلسفية أو العلمية أو الدينية، وكانوا يطبعونها بطابع ديني لاهوتي يعبر عن تعاليم الكنيسة سوى أن الذهن في الأزمنة الجديدة قد بدأ   يتحرر من   سلطة الكنيسة و رجال الدين . وبذلك عرف الذهن تحولا في مساره وفي منطقه و أسسه وذلك ما مثله فلاسفة محدثون كديكارت و اسبينوزا   بحيث خلصوا الذهن من طبيعته اللاهوتية . 

3)أطروحة أولمو.

يقر الإبستيمولوجي و عالم الفيزياء الفرنسي أولمو أن القرن الثامن عشر شهد إجابات العقلانية النقدية الكانطية محل العقلانية الديكارتية. فإذا قد كانت عقلانية ديكارت الذاتية و عقلانية كانط النقدية تشتركان في ظل مؤكد للعقل، تمثله البديهيات العقلية نحو ديكارت (ما يتضح للعقل واضحا و يقينيا)، و مقولات الذهن نحو كانط (الكم-الكيف-المقر-الزمن…) فإن العقلانية المعاصرة لا تعترف بالذهن كمجموعة من المبادئ (المضمون)، تشاهد فيه “التمكن من القيام بعمليات تبعا لقواعد… إنه أساسا نشاط و فعالية”.

* في ذلك التوجه ينخرط ” أولمو ” الذي يميز بين دشن العقلانية الكلاسيكية والعقلانية المعاصرة فبالرغم من الشك الديكارتي والنقد الكانطي دام الذهن الكلاسيكي عقلا ثابتا   مطلقا يقينيا لا ينمو ولا يتحسن انه جوهر متعالي أو بنية فكرية قبلية، بعكس هذا عرف الذهن في العقلانية المعاصرة تحولا في طبيعته جعله عقلا متطورا دينامكيا نشيطا وفعالا، انه ذهن يعبر عن النشاط والفعالية المتعلقة بالممارسة الإنسانية .

نستنتج أنه لا يمكن إنكار الدور العظيم الذي يلعبه التجريب في تشييد النظريات والقوانين والمبادئ والمناهج، كما لا يمكن ايضاً إنكار مساهمة الذهن في نشأة وتقدم العلوم من ناحية، ودوره في شرح مغاير ظواهر الكون وسبر أغوارها من ناحية أخرى، وعلى ذلك الأساس فإنه لكل من الذهن والتجربة موقع ووظيفة لا يمكن تجاوزهما، فالأول يعطي المعرفة العلمية تناسقها وانسجامها، والثانية تسمح بتحقيق نوع من التناسب مع ما تم استنتاجه

المزيد بشأن الموضوع

المحــــــور الثاني : العقلانية العلمية.1- مقال ألبير إنشتاين، الكتاب المدرسي: في رحاب الفلسفة

1-  مقال ألبير إنشتاين،  الكتاب المدرسي:  في رحاب الفلسفة  صاحب المقال :      يُعد إنشتاين أبرز الرواد في الفزياء المعاصرة، أتى بنظرية النسبية التي أعطت تصورا جديدا ومغايرا لما كان عليه في السالف لمفهومي الزمن والمكان، ولد سنة 1879 في جمهورية ألمانيا الاتحادية من والدين يهوديين وحصل بعد هذا على الجنسية السويسرية والألمانية ، أعطته نظريته في النسبية شهرة دولية في الحين،  في عام  1921 حاز على جائزة نوبل في الفزياء، من أكثر أهمية مؤلفاته، تطور الأفكار في الفزياء ، كيف أشاهد العالم، وافته المنية في 1955م . تأطير المقال : يبرز ألبير إنشتاين ضرورة الذهن الرياضي في اكتشاف القوانيين والمفاهيم التي تسمح باستيعاب الظواهر الطبيعية، وبناء عليه، فالتجربة لم تعد كما تصورتها النزعات الاختبارية، تسيطر على مجريات التشييد العقلي والنظري للمعرفة، لكن أصبحت العقلانية العلمية تستند إلى نشاط حر للعقل الرياضي. + الإشكال : ماهي دشن النظرية الفزيائية المعاصرة ؟ وبأي معنى يمكن اعتبار العقلانية العلمية المعاصرة عقلانية رياضية مبدعة ؟. + مفاهيم المقال : التجربة – النظرية : في وقت سابق التعريف بهما في المقال الثاني من المحور الأول. –  الإطار : هو مجموع الوحدات المكونة لبنية محددة، والتي تشكل كلا متكاملا ، حيث إصابة قسم من الإطار يؤثر في الإطار ككل. –  التشريع : في الميدان العلمي، هو مجموع الصلات الثابتة بين ظاهرتين أو أكثر، يقضي تلك الصلات تشريع السببية . + الأطروحة : يقوم بالدفاع أ- إنشتاين على أطروحة علمية مفادها أن التشييد الرياضي الخالص لازم لاكتشاف القوانيين العلمية، وأن الأساس النظري للعلم الفزيائي، لا يعتمد على التجربة لكن على الذهن الرياضي. + الأفكار الرئيسية للنص : – يؤكد صاحب المقال في الفكرة الأولى على التطابق بين الذهن والتجربة عن طريق القضايا الناتجة عن النظرية، معتبرا أن المفاهيم والمبادئ التي تشكل قاعدة نظام الفزياء النظرية هي إبداعات حرة للعقل البشري. –       تأكيد صاحب المقال في الفكرة الثانية على ضرورة التشييد الرياضي الخالص في اكتشاف القوانيين العلمية، فالمبدأ الخلاق في العلم حسب تعبيره لا يبقى في التجربة لكن في الذهن الرياضي.  + الحجاج : يمكن استخراج حجتين أساسيتين اعتمدهما صاحب المقال لتأكيد أطروحته. –   إن نسقا كاملا للفزياء النظرية يتركب من أفكار ومن قوانيين تربط بين الأفكار وقضايا مشتة بواسطة الاستنباط المنطقي . –   إن المبدأ الخلاق في العلم لا يبقى في التجربة، لكن في الذهن الرياضي. الاستنتاج : نستنتج أن صاحب المقال يمنح ضرورة للعقل الرياضي في تشييد النظرية العلمية، حيث لم تعد القوانيين تكتشف من خلال التجربة فحسب، لكن إن للعقل الرياضي الخالص ضرورة قصوى في اكتشاف المفاهيم والقوانيين التي تسمح باستيعاب ظواهر الطبيعة . + قيمة المقال : تبرز قيمة المقال في تجاوزه للمنهج التجريبي الكلاسيكي في اكتشاف القوانين العلمية، وتأكيده على نسبية الحقائق العلمية مع إعطائه للعقل الرياضي ضرورة خاصة وهامة في اكتشاف قوانين الطبيعة، حيث لم يعد للتجربة التي كان لها القول الفصل في الماضى-مع الكلاسيكيين- بين ماهو علمي وماهو غير علمي، لم يعد لها إلا توجيهنا في اختيار المفاهيم الرياضية التي توظفها، أي أنها لم تعد المصرح بالخبر الأوحد لتقديم تفسير قوانين الطبيعة، لكن إن للعقل الرياضي ضرورة في هذا.المحــــــور الثاني : العقلانية العلمية.1- مقال ألبير إنشتاين، الكتاب المدرسي: في رحاب الفلسفة

شكالية المحور : ماهي مواصفات العقلانية العلمية ؟ و ماهي حدودها؟

أطروحة هانز رايشنباخ

مفاهيم

-العقلانية: مذهب يمنح الأولوية للعقل، و يذهب إلى أن الذهن البشري يتمكن إيصالنا إلى الحقيقة

و العقلانية حسب رايشنباخ:هي” المنهج الفلسفي الذي يتخذ من الذهن مصدرا للمعرفة التركيبية المرتبطة بالعلم ، ولا تشترط ملاحظة لتحقيق هده المعرفة”

-النزعة الصوفية:تصور يدعي بلوغ سيستم الأشياء فوق الطبيعية من خلال الإيمان و الحب…

الأطروحة :يشاهد رايشنباخ: أن الرياضيات هي من ضمن أكثر العلوم تمثيلا للمذهب العقلاني لأنها تستبدل الوعي الحسي بالاستبصار العقلي ،و يتضح عن طريقها أن للعقل تمكُّن خاصة على الوصول إلى الحقيقة دون المرور بالعالم الفيزيائي (الملاحظة و التجربة) ،و بهذا فهي اقرب إلى” رؤى صوفية  متعالية”

أطروحة انشتاين :

ينطلق انشتاين من سؤال استنكاري حيث يقول : ” إذا قد كانت التجربة هي مبدأ و منتهى معرفتنا بالواقع فأي دور نبقيه لعقل في ميدان المعرفة العلمية ؟”  انه نقد صريح للمنهج التجريبي الكلاسيكي الذي استبدلته الفيزياء المعاصرة بمنهج حديث هو” المنهج الاكسيومي “حيث بات المنطلق  هو قضايا أولية غير مستمدة من التجربة (أي ليست حصيلة استقراء) ، و أيضاً ليست مستخلصة من مبادئ أخرى (ليست حصيلة الاستدلال)، ثم التشييد بصفة منطقية جملة من الحصائل المترتبة عنها . وفي دام هدا المنهج بات دور التجربة ثانويا حيث يقتصر على التدخل في آخر مجرى البحث النظري للتثبت من نطاق تناسب حصائل النظرية الفيزيائية مع الوقائع التجريبية الملاحظة ، و كنموذج للقضايا الأولية التي تنطلق منها الفيزياء نحو انشتاين  نورد القضية الآتية : ” الضوء ينتشر في الفضاء دون أن يفقد خصوصياته و سرعته و هي سرعة ثابتة طول الوقت ”  .

لقد بات الذهن مع الفيزياء المعاصرة فعالا و مبدعا و ليس تابعا لاملاءات الواقع التجريبي لدى يقول انشتاين :” إن المبدأ الخلاق في العلم لا يبقى في التجربة ، لكن في الذهن الرياضي”.

أطروحة باشلار  :

في محيط تفكيره في  الأساسيات الحديثة للفيزياء التي ولدت مع تطور الفيزياء المعاصرة ،ينتقد “العقلانية الفارغة”  التي تعزل الذهن عن التجربة ، كما ينتقد بنفس القوة” الاختبارية العمياء” التي تكتفي باستقاء العواقب من مجموع الممارسات العلمية و التكنولوجيا دون أساس نظري قبلي .

لابد إذن حسب باشلار من حوار فلسفي بين العالم العقلاني و العالم التجريبي دون تضحية بأحدهما. ولكن توجد التجربة هي نقطة خاتمة التفكير العلمي لا نقطة بدايته.

أطروحة كارل بوبر :

 يرفض بوبر القول إن التجربة هي طليعة النظرية العلمية كما يشاهد  المنهج العلمي الكلاسيكي ، و ينفي كون الذهن يقتحم الميدان التجريبي خالي الدهن، يقول كارل بوبر:  ” لا يبدأ عمل العلماء بجمع المعطيات ، لكن بالانتقاء المرهف لمشكلة أو العديد من مشاكل ذات شان و فحوى”  ، أما التجارب و الملاحظات و المعايير فدورها يقتصر على ” خلق مشاكل مستجدة من خلال تفنيد نظرية ما مقبولة ، و بذلك تستهل خطا جديدا  للتطور”. و يمنح مثالا توضيحيا و هو الأتي : اذا افترضنا جهاز حاسوب يقوم بدور ماكينة استقرائية فيجمع المعطيات الحية المتماثلة ليعممها في تشريع ، فان عمله ذلك مستحيل من دون فرضيات مسبقة ، فلابد قبلا من برنامج يحدد للكمبيوتر ما أوجه التماثل التي يبحث عنها و متى يأخذ الوقائع التجربيبة على أنها متشابهة …

ملخص المحور:

 إن المشكلة التي نحن بصددها  و التي تعلق بالعقلانية العلمية و علاقتها بالتجربة و أيهما   تكون له الأولوية ؟ أصبحت شبه محسومة نتيجة لـ تطور المعرفة العلمية نفسها .                                   

لقد استطاع المنهج الاستقرائي السيطرة على أيدي رواد التجريبية العلمية و بالخصوص ” جون ستيوارت ميل” ،والمقصود  به  هذا “الاستدلال الصاعد من ملاحظات جزئية تجريبية ليصعد إلى صيغة كلية على هيئة تشريع  عام يقضي جميع الحالات المماثلة”-لاسيما بعد فوز فيزياء نيوتن و التي كان يقول صاحبها انه “لا يفترض الفرضيات ” بمعنى أن القوانين العلمية مأخوذة من تعميم الوقائع التجريبية على الفور .

بل بعد ثورة الفيزياء المعاصرة في القرن العشرين و لاسيما نجاحات النظرية النسبية و نظرية الكوانتم بات العلم الاختباري التجريبي يتعامل مع كيانات غير قابلة للملاحظة أصلا ، فلا يمكن مراقبة الجسيمات الدرية ، و إنما لاغير يمكن مراقبة تأثيراتها عبر الملاحظة الدقيقة في الأجهزة المعملية ، لكن إن هده الأجهزة ذاتها قد يقع تأثيرها على الظواهر المرصودة كما بين العالم “هيزنبرج” و بات العالم يبحث لاغير عن إمكانية الحالة المجتمعية أي ترددها بنسبة مئوية محددة لاغير.

فاستقر القرن العشرين على أن الأسبقية للفرضيات على الملاحظة و ليس الضد ،أعيد الاعتبار إلى الذهن كقوة إبداعية و اقتراحيه، و أصبحت العقلانية تعني كما بين دلك كارل بوبر  هذا “الوجهة التنويري الذي يثق في الإنسان و إمكانياته ، فيرفع كل وصاية عليه و يتركه يبحث عن الحقيقة بدون  سلطة تفرضها”

يحيلنا الحديث عن العقلانية العلمية كاتجاه فلسفي الى التأكيد على أولوية العقل في إنتاج المعرفة اليقينية، دون حاجته إلى التجربة الحسية التي غالبا ما تكون وهمية زائفة. فمفهوم العقلانية العلمية، يدفعنا بالضرورة إلى التمييز بين تصورين لهذه العقلانية، أحدهما يقوم على أسس عقلانية كلاسيكية تتميز بالثبات والانغلاق، والآخر يقوم على أسس عقلانية معاصرة قوامها الانفتاح والتغير. أي الحديث عن العلاقة بين ما هو عقلي ويعتمد على التماسك الداخلي للعقل، وما هو واقعي ويعتمد على الملاحظة الدقيقة والتجارب في بناء النظريات العلمية، وبالتالي فهو حوار بين العقل والتجربة.

فالعقل هو مصدر المعرفة ومعيار الحقيقة، إذا فإن كان التجريبيون ينطلقون من التجربة أو الملاحظة والتجريب كأساس للمعرفة، فالعقلانيون ينطلقون من العقل بكونه مصدرا للمعرفة ومعيارا للحقيقة، بمعنى أنه من أجل اعتبار أي معرفة، معرفة علمية لابد من استنادها الى البنائ العقلي باعتباره بناءا منضما يعتمد على براهين وأذلة. فالعقل ليس مجرد مصدر للمعرفة بل هو كذلك معيار للحقيقة. ويرى العقلانيون ان العقل له قدرة على فهم الظواهر الطبيعية، بمعنى أنه لا تعتبر كل الظواهر الكونية قابلة للتجريب، بحيث أنه يمكن بناء فهم الظواهر الطبيعية عن طريق التجربة أو التجريب، أو عن طريق الملاحظة.

أما عند اعتبار العقل هو وحده مصدر للمعرفة وهو معيار لها، نكون هنا في إطار نزعة عقلانية كلاسيكية. فكما راينا فالعلم ينقسم الى لحظتين، لحظة العلم الكلاسيكي ولحظة العلم المعاصر. هاتين اللحظتين يقدمان عدة توجهات لا بالنسلة للعقلانين (عقلانين تجريبين وعقلانين معاصرين) أو التجريبين  (تجريبين كلسيكين وتجريبين معاصرين).

وفي مقابل العقلانية الكلاسيكية نجد العقلانية المعاصرة، و الفرق بينهما هو أن العقلانية المعاصرة لا تؤمن بالعقل المنغلق، يعني أن العقل المكتفي بذاته، ولا يستند للمعطيات التجريبية. وبالتالي يمكن القول أن العقلانية المعاصرة هي عقلانية مطبقة، يعني العقل مطبق على مادة. إذا فالنموذج العلمي الذي يمكن تجسيده في هذه العقلانية المعاصرة هي الرياضيات المطبقة Math appliqué، بحيث أن الرياضيات لم يعد فكرا مجرد، يشتغل فقط في كل ما هو إفتراضي بل تعداه الى المجالات التطبيقية، مثل Math Informatique. إذا فالعقل أصبح مطبق على مادة.

إشكالية المحور:

لطرح اشكال محور العقلانية العلمية ننطلق من السؤال التالي :

على اي اساس تقوم العقلانية العلمية؟ هل تقوم العقلانية العلمية على العقل أم على التجربة؟ أم عليهما معا؟

ومن أجل بناء عقلانية علمية هل يجب الاستناد على العقل فقط، والئيمان بأنه كاف لبناء معرفة علمية؟ أم وجب الانطلاق من التجربة لبناء هذه العقلانية؟ أم أن بناء المعرفة العلمية يقتضي التعاون ما بين العقل والتجربة؟

المواقف والمقاربات:

ألبرت اينشتاين:

المبدأ المبدع والخلاق للعلم يوجد في العقل الرياضي

بالحديث على الاساس العقلاني، فأهم موقف يمكن استثماره لبناء تصوري هو موقف ألبرت اينشتاين، والذي يعتبر أن التجربة لا تشكل بمعناها الكلاسيكي اساس المعرفة العلمية وتقدمها، اذا فهو ضد الفكرة على ان التجربة هي اساس او هي منطلق المعرفة. فالمعرفة العلمية المعاصرة اصبحت تقوم على مقدمات العمل الرياضي القائم على الستنباط والاستنتاج والتماسك المنطقي الرياضي، بحيث تكون نتائج هذا النسق الرياضي متطابقة مع التجربة. ويمكن أن نفهم ذلك من خلال المعرفة العلمية المعاصرة.

غستون باشلار:

تنبني المعرفة العلمية على الحوار ما بين العقل و التجربة

ينطلق باشلر من المبدأ الفزيائي المعاصر لتفسير العقلانية العلمية، بحيث يعتبر ان هناك تعاون ما بين العقل والتجربة في بناء المعرفة العلميةفالمعرفة العلمية حسب وجهة نظر باشلر هي نتاج للحوار بين العقل من جهة و التجربة من جهة أخرى. فلا النزعة العقلانية الكلاسيكية المنغلقة، ولا النزعة الاختيارية السطحية والساذجة، بامكانهما تحقيق المعرفة العلمية أو الاسهام في التقدم العلمي. ذلك أن الواقع العلمي عند باشلار ليس واقعا حسيا معطى بشكل مسبق، وإنما هو واقع يقوم العقل ببنائه بطريقة رياضية، كما أنه ليس واقعا مستقرا وثابتا وإنما هو واقع متغير ومتحول. وحسب قولة باشلر الشهيرة والتي استمدها من امانويل كانط، وهي أنه “لا وجود لعقلانية جوفاء ولا وجود لتجربة عمياء، بمعنى أن العقل وحده بدون معطيات حسية يكون اجوف، وكذلك تجارب بدون عقل تكون عمياء، اي ان العقل هو الذي يوجه التجربة.

خلاصة

يمكننا استخلاص تصورين: تصور يبني العقلانية العلمية على العقل، وتصور آخر يبني العقلانية العلمية على التجربة. التصور الثالث الذي يمكن اضافته هو تصور نقدي لغاستون باشلر والذي يجمع بين التصورين السابقين.

خاتمة:

ان النزعة العقلانية تتحدد من خلال إعطاء الأولوية للعقل وأحكامه، باعتباره عقلا كونيا واحدا. غير أن تطور العلوم، سواء منها العلوم الدقيقة، أو العلوم الانسانية، أو العلوم المعرفية، سيفتح المجال أمام مقاربة جديدة للعقل ودوره، وسيقود الى تأسيس عقلانية جديدة، معاصرة، تقدم نفسها كبديل “للعقلانية الكلاسيكية”، تراجع أسسها ومنطلقاتها، وتركز بالتحديد على دور العقل وميكانيزمات اشتغاله في انتاج المعرفة العلمية، وهي ما نسميه بالعقلانية العلمية.

 

المـــواقــف و التصـــورات لمحور معيار علمية النظرية العلمية:

اينشتاين:

يؤكد أينشتاين أن النظريات العلمية المعاصرة فرضت عِلميتها بمعيار العقل والتماسك المنطقي.

وحُجة اينشتاين هي أن المفاهيم والمبادئ التي يتكون منها النسق النظري للعلم (فيزياء، رياضيات، منطق…) هي إبداعات حرة للعقل الرياضي المجرد، وهي التي تشكل الجزء الأساس من معيار علمية النظرية العلمية، لتبقى التجربة بمثابة مرشد في وضع بعض الفرضيات وفي تطبيقها تجريبيا.

كارل بوبر:

يرى كارل بوبر أن معيار علمية النظرية العلمية، يتجلى في قابليتها للتكذيب أو للتفنيد.

يشبه النظرية بالآلة الميكانيكية، فيعتبر ان كل آلة لا تقبل تفكيكها والبحث عن مكامن الخطأ فيها، لا يمكن اعتبارها صحيحة، وكل آلة لا يمكن تكذيبها، أي اختبارها، لا يمكن اعتبارها تجريبية. هكذا يجب على النظرية، إن شاءت أن تكون علمية، أن تكون قابلة للتنفيذ والتكذيب.

بير دوهايم:

يتحدد معيار التحقق من صِدقية النظرية العلمية في نظر المدرسة التجريبية في قابليتها للتحقق التجريبي.

مادامت النظرية أصلا هي صورة ناسخة لموضوعات الواقع التجريبي، حيث التجربة هي منبع النظرية ومِحكها ووسيلة بيان صدقها مِن كذبها، ولا يصح  نعث معرفة ما بصفة “العلمية” ما لم تخضع للفحص التجريبي، وكل تجاوز لهذا الشرط فهو خروج من العلم وارتماء في أحضان الأسطورة والمعرفة الخيالية والمثالية المجردة

خــــــــلاصـــــة:

لا وجود لنظرية علمية مطلقة وثابتة، إذ أن العلم يخضع للتطور ويجدد نفسه باستمرار سواء على مستوى مناهجه أو موضوعاته الأمر الذي ينعكس حتى على المعايير التي يتم اعتمادها للحكم على صلاحية النظريات العلمية، بحيث يمكن التمييز بين معيار علمية النظرية العلمية العقلي، المنطقي والصوري خاصة في العلوم الرياضية وبين معيار مادي تجريبي في العلوم التجريبية.

ن الناس بمثابة البديل للدين ” ولهذا ففي اعتقاد كرين بريتون اتخذت لها أسماء أخرى مثل المادية والوضعية وما شابه ذلك من مسميات تشير بدقة أكثر إلى مركب كامل من المعتقدات 1 والعادات والتنظيم المتصلة بذلك ، بل أكثر من هذا ، فقد اعتبر العقلانية كل ، وتلك المذاهب أجزاء مكونة لهذا الكل ، لهذا يقول : << أن النزعة العقلانية هي المصطلح العام الشامل ، مثل البروتستنتية ، وأن المادية والوضعية واللادينية ، بل مذاهب التوحيد والتأليه الطبيعي أو الربوبية إنما تمثل كلها أسماء الطوائف التي تندرج تحت ذلك الإسم العام تماما مثلما 2 يندرج دعاة تجديد العماد أو الكويكرز تحت اسم البوتستنتية >> ، لذلك يصف أندريه كريسون ما أعلنا به كل من لاشلييه وهاملان << بأن العقلانية الحقة لا تؤدي إلى العلمانية 3 وإنما إلى مثالية مطلقة >> . أما العقلانية الدينية : تقر بوجود نوعان من الديانات : ديانات وضعية وهي من إبداع العقل والوجدان البشري . وديانات سماوية تعتمد على نصوص وتوجيهات ربانية موجهة للبشر عن طريق الرسل والأنبياء حاثة على اتخاذها مصدرا للتشريع وتقويما للسلوك في كل مناحي الحياة . ولهذا نجد ثلاثة ديانات اليهودية والمسيحية والإسلام . والحقيقة أن الديانتين السابقتين – في عرف المسلمين ودينهم – قد تلاعبت بها عقول وعواطف اتباعها مما جعلها تنحرف عن الصواب ، وأصبحت تدعو إلى سلوكات تتناقض والعقل والمنهج العقلاني وتخضع للمنافع والأهواء . أما الإسلام ففي رأيهم هو الدين الذي لم تقع نصوصه لهذا التلاعب ، ولهذا نجده لا يتناقض والعقل والعقلانية . – رغم أن اتباع الديانتين السابقتين يرون أن ديانتهم هي الصحيحة وأنها لا تتناقض والعقلانية وأن الدين الاسلامي هو دين العواطف والخرافة ويتناقض والعقل – . وقد وصف محمد عمارة الاجتهاد الإسلامي بأنه” عقلانية مؤمنة ” معتبرا إياها ضرورة حضارية ، إضافة إلى أنها فريضة إسلامية لها قواعد وضوابط وشروط . أو بلغة العقل أنه علم له قواعد وشروط وضوابط منها : 1 – القدرة على فهم اللغة والتمكن منها ، حتى يمكن للمجتهد فهم أغوار القرآن ومقصد السنة . 2 -الفهم والتدبر لآيات الأحكام في القرآن ومعرفة الناسخ والمنسوخ ، والعام والخاص ومطلقه ومقيده ، وكذلك فقه السنة وعلومها رواية ودراية ، سندا 1 – بريتون ، تشكيل العقل الحديث ، المرجع السابق، ص 127 . 2 – كرين بريتون ، تشكيل العقل الحديث ، المرجع السابق، ، ص 127 . 3 – كريسون أندريه ، تيارات الفكر الفلسفي ( من القرون الوسطى حتى العصر الحديث) ، ترجمة ، نهاد رضا، منشورات البحر الأبيض المتوسط ، بيروت باريس ، منشورات عويدات ، بيروت ، باريس ،  ومتنا . 3 -الدراية بمعرفة أصول الفقه والاجتهادات التي قدمت والمسائل المجمع عليها والمقاس عليها .4 -الحذق لروح التشريع وفلسفته ، و لمقاصد الشريعة على النحو الذي يكون 1 ملكة الاجتهاد لدى المجتهد . لينتهي في الأخير إلى أن العقلانية الإسلامية هي العقلانية البديلة اليوم لتحيق السعادة للإنسان المعاصر ، نظرا لأنها جمعت بين العقل والنقل ، ذلك أن العقلانية الغربية في حقبتها اليونانية انفصلت عن ” الوحي ” والنقل ، لغيبتهما عن ذلك المجتمع . وإذا كانت العقلانية الأوروبية في طورها الحديث قد تمردت على الكنيسة ولاهوتيتها وتبنت العلمانية ، فإن هذا لم يحدث للعقلانية الإسلامية التي تعتبر << ثمرة من ثمرات النظر والتدبر والتفكر التي أوجبها القرآن ، كما كانت محكومة – ككل ملكات الانسان النسبية – بالعلم الإلهي المطلق والمحيط ، ومتخصصة في الميادين التي يستطيع العقل الإنساني أن يستقل بإدراك حقائقها ومعارفها 2 وقوانينها >> . ونظرا لهذه المجادلات الايديولوجية والصراعات الفكرية فقد ركزت على العقلانية العلمية الابيستيمة التي تناولها بلانشي باعتباره مفكرا ابيستيميا فرنسيا عاش في القرن العشرين الذي امتاز بأنه عصر العلم والتكنولوجيا ، اين نشطت البحوث العلمية ، وتطورت الوسائل والآلات ، وظهرت الثورة الذرية بعد اكتشاف الذرة ونظرية الكوانتم وأصبحت الفيزياء النظرية والتطبيقية هي سيدة الموقف . إضافة إلى تطور علم الفلك ، حيث بدأ الانسان في غزو السماء والفضاء ، فحلقت طائرات متطورة في أرجاء العالم ، واخترقت الصواريخ الأجواء البعيدة وتطور الطب التجريبي أين اكتشفت جراثيم وأمراض ومن ثم اكتشف الدواء والمصل المضاد خصوصا في بريطانيا وألمانيا و أمريكا وفرنسا ، وبالتالي كان حتما أن ينعكس هذا التطور العلمي على الفلسفة التي كانت فيما مضى رائدة العلم ، لتصبح في المرتبة الثانية من حيث الأهمية ، فكان من نتائج هذا التطور ظهور تخصصات جديدة في الفلسفة منها ” فلسفة العلوم ” وفلسفة اللغة وغيرها . وظهرت مصطلحات لم تكن معروفة من قبل وغير متداولة منها ” الابيستيمولوجيا ” و فلسفة العلم ” وفلسفة اللغة و ما ” بعد المنطق ” و” فلسفة المنطق ” و” ما بعد اللغة ” و “ما بعد الرياضيات ” وغيرها . 1 – عمارة محمد ، هل الاسلام هو الحل ؟ ( لماذا وكيف )، دار الشروق ، القاهرة ، 59ص 

عمارة محمد ، هل الاسلام هو الحل ؟ ( لماذا وكيف )

و تدور مشكلة البحث حول ما هية العقلانية؟ و ما هي العقلانية العلمية عند بلانشي؟ وما علاقتها بالعلوم ؟ وما هو اثرها بالمنطق؟ للإجابة عن هذه الاشكالية قسمت بحثي إلى ثلاثة أبواب. الباب الأول عنونته ” مفهوم العقلانية ” والذي يحتوي على فصلين ، الفصل الأول تناولت فيه مفهوم العقلانية عموما عند نوعين من الحضارة ، حضارة غالبة ، الحضارة الغربية . وحضارة مغلوبة مقلدة – ألم يقل ابن خلدون أن المغلوب مولع بتقليد الغالب – ،الحضارة العربية والاسلامية ركزت على مفهوم العقلانية عند كل من لالاند و باشلار كممثلين للحضارة الغربية . لأنه سنجد صدى لعقلانية بلانشي عندهما . أما المبحث الثاني فتناولت مفهوم العقلانية في الحضارة العربية المغلوبة تحت عنوان ” مفهوم العقلانيةفي الفكر العربي المعاصر ، تناولتها عند مفكرين ، أحدهما يمثل المتأثرين بالعقلانية الغربية وبالضبط العقلانية الفرنسية باعتباره كان أحد طلاب السوربون القدماء وهو محمد عابد الجابري .أما الثاني فهو طه عبد الرحمن ، مفكر مغاربي فهم العقلانية بعيدا عن الفكر الفرنسي أو هكذا فهمها ، ولهذا انتقدها بأن بين نقائصها ليبني على أنقاضها عقلانية اعتقد أنها الأصح التي يمكنها إسعاد الإنسان. أما الفصل الثاني فتناولت العقلانية عند روبير بلانشي منطلقا أولا من تقسيمه العقلانية إلى نوعين : عقلانية كلاسيكية انتقدها وبين تهافتها ، ليتجاوزها إلى عقلانية معاصرة اعتبرها المنهج الجديد المتأثر بتطور العلم ، مركزا على خصائصها ومميزاتها . وقد اعتبرت هذا الباب الجانب النظري من شروع بلانشي العقلاني، لأحاول تطبيقه على البابين الثاني والثالث .وأركز في تطبيقها على جانب محدد هو ” المنطق ” بل أكثر تركيزا على ” المنطق الفلسفي ” أو ما سماه بلانشي ” المنطق التأملي ” متأثرا بذلك بفلسفة العلم. وانطلاقا من هذا فقد عنونت الباب الثاني ب” المنطق التأملي عند بلانشي ” وقسمته إلى أربعة فصول: الفصل الأول حددث فيه نوعين من المنطق : المنطق الصوري العلمي تناولت مفهومه وواضيعه ورواده ومجالات تطبيقه بعد أن أثبت عنه صفة العلمية عند بلانشي . أما الثاني فهو المنطق التأملي ” الفلسفي ” أين حددت مفهومه ومواضيعه ومجال تطبيقه لانطلق بعده في تحليل هذه المواضيع . أما الفصل الثاني فتناولت علاقة هذا المنطق بالفلسفة باعتبار أن هذه الاشكالية هي من صميم موضوع المنطق التأملي . فركزت على النقاط التالية : علاقة المنطق بالميتافيزيقا أين لاحظت أن بلانشي يعتبرها علاقة تاريخية لا أكثر ذلك أن المنطق كانت له علاقة بالميتافيزيقا عندما كان يتكلم اللغة الشيئية ، لينفصل عنها عند ما أصبح يتكلم اللغة الرمزية ويتصف بالصورية وهذا في مرحلته الأخيرة مرحلة الم

نطق الرمزي، لكن انتقدنا هذا وقلنا أن الرمزية والصورية هي في حد ذاتها ميتافيزيقا .وهذا الحكم طبقه أيضا على العلاقة بين المنطق 

وعلم المناهج ، أما عن العلاقة بين المنطق والابيستيمولوجيا وفلسفة العلوم فقد اعتبرها علاقة تضمن أو علاقة جزء بالكل ، خصوصا النوع الثاني الذي سماه المنطق التأملي ، ذلك أن المنطق محتواه في اللإبيستيمولوجيا وفلسفة العلوم هذا من جهة ومن جهة ثانية لا يفرق بين الإبيستيمولوجيا وفلسفة العلوم . أما الفصل الثالث فتناولت فيه علاقة المنطق بالعلوم الدقيقة ، فركزت على العلاقة بين الرياضيات والمنطق أين لاحظت أن بلانشي كان متأثرا جدا بالرياضيات ولهذا حاول أن يبين مكانة المنطق من خلال تشبيهها بالرياضيات إلى درجة أنه أحيانا ينسى الفارق بينهما تماما والذهاب إلى حد تطابقهما . أما عن العلاقة بين العلوم الفيزيائية والمنطق فقد أهمله ، إلا أنه كان يشير إليه من حين إلى آخر دون أن يركز عليه ، مبررا هذا الاهمال بأنه فصل بين علم المناهج والمنطق أي بين المنهج التجريبي والمنطق. أما الفصل الرابع والأخير فقد تناولت فيه علاقة المنطق بالعلوم الانسانية ، فبعد ضبط مفهومها والعلوم المكونة لها ، تطرقت للعلاقة التي تربط المنطق بعلم الاجتماع معترفا أن بلانشي لم يتناولها مبررا ذلك ، لكنه تناول العلاقة بينه وبين علم النفس ، كما تناول العلاقة بين المنطق واللغة .أما الباب الثالث فقد عنونته بتطور المنطق تعرضت فيه إلى مراحل تطور المنطق وهي الأجابة عن الاشكالية هل للمنطق تاريخ مثله مثل بقية العلوم الأخرى ؟ ولهذا قسمته إلى أربعة فصول . الفصل الأول تناولت فيه مرحلة النشوء التي اعتبرها بلانشي عبارة عن إرهاصات لظهور المنطق ، ولهذا سماها مرحلة الجدل ، تناول فيها بداية تكون الجدل عند المدارس اليونانية الأولى حيث كان يمارس ممارسة عملية ، ليتطور بعد ذلك إلى مرحلة الجدل والمماحكة ، أما الفصل الثاني تناولت فيه ما سماه ” المنطق الصوري العلمي القديم والمتمثل في منطق أرسطو وما أبدعه من قواعد للفكر. أما الفصل الثالث تناولت فيه ما أضافته المدارس اليونانية المتأخرة وحتى المدارس الوسيطية بما فيها المسيحيين والمسلمين ، والذي عنونته ب” مرحلة المنطق الكلاسيكي ” ، وقد لاحظت أن بلانشي أهمل ما قدمه المسلمون، ولكنه ركز على ما قدمه المسيحيون حتى مناطقة عصر النهضة الاوروبية ، لينتهي إلى عهد ليبنتز أي القرن الثامن عشر . وما يلاحظ أن هذه أطول مرحلة زمانيا لكنها أفقر مرحلة من حيث الإبداع المنطقي وقد برر ذلك بلانشي بجملة من المبررات سنتناولها في حينها . أما الفصل الرابع فيتناول مرحلة اللوجستيك أي قمة المنطق العلمي الصوري أين ناقشته في مبحثين ، المبحث الأول ناقشت فيه اللوجستيك الكلاسيكي والذي يتناول تأثر المنطق بالرياضيات ولهذا سمي بجبر المنطق 

مبرزا ما قدمه كل من ليبنتز ولول وإيلر وغيرهم . أما المبحث الثاني الذي يتناول اللوجستيك المعاصر أو بلغة منطقية المنطق الرمزي 

المعاصر الذي من خصائصه أنه طلق المطلقية ولبس حلة النسبية وأصبح عوض المقدمة منطق ، مناطق ، حيث نجده عبارة عن أنساق منطقية لا تتناقض ونتائجها ، فنجد المنطق الموجه ، والمنطق ثنائي القيم ، والمنطق ثلاثي القيم والمنطق متعدد القيم ، والمنطق المخفف . وقد انتهيت إلى جملة من النتائج منها : أن المشروع العقلاني البلانشي ينظر للعقل ليس كخزان للأفكار فقط ، بل يعطيه فعالية كبيرة في عملية المعرفة ، إضافة إلى اعترافه بأن هذه المعارف هي نتيجة جدل مع الواقع والتجربة ، وليست وليدة الفطرة أو القبلية كما ادعت العقلانيات الكلاسيكية ، وهو بهذا يكون قد بنى مشروعه على منهجين ، منهج هدمي نقدي حيث انتقد العقلانيات السابقة وقوض أسسها ليبني على أنقاضها عقلانية اعتقد أنها تساير التطور العلمي أو هي نتيجة هذا التطور . 2 -أن هذه العقلانية البديلة تقوم على العقل والريضنة ، ولهذا أطلق عليها مصطلح” العقلانية الرياضية “و” العقلانية الوظيفية ” لاعترافها بدور العقل في إحداث المعرفة . 3 -إن عقلانية بلانشي المعاصرة لا يمكن عزلها عن العقلانيات التي كانت سائدة في فرنسا في النصف الثاني من القرن الواحد والعشرين ، ذلك أن هناك عقلانية قال بها لالاند وأخرى قال بها باشلار، وثالثة قال بها برنشفيك ، ورابعة قال بها كونزيث… وتلتقي كلها في الدور الكبير الذي تمنحه للعقل في إحداث المعرفة من جهة وريضنة الواقع من جهة ثانية ، والاعتراف بأن مبادئ العقل لا هي فطرية ولا هي قبلية ، وأنه لم يكن العقل كاملا وإنما يتكون ويتطور مثله مثل المعارف . وإذا كان باشلار قد ركز في عقلانيته على العلوم التجريبية عموما والعلوم الفيزيائية والتكنولوجيا خصوصا ، فإن الأمر يختلف عند بلانشي الذي ركز أكثر على العلوم التجريدية عموما والرياضيات والمنطق خصوصا ولهذا نجد أن عقلانيته أولت إهتماما أكبر للمنطق من خلال تطبيق مسيرة الرياضيات عليه ومن ثم نلاحظه يقسم المنطق إلى نوعين : منطق علمي صوري ويشمل القواعد والقوانين التي يسير بمقتضاها الفكر . وتمييزه بين القواعد والقوانين كان الهدف منه التمييز بين المنطق الأرسطي الذي يصفه بالمعيارية نظرا لأنه عبارة عن جملة من القواعد واللوجستيك عموما والمنطق الرمزي الحديث خصوصا الذي كان يضبط عن طريق القوانين ، ولهذا يعتبره بحق العلم الذي تنطبق عليه مفهوم العلمية بمعناها الحديث . أما النوع الثاني من المنطق فقد سماه ” المنطق التأملي ” كما أعطاه عدة أسماء منها ” المنطق الفلسفي و” المنطق الأبيستيمولوجي ” والمنطق الطبيعي والمنطق الاجرائي وغيرها من الأسماء . وهذا المنطق توصل إليه من خلال تأثره بمسيرة العلم وفلسفته، بحيث أن تطور العلم ووجود أزمات داخلية أدى به إلى ظهور فلسفة له ناقدة لمبادئه ومناهجه ونتائجه والتي سميت فيما 

بعد ” فلسفة العلوم أو الابيستيمولوجيا ” . وعلى غرار مسيرة المقدمة 

هذا العلم وفلسفته اعترف بلانشي أن للمنطق أيضا فلسفة تدرس مشكلاته سواء كانت تاريخية أو فلسفية ، ولهذا توصل إلى أن المنطق نوعان : المنطق الصوري العلمي ، الذي هو عبارة عن قواعد و قوانين . والثاني المنطق التأملي الذي يدرس أزمات هذه القواعد والقوانين وتطورها التاريخي . وأثناء اشتغالي بهذا البحث لاحظت – وحسب إطلاعي المتواضع – أني أول من تناول هذا الموضوع بطريقة أكاديمية ، حتى الدراسات التي تناولت هذا المفكر محدودة جدا بحيث لم أجد إلا الباحث المغربي محمد وقيدي تناول في فصل واحد من كتابه : ما هي الابيستيمولوجيا ” العقلانية المعاصرة عند بلانشي ، وهذا يعني أن أفكار هذا الابيستيمي الفرنسي ما زالت لم تبحث بعد معتبرا نفسي قد غامرت معرفيا ، آملا أن يتواصل البحث في فلسفة هذا المفكر ويبدع أصحابها بحوثا أكاديمية أخرى تكون أكثر عمقا وتركيزا. وقد وظفت ثلاثة مناهج في مناقشتي لهذه المشكلة ، فقد استعنت بالمنهج التحليلي أين حللت المشكلة التي أنا بصدد البحث فيها إلى مشكلات جزئية ثم حللتها الواحدة تلو الأخرى . منها مثلا تحليلي لمفهوم العقلانية . كما استعنت بالمنهج التاريخي وهو الاكثر استعمالا لأن طبيعة الموضوع يتطلبه . فتتبعت مراحل تطور المنطق من بدايته إلى عصرنا الحالي ، واعتقد أنه نفس المنهج الذي استعمله بلانشي . كما استعملت المنهج المقارن بحيث وظفته للمقارنة بين ما قدمه بلانشي وما قدمه من سبقه أو من عاصره . فقارنت عقلانية لالاند و باشلار بعقلانية بلانشي . أما أهم المصادر التي اعتمدت عليها ، فقد اعتمدت على أغلب مصادر بلانشي إن لم أقل كلها ، ولكن ركزت أكثر على ثلاثة مصادر ، بالنسبة للباب الأول ركزت على كتاب ” العلوم المعاصرة والعقلانية ، والباب الثاني ركزت فيه على كتاب ” خطاب وعقل دفاع عن المنطق التأملي ” . أما الباب الثاني فقد ركزت على كتابين الأول كتاب ” المنطق وتاريخه من أرسطو إلى رسل ” نظرا لأنه كتاب تناول مراحل تطور المنطق من بدايته حتى النصف الثاني من القرن الواحد والعشرين . أما في الفصل الثالث من الباب الثالث فقد اعتمدت أكثر على كتاب ” مدخل إلى المنطق المعاصر ” أين استعرض بالتحليل الأنساق المنطقية التي ظهرت في الفترة المعاصرة . كما اعتمدت على بعض النصوص المترجمة منها ” كتاب الابيستيمولوجيا ” والذي ترجمه حسن عبد الحميد . كما اطلعت – ولكن في وقت متأخر – عن الترجمة التي قام بها ” محمود اليعقوبي ” و طبعت عام 2004 .و هي: ” المصادريات ” الاكسيوماتيك ” وكتاب ” 

مدخل إلى المنطق المعاصر ” بعد أن أوشكت على الانتهاء من إعداد بحثي المتواضع ، ورغم ذلك وظفتها لتصحيح بعض الاختلافات في ترجمة النصوص المقدمة 

– أما الصعوبات التي إعترضتني فيمكن جمعها في نقطتين أساسيتين : صعوبة الحصول على النصوص الأصلية ، خصوصا في الباب الثالث الذي ركزت فيه على مراحل تطور المنطق منذ بدايته إلى العصر الحديث . فالكثير من النصوص القديمة الأصلية غير متوفرة إما لأنها اندثرت ، أو أنها لم تترجم من لغاتها الأصلية ، مما صعب من مهمة تتبع هذه النصوص والمواقف والاضافات التي ذكرها بلانشي . والحقيقة أن هذه المشكلة قد عاناها بلانشي نفسه ، ولهذا لم أجد من خلال ما كتبه ما يدل أنه اعتمد على نصوص أصلية ، وإنما اعتمد على مراجع وسيطية . إضافة إلى أن ما ألف من كتب في المنطق ليس بالعدد الهين سواء في الحضارة اليونانية أو الاسلامية أو المسيحية أو في عصر النهضة الاوروبية أو في العصر الحديث مما يستحيل على أي باحث أن يضطلع عليها . ولهذا إكتفيت ببعض النصوص الأصلية التي توفرت لي ، وبما نقله بلانشي من نصوص اعتمد عليها . أما الصعوبة الثانية فتتمثل في ترجمة النصوص وبالأخص الرموز التي استعملها بلانشي . حيث لاحظت أنه يصعب إيجاد ما يقابلها باللغة العربية بعد ترجمتها ، وإذا ترجمت سيخل بالمفهوم الذي قصده صاحبه ، ولهذا حاولت أن أنقل الرمز كما ورد عند بلانشي بأسلوبه الللاتيني ، مما جعل بحثي فسيفساء من الرموز ، فهناك رموز بالعربية وأخرى باللاتينية . والحقيقة أن هذه المشكلة لم تعترضني وحدي بل تعرض إليها بعض المترجمين للمنطق الرمزي خصوصا وللرياضيات أيضا . وختاما أتمنى أن يفتح بحثي المتواضع هذا شهية الدارسين الشباب ، والغوص في إبداعات المفكر والفيلسوف الفرنسي الإبيستيمولوجي بلانشي ، والذي يعتبر من أقطاب فلسفة العلوم المعاصرة ، خصوصا في نزعته ومنهجه العقلاني في فلسفة العلم المعاصرة ، ويكملوا ما بدأناه متحسسين النقص الموجود.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *