ماهي موضعة الظاهرة الإنسانية وكيف تتم هذه الموضعة درس لثانية باكلوريا

 

لا يمكن إضفاء صفة العلمية على المعرفة ما لم تستوف شرط الموضوعية، وهذا بموضعة الحالة المجتمعية. فما المقصود بالموضعة؟ وهل يمكن موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية؟ وما هي الصعوبات لتي تعترض هذا؟

    تعتبر الموضعة مطلبا وشرطا أساسيا في المعرفة العلمية ويقصد بها دراسة الحالة المجتمعية دراسة موضوعية وهذا بملاحظتها ووصفها كموضوع خارجي مهجور عن ذات الباحث، بحيث تكون القرارات نابعة من الموضوع كما هو في الواقع الذي ينبغي على العالـم الاستماع إلى الحالة المجتمعية وتسجيل ما تمليه عليه كما رأينا سابقا مع برنار بعيدا عن تدخل الأفكار المسبقة والاعتقادات الدينية والفلسفية والإيديولوجية وغيرها. وهذا بهدف تقديم شرح دقيق للظاهرة بالوقوف عن العوامل المتحكمة فيها.

   حضر ذلك الطلب بشدة لدى المؤسسيين للعلوم الإنسانية. فقد سمى كونت معرفة الندوة بالفيزياء الاجتماعية اقتداء بالفيزياء بهدف دراسة حالة موضوعية للظواهر الاجتماعية والخروج بها من دائرة التأمل الفلسفي والمعرفة العامية العفوية، حيث تطغى أحكام الذات، إلى المعرفة العلمية حيث الموضوعية. وهو ما حاول إليه أيضاً دوركايم الذي وضع دشن معرفة الندوة في كتابه “نُظم المنهج السوسيولوجي”. إذ دعا إلى دراسة الظواهر الاجتماعية كأشياء مستقلة عن ذات الباحث ويمكن ملاحظتها من الخارج. ويلح على وجوب التنازل عن القرارات المسبقة نحو الملاحظة وأن يكتفي بتحديد الخواص الخارجية المستقلة للموضوع بتخليصه من مظاهره الفردية الذاتية مادامت الحالة المجتمعية تمتاز بالإكراه الخارجي المفروض على الأشخاص.

بل هل يمكن فعلا فصل الذات عن الموضوع في العلوم الإنسانية ؟

    يُعد بياجي أن ذلك الطلب عسير التيقن. فمادامت العلوم الإنسانية جديدة النشأة فإنها تقصي موضعة الحالة المجتمعية لا يرقى إلى المطلوب. أضف إلى هذا طبيعة الموضوع المتمثل في الذات. فذات الملاحظ أو المجرب تتأثر بالظاهرة وتؤثر فيها، كما أنها تتغير وتغير الحالة المجتمعية، نتيجة لـ التداخل المتواجد بين الذات والموضوع. وهو ما يغير دون الموضعة. وأهم  مانع حسب بياجي يتمثل في تمركز ذات الباحث الذي ينظر إلى الموضوع عن طريق اعتقاداته وتصوراته المخصصة. وبما أن الباحث قسم من الموضوع ومنخرط فيه، فهو يعتقد أن تقنيات وطرائق البحث الموضوعي ليست لازمة، فيكتفي بمعرفته الحدسية العفوية المسبقة بالظاهرة. كما أن الحالة المجتمعية الإنسانية واعية ومتغيرة طول الوقت ومنتجة للدلالات والرموز التي لا يمكن فهمها على نحو مباشر..كل هذا يعقد هامة الباحث في محاولته تشييد موضوعه تشييد موضوعيا عندما يرتبط الشأن بالظاهرة الإنسانية.

    تقتضي العلمية والموضوعية إلغاء الذات وفصلها عن موضوعها، بل في العلوم الإنسانية لا مفر من تدخل الذات. وهنا تكمن المفارقة التي نوه إليها باستيان . وفي عرضه لتلك المفارقة يستشهد بنوربرت إلياس الذي يشاهد أن فصل الذات عن الموضوع لو كان ممكنا في علوم الذرة التي يمكن تفسيرها ودراستها من الخارج، فإنه ليس ممكنا في علوم الإنسان التي تفتقر انخراط الذات الدارسة ونفاذها داخل التجربة الجماعية والفردية بهدف فهمها. وهنا لا يستطيع الاكتفاء بالملاحظة من الخارج كما دعا إلى هذا أصحاب الوجهة الوضعي.

    تشييد على ما في وقت سابق يتبين أن التعب العلمي في العلوم الإنسانية يتجه بالأساس إلى مسعى موضعة الحالة المجتمعية بإقامة حاجز فاصل بينها وبين الذات، سوى أن ذلك الفصل لا يمكن أن يتم على نحو مطلق، وإنما ينبغي الحرص على التحكم فيه وتجنب أحكام القيمة الذاتية لإضفاء نوع من الموضوعية التي تتوافق مع طبيعة الحالة المجتمعية الإنسانية التي هي الذات والموضوع في نفس الوقت ما يطرح إشكالا منهجيا آخر يرتبط بالمنهج الملائم لتلك الحالة المجتمعية فهل هو منهج التوضيح الاستقرائي أم منهج الاستيعاب التعاطفي؟

المحــــــور الأول : موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية 2- مقال ميشيل فوكو، الكتاب المدرسي: منار الفلسفة

2-  مقال ميشيل فوكو،  الكتاب المدرسي:  منار الفلسفة  1- تأطير المقال : إن المقال قيد الفحص و النقاش مقتطف من كتاب ميشيل فوكو  “المفردات و الأشياء” ص: 362-362 . 1966       حيث يطرح صاحب المقال  في إحدى فصول ذلك الكتاب خصوصية الحالة المجتمعية الإنسانية باعتبارها ظاهرة معقدة و متنوعة الأبعاد من العسير مراقبة أبعادها و موضوعاتها أو تفسيرها تفسيرا سببيا . 2- صاحب المقال: ولد مسشيل فوكو سنة 1926 و وافته المنية ستة 1984.فيلسوف فرنسي معاصر .قد نظر في الكلام الفلسفي كذلك سال العديد من مداده بشأن الإتجاه السيكولوجي، من مؤلفاته :المفردات و الأشياء سنة 1966 ثم تاريخ الجنون سنة 1972 ثم الرصد المعاقبة 1975 ثم سيستم الكلام . 3- الإشكال العام للنص: – هل يمكن القول بأن الإنسان ذاتا عارفة و موضوعا لها في ذات هذه اللحظة ؟ – هل يمكن اعتبار الحالة المجتمعية الإنسانية ظاهرة معقدة و متنوعة الأبعاد؟ – هل من السهل دراسة موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية على غرار بقية العلوم الأخرى؟ 4- الميدان المفاهيمي للنص: – استخراج أكثر أهمية المفاتيح و المفاهيم التي تقترن بفكرة الموضوعية    +أبرز مفاهيم المقال:   العلوم الإنسانية: نقصد به المشروع الوضعي الذي اقترن ميلاده في القرن 19 م بالتصور الداعي إلى التخلص من الكلام التأملي الميتافيزيقي بشأن الإنسان و الرامي إلى دراسة الظواهر الإنسانية دراسة موضوعية من خلال تنفيذ النماذخ التجريبية التي نجحت في علوم الطبيعة على الإنسان و على مجمل أفعاله و حوادثه. المعرفة:  هو التشاط العقلي الذي نتمثل عن طريقه الذات الغارفة موضوعا ما . 5- أطروحة المقال: يطرح صاحب المقال مسألة العلوم الإنسانية في علاقتها بالعلوم الأخرى سعيا خلف إبراز خصوصية الحالة المجتمعية الإنسانية باعتبارها ظاهرة معقدة و متنوعة الأبعاد و نقطة لتقاطع مجموعة من العلوم الأمر الذي يجعل دراستها امرا صعبا. 6-الأفكار و المضامين الرئيسية للنص: – مخاطبة العلوم الإنسانية للإنسان باعتباره كائنا يحيا و يتكلم ،و بالتالي له وظائف و حاجيات . – تمكُّن الإنسان على ترتيب شبكة من الصلات  التي يتوزع عن طريقها كل ما يكمن أن يستهلكه و بالتالي يجد ذاته في نقطة يتقاطع فيها مع الآخرين . – مقدرة الإنسان على تشييد عالم رمزي عن طريق اللغة يتعلق فيه بماضيه و بالأشياء و بالغير و من تم اصدار ما سمي بالمعرفة. – المعرفة التي يكونها عن نفسه هي ما تسعى العلوم الإنسانية تشكيل بعض أوجهها . – فرصة تحديد موقع العلوم الإنسانية في نقطة التقاطع مع مجموعة العلوم التي تهتم بمسألة الحياة أو العمل أو اللغة. 7- البنية الحجاجية للنص: +إثبات ميشيل فوكو لفكرة جوهرية مؤداها أن الحالة المجتمعية الإنسانية هي ظاهرة معقدة نظرا لتعدد أبعادها الأمر الذي يجعل دراستها ليست بالأمر الهين. +تصديق صاحب المقال لموقفه المرتبط بقدرة الإنسان على ترتيب شبكة من الصلات التي يتوزع عن طريقها كل ما يمكن أن يستهلكه ،هذا من خلال بنائه لعالم رمزي عن طريق اللغة يتعلق فيه بماضيه و بالأشياء و بالغير. + تأكيد فوكو فكرة جوهرية و هي أن المعرفة التي ينتجها الإنسان أو يكونها عن نفسه ،وهي ما تسعى العلوم الإنسانية تشكيل بعض أوجهها.  8 -التركيب : صفوة القول ،ينهل صاحب المقال من بحر باله ليبني و يعرض موقفا إزاء إشكالية موضعة الضاهرة الإنسانية حيث يعالج ذلك الأخير قضية العلوم الإنسانية في علاقتها بالعلوم الأخرى كما يهدف فوكو إلى إبراز نطاق خصوصية الحالة المجتمعية الإنسانية ،باعتبارها ظاهرة معقدة و متنوعة الأبعاد ،و بالتالي يتحدد موقع العلوم الإنسانية في نقطة التجاور و في الحدود المباشرة و على طول تلك العلوم التي تهتم بمسألة الحياة أو العمل او اللغة. 9+القيمة الفلسفية للنص: إن المقال قيد الفحص و النقاش يطرح إشكالية موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية،حيث يراهن على عرض موقفه الذي يبرز خصوصية الحالة المجتمعية الإنسانية باعتبارها ظاهرة معقدة و من العسير دراستها و موضعتها على النقيض من العلوم الأخرى. يحيل ذلك المقال الذي هو موضوع اشتغالنا بسعر فلسفة تتجلى في احتفاظ صاحب المقال براهنية أطروحته و هذا من خلال توسله بجعبة من الروابط المنطقية منها عرض الموقف و اثباته ثم نقده لآخر .و يستشف ذلك عن طريق نقد ميشيل فوكو للعلوم الأخرى منها معرفة النظام الإقتصادي و الأحياء و بالتالي لا يمكن اعتبارها كعلوم إنسانية أو كعلوم رئيسية. المحــــــور الأول : موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية 2- مقال ميشيل فوكو، الكتاب المدرسي: منار الفلسفة

المحــــــور الأول : موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية 1- مقال جان بياجي، الكتاب المدرسي: في رحاب الفلسفة

الدرس : مسألة العلمية في العلوم الإنسانية                 المحــــــور الأول : موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية   1-  مقال جان بياجي،  الكتاب المدرسي:  في رحاب الفلسفة 1- تأطير المقال: إن المقال الذي هو قيد الفحص و النقاش مقتبس من كتاب Epestimologie des science de l’homme  لجون بياجي حيث يطرح صاحب المقال في كتابه  حيث يطرح صاحب المقال في كتابه ه>ا إشكالية إشكالية عوائق الحالة المجتمعية الإنسانية ،حيث يحيط بجوانب الإشكالات الإبستمولوجية التي تجابهها العلوم الإنسانية  و يعرض في الفصل الذي أخد منه المقال إتجاه نظره فيما يتعلق صعوبة موضعة الحالة المجتمعية الغنسانية و تقصي العلمية في دراستها. 2-صاحب المقال: – جون بياجي : هو منظر في العلوم الإنسانية و قد استفاض في الجديد عن الإبستيمولوجيا البنيوية ثم ركز بالأساس على سيكولوجية التعلم و المراحل النمائية للطفل كما يبرز أكثر أهمية العوائق و الإشكالات الإبستمولوجية التي تجابهها العلوم الإنسانية ،له العديد من كتابات في ذلك المنحى  Epestimologie des science de l’homme ثم etude en psychologie    3– المستوى الإشكالي للنص :   – ما هي العوائق التي تغير دون موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية؟   – لماذا تمتاز حالة العلوم الإنسانية بالتعقيد؟   – كيف يحلل صاحب المقال تمركز الذات بشأن نفسها بالموضوعية؟ 4- الميدان المفاهيمي للنص: الترميز: عملية إصدار النمازج. الموضوعية: تجرد الباحث من القرارات المضمرة و النوازع اللاواعية و الأفكار الجاهزة . التمركز الذاتي: و هو تمركز الباحث بشأن نفسه و بصيرة موضوعه عن طريق منظوره الذاتي. الحدس: علم عقلية على الفور سابقة عن التجربة  التمفصلات المفاهيمية : الذات/ الموضوع –العلوم التجريبية/العلوم الإنسانية. يقيم صاحب المقال مضاهاة لإبراز الحد الفاصل بين الذات المتمركزة بشأن نفسها و الذات العارفة يكون اقل وضوحا عندما تكون انا   جزءا من الحالة المجتمعية التي يلزم أن يدرسها من الخارج. 2- أطروحة المقال : يصبو صاحب المقال إلى إثبات أطروحة جوهرية مفادها أن الرابطة بين ذات/موضوع .في العلوم الإنسانية تخلق و ضعا معقدا = فالإنسان هو الدارس و هو ايضا موضوع التعليم بالمدرسة و يتمخض عن ذلك الحال المتشعب صعوبة استيفاء شرط الموضوعية التي تعتبر أساس عملية العلوم الحقة. 5-الأفكار و المضامين الرئيسية للنص:   أ- يشاهد صاحب المقال يناء على منظوره الإبستمولوجي أن حالة العلوم الإنسانية تتصف بالتعقيد كما تمتاز بالتداخل “الذات/موضوع” ثم التفرع.   ب- رابطة تمركز الذات بخصوص نفسها بالموضوعية.   ج – يقيم صاحب المقال مضاهاة بين طرفي رابطة الذات  المتمركزة بخصوص نفسها و الذات العارقة  يكون اقل وضوحا عندما يكون انا الملاحظ جزءا من الحالة المجتمعية التي يلزم عليه أن يدرسها من الخارج أيضا يمكن القول  أن الملاحظ يكون اكثر ميلا للإعتقاد في معرفته الحدسية بالواقع لانخراطه  في تلك الأخيرة و لإضفائه قيما معينة عليها ،الأمر الذي يجعله أقل إحساسا بوجوب التقنيات الموضوعية. د- إزالة تمركز الذات أو تقويض مركزية الذات من بشأن نفسها تعترضها صعوبات (..) فالعالم لا يكون أبدا عالما معزولا ،لكن هو ملزم على نحو ما بموقف فلسفي او إديولوجي. 6- البنية الحجاجية للنص: يصوغ بياجي  أطروحته بشأن عوائق موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية  معتمدا على أساليب وطرق عمل و تقنيات حجاجية. تصديق صاحب المقال لفكرة رئيسية و هي صعوبة موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية و تقصي العلمية في دراستها و مرد ذلك ان الإنسان هو الدارس و هو ايضا موضوع التعليم بالمدرسة . – إن صاحب المقال تبنى في الحجة الأولى آلية التعليل يقر بصعوبة الحالة المجتمعية الإنسانية و يذيل موقفه كما يعلله،يكون الإنسان هو الدارس و موضوع التعليم بالمدرسة في نفس هذه اللحظة. – الحجة الثانية: اثبات صاحب المقال فكرته و هي أن الحالة الإبستمولوجية المركزية في علوم الإنسان تكمن في كون الإنسان ذاتا و موضوعا. – يعرض صاحب المقال أطروحته اعتمادا على آلية المقارنة بين الذات المتمركزة بخصوص نفسها  و الذات العارفة . – صعوبة الفصل  بين الذات و الموضوع ثم صعوبة التداول مع الظواهر الإنسانية كموضوعات خارجية  حيث يشاهد أن ذات الملاحظ جزءا من الحالة المجتمعية الإنسانية ثم ان الملاحظ يكون أكثر ميلا للاعتقاد في معرفته  الحدسية بالوقائع لانخراطه في تلك الأخيرة ،و لإضفائه قيما معينة عليها ،الأمر الذي يجعله أقل إحساسا بوجوب التقنيات الموضوعية. 7-  التركيب. بناءا على ما تقدم  على أن الرابطة “ذات موضوع” في العلوم الإنسانية تخلق وضعا معقدا  أو تبدل دون موضعة الحالة المجتمعية الغسانية ،فالإنسان هو الدارس وهو كذلك موضوع التعليم بالمدرسة  .وينتج عن ذلك الحال المتداخل صعوبة تقصي أو استيفاء الموضوعية التي تعتبر أساس عملية العلوم الحقة .فالممارس في ميدان العلوم الإنسانية يقطن مفارقة كبرى، فهو قسم من الحالة المجتمعية التي يدرسها وهو متطلبات بالتموضع خارج الحالة المجتمعية و أن يكون بعيدا عن كل ما يتعلق به من فيم و تمثلات و تصورات . 8-القيمة الفلسفية للنص: إن المقال قيد الفحص و قيد النقاش يعالج مشكلة عوائق موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية حيث يراهن على عرض موقفه الذي يبرز تموقع الذات بخصوص نفسها بمثابة الحالة المجتمعية  الإنسانية ظاهرة في قصد التعقيد و التفرع و من العسير دراستها و موضعتها . يحبل المقال موضوع الاشتغال  بثمن فلسفية تتجلى في احتفاظ صاحب المقال براهنية أطروحته و هذا من خلال توسله بترسانة من الحجج الداعمة ثم الروابط المنطقية التي أكسبت نصه طابع الإتساق ،منها عرض الموقف و إثباته.المحــــــور الأول : موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية 1- مقال جان بياجي، الكتاب المدرسي: في رحاب الفلسفة

تقديم:

إن كل المواضيع التي  تدرسها الفلسفة لها رابطة راسخة بالإنسان، ولذلك فقد اعتبر الفيلسوف كانط بأن السؤال المركزي في الفلسفة هو: ما الإنسان ؟

غير أن ما حدث هو ظهور علوم تسمى بالعلوم الإنسانية ، مثل معرفة النفس وعلم الندوة ، انفصلت منذ مطلع القرن التاسع عشر عن الفلسفة ، وحاولت دراسة الظواهر الإنسانية بمناهج العلوم التجريبية التي تدرس الظواهر الطبيعية. غير أن اختلاف موضوع العلوم الطبيعية عن موضوع العلوم الإنسانية طرح إشكالين رئيسيين في ميدان العلوم الإنسانية؛ هما لَبس موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية من ناحية وإشكال المنهج الموثوق في دراستها من ناحية أخرى.

إن الحالة المجتمعية الإنسانية هي ظاهرة معقدة وواعية ومتعددة الأبعاد،كما أنها ظاهرة متغيرة وتتداخل فيها الذات مع الموضوع. وذلك ما يطرح لَبس موضعتها، والذي يمكن أن نتساءل بصدده عن احتمالية جعل الحالة المجتمعية الإنسانية موضوعا قابلا للدراسة العلمية الدقيقة، كما يطرح إلتباس المنهج الموثوق في دراستها. هكذا نجد بعض العلماء الذين انبهروا بالنتائج التي حققتها العلوم الطبيعية، الأمر الذي دفعهم إلى مسعى تنفيذ مناهجها على الظواهر الإنسانية، كما نجد علماء آخرين حاولوا ابتكار مناهج تلائم الحالة المجتمعية الإنسانية، وتتغاير عن المناهج المعتمدة في علوم الطبيعة. فالفريق الأول، متمثلا في النزعة الحالة أساسا، سعى تنفيذ منهج الشرح الموضوعي المستلهم من العلوم التجريبية، في حين اعترض الفريق الثاني على احتمالية تنفيذ منهج التوضيح على الحالة المجتمعية الإنسانية واقترح منهجا آخرا يناسب خصوصيتها هو منهج الاستيعاب.

انطلاقا من كل ذلك يمكن الجديد عن إشكالين رئيسيين في ذلك الدرس هما:

–     لَبس موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية: والذي يطرح نطاق احتمالية عزل الموضوع عن الذات في ميدان الظواهر الإنسانية، ومدى قابلية تلك الأخيرة لأجل أن تصبح موضوعا للدراسة العلمية الموضوعية الدقيقة.

–     وإشكال المنهج في العلوم الإنسانية: ويتعلق بالبحث عن المنهج الملائم الذي يلزم اعتماده في دراسة الحالة المجتمعية الإنسانية؛ فهل يتمثل ذلك المنهج تفسيرها أم فهمها ؟ هل هو منهج الشرح أم منهج الاستيعاب ؟ وهل يمكن اتخاذ منهج التوضيح السائد في العلوم التجريبية كنموذج للاستلهام والتطبيق في ميدان العلوم الإنسانية أم يلزم ابتكار مناهج تلائم طبيعة الظواهر الإنسانية ؟

المحور الأول: موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية:

· طرح الإشكال:

حينما نتحدث عن موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية فإن الشأن يرتبط بأمنية يتمثل في مسعى جعلها موضوعا قابلا للدراسة العلمية الموضوعية، وحيث أن الموضوع في العلوم الإنسانية هو الذات ذاتها؛ أي أن الذات الدارسة هي الموضوع المدروس أو على أقل ما فيها هناك تداخل بينهما، فإن مسألة الموضعة المخصصة بالظاهرة الإنسانية تطرح العديد من صعوبات وعوائق؛ فهل يمكن عزل تلك الحالة المجتمعية عن الذات والتعامل معها كموضوع اجتمع للدراسة العلمية الدقيقة؟ وما هي الأفعال والمحددات والقواعد الكفيلة بموضعة الحالة المجتمعية الإنسانية ؟ ومهل يمكن الجديد عن عوائق تعترض عملية الموضعة تلك ؟

1- فرصة موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية:

لقد ارتبط أمنية الوصول إلى العلمية في العلوم الإنسانية  بسعي الوجهة الوضعي إلى موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية وتنفيذ منهاج العلوم التجريبية عليها. وفي ذلك التوجه يمكن الدلالة إلى السوسيولوجي الفرنسي إميل دوركايم E.Durkeim الذي دعا إلى التداول مع الظواهر الاجتماعية كأشياء، وذلك ما يسمى بتشييء الحالة المجتمعية الإنسانية أي إفراغها من محتوى الإدراك، لاسيما وأن عالما أنثروبولوجيا مثل كلود ليفي ستراوس يُعد بأن الإدراك عدو العلم.

هكذا فقد سعى دوركايم موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية وفصلها عن الذات الدارسة، سعيا منه إلى تفسيرها تفسيرا موضوعيا من خلال استبعاد الأسباب الذاتية والتركيز لاغير على الأسباب الموضوعية والواقعية القابلة للملاحظة والقياس والتعميم. ولذا فالظاهرة الاجتماعية حسب دوركايم تمتاز بخاصية الخارجية؛ أي أنها تبقى خارج الذات ويمكن ملاحظتها مثل أي موضوع آخر، وذلك ما يسمح بتحقيق العلمية والموضوعية المطلوبة في دراسة الحالة المجتمعية الاجتماعية. كما تمتاز تلك الأخيرة بصفة القهر والإلزام؛ أي أنها تبقى خارج إدراك الأشخاص وتمارس عليهم إكراها ولا دخل لهم في إحداثها، وذلك ما يمكن من موضعتها وتفسيرها انطلاقا من أسباب موضوعية خارجية في استبعاد اجمالي لأية أسباب ذاتية وباطنية.

لقد استبعدت النزعة الحالة مع دوركايم إذن منهج الاستبطان، وحاولت كنزعة علموية تجريبية الاقتداء بمناهج العلوم الطبيعية، الأمر الذي جعلها تدعو إلى موضعة الحالة المجتمعية الاجتماعية مثلما يموضع علماء الطبيعة موضوعاتهم. بل ألا يمكن القول بأن أمنية الموضعة في العلوم الإنسانية عسير المنال نظرا لاختلاف الحالة المجتمعية الإنسانية عن الحالة المجتمعية الطبيعية ؟

2- عوائق الموضعة في العلوم الإنسانية:

لقد اعتبر عالم النفس جون بياجي j.Piaget أن العلوم الإنسانية لا زالت في بدايتها، وان أمنية الموضعة لا زال لم يتحقق بعد، وذلك ما يتوجب على الباحثين والعلماء في ميدان العلوم الإنسانية بذل مجهودات مضاعفة غرض تعديل أدواتهم ومناهجهم غاية تقصي الدقة والعلمية المنشودة.

غير أن موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية تطرح حسب جون بياجي العديد من عوائق يمكن تقديمها كالتالي:

– عدم تشابه الحالة المجتمعية الإنسانية مع الحالة المجتمعية الطبيعية؛ إذ أنها ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد وفريدة من نوعها.

– يتأثر الباحث في العلوم الإنسانية بالموضوع الذي يدرسه لأنه جزء منه، ويصعب عليه أن يدرسه بحياد ونزاهة وموضوعية.

– كما قد يؤثر الباحث في الحالة المجتمعية الإنسانية؛ فيغير من طبيعتها ويفهمها فهما خاصا، الأمر الذي يجعل العواقب تتغاير من باحث لآخر ويجعل فرصة التعميم متعذرة.

– يتداخل الموضوع في العلوم الإنسانية مع الذات ويصعب الفصل بينهما، وذلك بعكس العلوم الطبيعية التي يمكن فيها فصل الذات عن الموضوع.

– يتمركز الباحث في العلوم الإنسانية بشأن نفسه؛ أي أنه يقدم مشاهدته للظاهرة الإنسانية المدروسة انطلاقا الأمر الذي يحمله في نفسه من مشاعر وأفكار ومعتقدات ترتبط بالتزامه بمواقف فلسفية أو مذاهب إيديولوجية أو عقائدية. وذلك ما يجعل الباحث يسقط  تصوراته الذاتية على الحالة المجتمعية ويجعل تقصي الموضوعية مسألة غرض في الصعوبة.

– إن انخراط الذات في الموضوع يجعلها تعتقد في نوع من المعرفة الحدسية  بالموضوع، وذلك مخالف للمناهج والتقنيات العلمية التي من شأنها أن تيقن الموضوعية المتوخاة.

هكذا بين جون بياجي كيف أن الذات الملاحظة في العلوم الإنسانية تكون جزءا من الحالة المجتمعية التي تدرسها. وذلك ما يطرح مشكل تداخل الذات مع الموضوع ويحول دون احتمالية موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية.

وصعوبة موضعة الحالة المجتمعية الإنسانية تطرح إشكالا آخرا يتعلق بمنهج دراستها. ونحن نجد أن أنصار الموضعة من الوضعيين  يسعون إلى مسعى تفسيرها بإرجاعها إلى أسباب موضوعية، بينما نجد معارضيهم يتهمونهم بإغفال الأسباب الذاتية وهي الأسباب التي تفتقر تفهما حقيقيا للظاهرة الإنسانية بهدف النفاذ إلى أسبابها الباطنية.

المحور الثاني: نموذجية العلوم الإنسانية: الشرح والاستيعاب:

· طرح الإشكال:

لو كان المحور الأول يتناول موضوع العلوم الإنسانية وإشكال موضعته، فإن ذلك المحور الثاني يتناول مسألة ميتودولوجية تتعلق بمنهج دراسة هذا الموضوع. فبأي منهج يمكن للعلوم الإنسانية أن تتناول موضوعها ؟ وإذا كان موضوعها هو الحالة المجتمعية الإنسانية، وهي ظاهرة مميزة ومتميزة عن الحالة المجتمعية الطبيعية، فهل يمكن للعلوم الإنسانية أن تدرس موضوعها باستلهام منهج الشرح السائد في العلوم التجريبية أم أنها مطالبة باختراع منهج يلائم خصوصية الحالة المجتمعية الإنسانية ؟ وهل المنهج الموائم للظاهرة الإنسانية هو منهج التوضيح أم منهج الاستيعاب ؟ وما هي المرتكزات والمواصفات التي تميز كلا المنهجين ؟

1- منهج التوضيح:

إن الشرح هو المنهج المفضل في العلوم التجريبية، وهو يتجلى في الكشف عن الصلات الثابتة التي تبقى بين النكبات والوقائع واستنتاج أن الظواهر المدروسة تنشأ عنها. وربما أحرزت العلوم الطبيعية عواقب باهرة باعتمادها على منهج التوضيح العلمي الذي يرتكز على تقنيات منهجية كالملاحظة والقياس والتجريب، كما يسمح بتكميم الحصائل وتعميمها. ولذا الداعِي فقد حاولت النزعة الحالة في ميدان العلوم الإنسانية استلهام منهج الشرح من العلوم التجريبية واعتماده كنموذج للتطبيق في ميدان الظواهر الإنسانية، رغبة منها في تقصي الدقة والموضوعية والذهاب بعيدا ما أمكن عن الشرح الميتافيزيقي والمنهج التأملي الذي كان معتمدا في الفلسفة.

وفي ذلك النسق نجد إميل دوركايم، كأحد ممثلي الوجهة الوضعي في معرفة المؤتمر، يعتمد منهج التوضيح الموضوعي في دراسته للظواهر الاجتماعية، وهذا بأن دعا إلى تشييئها والتعامل معها كمجرد أشياء خارجية، والعمل على موضعتها وفصلها عن الذات الدارسة.

هكذا فقد أبى دوركايم اعتماد منهج الاستبطان والتأمل في دراسة الظواهر الاجتماعية، واعتمد بالمقابل على منهج الشرح الموضوعي الذي بموجبه يتم ربط الظواهر الاجتماعية بأسباب وعوامل موضوعية هي الداعِي في حدوثها، وهي أسباب واقعية قابلة للملاحظة والقياس والتعميم.

ويمكن تقديم ظاهرة الانتحار على سبيل المثال لظاهرة سوسيولوجية طبق عليها دوركايم منهج التوضيح الموضوعي؛ حيث قام دوركايم بدراسة تلك الحالة المجتمعية في مجموعة من الدول الأوروبية ، وانتهى إلى أنها تتحدد بعوامل موضوعية تتمثل أساسا في التماسك الديني والتماسك السياسي والتماسك الأسري ، إذ أن صعود عدد المنتحرين أو انخفاضهم يتحدد وفق قوة أو تدهور ذلك التماسك.

هكذا استبعد دوركايم الأسباب الذاتية والباطنية في توضيح الحالة المجتمعية الاجتماعية، وهذا لصالح الأسباب الموضوعية والظاهرة القابلة للملاحظة والقياس.

ويمكن الدلالة هنا كذلك إلى المدرسة السلوكية في معرفة النفس، إذ أنها هي الأخرى استبعدت منهج الاستبطان الذاتي وتبنت تفسيرا موضوعيا للسلوك الإنساني، يتمثل في مراقبة الصلات المتواجدة بين المهيجات والاستجابات والكشف عن القوانين التي تحكمها، وهي قوانين يتم التوصل إليها باعتماد تقنيات القياس والملاحظة وتكرار التجارب في مسعى للوصول إلى الموضوعية و الدقة العلمية في دراسة التصرف البشري.

بل السؤال الذي يطرح ذاته هنا  هو:

ألا يؤدي تشييئ الظواهر الإنسانية، سواء قد كانت اجتماعية أو نفسية أو غير هذا، إلى إفقارها وإفراغها من محتواها الحقيقي ؟ أو ليس لتلك الظواهر عوامل باطنية وذاتية مثلما أن لها عوامل خارجية وموضوعية ؟ ألسنا في عوز إلى تفهم الظواهر الإنسانية بذل الاكتفاء بتفسيرها ؟

2- منهج الاستيعاب:

نظرا لخصوصية الحالة المجتمعية الإنسانية وتعقدها فقد واجه منهج التوضيح العديد من عوائق في محاولته لدراستها والإحاطة بها. ومن أكثر أهمية تلك العوائق هو حضور عوامل باطنية وذاتية تعود إلى محتوى الإدراك، تكون هي المحدد الرئيسي لبعض الظواهر الإنسانية بالإضافة إلى الأسباب الموضوعية. وإذا كان منهج التوضيح يسمح بمراقبة المحددات الموضوعية، فإن المحددات والعوامل الذاتية تتطلب إلى منهج آخر مختلف هو الذي يطلق عليه بمنهج الاستيعاب أو المنهج التفهمي. وذلك ما يتجلى في عبارة ديلتايDilthey المشهورة: « إننا نفسر الطبيعة، لكننا نفهم ظواهر الروح ». فإذا كان الموضوع في العلوم الطبيعية ماديا ومعزولا عن الذات، فإن الموضوع في العلوم الإنسانية متعلق بالذات وجزء لا يتجزأ منها. ولذا يعطي الإنطباع أنه لا يمكن شرح الظواهر النفسية وإجراء التجربة عليها، لكن لا مفر من تفهمها من خلال منهج الاستيعاب الذي يعتمد الحدس والاستبطان والتأويل …

والاستيعاب حسب السوسيولوجي الفرنسي جول مونروJules Monnrot « هو وعي لدلالة معيشية تعطانا كتجربة بديهية ». ومن هنا فهدف المنهج التفهمي هو وعي دلالات الأعمال من خلال ربطها بالمقاصد والنوايا الذاتية لأصحابها والفاعلين لها، ولذلك فهو منهج يعتمد حسب مونرو على البداهة والحدس؛ فنحن نفهم بعض النكبات بالبداهة كأن ندرك أن الفرد يكون غاضبا حينما يتم الاعتداء عليه، أو أن نتبين رفضه عن طريق قسماته الجسدية. فما يكون بديهيا يكون واضحا ويحتم إدراكه على نحو مباشر، دون الاحتياج إلى تفسيره بالاعتماد على طرائق وتدابير موضوعية.

إن تصرف الاستيعاب حسب مونرو هو تصرف معفي مباشر، إنه مشاهدة نافذة تدرك الحالة المجتمعية الإنسانية كظاهرة وجودية ووجدانية يتعين تفهمها والكشف عن المعاني والدلالات التي نستخلصها منها على باتجاه مباشر، دون الاعتماد على أية استدلالات أو تجارب استقرائية من شأنها أن تضعف الحالة المجتمعية وتعمل على تقويضها.

وفى ذات السياق، تبنى ماكس فيبر Max Weber منهجا تفهميا في دراساته السوسيولوجية، حيث بين أن الترابطات والانتظامات المتميزة للسلوك البشري تقبل لاغير أن تكون موضوع تأويل تفهمي. فالسلوك الإنساني يمتاز حسب السوسيولوجيا التفهمية نحو ماكس فيبر بأغراض ودلالات ذاتية يتعين إدراكها لدى الفاعل المعني من ناحية، كما يمتاز بخاصية البينذاتية نظرا لارتباطه بسلوك الغير من ناحية أخرى. ولذا لا يمكن معرفته كسلوك سوى بأسلوب تفهمية تكشف عن الدلالات والمعاني المعنية ذاتيا من طرف الفاعل.

إن منهج الاستيعاب يعتمد على التأويل ، ولذلك فهو يفرض ذاته كثيرا في ميدان معرفة النفس التحليلي إذ تفتقر الظواهر النفسية التي يدرسها ، كالهستيريا والقلق والأحلام مثلا، تأويلا للعلامات والرموز التي تميزها بهدف الكشف عن دلالاتها ومعانيها الباطنية والحقيقية. كما يحتاج الشأن في بعض الأحيان ضربا من التعاطف الذي ينبغي أن يقيمه المحلل السيكولوجي مع مريضه لأجل أن يتفهم مشاكله النفسية وينفذ إلى أعماقها.

هكذا يمكن القول مع غاستون غرانجي Gaston Grangerأن تصرف الذهن في الظواهر الإنسانية يتراوح بين منهجين أساسيين هما: التوضيح الذي يستهدف الكشف عن الصلات الثابتة التي تربط بين الوقائع الإنسانية، والاستيعاب الذي يرمي إلى حدس الشعور وتأويل الإجراء الإنساني للكشف عن معانيه ودلالاته. ولذا يظهر أنهما منهجان متكاملان لا يمكن الاقتصار على أحدهما دون الآخر في دراسة الظواهر الإنسانية. والرهان العسير يتمثل في كيفية المزاوجة بينهما على باتجاه فعال يمكن من إستيعاب حقيقي للظاهرة الإنسانية في أبعادها المغيرة.

أدى التقدم الذي حققته العلوم الدقيقة (وخاصة البيولوجيا) إلى إحداث تحول كبير في علاقة الإنسان بذاته. فبعد أن كان الإنسان يهتم بمعرفة ظواهر الطبيعة، وتمكن من صياغة نظريات علمية، وبعد أن تمكن من بلوغ قدر من الحقيقة واليقين والموضوعية، عاد إلى ذاته من أجل بناء معرفة حولها داخل ما يسمى بالعلوم الإنسانية (علم الإجتماع، علم النفس، الأنتروبولوجيا… ). وبما أن العلوم الدقيقة تمكنت من بلوغ الموضوعية وتمكنت من صياغة نظريات علمية ومناهج علمية ترشدها لبلوغ الحقيقة، فقد تطلعت العلوم الإنسانية هي الأخرى بسبب تأثرها بالعلوم الدقيقة إلى محاول الوصول إلى معرفة حول الإنسان تكون علمية وموضوعية وقائمة على منهج… لكن هل تحقق لها ذلك؟

حين نكون أمام محاولة بناء معرفة حول الظاهرة الإنسانية معرفة علمية، فنحن نكون أما إشكال مرتبط بعلمية العلوم الإنسانية، وهو إشكال قدرة هذه الأخيرة على تحقيق شرط الموضوعية أي فصل الذات العارفة عن موضوع المعرفة، بمعنى ترك مسافة فاصلة بين الباحث وميولاته أهوائه ومصالحه الذاتية عن الظاهرة المدروسة. والموضوعية هنا تأتي في مقابل الذاتية. فهل تستطيع العلوم الإنسانية خاصة وأن موضوع معرفتها هو الإنسان وليس الطبيعة، تحقيق الموضوعية، أم أنها لا تستطيع تخطي الذاتية، أي إقحام الذات وميولاتها ومشاعرها وإيديولوجيتها في معرفة الظاهرة الإنسانية؟ وإذا كان من الممكن تحقيق الموضوعية فما شروطها، وإن كان من غير الممكن تحقيقها فما العوائق التي تحيل دون معرفة الظاهرة الإنسانية معرفة موضوعية؟

1-     الموقف المؤيد لإمكانية موضعة الظاهرة الإنسانية، إيميل دوركايم نموذجا:

يعد عالم الإجتماع الفرنسي، وصاحب مؤلفي “قواعد المنهج في علم الإجتماع” و”الإنتحار” إيميل دوركايم (1858-1917)  من أبرز رواد علم الإجتماع، وقد كان من بين أبرز من تأثروا بما حققته العلوم الدقيقة.  فقد قال بإمكانية دراسة الظواهر الإجتماعية دراسة موضوعية، كما تدرس ظواهر الطبيعة. ولتوضيح موقفه هذا نستحضر قوله التالي:  “إن الظاهرة الإجتماعية  تشكل أشياء، ويجب أن تدرس كأشياء.. لأن كل ما يعطى لنا أو يفرض نفسه على الملاحظة يعتبر في عداد الأشياء.. وإذا يجب علينا أن ندرس الظواهر الاجتماعية في ذاتها، وفي انفصال تام عن الأفراد الواعين الذين يمثلونها فكريا، ينبغي أن ندرسها من الخارج كأشياء منفصلة عنا.. إن هذه القاعدة تنطبق على الواقع الإجتماعي برمته”

يتضح من خلال القول الأخير أن دوركايم يرى إمكانية دراسة الظاهرة الاجتماعية دراسة موضوعية، لماذا؟ لأن الظاهرة الإجتماعية تعتبر كالظاهرة الطبيعية فهي شيء، كما أنها تتميز بالخارجية، وبالتالي يمكن دراستها بعيدا عن الذاتية، أي في انفصال تام عن الأفراد الواعين الذين يمثلونها فكريا. ولمزيد من التوضيح سنستدعي ظاهرة اجتماعية قام بدارستها دوركايم دراسة موضوعية على حد قوله، وهي ظاهرة الانتحار. تمكن دوركايم من دراسة ظاهرة الانتحار دراسة موضوعية عبر اعتماد الإحصاء، وتمكن من كشف العلاقة السببية لهذه الظاهرة، مرجعا إياها إلى ظاهرتي التفكك والتماسك الإجتماعيين. ولتوضيح ذلك سنستدعي أنواع الإنتحار حسب دوركايم وهي كالتالي:

–          الإنتحار الأناني: يكون بسبب عدم اندماج الفرد داخل الجماعة.

–          الإنتحار الإيثاري: يحدث حين يكون الإندماج قويا بين أفراد الجماعة (كما يقع في الحروب مثلا)

–          الإنتحار اللامعياري: حين تضطرب ضوابط المجتمع، فمثلا يكثر الإنتحار في فترة الرخاء الإقتصادي، ويحدث كذلك في فترة الكساد الإقتصادي.

إضافة إلى ذلك فالظاهرة الإجتماعية حسب دوركايم تتميز بمجموعة من الخصائص تجعلها قابلة للموضعة منها

–          القهر: أي أن الظاهرة الإجتماعية تمارس سلطتها وقهرها على الأفراد.

–          الخارجية: أي أنها تعتبر كاشياء منفصلة عن ذات الباحث وعن الأفراد بصفة عامة.

–          العمومية: فالظاهرة الإجتماعية توجد في كل مكان، كما أنها تخضع لنفس الأسباب.

إذن، يمكن أن تدرس الظواهر الإجتماعية دراسة موضوعية، ومرد ذلك أن الظواهر الإجتماعية كأشياء الطبيعية، تتميز بالخارجية، ووجودها مستقل عن وعي الأفراد وذاتيتهم. لكن ألا يؤدي بنا هذا القول إلى تجريد الظواهر  الإنسانية عامة والغجتماعية خاصة، إلى تجريدها من مميزاتها كالوعي والحرية والتفكير …؟ أليست الموضوعية صعبة التحقق؟

الموقف المعارض لإمكانية موضعة الظاهرة الإنسانية، جون بياجي نموذجا.

قد يعجبك ايضا

 

فرض كتابي رقم 2 الدورة 2 مادة الفلسفية مجزوءة السياسة PDF

تحميل كتاب الوجيز في الفلسفة – أحمد الفراك PDF

يعد عالم النفس جون بياجي من ابرز من حاولوا إبراز عوائق الموضوعية في دراسة الظاهرة الإنسانية. ففي كتابه إبستملوجيا علوم الإنسان، ذهب إلى القول بأنه لا حرج على العلوم الإنسانية إن هي تاخرت او لم تحقق التقدم المنشود، فالفيزياء التجريبية قد تأخرت قرونا مقارنة بالرياضيات.  إن وضعية العلوم الإنسانية وضعية معقدة مقارنة بالفيزياء، فالذات في العلوم الإنسانية لا تلاحظ غيرها وتجرب على غيرها فقط، بل إنها في القوت نفسه تلاحظ ذاتها وتجرب على ذاتها.  ويمكنها أن تتغير بحكم ما لاحظته وما جربت عليه، كما يمكنها أن تؤثر في الظاهرة المدروسة. إن الوضعية التي تجعل من موضعة الظاهرة الإنسانية صعبة هنا مقارنة بالعلوم الطبيعية، هي وضعية التداخل بين الذات والموضوع. هذا التداخل يتجلى بشكل بارز في ما سماه بياجي بتمركز الذات حول ذاتها. ويرجع ذلك إلى سببين وهما حسب بياجي: ” أولهما، أن الحد الفاصل بين الذات المتمركزة حول ذاتها والذات العارفة يكون أقل وضوحا عندما تكون أنا الملاحظ جزءا من الظاهرة التي يجب عليه أن يدرسها من الخارج، ثانيهما، يكمن في أن الملاحظ يكون أكثر ميلا للاعتقاد في معرفته الحدسية بالوقائع لانخراطه في هذه الأخيرة ولإضفائه قيما محددة عليها، مما يجعله أقل إحساسا بضرورة التقنيات الموضوعية”

وفي نفس السياق يضيف بياجي قائلا:  وباختصار فإن الوضعية الإبستمولوجيا المركزية في علوم الإنسان تكمن في كون الإنسان ذاتا وموضوعا، بل ذاتا واعية ومتكلمة وقادرة على أنواع من الترميز، مما يجعل الموضوعية وشروطها الأولية المتمثلة أساسا في إزاحة تمركز الذات من حول ذاتها (…) فالعَالِمُ لا يكون أبدا عالِما معزولاً، بل هو ملتزم بشكل ما بموقف فلسفي أو إيديولوجي”

خلاصة 

حاصل القول، أن إشكال موضوعة الظاهرة الإنسانية فتح نقاشا وسجالا حادا بين علماء الإنسان على الخصوص، ولعل ما تبين لنا بعد تناولنا للإشكال، هو أن هناك من بين علماء الإنسان من ذهب إلى إمكانية موضعة الظاهرة الإنسانية، معللا ذلك بكون الظاهرة الإنسانية كالظاهرة الطبيعية. وهناك من اعترض على ذلك، مبررا موقفه بكون الظاهرة الإنسانية تتميز عن الظاهرة الطبيعية بمجموعة من المميزات؛ كالوعية والتغير…

(تقديم المفهوم + تأطير إشكالي ومواقف وتركيب كل محور من المحاور الثلاثة للمفهوم + خلاصة عامة للمفهوم)

المفهوم الثالث: العلوم الإنسانية

تقديم المفهوم

إن كان الإنسان ومنذ أمد تاريخي بعيد هو تلك الذات الحاملة للمعرفة العلمية، والتي استطاعت السيطرة على الطبيعة واستكناه جوهر نظمها وحتمياتها وقوانينها؛ فإنه وبعد أن تمكن فعلا من الاستحواذ على تلك الطبيعة، سيصير هو نفسه موضوعا للمعرفة. وهي المعرفة التي تم تأطيرها ضمن ما يسمى بالعلوم الإنسانية؛ كعلوم تسعى إلى دراسة هذا الإنسان، قياسا واستلهاما للنموذج الناجح في العلوم الحقة. وهنا سيبدأ التفكير في إمكانية الوصول إلى معرفة موضوعية بذات الإنسان، سواء كانت تلك المعرفة قائمة على نهج العلوم الطبيعية أم على مبتكراتها المنهجية الخاصة التي يمكن أن تميزها في ذاتيتها وشموليتها، وتعكس علميتها. لكن في هذه النقطة بالتحديد، ستصطدم العلوم الإنسانية بجملة من الصعوبات على مستوى موضعة الظاهرة الإنسانية، وعلى مستوى المنهج الملائم لموضوعها والنموذج الذي يصلح للاختبار عليها. فكان أن طرحت الإشكالات التالية عليها: ألا تستطيع العلوم الإنسانية أن تقدم معرفة موضوعية وعلمية بالظواهر الإنسانية؟ وهل يمكن موضعة هذه الظواهر وتفسيرها سببيا؟ أم أنه ينبغي في مقابل التفسير الوضعي السببي فهم الفعل الإنساني وتأويله؟ ثم، هل يمكن لهذه العلوم تقليد النموذج العلمي التجريبي الدقيق على الظاهرة الإنسانية أم أن خصوصية هذه الظاهرة المتميزة بفرادتها وتعدد أبعادها تلغي هذه الإمكانية؟ وإذا كان الخيار الثاني هو المرجح، فما هو نموذج العلمية الذي تقترحه العلوم الإنسانية إذن؟

المحور الأول : موضعة الظاهرة الإنسانية

تأطير إشكالي للمحور : 

تطرح علمية علوم الإنسان مسألة إمكانية موضعة الظاهرة الإنسانية أو استحالتها موضع نقاش، يجعلنا نصوغ مشكلتها هاته كما يلي: هل تستطيع العلوم الإنسانية أن تنتج معرفة موضوعية وعلمية للظواهر الإنسانية؟ بمعنى آخر، هل يمكن أن يكون الإنسان ذاتا للمعرفة وموضوعا لها في الآن نفسه؟ ثم ألا يشكل تداخل ذات الدارس بموضوع الدراسة عائقا أمام تحقيق موضوعية العلوم الإنسانية؟

موقف جون بياجي

إن صعوبة تحقيق الموضوعية في العلوم الإنسانية على غرار العلوم الحقة ناتجة عن تلك العلاقة التداخلية المعقدة بين الذات والموضوع، فالإنسان هو الدارس، وهو أيضا موضوع الدراسة، إنه جزء من الظاهرة التي يجب أن يدرسها من الخارج، كما أنه أكثر ميلا للاعتقاد في معرفته الحدسية بالوقائع لانخراطه فيها وإضفائه قيما محددة عليها، وهذا ما يقف عائقا أمام تحقيق موضوعية العلوم الإنسانية، والتي لن تتحقق بالفعل إلا بإزالة تمركز الذات حول ذاتها لتكون أكثر حيادية وموضوعية. (العالم لا یکون أبدا عالما معزولا، بل هو ملتزم بشكل ما بموقف فلسفي أو إيديولوجي).

موقف فرانسوا باستيان:

إذا كانت مجهودات علماء الاجتماع وأبحاثهم قد سارت في اتجاه تحقيق تباعد الباحث عن جماعته والتحكم في انخراطه فيها احتراما لمبدإ الحياد العلمي، فإن هذه المسألة ظلت مفارقة كبرى يعيشها الممارس الباحث في مجال العلوم الاجتماعية، فهو جزء من الجماعة التي يدرسها، وفي نفس الوقت مطالب بالتموضع خارج جماعته الاجتماعية تلك، وأن يبقى في منأى عن قيمه وتصوراته، ومن ثم فهو لا يقدر على أن يكون محايدا حتى ولو رغب في ذلك. وعليه فموضعة الظاهرة الإنسانية تبقى مسألة مستبعدة التحقق. (لا يمكن للباحث الانعزال أو الابتعاد عن العالم الاجتماعي، حتى لو رغب في ذلك).

موقف لوسيان غولدمان:  

يؤكد على الاختلاف الجذري الحاصل بين شروط عمل علماء العلوم الإنسانية وشروط عمل علماء العلوم الحقة، وذلك راجع إلى التصاق الذات العارفة بموضوع المعرفة، مما يبقي على عجز العلوم الإنسانية عن استيفاء شروط الموضوعية لأن الباحث في تصديه للظاهرة الإنسانية لا يستطيع أن (يضع ذاته بين قوسين) ويجد عسرا في التخلص من أحكامه القبلية ومواقفه المضمرة ونوازعه اللاواعية. مما يجعل موضعة الظاهرة الإنسانية أمرا مستحيلا. (إن الباحث يتصدى في الغالب، للوقائع مزودا بمفاهيم قبلية ومقولات مضمرة ولاواعية تسد عليه طريق الفهم الموضوعي بشكل قبلي).

موقف دوفرين:  

يرفض اعتبار الإنسان موضوعا مثل بقية موضوعات الطبيعة، لما في الأمر من استلاب لسمات الإنسان الوجودية وخصائصه المميزة له، والتي تضفي عليه طابعه المتفرد. ولهذا ينبغي النظر إلى الإنسان في تعدد وتفرد أبعاده (اللغة، اللاوعي، التاريخ…)، على اعتبار أن الظواهر الإنسانية الملتصقة به، تتميز بدورها بتعدد أبعادها على عكس الظواهر الطبيعية، وهذا يستوجب مراعاة خصوصية الظاهرة الإنسانية، وتفادي أي تضييع لها أو أية محاولة لإفقادها مميزاتها وهويتها. (لقد فقد الإنسان إحداثياته بالنسبة للعلم… ولكن مع ذلك يظل الإنسان هو هذا الإنسان عينه. أي الفرد. أي ذاك الذي يشبهني ويختلف عني أيضا).

موقف بوفريس: 

رغم نجاح العلوم الإنسانية في حسم التنافس مع الفلسفة، بعد أن بدت كأنها أخر فتوحات الروح العلمية، خصوصا وأنها نشأت في نهاية القرن التاسع عشر، في سياق إبيستمولوجي مخصوص يطبعه الطموح في تطبيق النموذج الفيزيائي التجريبي على دراسة الإنسان، فإنها مع ذلك لم تستطع أن تفي بشرط الموضوعية، لأن المعرفة التي يكونها الإنسان عن نفسه تبقى دائما، وبعيدا عن أن تكون محايدة، بل مشبعة بالذاتية. مما يعيق تحقق الموضوعية في العلوم الإنسانية، (من المستحيل مبدئيا أن تتمكن العلوم الإنسانية من بلوغ موضوعية مطلقة، أو على الأقل التخلي عن جزء من أهدافها والاكتفاء بدراسة المظاهر الأولية من الحقيقة أو الواقعة الإنسانية).

موقف كلود ليفي ستراوس:  

يرى بأن المصادرة التي يقوم عليها البحث العلمي، والمتجلية في ثنائية الذات الملاحظة والموضوع الملاحظ، لا تقف عند حدود العلوم الإنسانية، بل تمتد إلى جل العلوم الدقيقة والطبيعية. وإذا كانت العلوم الاجتماعية والإنسانية علوما بالفعل، فهي ملزمة بالمحافظة على هذه الثنائية والعمل على نقلها إلى داخل الإنسان حتى تترسخ القطيعة التي تفصل بين الإنسان الملاحِظ والإنسان الملاحَظ. وهذا الأخير لا ينبغي أن يكون موضوعا للتجربة فقط، بل أن لا يشعر أنه كذلك، وإلا تدخل وعيه لتغيير مسار التجربة. (هكذا يبدو أن الوعي هو بمثابة العدو الخفي لعلوم الإنسان، إنه وعي عفوي يتخذ مظهرين؛ أحدهما يرتبط بموضوع الملاحظة وثانيهما بالفكر، أي بالوعي المفكر – أو وعي الوعي – لدى العالم).

موقف ميشيل فوكو:  

إذا كانت العلوم الإنسانية تهتم بالإنسان باعتباره يتميز بمجموعة من الخصوصيات (اللغة، الحياة، الشغل…)، فإن هذه الأشياء تتشاركه معها مجموعة من العلوم الأخرى كعلم الاقتصاد وعلم الأحياء والفيلولوجيا. وبالتالي فالظاهرة الإنسانية، باعتبارها ظاهرة معقدة ومركبة ومتعددة الأبعاد، تبقى نقطة لتقاطع مجموعة من العلوم؛ مما يجعل دراستها أمرا صعبا. (يمكننا إذن تحديد موقع العلوم الإنسانية في نقطة التجاور، وفي الحدود المباشرة وعلى طول هذه العلوم التي تهتم بمسألة الحياة أو الشغل أو اللغة).

تركيب عام للمحور: 

هكذا إذن، تجمع جل التصورات تقريبا على أن موضعة التظاهرة الإنسانية مسالة تواجهها مجموعة من الصعوبات، فمن جهة، هنالك تداخل بين الذات والموضوع، يتعذر معه فصل ذات الباحث الاجتماعي (الذات الملاحظة) عن موضوع الدراسة (الموضوع الملا حظ). ومن جهة أخرى، يضاف إلى ذلك أن هذه الظاهرة الإنسانية المشبعة بالذاتية هي ظاهرة متفردة ومتعددة الأبعاد لا يمكن اختزالها في عنصر واحد لأن ذلك من شأنه أن يفقدها خصوصياتها.

المحور الثاني : التفسير والفهم في العلوم الإنسانية

تأطير إشكالي للمحور :

يتخذ التفسير مكانة مرموقة في العلوم الدقيقة، بل بشكل إلى جانب التنبؤ النواة الصلبة للعقلنة الطبيعية، فهل يمكن اتخاذه كمنهج ملائم لموضوع العلوم الإنسانية؟ ثم ألا يفرض اختلاف موضوع العلوم الطبيعية عن موضوع العلوم الإنسانية على هذه الأخيرة أن تبحث عن منهج آخر يلائمها قد يكون هو الفهم أو التأويل أو أي منهج أخر؟

موقف فيلهام دلتاي

يرفض التصورات القائمة على المنهج التجريبي في العلوم الإنسانية لأن هذه الأخيرة علوم روحية، تختلف مناهجها عن مناهج العلوم الحقة، ولأن الظاهرة الإنسانية ظاهرة تفهم وتؤول ولا تفسر، انطلاقا من كونها كلا لا يقبل التجزيء، يتداخل فيه ما هو نفسي بما هو اجتماعي، ويتم النفاذ إليه كتجربة داخلية عبر الفهم والتأويل، وذلك بخلاف العلوم الطبيعية التي تعتمد على التفسير بحكم أنها ذات مواضيع معزولة وخارجية. وتنطلق من الجزء في اتجاه الكل. (نفسر الطبيعة ونفهم الحياة النفسية).

موقف كلود ليفي ستراوس  

إذا كانت العلوم الدقيقة قد استطاعت الفصل بين عمليتي التفسير والتنبؤ، وحققت تقدما هائلا بفضلهما، فإن العلوم الإنسانية محكوم عليها بأن تحتل موقعا وسطا بين التفسير والتنبؤ؛ ذلك أن تفسيراتها فضفاضة وتقريبية وغير دقيقة، كما أن تنبؤاتها خاطئة في غالب الأحيان وغير يقينية، ومع ذلك فهي تقدم مثالا وسيطا بين المعرفة الخالصة القائمة على التفسير، والمعرفة النافعة القائمة على التنبؤ. (والحقيقة أن العلوم الإنسانية تجد نفسها في وسط الطريق بين التفسير والتنبؤ، كما لو كانت عاجزة عن السير في اتجاه التفسير أو في اتجاه التنبؤ).

موقف جيل غاستون غرانجي

 يرى أن نشاط العقل في الظواهر الإنسانية يتراوح بين نموذجين معرفيين هما: التفسير والفهم؛ فالتفسير هو كشف للعلاقات السببية الثابتة التي توجد بين عدد من الحوادث والوقائع، واستنتاج أن الظواهر المدروسة تنشأ عنها، وهذا ما يجعل العلوم الإنسانية ذات طبيعة تفسيرية موضوعية، بينما الفهم هو نشاط عقلي تأويلي، يرمي إلى فهم الفعل الإنساني، لكنه يبقى منهجا محدودا، لأنه يصبح عائقا أمام فعالية العقل في العلوم الإنسانية، ولأن المعرفة التي يقوم عليها هي معرفة مقصرة مشبعة بالذاتية وتجنح إلى متاهات الأسطورة والسحر. (إن المعرفة التي تتأسس على الفهم فقط هي معرفة مسرفة في مقتضياتها ومطالبها ومقصرة فيها بآن واحد).

موقف جول مونرو:

 يشدد على أهمية الفهم وقيمته الأساسية في إدراك المعاني واستخلاص الدلالات، انطلاقا من تجارب الذات الوجودية المباشرة، ذلك أنه بإمكان الذات فهم الواقعة الإنسانية من خلال اعتمادها على البداهة والوضوء كخاصيتين تميزان ظاهرة الفهم، وهذا ما يجعل الفهم منهجا كافيا ومكتفيا بذاته، وهنا يبرز نقد مونرو للنزعة الوضعية التي تسعى إلى تفسير الظاهرة تفسيرا سببيا ووضعيا يقلد نموذج العلوم الحقة. (الفهم هو بداهة مباشرة في حين أن التفسير هو تبرير أو تعليل حدوث ظاهرة ما بافتراض ظاهرة أخرى).

موقف أوغست كونت

 يرى رائد النزعة الوضعية ومؤسس الفيزياء الاجتماعية التي ستعرف فيما بعد باسم «علم الاجتماع» أنه بالإمكان دراسة الظواهر الإنسانية دراسة موضوعية ومادية، تفصل الظواهر عن كل تناول لاهوتي أو ميتافيزيقي، وحصرها في المنهج الوضعي، وذلك إن دل على شيء، فإنما يدل على أن ما ينطبق على العلوم الحقة، ينطبق على الظاهرة الإنسانية من حيث جعلها قابلة للتجريب والقياس والترييض، وبالدرجة الأولى قابلة للتفسير الذي يكشف عن قواعد وقوانين اشتغال الظواهر المدروسة.

موقف كارل بوبر

يؤكد على تعارض المذهب التاريخي مع المذهب الطبيعي المنهجي في علم الاجتماع، لأن بعض مناهج العلوم الطبيعية لا يمكن تطبيقها على العلوم الاجتماعية؛ وذلك راجع إلى كون قوانين الطبيعة هي قوانين ثابتة وصادقة في كل زمان ومكان، وتنفلت من التاريخ، بينما القوانين الاجتماعية تتغير بتغير الزمان والمكان، وخاضعة لمنطق التاريخ، مما يجعلها ذات طابع نسبي، يحول دون القيام بتطبيق المنهج الفيزيقي (التعميم التجربة، التنبؤ الدقيق…) الكائن في علوم الطبيعة على العلوم الاجتماعية. (يقرر المذهب التاريخي أن اتصاف القوانين الاجتماعية بالنسبية التاريخية هو الذي يمنع من تطبيق المناهج الفيزيقية في علم الاجتماع).

موقف جوليان فروند

 يشير إلى النقاش التاريخي الذي ساد في أواخر القرن التاسع عشر حول الفروق المنهجية والإبيستمولوجية التي تميز العلوم الدقيقة عن العلوم الإنسانية، معتبرا أن الباحثين انقسموا إلى طرف يرى أن العلوم الإنسانية في خضوع وتبعية دائمة لعلوم الطبيعة، بينما يؤكد الطرف الثاني على استقلاليتها، لكن هذه الاستقلالية انتهت إلى التمييز بين منهج عام يقوم على أساس اختلاف الموضوع ومنهج خاص يقوم على وحدة الموضوع ورفض تجزئة الواقع. (وأيا يكن المنهج المعتمد، فإن كل واحد يقوم بعملية انتقاء من التنوع اللامحدود للواقع التجريبي).

موقف برونيسلاف مالينوفسكي

يشيد بالأنثروبولوجيا وقيمتها العلمية، من حيث توجهها نحو الثقافة باعتبارها بؤرة اهتمام العلوم الإنسانية، مما جعلها أكثر فتوة وجدة وحداثة . غير أن سعيها وغيرها من العلوم الإنسانية للاستفادة من المناهج العلمية التي سبقتها والتي تعتمدها العلوم الطبيعية بالدرجة الأولى، من شأنه أن يشكل خطورة على العلوم الإنسانية ولا يصلح لها، (هذه الخيوط التي تشد العلوم الإنسانية إلى العلوم الحقة أضرتها أكثر مما نفعتها).

تركيب عام للمحور:

تعبر هذه المواقف عن اختلاف وتباين حول وضعية العلوم الإنسانية بين الفهم والتفسير، فإذا كان (دلتاي) و(مونرو)، قد ألحا على ضرورة البحث عن منهج خاص يلائم خصوصية الظاهرة الإنسانية، يؤيد هما (بوبر) في ذلك، ويوافقهما (مالینوفسكي)، الذي ارتأى بأن تطبيق منهج العلوم الدقيقة على العلوم الإنسانية فيه من الضرر أكثر من النفع، مما يستدعي نوعا من الاستقلالية بينهما كما يشير إلى ذلك (فروند). وإذا كانا قد أكدا كذلك على أهمية الفهم في دراسة الظاهرة الإنسانية، منتقدين بذلك التصور الوضعي الذي يؤكد على التفسير كعنصر تجريبي يمكن تطبيقه على تلك الظاهرة (كونت)، فإن (ستراوس)، و(غرانجي) يريان بأن العلوم الإنسانية لا زالت تتأرجح بين التفسير والتنبؤ، أو بين التفسير والفهم، مما ينعكس سلبا عليها، باعتبار تفسيراتها غير دقيقة، وتنبؤاتها غير يقينية، وفهمها قاصر ومشبع بالحدس الذاتي. لكن يبقى مع ذلك هذا النقاش المختلف اتفاقا في حد ذاته، طالما أنه يحاول إيجاد قاسم مشترك يضمن تحقيق علمية علوم الإنسان بين التفسير والفهم والتنبؤ والتأويل.

المحور الثالث : نموذجية العلوم التجريبية

تأطير إشكالي للمحور :

تطرح نموذجية العلوم التجريبية نفسها كمعيار أو أساس يمكن تبنيه لإحقاق وتحقيق علمية العلوم الإنسانية وضمانها. فهل يصلح نموذج العلوم التجريبية حقا للتطبيق على العلوم الإنسانية؟ وأي حد من العلمية يمكن أن يحققه في هذه العلوم؟ ثم هل يمكنه أن يوصلها إلى تحقيق ما حققته العلوم التجريبية من علمية أم أنه ينبغي على العلوم الإنسانية أن تفكر في مناهج خاصة بها؟

موقف فيليب لابروت طولرا وَ جون بيير وارنيي

يعتبران التداخل القائم بين الذات والموضوع کوضع إبستيمولوجي تشهده العلوم الإنسانية، ينبغي أن يجعل الباحث كذات تدرك الموضوع، وأن تكون على استعداد لفهمه باعتباره مخالفها وأخرها؛ وذلك انطلاقا من محددات منهجية، تجعل الذات تنخرط في موضوع دراستها أو بحثها وتتفاعل معه، بل وتتحكم في علاقتها معه، وتلك تشكل مناسبة لتكيف المنهج التجريبي مع خصوصية الظاهرة الإنسانية. كما تبين أن لا قطيعة بين العلوم الإنسانية وعلوم الطبيعة، ما دامت الفيزياء المعاصرة نفسها تأخذ بعين الاعتبار عامل تدخل الملاحظ. (عندما تركز الإبستيمولوجيا المعاصرة على الحضور الضروري للذات في العلوم الإنسانية، فإنها لا تفعل شيئا آخر غير تحديد المطالب المنهجية الإضافية، التي ينبغي على العقل استيفاؤها لتكوين هذه العلوم).

موقف موريس ميرلوبونتي

يرى بأن الذات هي أساس كل معرفة ؛ فتجربتها المعيشة هي التي تشكل أساس المعرفة بذواتنا وعالمنا، لأن كل ما يستطيع الإنسان إدراكه واقعيا وبطريقة علمية، يتم عبر التجربة الذاتية الخاصة، التي تعبر عن عالم المعيش، هذا العالم الذي يبنى عليه عالم العلم بكامله، فيكون هذا الأخير تحديدا بعديا لتجربة العالم المعيش هاته وتفسيرا لها؛ وبذلك ينتقد (ميرلوبونتي) المعرفة العلمية الوضعية التي تتجاهل تجربة الذات، وتعتبرها مجرد لحظة من لحظات العالم أو موضوعا شيئيا. (إن وجهة النظر العلمية التي أكون بمقتضاها مجرد لحظة من لحظات العالم هي دائما وجهة نظر خادعة… يكون العالم حولي حسبها موضوعا ولا يوجد لأجلي).

موقف جان لادريير

يناقش النموذج العلمي المناسب لدراسة الظواهر الإنسانية، ويتردد في ذلك بين المنهج الذي أثبت جدارته في علوم الطبيعة، وهو النموذج الوضعي الذي يقارب الظاهرة المدروسة كشيء خارج ذات الباحث ؛ أي المماثلة الصورية بين الأنساق المادية والوقائع الاجتماعية. والمنهج التفهمي الذي يتخلى عن منهج العلوم الطبيعية، ويعنى بكل ما يتصل بنظام الدلالات ونسق المقاصد والغايات والقيم؛ أي كل ما يكون الوجه الداخلي للفعل، ولذلك فهو يخلص إلى ضرورة بل وأهمية تدشين صورة للعلمية مغايرة للعلمية في علوم الطبيعة. (إن الشيء الذي يظهر مهما في النهاية… ليس هو فكرة العلمية، بل هو عملية تطورية مماثلة في إطار مخالف لذلك الذي تولدت عنه علوم الطبيعة).

موقف إيميل دوركاييم

لا يمكن دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية، إن لم يكن التعامل معها كأشياء ؛ أي كوقائع خارجية تنفصل عن ذواتنا، وتجعلنا نتعامل بكثير من الحياد والموضوعية والصرامة العلمية على غرار ما يوجد في العلوم الطبيعية، وهذا ليس معناه القول بأن الظواهر الاجتماعية هي أشياء مادية، ولكنها جديرة بأن توصف بأنها «أشياء» أي كالظواهر الطبيعية تماما. ومن ثم فما ينطبق على هذه الأخيرة منهجيا، يشكل نموذجا يقتدى به لدى العلوم الإنسانية. (يجب ملاحظة الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء).

تركيب عام للمحور:

يتبين من المواقف السابقة أن تطبيق النموذج العلمي التجريبي على العلوم الإنسانية وإن كان ممكنا مع (دوركايم) الذي يقول بأن دراسة الظواهر الاجتماعية من الخارج، تتماشى وهذا النموذج، ومع (طولرا) و(وارنيي) اللذين يؤكدان على انخراط الذات في الموضوع يشكل مناسبة لتكييف المنهج التجريبي مع خصوصية الظاهرة الإنسانية، فإن هذا الأخير يصطدم بالانتقاد الموجه له من طرف (ميرلوبونتي)؛ وذلك من حيث أنه يغفل تجربة الذات الإنسانية في بناء المعرفة العلمية، كما يتواجه مع رؤية (لادريير)، التي تلح على ضرورة البحث عن مناهج خاصة بالعلوم الإنسانية مخالفة لنماذج العلوم التجريبية.

خلاصة عامة لمفهوم العلوم الإنسانية

إن ميلاد العلوم الإنسانية، ورغم طابعه المتأخر، لم يكن ليتم إلا في ارتباط بذاك المشروع الوضعي الساعي إلى تجاوز الخطابات اللاهوتية والميتافيزيقية حول الإنسان، والداعي إلى دراسة الظواهر الإنسانية دراسة علمية، تستلهم النموذج الجاهز للعلوم التجريبية، والذي ينظر إلى الظواهر الإنسانية كظواهر طبيعية يمكن إخضاعها للدراسة والتفسير العلميين باعتبارها وقائع خارجية مستقلة عن ذات الباحث. وذلك رغم ما تعرفه الظاهرة الإنسانية من تعقد، وما تطرحه من مشكلات إبستيمولوجية مرتبطة بالموضوع والمنهج والبناء النظري، فكان علم الاجتماع مقياسا لاختبار تلك العلمية. ولأن الظواهر والأفعال الإنسانية هي ظواهر واعية وإرادية، فقد طرحت أيضا صعوبة في موضعة الظاهرة الإنسانية؛ ولهذا فخصوصيتها أصبحت تؤكد على أهمية الذات باعتبارها واعية وقادرة على التدخل في المعرفة وبناء النظرية العلمية.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *