نشأة الفلسفة العلمية في اليونان

نشأة الفلسفة العلمية ً إن بلادنا تشهد اهتمام َّ ا غري مألوف باملشكلات الفلسفية،

تعدى نطاق املتخصصني ً وشمل عددا غري قليل من أصحاب الثقافات املتباينة التي قد لا يكون لها اتصال مباشر َّ بميدان الفلسفة. وهذا الاهتمام، في واقع الأمر، سلاح ذو حد ٍ ين؛ فهو من جهة يفيد الفلسفة ً رائها ودارسيها، ويجلب لها جمهورا لم ِّ فائدة لا شك فيها، من حيث إنه يوسع قاعدة قُ ً يكن أحد يتصور أن الفلسفة ستجتذبه يوما ما. ولعل هذا هو القصد الحقيقي من الدراسة الفلسفية؛ إذ لا ينبغي أن تكون الفلسفة مبحثًا يقتصر الاهتمام به على املتخصصني، وإنما ٍ ٍّ يجب أن تتغلغل في الحياة العقلية للمثقفني بوجه عام، وتساعد كلا ِ منهم على تكوين فهم َّ أعمق للعالم الذي يعيش فيه. ومن املؤكد أن اقتصار الاهتمام بالفلسفة على مجموعة من َ املحترفني الذين لا يفهم أسرار ِ ها ولا يحل شفراتها سواهم، هو مظهر تدهور لا مظهر ً تقدم للفكر الفلسفي، غري أن لاتساع قاعدة الاهتمام بالفلسفة على هذا النحو وجها آخر، نستطيع أن نصفه بأنه وجه سلبي؛ إذ إن املناقشة واملجادلة الفلسفية يمكن أن تهبط ً إلى مستو ٌ ى يشوبه قدر غري قليل من املغالطة؛ إذ كان أحد طرفَيها أو كلاهما من الهواة ً الذين يخوضون ميدان الجدل وكأنهم متخصصون. ولقد كان واضحا، في املعركة الفكرية ً املتعلقة بالوضعية املنطقية، أن قدرا كبريًا من الخلاف يرجع إلى التسرع في فهم الآراء موضوع البحث، أو تحميلها من املعاني فوق ما تحتمل، أو الانتقال بها من مجال إلى مجال آخر على نحو غري مشروع؛ وهذه كلها أمور يمكن معالجتها بالرجوع إلى املصادر الأصلية، ودراستها بأناة وروية. ِّ ولو اتخذنا الكتاب الذي أقد ً م ها هنا ترجمته مثلا ِّ ، لوجدنا أن الدراسة املتمع ِ نة لما ً قنع الباحث بأن قدرا كبريًا من الخلاف بني أنصار الوضعية ورد فيه من الآراء كفيلةٌ بأن تُ املنطقية وبني خصومها، ممن ينتقدونها على أساس أنها ليست علمية كما ينبغي، أو ليست علمية على الإطلاق، هو في واقع الأمر خلاف وهمي؛ لأن بني الطرفَني نقاط التقاء تزيد ٌّ بكثري على ما يظن كل منهما للوهلة الأولى. ولنضرب بعض الأمثلة لنقاط الالتقاء هذه، َ مستمَّدة من الآراء الفعلية التي وردت في هذا الكتاب: (١ (إن الحملة على التفكري امليتافيزيقي سمةٌ مشتركة واضحة بني هذا الكتاب وبني َّ ف هذا الكتاب قد كرس الخصوم العلميني للوضعية املنطقية. وسوف يتضح للقارئ أن مؤلِّ جزءًا كبريًا منه لبيان الأخطار الناجمة عن الاستخدام الخالص للعقل، والاعتقاد بأن في استطاعة الذهن البشري أن يستخلص من ذاته، ودون رجوع إلى املصادر الفعلية للمعرفة، ِنكره. ًعلم ً ا كاملا بالكون وبالإنسان. وهذا اتجاه لا أظن أن أية فلسفة علمية تُ 8مقدمة املترجم (٢ ٌ (ويرتبط بالحملة السلبية السابقة اتجاه إيجابي إلى الدفاع عن العلم، من حيث إنه أفضل ما في متناول أيدينا من وسائل اكتساب املعرفة؛ فالفكرة العامة التي يدافع عنها مؤلف الكتاب، هي أن الإجابات التأملية عن الأسئلة الفلسفية قد أخفقت طوال ما يزيد عن ِّ ي عام، على حني أن العلم قد بدأ، منذ القرن التاسع عشر بوجه خاص، يقدم إجابات ألفَ ُ حقيقية م ِقنعة على كثري من الأسئلة التي طاملا تخبَّط فيها امليتافيزيقيون، بل إن املؤلف يسعى إلى توسيع نطاق العلم حتى في املجالات التي يُ َظن أنها لا تخضع للقوانني العلمية؛ ِّ فهو يقدم في فصول كثرية، ولا سيَّ ً ما في الفصل الأخري، دفاع ٍّ ا حارا عن خضوع دراسة ُّ املجتمع لقوانني علمية مشابهة لتلك التي تخضع لها دراسة الطبيعة، ويرد على الاعتراضات َّوجه إلى هذا الرأي، ولا سيَّما القول بأن الظاهرة الاجتماعية فردية لا تتكرر، وهذا التي تُ بدوره رأي تُدافع عنه كل فلسفة علمية. (٣ (ويحرص املؤلف في شتى املواقف على إنكار التفسري الغائي للظواهر، وتأكيد َّ التفسري السببي لها، وقد أكد موقفه هذا بوجه خاص في الفصل الثاني عشر (الخاص َ بالتطور)، وهاج ٍ م الغائية بشدة في ميدان يَُع َ د من أقوى معاقلها، وهو ميدان البيولوجيا. (٤ (ِّ ويؤكد املؤلف أهمية العمل الجماعي، لا الفردي، في الفلسفة والعلم الحديث، ابتداءً من القرن التاسع عشر، ويرى أن أية محاولة لفهم الفترة العلمية الحديثة على أساس ُّ أنها نتاج عبقرية فردية لا بد أن يكون مآلها إلى الإخفاق، بل إنه يرد القدرة على التجريد الفلسفي، الذي يسود الاعتقاد بأنه فردي بطبيعته، إلى أصول اجتماعية، فيقول: «إن نمو تُلازم الحضارة الصناعية بالضرورة» (الفصل السابع). القدرة على التجريد ظاهرةٌ (٥ (هناك اتجاه واضح إلى الحملة على املثالية في جميع صفحات الكتاب، ولا سيَّما بعض الاتجاهات املثالية املعاصرة التي تستغل نتائج الكشوف الفيزيائية في القرن العشرين من ٍ أجل دعم موقفها، وهو يحرص على الفصل بوضوح قاطع بني نتائج تلك الكشوف وبني املوقف املثالي الفلسفي، ولا يرى أي مبرِّر لاستناد املثالية على العلم املعاصر، بل إنه في تفسريه العام للمثالية، يُحاول أن يصل إلى التركيب الأعلى infrastructure الذي يجعل الفيلسوف مثاليٍّ ٌ ا. وصحيح أن نوع التركيب الأدنى الذي يقول به قد لا يلقى موافقة من الجميع، ولكن املهم في الأمر هو أنه يحاول الإتيان بتعليل للتفكري امليتافيزيقي املثالي، ويرده إلى أصل ذي طابع عملي، بل إن هذا الطابع العملي يتخذ في بعض الأحيان صبغة ُّ اجتماعية طبقية، كما هي الحال في تعليله للمذهب الأخلاقي عند «كانت» (الفصل الرابع؛ ً وانظر أيضا الفصل السابع عشر). 9نشأة الفلسفة العلمية َّقرها الفلسفات العلمية على أن في الكتاب، دون شك، عناصرأخرى سلبية لا يمكن أن تُ التي تسري في اتجاه مستقل عن الوضعية املنطقية. ومن هذه العناصر: (١ ُ (تأكيده امل ِفرط للتفسري النفسي للفلسفة، ولا سيَّما في الفصول الأولى من الكتاب؛ فهو يجعل للنظرة النفسية أهمية كبرى في تفسري أخطاء املذاهب امليتافيزيقية، ويذهب إلى َرد كلها إلى عناصر نفسية معيَّنة، مثل سعي الفلاسفة إلى اليقني، وهو أن هذه الأخطاء تُ َّ نوع من التماس «الأمان» في الحقائق اليقينية، وغري ذلك من العناصر النفسية التي عددها املؤلف في الفصلَني الثاني والثالث من كتابه. ومع اعترافنا بأن لهذا التفسري النفسي للأخطاء الفلسفية أهميته (وقد سبق أن أبدى ً به فيلسوف مثل نيتشه اهتماما كبريً ً ا، وجعله محورا لكثري من آرائه في تاريخ الفلسفة وطبيعة مشكلاتها)، فمن الواجب أن نتذكر أن هناك عناصر أخرى ينبغي أن تضاف إليه، قد يكون من أهمها العنصرالتاريخي والاجتماعي، الذي لم يُ ِبد ً املؤلف به إلا اهتمام ً ا ضئيلا. ً ونستطيع أن نضرب مثلا ً واحد ِّ ا لقصور هذا التعليل بما حاول املؤلف أن يفسر به أخطاء ديكارت امليتافيزيقية؛ فهو في الفصل الثالث يُبدي دهشته من وقوع رياضي كبري مثل ديكارت في أخطاء استدلالية واضحة، مثل «أنا أفكر إذن أنا موجود»، ومثل الاستدلال على وجود العالم من كون الله صادقًا. ويعلِّل ذلك بأن البحث عن اليقني النفسي يُعمي بصرية ِكمله تعليلات تاريخية ٌ املفكر، ولكن مثل هذا التعليل، حتى لو صح، ناقص، ولا بد أن تُ ِّ توض ٍ ح موقف ديكارت في عصر لم تكن آثار العصور الوسطى قد زالت فيها بعد، وبقاء كثري من الرواسب اللاهوتية في أذهان مفكري ذلك العصر، وكيف أن ديكارت عرف املصري الذي لقيه عالم مثل جاليليو على أيدي رجال اللاهوت واتعظ به … إلخ. وبالاختصار، ً ل إلا عنصر ً ا واحدا ينبغي أن يكتمل بعناصر فالتعليل النفسي للأخطاء الفلسفية لا يمثِّ َّ أخرى، ومن املؤك ً د أن املؤلف كان مبالغا حني قال: «إن دراسته (أي العامل النفسي) خليقة بأن تُلقي على معنى املذاهب الفلسفية ضوءًا أعظم مما تُ ُّ لقيه عليها كل محاولات التحليل املنطقي لهذه املذاهب.» (٢ (يتحمس مؤلف الكتاب لرأيه في الطبيعة الاحتمالية للمعرفة، وفي أن قضايانا املعرفية كلها «ترجيحات»، فيذهب إلى حد تطبيق هذا الرأي على مشكلة وجود العالم الفيزيائي، ُّ ح فحسب، وأنه ناتج عن استقراء، وأن احتمال تحول الواقع ِّ ويؤك ٌ د أن هذا الوجود أمر َّ مرج ُّ ق. ولست أود ٌ إلى حلم قائم ٍ على الدوام، ويحول بيننا وبني تأكيد ذلك الواقع على نحو ُمطلَ 10مقدمة املترجم َّ أن أدخل في نقاش حول هذا الرأي، الذي أعتقد أنني قد ً مت له تفنيد َّ ا مفصًلا في موضع 1 ويكفي أن أشري إلى نتيجة هذا التفنيد، وهي أن الاعتقاد بأن الحلم أو الوهم أو خداع آخر. َعرف ٌ املعرفة شامل، هو اعتقاد متناقض مع نفسه، وهو مستحيل فلسفيٍّا؛ لأن الحلم لا يُ ً بوصفه حلم ً ا إلا لوجود واقع في مقابله، ولأن الخداع لا يكون خداعا إلا لأننا نقيسه على ِّ أساس معرفة صحيحة لا بد أن تكون موجودة إلى جانبه. والحقيقة التي أود أن أسجلها ٌ في هذا الصدد هي أن رأي املؤلف القائل إن وجود العالم الفيزيائي أمر َّ مرجح، أو له درجة َّ ا على عناصر مثالية لا تقل قوة عن تلك التي كرس معظم كبرية من الاحتمال، ينطوي ضمنً الكتاب ملحاربتها. (٣ (وأخريًا، فأخشى أن أقول إن الهدف العام للمؤلف، وهو أن تسترشد الفلسفة على الدوام بنتائج العلم، يؤدي إلى القضاء على الفلسفة، على الرغم من أن الغرض منه هو إرساؤها على دعائم أمتن من تلك التي ارتكزت عليها املذاهب التأملية التقليدية؛ فهذا ِّ الهدف يؤدي إلى وقوف الفلسفة موقف الانتظار أمام العلم؛ إذ تتلقى ما يقدمه لها العلم من حلول، وتكتفي بتسجيلها بأسلوبها الخاص فحسب. وما دام العلم في تطور ونمو ً مستمر، فإن نفس النتائج العلمية التي اعتقد املؤلف أنها تكون حلولا إيجابية لأقدم ً املشكلات الفلسفية، سوف تصبح عتيقة يوم َّ ا ما، ويتعني َ على الفلسفة أن تنتظر في مذلة ِّ ما يقدمه إليها العلم من حلول جديدة. وقد يكون هذا املوقف أفضل من مكابرة بعض الاتجاهات الفلسفية التقليدية وتعديها َّ على ميادين ينبغي أن تترك فيها الكلمة الأخرية للعلم، ولكن من املؤكد أن ما ستأتي به الفلسفة لو طبَّ ً ق البرنامج الذي يقترحه املؤلف لن يكون «حلولا» ملشكلاتها، بل سيكون ٍ تترك الفلسفة في مركز ثانوي تفنينًا وصياغة فلسفية لبعض النتائج العلمية، وهي مهمةٌ على الدوام، ولا تدع لها أية فرصة للمبادرة الخلاقة. وإذن، ففي الكتاب جوانب إيجابية وأخرى سلبية. ولست أزعم أنني أحطت في هذا العرض السريع بكل هذه الجوانب، ولكن كل ما أردته هو أن أشري إلى نماذج منها؛ لكي أستخلص النتيجة التي أود أن أصل إليها بالنسبة إلى املعركة الفكرية التي أشرت إليها في 1 انظر للمترجم كتاب «نظرية املعرفة»، مكتبة النهضة املصرية، القاهرة ١٩٦٢م، وخاصة التذييل الأخري بعنوان «حجة الأحلام في نظرية املعرفة». 11نشأة الفلسفة العلمية مستهل هذه املقدمة؛ فلنقرأ كتابًا كهذا، بوصفه تعبريًا عن وجهة نظر واحد من املمثِّلني ُّ الأصليني للمذهب الذي نود ٍ أن ننقده، ولنتأمل بإمعان ما فيه من أفكار، وليكن حكمنا عليه موضوعيٍّ ً ا، بعيدا عن الحساسيات والتعبريات الانفعالية املتطرفة؛ حتى ترتسم في أذهاننا، بعد مطالعته، صورةٌ مكتملة عن العناصر الإيجابية والسلبية فيه، وفي املذهب الذي يمثِّله، َ ونستطيع آخر الأمر أن نخرج منه برأي علمي هادئ في مشكلة الخلاف بني الوضعية املنطقية وبني خصومها. بقيت كلمة أخرية عن مؤلف الكتاب، وهو هانز ريشنباخ Reichenbach Hans ،وعن ُ أهم مؤلفاته؛ فقد ولد ريشنباخ في هامبورج عام ١٨٩١م، وشغل منذ عام ١٩٢٦م حتى عام ١٩٣٣م منصب أستاذ بجامعة برلني، ثم انتقل إلى جامعة إسطنبول في عام ١٩٣٣م (سنة الحكم النازي). وفي عام ١٩٣٨م (قبل الحرب العاملية الثانية مباشرة) رحل إلى الولايات املتحدة، حيث شغل منصب أستاذ الفلسفة بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجليس حتى وفاته في عام ١٩٥٣م. ويَُع ِّ د ريشنباخ من املؤسسني الأوائل لحلقة (أو جماعة) فيينا؛ وبالتالي فهو من أكبر ممثِّلي النزعة الوضعية الجديدة. وأهم مؤلفاته التي كتبها بالأملانية: (١ (نسق البديهيات في النظرية النسبية في املكان-الزمان (١٩٢٠م) der Axiomatik .relativistischen Raum-Zeit Lehre (٢ (أهداف فلسفة الطبيعة الحالية واتجاهاتها (١٩٣١م) der Wege und Ziele .heutigen Naturphilosophie (٣ (نظرية الاحتمالات (١٩٣٥م) Wahrscheinlichtkeitslehre. أما مؤلفاته بالإنجليزية فأهمها: .Experience and Prediction (م١٩٣٨) والتنبؤ التجربة) ٤) .From Copernicus to Einstein (م١٩٤٢) أينشتني إلى كوبرنيكوس من) ٥) (٦ (الأسس الفلسفية مليكانيكا الكوانتم (١٩٤٤م) of Foundations Philosophical .Quantum Mechanics .The Rise of Scientific Philosophy (م١٩٥١) العلمية الفلسفة نشأة) ٧) 12مقدمة املترجم ِشر بعد وفاته من أوراقه املخلَّفة هو: وله أخريًا كتاب نُ .Modern Philosophy of Science (م١٩٥٩) الحديثة العلمية الفلسفة) ٨) القاهرة يناير ١٩٦٧م فؤاد زكريا 13تصدير يرى الكثريون أن الفلسفة لا تنفصل عن التأمل النظري، ويعتقدون أن الفيلسوف لا يستطيع استخدام مناهج تُتيح البرهنة على املعرفة، سواء أكانت معرفة وقائع أم علاقات ٍ منطقية، وأن عليه أن يتحدث بلغة لا تقبل التحقيق؛ أي إن الفلسفة، بالاختصار، ليست ًعلم ِّ ا. وهدف الكتاب الذي نقدمه ها هنا هو إثبات الرأي العكسي؛ فهذا الكتاب يرتكز على الفكرة القائلة إن التأمل النظري الفلسفي مرحلة عابرة، تحدث عندما تُثار املشكلات ٍ الفلسفية في وقت لا تتوافر فيه الوسائل املنطقية لحلها. وهو يذهب إلى أن هناك، على الدوام، ِثبت أنه قد انبثقت من هذا الأصل فلسفة ُّ نظرة علمية إلى الفلسفة، ويود هذا الكتاب أن يُ علمية، وجدت في علوم عصرنا أداةً لحل تلك املشكلات التي لم تكن في العهود املاضية إلا لِّف بقصد إثبات أن الفلسفة قد ُ ً موضوعا للتخمني. وبعبارة مختصرة: فهذا الكتاب قد أ انتقلت من مرحلة التأمل النظري إلى مرحلة العلم. ومن الضروري أن يكون مثل هذا العرض نقديٍّ ً ا في تحليله للمراحل الأقدم عهدا في التفكري الفلسفي؛ لذلك أخذ هذا الكتاب على عاتقه، في الباب الأول منه، اختبار نواحي النقص في الفلسفة التقليدية. ويهدف هذا الجزء من بحثنا إلى إيضاح الجذور النفسية التي نما التأمل الفلسفي منها، ومن هنا فهو يتخذ صورة هجوم على ما أطلق عليه فرانسس بيكن اسم «أوهام املسرح». والواقع أن هذه الأوهام، املتعلقة باملذاهب الفلسفية املاضية، ما زال لها من القوة ما يكفيها لكي تظل تتحدى النقد بعد ثلاثة قرون من وفاة بيكن. أما الباب الثاني من هذا الكتاب فينتقل إلى عرض للفلسفة العلمية، ويحاول جمع النتائج الفلسفية التي ظهرت نتيجةً لتحليل العلم الحديث واستخدام املنطق الرمزي. وعلى الرغم من أن هذا الكتاب يتناول املذاهب الفلسفية والتفكري العلمي، فإن مؤلفه لم يفترض في القارئ معرفة بالاصطلاحات الفنية للموضوع الذي يعالجه؛ فهو يتضمننشأة الفلسفة العلمية ً على الدوام شرحا للمفاهيم والنظريات الفلسفية، يسري جنبًا إلى جنب مع ما يُ َّوجه إليها من نقد. ومع أن الكتاب يبحث في التحليل املنطقي للرياضة والفيزياء الحديثتَني، فإنه لا يفترض في القارئ أن يكون رياضيٍّا أو فيزيائيٍّا، فإن كان لدى القارئ من الحس السليم ما يكفي لكي يبعث فيه الرغبة في أن يعرف أكثر مما يمكن أن يعرفه بالحس السليم وحده، ً فإنه يكون قادرا على تتبُّع مناقشات هذا الكتاب. وإذن فمن املمكن استخدام هذا الكتاب مقدمة للفلسفة، وللفلسفة العلمية بوجه خاص. ومع ذلك فليس الهدف منه تقديم ما يُ َّسمى بالعرض «املوضوعي» للمعلومات الفلسفية التقليدية؛ إذ إنه لا يحاول عرض املذاهب الفلسفية بطريقة الشارح الذي يود َ راءه بأن من املمكن فهم كل ٍ الاهتداء إلى قدر من الحقيقة في كل فلسفة، ويأمل أن يُ ِقنع قُ مذهب فلسفي؛ ذلك لأن هذه الطريقة في تعليم الفلسفة ليست ناجحة كل النجاح؛ فقد ِّ وجد الكثريون، ممن أرادوا دراسة الفلسفة من خلال كتب تزعم أنها تقد ً م لها عرضا ُت م ِ ستغلقة على أفهامهم، وحاول غري هؤلاء أن موضوعيٍّا، أن النظريات الفلسفية قد ظلَّ يفهموا املذاهب الفلسفية على قدر استطاعتهم، وأن يجمعوا بني نتائج الفلسفة ونتائج َّ العلم، ولكن تبني لهم أنهم لا يستطيعون الجمع بني العلم والفلسفة، ولكن، إذا كانت الفلسفة تبدو غري مفهومة بالنسبة إلى الفكر غري املتحيِّز، أو تبدو متعارضة مع العلم َ الحديث، فلا بد أن يكون الذنب في ذلك ذنب الفيلسوف؛ فلك َّ م ضحى بالحقيقة في سبيل رغبته في تقديم الإجابات، وبالوضوح استجابةً ً لإغراء الكلام املجازي، فضلا عن أن لغته ُ كانت تفتقر إلى الدقة التي هي م ِنق ِ ذ العالم من مزالق الخطأ. وعلى ذلك، فإن شاء العرض الفلسفي أن يكون موضوعيٍّا، فعليه أن يكون موضوعيٍّا في معايري نقده، لا بمعنى النسبية 1 وإذن فاملقصود من أبحاث هذا الكتاب أن تكون موضوعية بهذا املعنى؛ فهذا الفلسفية. َّ العرض موجه إلى الكثريين الذين قرءوا كتبًا في الفلسفة والعلم ولم يجدوا فيها رضاءهم، ٍ والذين حاولوا الاهتداء إلى معان، ولكنهم وجدوا أنفسهم غارقني في دوامة من الألفاظ، ومع ً ذلك فإنهم لم يفقدوا الأمل في أن تصل الفلسفة، يوما ما، إلى ما وصل إليه العلم من دقة وإحكام. ِثبت أن الحقيقة 1 املقصود من املوضوعية بمعنى النسبية الفلسفية، تقديم عرض للمذاهب الفلسفية يُ ٌ فيها كلها نسبية، وأن كل مذهب صحيح من وجهة نظر معيَّنة. ومثل هذا العرض يمكن أن يُ َّسمى ِ ز فيه. (املترجم) موضوعيٍّا لأنه يُ ِنصف الجميع، ويقف إزاء كل املذاهب موقفً ا سويٍّا لا تحيُّ 16تصدير ِدركوا بعد، بما فيه الكفاية، أن مثل هذه الفلسفة العلمية موجودة على أن الناس لم يُ بالفعل، فما زالت هناك غشاوة عن الغموض، متخلِّفة عن عهود الفلسفة التأملية، تحجب كل معرفة فلسفية عن أعني أولئك الذين لم يتدربوا على أساليب التحليل املنطقي. ولقد ً أخذت على عاتقي كتابة هذه الدراسة أملا ُ في تبديد هذه الغشاوة بالهواء امل ِنعش للمعاني الواضحة؛ أي إن هدف هذا الكتاب هو البحث في جذور الخطأ الفلسفي، وتقديم الأدلة ِثبت أن الفلسفة قد ارتفعت من الخطأ إلى الصواب. التي تُ هانز ريشنباخ جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس 17الباب الأول جذور الفلسفة التأمليةالفصل الأول السؤال ً فيما يلي فقرة مأخوذة من كتابات فيلسوف مشهور: «العقل هو الجوهر، فضلا عن كونه قوة لا متناهية؛ إذ إن مادته اللامتناهية الخاصة تكمن من وراء الحياة الطبيعية والروحية ً كلها، فضلا عن الصورة اللامتناهية التي تبعث الحركة في تلك املادة؛ فالعقل هو الجوهر ُّ الذي تستمد منه كل الأشياء وجودها.» إن قُراءً كثريين لا يطيقون صبرًا على هذا النوع من النواتج اللغوية، وحني يُ ِخفقون في إدراك أي معنًى لها، فقد يشعرون بامليل إلى الإلقاء بالكتاب في النار، ولكنا ندعو مثل هذا القارئ، لكي يتجاوز مرحلة الاستجابة الانفعالية هذه إلى مرحلة النقد املنطقي، إلى دراسة ما يُ َّسم ُ ى باللغة الفلسفية من وجهة نظر امللاحظ املحايد، مثلما يدرس عالم التاريخ الطبيعي عيِّنة نادرة من الحشرات؛ فتحليل الخطأ يبدأ بتحليل اللغة. ِم َّ ن جراء الصيغ الغامضة، بل إنه يقتنع على على أن دارس الفلسفة لا يثور عادةً الأرجح، مند قراءة النص السابق، بأن الخطأ في عدم فهمه إياه إنما هو خطؤه؛ لذا تراه َ تلو املرة، وقد يصل بمضي الوقت إلى مرحلة يعتقد فيها أنه قد فهمه، عند هذه يقرؤه مرةً ً النقطة يبدو من الواضح تمام ٍ ا في نظره أن العقل يتألف من مادة لا متناهية تكمن من ً وراء كل حياة طبيعية وروحية؛ وبالتالي فهو جوهر الأشياء جميعا. وهو يتكيف نفسيٍّا ِّ مع هذه الطريقة في الكلام إلى حد ِّ أنه ينسى كل الانتقادات التي قد يوجهها شخص أقل «ثقافة». ِ ولكن، لنتأمل العال َّ م املدر ٍ ب على استخدام ألفاظه بطريقة يكون لكل جملة فيها ِثبت صوابها، ولا يضريه أن ً ى. إن عباراته تصاغ بحيث يكون في وسعه دائما أن يُ معنً يكون البرهان منطويًا على سلاسل فكرية طويلة، فهو لا يخشى التفكري املجرد، ولكنهنشأة الفلسفة العلمية ٍ يشترط أن يرتبط التفكري املجرد، على نحو ما، بما تراه عينه وتسمعه أذنه وتلمسه أصابعه. فماذا يقول شخص كهذا إذا قرأ الفقرة التي اقتبسناها من قبل؟ 1 ليستا غريبتَني إن كلمتَي «مادة material «و«جوهر أو عنصر substance« بالنسبة إليه، فهو قد طبَّقهما في وصفه لكثري من التجارب؛ إذ إنه قد تعلَّم أن يقيس وزن املادة أو الجوهر وصلابته، وهو يعلم أن املادة قد تتألف من عناصر (أو جواهر) ٌّ دة، قد يبدو كل منهما مختلفً ا كل الاختلاف عن املادة؛ وإذن فهاتان الكلمتان لا ِّ متعد تُثريان بذاتهما أية صعوبة. ولكن أي نوع من املادة ذلك الذي يكمن من وراء الحياة؟ قد يتصور املرء أنها العنصر (أو الجوهر) الذي تتألف منه الأجسام. فكيف إذن يكون ذلك هو العقل نفسه؟ إن العقل قدرة مجردة للبشر، تتبدى في سلوكهم، أو في جوانب معيَّنة من سلوكهم، إذا آثرنا التواضع. فهل يود الفيلسوف الذي اقتبسنا منه هذا الكلام أن يقول إن أجسامنا تتألف من إحدى قدراتها املجردة؟ إن الفيلسوف ذاته لا يمكن أن يعني مثل هذا الرأي املمتنع. فما الذي يعنيه إذن؟ َّ أغلب الظن أنه يعني أن أحداث الكون جميعها منظمة بحيث تخدم هدفًا عقليٍّا. وهذا افتراض مشكوك فيه، ولكنه مفهوم على الأقل. ومع ذلك، فإن كان هذا ما يريد الفيلسوف ِ أن يقوله، فل َم َّ كان يتعني عليه أن يقوله على طريقة الألغاز؟ ِّ هذا هو السؤال الذي أود أن أجيب عنه قبل أن يتسنى لي أن أحدد ما هي الفلسفة، وما ينبغي أن تكون. تُستخدم كلمة Substance في الفلسفة للتعبري عن الجوهر، وفي العلم للتعبري عن العنصر؛ ولذا قد يبدو 1 املعنى الذي يقصده املؤلف مضلًِّلا في اللغة العربية؛ إذ إن العلم لا يستخدم لفظ «الجوهر» الفلسفي، ولكنا اضطررنا إلى هذه الترجمة لأن السياق الأصلي فلسفي، وعلى القارئ أن يتنبَّه إلى املعنى العلمي الآخر ِ للفظ الإنجليزي الواحد. (املترج

البحث عن العمومية والتفسير الوهمي

البحث عن املعرفة قديم ِق َدم التاريخ البشري؛ فمع بداية التجمع الاجتماعي، واستخدام الأدوات من أجل مزيد من الإرضاء للحاجات اليومية نشأت الرغبة في املعرفة، ما دامت املعرفة لا تنفصل عن السيطرة على موضوعات بيئتنا من أجل تسخريها لخدمتنا. َّ وأساس املعرفة هو التعميم؛ فإدراك أن النار تنتج بقدح الخشب على نحو معني، هو معرفة مستخلصة بالتعميم من تجارب فردية؛ إذ إن هذا القول يعني أن قدح ً الخشب بهذه الطريقة يؤدي دائما إلى ظهور النار؛ وعلى ذلك فإن فن الكشف هو فن التعميم الصحيح. ولا بد من أن نستبعد من التعميم ما لا يرتبط باملوضوع، كالشكل ِدرج فيه ما يرتبط به، مثل جفاف أو الحجم الخاص لقطعة الخشب املستخدمة، وأن نُ ً الخشب؛ وإذن فمن املمكن تعريف لفظ «الارتباط» على النحو الآتي: يكون العامل مرتبطا ِ باملوضوع إذا كان ذكره ضروريٍّ ً ا لكي يكون التعميم صحيحا. وهكذا فإن التفرقة بني العوامل املرتبطة باملوضوع والعوامل غري املرتبطة به هي بداية املعرفة. َّ فالتعميم إذن هو أصل العلم. ولقد تبدى على الأقدمني في مختلف فنون الحضارة التي كانوا يحذقونها، كبناء املساكن، ونسج املنسوجات، وصنع الأسلحة، وقيادة السفن الشراعية، وزراعة الأرض. وهو يتجلى بصورة أوضح في علومهم الفيزيائية، والفلكية، والرياضية. والأمر الذي يُبيح لنا الحديث عن علم قديم هو أن القدماء قد نجحوا في وضع ٍّ عدد لا بأس به من التعميمات التي تتصف بالصبغة الشاملة إلى حد ما؛ فهم قد عرفوا قوانني الهندسة، التي تسري على جميع أجزاء املكان بلا استثناء، وقوانني الفلك، التي ً تسري على الزمان، وعددا من القوانني الفيزيائية والكيميائية، كقوانني الروافع والقوانني التي تربط الحرارة بالانصهار، كل هذه القوانني تعميمات، فهي تقول: إن نتيجةً معيَّنة َّ تسري على جميع الأشياء التي هي من نوع محدد. وبعبارة أخرى، فهي عبارات تتخذنشأة الفلسفة العلمية ً صيغة «إذا كان كذا، حدث كذا دائما always then … if «.ومن أمثلة ذلك عبارة «إذا ُس ِّخ ً ن الحديد بالقدر الكافي، فإنه ينصهر دائما.» ً وفضلا عن ذلك فإن التعميم هو قوام التفسري ذاته؛ فما نعنيه بتفسري واقعة ملاحظة ً هو إدراج هذه الواقعة في قانون عام. فنحمن نلاحظ مثلا َّ أنه كلما تقدم النهار هبَّت ِّ رياح من البحر إلى اليابس، ونفسر هذه الواقعة بإدراجها في القانون العام القائل إن ِدرك كيف الأجسام تتمدد بالحرارة؛ وتغدو بالتالي أخف في حالة تساوي حجومها، ثم نُ ِّ ينطبق هذا القانون على املثل الذي نحن بصدد بحثه؛ إذ إن الشمس تسخن الأرض إلى حد أقوى من تسخينها للماء، بحيث يصبح الهواء فوق الأرض دافئًا، فريتفع إلى أعلى، ٍّ ٍ خلي مكانه لتيار ٍّ هوائي ٍ آت من البحر. كذلك فإننا نلاحظ أن الكائنات العضوية الحية ويُ َّفسر هذه الواقعة بإدراجها ضمن قانون عام، هو قانون تحتاج إلى الغذاء لكي تعيش، وتُ َّعوض «بقاء الطاقة»؛ فالطاقة التي تبذلها الكائنات العضوية في أوجه نشاطها، لا بد أن تُ بالسعرات الحرارية للغذاء. كما أننا نلاحظ أن الأجسام تسقط إذا لم ترتكز على شيء، ِّ ونفسر ً هذه الواقعة بإدراجها في القانون العام القائل إن الكتل يجذب بعضها بعضا؛ أي إن الكتلة الهائلة للأرض تشد الكتل الصغرية نحو سطحها. على أن كلمتَي «تجذب» و«تشد» اللتَني استخدمناهما في املثال الأخري كلمتان محفوفتان بالخطر؛ فهما تنطويان على تشبيه بتجارب نفسية معيَّنة؛ ذلك لأن الأشياء التي نرغب فيها، كالطعام أو السيارات الحديثة الطراز، تجذبنا، فنتَّجه إلى تصور جذب الأرض للأجسام كما لو كان إرضاءً لرغبة معيَّنة، من جانب الأرض على الأقل، ِّ غري أن مثل هذا التفسري إنما هو من قبيل ما يسميه املنطقي ب «التشبيه بالإنسان anthropomorphism«؛ أي نسبة صفات بشرية إلى املوضوعات الطبيعية. ومن الواضح ِّ أن التوازي بني الحوادث الطبيعية والاهتمامات البشرية لا يقدم أي تفسري، فعندما نقول ِّ إن قانون الجاذبية عند نيوتن يفسر سقوط الأجسام، فإننا نعني أن حركة الأجسام نحو ُّ الأرض تندرج ضمن قانون عام تتحرك بمقتضاه كل الأجسام بعضها نحو البعض، وكلمة «الجاذبية» كما استخدمها نيوتن لا تعني أكثر من حركة الأجسام هذه بعضها ُّ ستمد إلا من عموميته، لا من نحو البعض؛ أي إن القوة التفسريية لقانون نيوتن لا تُ تشبيهه السطحي بالتجارب النفسية؛ وإذن فالتفسري تعميم. َلاحظ أو لا يمكن وقد يتم التوصل إلى التفسري أحيانًا عن طريق افتراض واقعة لم تُ ً ملاحظتها. مثال ذلك أن نباح الكلب يمكن تفسريه بافتراض أن شخصا غريبًا يقترب 24البحث عن العمومية والتفسري الوهمي من البيت، ووجود الحفريات البحرية في الجبال يمكن تفسريه بافتراض أن الأرض كانت ً في وقت من الأوقات في مستو ً ى أكثر هبوط ِّ ا، وكان املحيط يغطيها، غري أن الواقعة غري ِّ امللاحظة لا تكون تفسريية إلا لأنها تبني َ أن الواقعة امللاح َ ظة م ٌ ظهر لقانون عام، هي أن الكلاب تنبح عند اقتراب شخص غريب، أو أن الحيوانات البحرية لا تعيش في اليابس؛ وعلى ذلك فالقوانني العامة يمكن أن تُستخدم في الاستدلالات التي تكشف وقائع جديدة، ويصبح التفسري أداة لتكملة عالم التجربة املباشرة بموضوعات وحوادث مستخلصة بالاستدلال. فلا عجب إذن إن أدى التفسري الناجح لكثري من الظواهر الطبيعية إلى تكوين ميل َ إلى زيادة التعميم في الذهن البشري؛ ذلك لأن الوقائع امللاحظة، على كثرتها، لم تكن تُرضي رغبتنا في املعرفة، وإنما كان السعي إلى املعرفة يتجاوز نطاق امللاحظة ويحتاج إلى تعميم. ومع ذلك فإن الأمر الواقع املؤسف هو أن الناس يميلون إلى تقديم إجابات حتى ِعوزهم وسائل الاهتداء إلى إجابات صحيحة؛ فالتفسري العلمي يقتضي ملاحظة عندما تُ واسعة النطاق، وتفكريًا نقديٍّ ً ا فاحصا، وكلما كان التعميم الذي نسعى إليه أعظم، كانت كمية املادة امللاحظة التي يحتاج إليها أكبر، وكان التفكري النقدي الذي يقتضيه أدق. ً أما في الحالات التي كان التفسري العلمي يخفق فيها نظرا إلى قصور املعرفة املتوافرة في ِّ ذلك الوقت عن تقديم التعميم الصحيح، فقد كان الخيال يحل محله، ويقد ً م نوعا من ِشب ٍ ع النزوع إلى العمومية عن طريق إرضائه بمشابهات ساذجة؛ وعندئذ كان التفسري يُ يشيع الخلط بني التشبيهات السطحية، ولا سيَّما التشبيهات بالتجارب البشرية، وبني التعميمات، وكانت الأولى تؤخذ على إنها تعميمات، وهكذا تتم تهدئة الرغبة في الوصول إلى العمومية، عن طريق تفسريات وهمية؛ وعلى هذا الأساس نبتت الفلسفة. ِّ مثل هذا الأصل لا يبدو مشرفًا، غري أنني لست بسبيل كتابة خطاب توصية وتقريظ ِّ للفلسفة، وإنما أود أن أفسر وجودها وطبيعتها. ومن الحقائق التي ينبغي الاعتراف بها ً أن ما في الفلسفة من نواحي الضعف والقوة معا، يمكن تفسريه عن طريق إرجاعها إلى مثل هذا الأصل املتواضع. ً فلأضرب مثلا ملا أعنيه بالتفسري الوهمي. إن الرغبة في فهم العالم الفيزيائي قد َّ أد ً ت في كل العصور إلى إثارة السؤال عن كيفية بدء العالم، وفي أساطري الشعوب جميعا تفسريات بدائية لأصل الكون، وأشهر قصة للخلق، وهي تلك التي أنتجتها الروح العبرانية َّ الخيالية، متضمنةٌ َ في العهد القديم، وهي ترجع إلى حوالي ِّ القرن التاسع ق.م، وهي تفسر 25نشأة الفلسفة العلمية ا ِ العالم على أساس أنه من خلق «ياهوا». هذا التفسري من النوع الساذج الذي يُرضي ذهنً ً ا شبيها بأذهان الأطفال؛ إذ يستعني بتشبيهات بشرية؛ فكما يصنع البشر بدائيٍّا، أو ذهنً بيوتًا وأدوات وحدائق، فكذلك صنع «ياهوا» العالم. وهكذا فإن السؤال عن منشأ العالم املادي، وهو من أهم الأسئلة وأكثرها أهمية، يجاب عليه عن طريق التشبيه بتجارب من ِّ البيئة اليومية. ولقد لاحظ الكثريون، عن حق، أن هذا النوع من الصور لا يشكل تفسريًا، َّ وأنها لو صحت لزادت من صعوبة حل مشكلة التفسري، فقصة الخلق تفسري وهمي. َ ومع ذلك، فما أعظم َّ القوة الإيحائية الكامنة فيها! لقد قدم بنو إسرائيل إلى العالم، ٍّ تبلغ من الحيوية حدا جعلها تخلب ألباب القُراء وهم لا يزالون في مرحلة بدائية، قصةً ً جميع َّ ا حتى يومنا هذا؛ فخيالنا يفتتن بالصورة الوقور لإله قديم تحركت روحه فوق صفحة املياه، وأوجد العالم كله بقليل من الأوامر، كذلك فإن هذه القصة القديمة الرائعة ٌ رضي رغباتنا العميقة الكامنة في أن يكون لنا أب قوي، غري أن إرضاء الرغبات النفسية تُ ليس تفسريًا. والواقع أن الفلسفة ظلَّت على الدوام تتعرض لخطر الخلط بني املنطق والشعر، وبني التفسري العقلي والخيال، وبني العمومية والتشبيه. وكم من املذاهب الفلسفية ِشب ً ه العهد القديم في كونه عملا شعريٍّ ً ا رائعا، يزخر بالصورة التي تُثري خيالنا، ولكنه يُ يفتقر إلى القدرة على الإيضاح، وهي القدرة املنبعثة من التفسري العلمي. وهناك بعض التفسريات اليونانية لأصل الكون، تختلف عن قصة أصل العالم عند ً بني إسرائيل في كونها تفترض تطورا، لا خلقً ا. وهي في هذه الناحية أقرب إلى الطابع ِّ العلمي، غري أنها لا تقدم تفسريًا علميٍّا باملعنى الحديث؛ لأنها بدورها مبنية على تعميمات َ بدائية من التجربة اليومية؛ فقد كان أنكسمندر الذي عاش حوالي عام ٦٠٠ق.م يعتقد َّ أن العالم قد تطور من جوهر لا محدود، أطلق عليه اسم «الأبريون apeiron«؛ ففي البدء انفصل الحار عن البارد، الذي أصبح هو الأرض أو التراب، ثم أحاطت النار الحارة بالأرض الباردة، فغلَّفتها حلقات من الهواء أسطوانية الشكل، وما زالت النار على هذا الوضع، فهي تُرى من خلال ثقوب الاسطوانات، التي تبدو لنا في صورة الشمس والقمر َّ والنجوم. أما الكائنات الحية فقد تطورت من الرطوبة املحيطة بالأرض، وبدأت بأشكال ً دنيا، بل إن البشر أنفسهم بدءوا أسماك َّ ا. وهكذا فإن الفيلسوف الذي قدم إلينا هذه الصورة الخيالية لأصل العالم قد نظر إلى التشبيه على أنه تفسري، ومع ذلك فإن تفسريه ً الوهمي ليس عقيم ً ا كل العقم، وإذا استخدمت مرشدا ملزيد من امللاحظة والتحليل، فقد تؤدي بمضي الوقت إلى تفسريات أفضل. مثال ذلك أن أشكال أنكسمندر الأسطوانية الشبيهة بالعجلات إنما هي محاولات لتفسري املسارات الدائرية للنجوم. 26البحث عن العمومية والتفسري الوهمي َ إن هناك نوعني من التعميم الزائف، يمكن تقسيمها إلى ضربَني من الخطأ، أحدهما ً لا يجلب ضررا، والآخر ضار. أما أخطاء النوع الأول، التي نُصادفها في كثري من الأحيان لدى فلاسفة ذوي أذهان تجريبية، فمن السهل تصحيحها وتقويمها في ضوء املزيد من التجربة؛ وأما أخطاء النوع الثاني، التي تتألف من تشبيهات وتفسريات وهمية، فتؤدي إلى املجادلات اللفظية الفارغة، وإلى النزعة القطعية الخطرية. ويبدو أن هذا النوع من التعميمات يسود أعمال الفلاسفة التأمليني. ً فلنضرب مثلا ً للتعميم الضار، الذي يستخدم تشبيها زائفً ا بقصد تكوين قانون شامل، بالفقرة الفلسفية التي اقتبسناها في املقدمة. إن امللاحظة التي ترتكز عليها هذه ٍّ العبارة هي أن العقل يتحكم إلى حد ِّ بعيد في الأفعال البشرية؛ وبالتالي يحدد التطورات ً الاجتماعية تحديدا جزئيٍّ َّ ا على الأقل. وملا كان الفيلسوف يبحث عن تفسري، فإنه ينظر ِشب ً ه جوهرا يتحكم في خصائص املوضوعات التي تتألف منه. مثال إلى العقل على أنه يُ ذلك أن جوهر الحديد يتحكم في خصائص الجسر الذي يُبنى به، ولكن من الواضح ٍّ أن التشبيه سيئ إلى حد ُ بعيد؛ ذلك لأن الحديد من نفس نوع املادة التي صنع منها الجسر، أما العقل فليس مادة كالأجسام البشرية، ولا يمكن أن يكون هو الحامل املادي َ للأفعال البشرية. وعندما أتى طاليس، الذي اشتهر في حوالي عام ٦٠٠ق.م بوصفه «حكيم ً مليتوس» (ملطية)، بنظريته القائلة إن املاء جوهر الأشياء جميعا، كان في ذلك يقوم بتعميم زائف؛ إذ إن ملاحظة وجود املاء في كثري من املواد، كالتربة أو الكائنات العضوية َّ الحية، قد وسعت بحيث أصبحت تقول إن املاء متضمن في كل موضوع. ومع ذلك فإن نظرية طاليس معقولة من حيث إنها تتخذ من جوهر مادي حجر البناء لكل املواد َ ا — وليست تشبيها. فما أرفع لغةَ طاليس ٌ الأخرى؛ فهي على الأقل تعميم — وإن يكن زائفً بالقياس إلى الفقرة املقتبَسة! ً إن عيب اللغة الفضفاضة هو أنها تخلق أفكارا باطلة، وتظهر هذه الحقيقة بوضوح ٌ في تشبيه العقل بالجوهر، ولا شك أن الفيلسوف الذي كتب هذه الفقرة خليق بأن يعترض َّ بشدة على تفسري عبارته بأنها مجرد تشبيه، وإنما هو يدعي أنه قد اهتدى إلى الجوهر ً الحقيقي للأشياء جميعا، ويسخر من أي تأكيد ملعنى الجوهر املادي؛ فهو يذهب إلى أن للجوهر معنًى «أعمق»، لا يكون الجوهر املادي بالنسبة إليه سوى حالة خاصة. ولو ترجمنا رأيه هذا إلى لغة مفهومة، لكان معناه أن العلاقة بني حوادث الكون وبني العقل ُ هي نفس العلاقة املوجودة بني الجسر وبني الحديد الذي صنع منه، ولكن من الواضح 27نشأة الفلسفة العلمية ِثب َّ ت أن أي ٍ تفسري ٍّجاد للتشبيه يؤدي إلى خطأ أن هذه املقارنة غري مقبولة، واملقارنة تُ منطقي؛ فقد يؤدي إطلاق اسم الجوهر على العقل إلى إثارة صور لدى السامع، غري أن الاستمرار في استخدام هذه املجموعة من الألفاظ يضلِّل الفيلسوف، فيجعله يقفز إلى ُّقرها املنطق. والواقع أن الأخطاء الخطرية التي تتولد عن التشبيهات الفاسدة نتائج لا يُ كانت، ولا تزال، الآفةَ التي يُعاني منها الفيلسوف طوال العصور. إن املغالطة التي تُ َ رتكب في هذا التشبيه إنما هي مثال نوع من الخطأ يُطلَق عليه اسم صبغ املجردات بصبغة جوهرية abstracta of Substantialization أو تجسيم املجردات؛ فالاسم املجرد، مثل «العقل»، يُ َعامل كما لو كان يشري إلى كيان شبيه بالشيء. وتنطوي فلسفة أرسطو (٣٨٤–٣٢٢ق.م) على مثل كلاسيكي لهذا النوع من املغالطة، حني يعالج موضوع الصورة واملادة. فاملوضوعات الهندسية تتبدى على هيئة صورة متميزة عن املادة التي تتكون، بحيث يمكن أن تتغري الصورة مع بقاء املادة على حالها، ولكن هذه التجربة اليومية البسيطة ُ أصبحت هي املرجع الذي كِت ٌ ب على أساسه فصل في الفلسفة لم يكن غموضه بأقل من انتشاره وقوة تأثريه، وما كان ليظهر إلا نتيجةً لإساءة استخدام تشبيه؛ فأرسطو يقول إن َ نحت، وإلا ملا ظهرت فيها ُ صورة التمثال امل ِقبل ينبغي أن تكون في كتلة الخشب قبل أن تُ فيما بعد، وباملثل يكون قوام كل صريورة هو عملية تشكل املادة في صورة؛ وإذن فلا بد أن تكون الصورة شيئًا. وواضح أن هذا الاستدلال لا يمكن أن يتم إلا عن طريق استخدام ِّ غامض للألفاظ؛ فالقول إن صورة التمثال موجودة في الخشب قبل أن يشك َّ له النحات، ِّ يعني أن في استطاعتنا أن نحد ً د في داخل كتلة الخشب، أو أن «نرى» فيها سطح ً ا مماثلا ا للسطح الذي ظهر في التمثال فيما بعد. وحني يقرأ املرء كتابات أرسطو، يشعر أحيانً بأنه لا يعني بالفعل إلا هذه الحقيقة الضئيلة الشأن، غري أن الفقرات الواضحة املعقولة في كتاباته تعقبها لغة غامضة، فهو يقول أشياء مثل: املرء يصنع كرة من النحاس بواسطة البرونز والكرة، عن طريق وضع الصورة في هذه املادة، ويصل إلى حد النظر إلى الصورة ُّ على أنها جوهر يوجد على الدوام بلا تغري. ً وهكذا أصبحت استعارة لفظية أصلا ملبحث فلسفي يُ َّسمى بالأنطولوجيا، ويفترض أنه يبحث في الأسس النهائية للوجود. والواقع أن عبارة «الأسس النهائية للوجود» هي ذاتها استعارة لفظية. وليغتفر لي القارئ لو استخدمت اللغة امليتافيزيقية دون مزيد من التفسري، واكتفيت بأن أضيف القول بأن الصورة واملادة عند أرسطو أساسان نهائيان 28البحث عن العمومية والتفسري الوهمي ٌ للوجود، من هذا النوع؛ فالصورة في نظره وجود بالفعل، واملادة وجود بالقوة؛ لأن املادة ً تقبل اتخاذ صور كثرية متباينة. وفضلا عن ذلك فإنه يرى أن العلاقة بني الصورة واملادة كامنةٌ من وراء كثري من العلاقات الأخرى؛ فالفَ لك الأعلى والأدنى، والعناصر الرفيعة والدنيا، في نظام الكون، وكذلك النفس والجسم، والذكر والأنثى، يرتبطون فيما بينهم بعلاقة الصورة واملادة. ومن الواضح أن أرسطو يعتقد أن هذه العلاقات الأخرى يمكن ٍ تفسريها عن طريق مقارنتها، على نحو ِّ متعسف، بالعلاقة الأساسية بني الصورة واملادة. َ وهكذا فإن التفسري الح ِّ رفي للتشبيه يقدم تفسريًا وهميٍّا، يؤدي عن طريق الاستخدام غري النقدي لصورة لفظية، إلى إدراج عدة ظواهر مختلفة تحت فئة واحدة. وإني لعلى استعداد للاعتراف بأنه لا ينبغي الحكم على أهمية أرسطو التاريخية ِ بمقياس نقدي هو نتاج للتفكري العلمي الحديث، ولكننا لو قسنا ميتافيزيقاه، حتى باملعايري العلمية لعصره، أو على أساس ما أنجزه في ميادين علم الحياة واملنطق، ملا بدت لنا معرفة ولا تفسريًا، بل لكانت ذات طابع تشبيهي؛ أعني هروبًا إلى اللغة املجازية. وهكذا فإن النزوع إلى كشف التعميمات يؤدي بالفيلسوف إلى نسيان نفس املبادئ التي يطبِّقها ً بنجاح في ميادين للبحث أضيق حدودا، ويجعله ينقاد للألفاظ حيث لا تكون املعرفة قد توافرت بعد. وهنا نجد الأساس النفسي لذلك املزيج العجيب من امللاحظة وامليتافيزيقا، ِ الذي جعل م ً ن هذا الباحث البارز في ميدان جمع املواد التجريبية، مفكرا ذا نزعة نظرية قطعية، يُرضي رغبته في التفسري بنحت ألفاظ وإقامة مبادئ لا يمكن ترجمتها إلى تجارب قابلة للتحقيق. والواقع أن معلومات أرسطو عن تركيب الكون، أو عن الوظيفة البيولوجية للذكر والأنثى، لم تكن تكفي لإقامة تعميم؛ فقد كانت معارفه الفلكية مرتبطة بالنظام الذي ً يتخذ من الأرض مركزا للكون، كما أن معرفته لعملية التناسل لم تكن تشمل ما يَُعد حقيقة أولية بالنسبة إلى علم البيولوجيا الحديث؛ فهو لم يعرف أن الحيوان املنوي للذكر وبويضة الأنثى يتحدان لتكوين فرد جديد. وإذا لم يكن من حق أحد أن يلومه على عدم معرفة نتائج لم يكن من املمكن كشفيٍّا بدون التلسكوب أو امليكروسكوب، فإن مما يعاب َّ عليه أنه قد تصور، دون أن تتوافر لديه معلومات كافية، أن التشبيهات الهزيلة تكون ً ا؛ فهو في حديثه عن التناسل مثلا يقول: إن الذكر يقتصر على طبع صورة على تفسريً الجوهر البيولوجي للأنثى. غري أن هذا التعبري الغامض، الذي هو مضلِّل حتى بوصفه ً مجازا، لا يمكن أن يَُع ٍ د الخطوة الأولى في الطريق املؤدي إلى طرق أسلم في التفكري. ولقد 29نشأة الفلسفة العلمية كانت بالفعل عائقً ً ا في وجه نمو الفلسفة العلمية، بدلا ِّ من أن تمهد لها الطريق بالتدريج؛ َ ي عام، وما زالت تلقى إعجاب فميتافيزيقا أرسطو كان لها تأثريها في الفكر طوال ألفَ كثري من الفلاسفة حتى اليوم. ٍ ثني يستبيحون لأنفسهم من آن َ لآخر توجيه ِّ ومن الصحيح أن مؤر ُ خي الفلسفة امل َحد انتقادات في سياق التبجيل املعتاد لأرسطو، زاعمني أنهم يميِّزون بني استبصاراته الفلسفية ُّ وبني تلك الأجزاء التي يعدونها — داخل مذهبه — ناتجة عن قصور املعرفة في عصره، غري أن ما يُ َّقد ٌ م إلينا على أنه استبصار فلسفي هو في أغلب الأحيان ثرثرةٌ لفظيةٌ فارغة ٍ ملأ بمعان ِّ لم تخطر للمفكر نفسه على بال؛ فالعلاقة بني املادة والصورة يمكن التعبري تُ ِّ عنها في تشبيهات متعددة، ولكنها لا تقد ً م تفسريا. ومن هنا فإن تأويل آراء الفيلسوف بطريقة الدفاع والتبرير ليس هو وسيلة التغلب على الأخطاء املتأصلة فيه، وليس مما َ ضفي على أخطاء كبار املفكرين معاني تبلغ من ُّ يساعد على تقدم البحث الفلسفي أن نُ ٍّ التحريف حدا تغدو معه هذه الأخطاء تخمينات تنبُّ ُّ ئية، بآراء لم تتوافر للناس املواد ا والوسائل التي تُ ِّ عني على إثباتها، إلا في عصور متأخرة. ولقد كان تاريخ الفلسفة خليقً بأن يُ ً حرز تقدم ً ا أعظم بكثري لو لم يكن أولئك الذين يتخذون منه موضوعا لأبحاثهم قد َّ أخروا مساره إلى هذا الحد. ً لقد اتخذت من نظرية املادة والصورة عند أرسطو مثالا ملا أسميته بالتفسري الوهمي، ٌ ولدينا في الفلسفة القديمة مثل ُ آخر لهذه الطريقة امل ِؤسفة في الاستدلال، وأعني به فلسفة ٍ أفلاطون. وملا كان أرسطو قد تتلمذ في وقت ما على أفلاطون، فإن املرء قد يذهب إلى حد الاعتقاد بأن إغراق أستاذه في الالتجاء إلى اللغة املجازية والنزعة التشبيهية هو الذي ُوثِر أن أختبر فلسفة أفلاطون دون إشارة َّعوده على هذه الطريقة في التفكري، ولكنى أ إلى تأثريها في أرسطو، وهو التأثري الذي حلَّله الكثريون؛ فمن املمكن تتبُّع تأثريها في عدد ٌ كبري من املذاهب الفلسفية املتباينة، وهذا وحده سبب ٍ كاف لدراسة أصلها املنطقي بمزيد من التفصيل. ِ على نظرية من أغرب النظريات إن فلسفة أفلاطون (٤٢٧–٣٤٧ق.م) مبنيةٌ ُ ا مع ذلك، وأعني بها نظرية املثل. هذه النظرية، التي لقيت الفلسفية، وأقواها تأثريً إعجابًا لا حد له، والتي هي لا منطقية في صميمها، قد نشأت من محاولة إيجاد تفسري لإمكان املعرفة الرياضية، وكذلك السلوك الأخلاقي. وسوف أناقش الأصل الثاني لهذه النظرية في الفصل الرابع، أما الآن فسوف أقتصر على تقديم ملاحظات عن الأصل الأول. 30البحث عن العمومية والتفسري الوهمي كان البرهان الرياضي يَُع ً د على الدوام منهجا للمعرفة تتحقق فيه أرفع معايري َّ الحقيقة. ولا شك في أن أفلاطون قد أك َّ د سمو الرياضة على كل ضروب املعرفة الأخرى، غري أن دراسة الرياضة تؤدي إلى صعوبات منطقية معيَّنة عندما يسري فيها املرء على ٍ أساس املوقف النقدي للفيلسوف، وهذا ينطبق بوجه خاص على الهندسة، وهي علم كانت له مكانةٌ بارزة في أبحاث علماء الرياضة اليونانيني. وسوف أشرح هذه الصعوبات َّ بالصورة املنطقية واملصطلحات التي نعرضها بها اليوم، ثم أناقش الحل الذي قدمه أفلاطون. ومما يُ ٍ عيننا على إيضاح املشكلة، أن نقوم باستطراد ُم َوجز في مجال املنطق. إن عالم املنطق يميِّز بني القضايا الكلية والقضايا الجزئية؛ فالقضايا الكلية تتعلق بالكل، ٍ وصيغتها: «كل الأشياء التي هي من نوع َّ معني لها صفة معيَّنة.» ويُطلَق على هذه القضايا ً أيضا اسم قضايا اللزوم العام implication general ِّ ؛ لأنها تقرر أن الشرط املوضوع يلزم عنه وجود الصفة. فلنتأمل على سبيل املثال قضية: «كل املعادن تتمدد بالتسخني.» ُ هذه القضية يمكن أن تصاغ على النحو الآتي: «إذا س ِّخ َّ ن املعدن تمدد.» فإذا ما أردنا ً تطبيق هذه النتيجة على شيء بعينه، كان لزاما علينا أن نتأكد من أن هذا الشيء يفي ٍ بالشرط الذي وضعناه، وعندئذ يمكننا أن نستدل على أنه يتصف بالصفة التي ذكرناها. ُ ا قد س ِّخن، ثم ننتقل إلى القول إنه يتمدد، فتكون قضية ً فنحن نلاحظ مثلا أن معدنًا معيَّنً «هذا املعدن الساخن يتمدد» قضية جزئية. وتتخذ النظريات الهندسية صورة قضايا كلية، أو لزوم عام. مثال ذلك النظرية ُ ع املقام على الآتية: «مجموع زوايا كل مثلث ١٨٠ درجة.» أو نظرية فيثاغورس: «املربَّ الوتر، في كل املثلثات القائمة الزوايا، يساوي مجموع املربَّ َع ُ ني امل َقام َ ني على الضلعني الآخرين.» فإذا ما أردنا تطبيق أمثال هذه النظريات، كان علينا أن نتأكد من أن الشرط املنصوص عليه قد تحقَّق؛ فعندما نرسم مثلثً ً ا على الأرض مثلا، ينبغي أن نتأكد باستخدام ٍ خيوط مشدودة من أن أضلاعه مستقيمة، وبعد ذلك نستطيع أن نؤكد أن مجموع زواياه ١٨٠ درجة. ولهذا النوع من قضايا اللزوم العام فائدةٌ كبرية؛ فهي تُتيح لنا أن نقوم بتنبؤات. فاللزوم املتعلِّق بتسخني الأجسام يُتيح لنا التنبؤ بأن قضبان الخطوط الحديدية سوف ِنب َّ ئنا مقدًما بالنتائج التي سنصل إليها تتمدد في الشمس، واللزوم املتعلِّق باملثلثات يُ َّسمى تركيبية لو قمنا بقياس زوايا مثلث يقع بني ثلاثة أبراج. مثل هذه القضايا تُ Synthetic ،وهو تعبريٌ يمكن ترجمته بقولنا إنها إخبارية. 31نشأة الفلسفة العلمية ً وهناك نوع آخر من اللزوم العام؛ فلنتأمل مثلا قضيةً مثل: «كل أعزب غريُ متزوج.» هذه القضية لا تفيدنا كثريً ٌ ا؛ فلو أردنا أن نعرف إن كان شخص َّ معني أعزب، كان من ِنبئنا القضية بأي شيء ً الواجب أن نعرف أولا أنه غري متزوج، وعندما نعرف ذلك، لا تُ ُّ جديد؛ فاللزوم لا يضيف أي شيء إلى الشرط الذي ينص عليه. وهذا النوع من القضايا فارغ، ويُ َّسمى تحليليٍّا analytic ،وهو تعبريٌ يمكن ترجمته بقولنا إنه يشرح نفسه بنفسه .self-explanatory والآن ينبغي أن نناقش مسألة الطريقة التي يمكننا بها أن نعرف إن كان اللزوم ً العام صحيحا؛ فبالنسبة إلى اللزوم التحليلي يكون الجواب على هذا السؤال يسريًا؛ إذ إن اللزوم «كل أعزب غريُ ُ متزوج» يتلو من معنى لفظ «أعزب». أما القضايا التركيبية فأمرها َ مختلف؛ ذلك لأن معنى لفظي «معدن» و«ساخن» لا ينطوي على أية إشارة إلى «التمدد»؛ ولذا لم يكن من املمكن التحقق من هذا اللزوم إلا بامللاحظة؛ فقد اتضح لنا في جميع تجاربنا السابقة أن املعادن تتمدد عندما تُ َّسخ ِ ن؛ لذلك نشعر بأن من حقنا أن نقول بهذا اللزوم العام. ً غري أن هذا التفسري يبدو عاجزا إزاء أمثلة اللزوم الهندسي. فهل عرفنا من التجارب ٌ املاضية أن مجموع زوايا املثلث ١٨٠ درجة؟ إن بعض التفكري في املنهج الهندسي كفيل باستبعاد الجواب بالإيجاب؛ فنحن نعلَم أن لدى الرياضي برهانًا على النظرية املتعلقة ً بمجموع زوايا املثلث. في هذا البرهان يرسم خطوط ِّ ا على الورق، ويوضح لنا علاقات معيَّنة بالنسبة إلى الشكل املرسوم، ولكنه لا يقيس الزوايا؛ أي إنه يلجأ إلى حقائق عامة َّسمى بالبديهيات، يستخلص منها النظرية بطريقة منطقية. مثل ذلك أنه يشري معيَّنة تُ إلى البديهية القائلة: إنه لم كان لدينا خط مستقيم ونقطةٌ خارجة، فهناك خط واحد، ٌّ وواحد فقط، يمكن أن يُ َرسم موازيًا للخط الأول من هذه النقطة. هذه البديهية تظهر ِثبتها بقياسات، ولا يقيس املسافات بني الخطوط لكي في الشكل الذي يرسمه، ولكنه لا يُ ِّ يبني َ أن املستقيمني متوازيان. ِّ بل إنه قد يعترف بأن الشكل الذي يرسمه رديء، ولا يقد ً م مثلا ًجيدا ملثلث ومتوازيات، ِّ ولكنه يظل يؤك ٌ د أن برهانه دقيق على الرغم من ذلك؛ فهو يقول: إن املعرفة الهندسية تنبع ِ فيد في إيضاح ما نتحدث من الذهن، لا من امللاحظة. أما املثلثات املرسومة على الورق فقد تُ ُّ عنه، ولكنها لا تمدنا ببرهان؛ إذ إن البرهان مسألةُ استدلال، لا ملاحظة. ولكي نقوم باستدلال كهذا نتصور العلامات الهندسية، «ونرى» — بمعنًى «أرفع» لهذه الكلمة — 32البحث عن العمومية والتفسري الوهمي أن النتيجة الهندسية محتومة؛ وبالتالي فهي صحيحة باملعنى الدقيق. فالحقيقة الهندسية نتاج للعقل، وهذا يجعلها أرفع من الحقيقة التجريبية، التي يُهتدى إليها عن طريق التعميم من عدد كبري من الأمثلة. ً ونتيجة هذا التحليل هي أن العقل يبدو قادرا على كشف الخصائص العامة للموضوعات املادية. وتلك في الواقع نتيجةٌ تدعو إلى الاستغراب؛ إذ لن تكون هناك مشكلة إن كانت حقيقة العقل مقتصرة على الحقيقة التحليلية؛ فمن املمكن أن يعرف العقل وحده أن الأعزب غري متزوج، ولكن ملا كانت هذه العبارة فارغة، فإنها لا تُثري مشكلات ُ فلسفية. أما القضايا التركيبية فأمرها مختلف؛ إذ كيف يتسنَّى للعقل كشف الحقيقة التركيبية؟ َّ على هذه الصورة وجه «كانْت» هذا السؤال، بعدما يربو على ألفَي عام من عصر أفلاطون. ولم يكن أفلاطون قد صاغ السؤال بهذا القدر من الوضوح، ولكن لا بد أنه ٍ أدرك املشكلة بطريقة َّ مماثلة لهذه. ونحن نستدل على هذا التفسري من الإجابة التي قدمها للسؤال؛ أي من الطريقة التي تكلَّم بها عن أصل املعرفة الهندسية. ِنب ً ئنا أن هناك، إلى جانب الأشياء املادية، نوعا ثانيًا من الأشياء يُ ِّسميه فأفلاطون يُ ُ ب «املثل» ldeas؛ فهناك مثال املثلث، ومثال املتوازي، والدائرة، إلى جانب الأشكال املناظرة ُ لها، املرسومة على الورق. وامل َّ ثل تعلو على الأشياء املادية؛ إذ تتبدى فيها خصائص هذه الأشياء على النحو الكامل، بحيث إن ما نعرفه عن املوضوعات املادية بالتطلع إلى مثلها يزيد على ما نعرفه بالتطلع إلى هذه املوضوعات ذاتها. ويتضح ما يعنيه أفلاطون، مرةً ِ أخرى، بالإشارة إلى الأشكال الهندسية؛ فل ُ لخطوط املستقيمة التي نرسمها س ٌمك َّ معني؛ ً ومن هنا لم تكن خطوطا باملعنى الذي يقصده عالم الهندسة، الذي لا يكون لخطوطه ُس ٌمك. وأركان املثلث الذي نرسمه في التراب هي في الواقع مساحات صغرية؛ وبالتالي فهي قها من ُّ ليست نُ ًقط َّ ا مثالية. وقد أدى التباين بني معاني املفاهيم الهندسية وبني تحق َّ خلال املوضوعات املادية، أدى بأفلاطون إلى الاعتقاد بأن من الضروري أن تكون هناك ٍ ذي موضوعات مثالية أو عناصر مثالية تمثِّل هذه املعاني. وهكذا وصل أفلاطون إلى عالم حقيقة أعلى من عالم الأشياء املادية الذي نعرفه، ووصف هذه الأخرية بأنها تُشارك في ٍ الأشياء املثالية على نحو ِم ِّ ن شأنه أن يبني خصائص الأشياء املثالية بطريقة غري كاملة. َوجد بصورة مثالية؛ غري أن املوضوعات الرياضية ليست هي الأشياء الوحيدة التي تُ ً ففي رأي أفلاطون أن هناك مثلا ِمن شتى الأنواع، كمثال القط، والإنسان، أو البيت. 33نشأة الفلسفة العلمية ِّ وبالاختصار، فكل اسم يدل على فئة (أي اسم لنوع من املوضوعات، أو اسم كلي)، يدل ِ على وجود ٍ مثال ُم ُ ناظر، وتتميز مثل الأشياء الأخرى، شأنها شأن املثل الرياضية، بأنها َس َّ خها الناقصة في العالم الواقعي. وهكذا فإن مثال القط تتبدى فيه كاملة، بالقياس إلى نُ ِّ كل الصفات «القططية» بصورة كاملة، ومثال الرياضي يسمو على كل ٍّ رياضي فعليٍّ من جسمي مثالي. وبهذه املناسبة فإن كلمة «مثالي»، ً جميع الأوجه؛ فهو مثلا ٍ يتميز بقوام ٍّ باملعنى الذي نستخدمه حاليً َ ا لهذه الكلمة، مستمَّدة من نظرية أفلاطون. ُ وعلى الرغم مما قد تبدو عليه نظرية املثل من غرابة في نظر الذهن الحديث، فينبغي أن ننظر إليها، في إطار املعرفة املتوافرة في عصر أفلاطون، على أنها محاولة للتفسري؛ أي محاولة لتفسري الطبيعة التي تبدو تركيبية للحقيقة الرياضية. فنحن نرى خواص الأشياء الفكرية (أو املثالية) بواسطة أفعال رؤية؛ وبذلك نكتسب معرفة بالأشياء الحقيقية. وهكذا ِشبه ملاحظة املوضوعات الواقعية، ولكنه أرفع َع ُ د رؤية الأفكار (امل ً ثل) مصدرا للمعرفة يُ تُ منه؛ لأنه يكشف من خصائص ضرورية ملوضوعاته. فامللاحظة الحسية لا تستطيع أن ِنب ٍ ئنا بحقيقة معصومة من الخطأ، أما الرؤية فتستطيع. ونحن نرى «بعني العقل» أنه تُ َّ معني ً ، أن نرسم من نقطة خارجة إلا مستقيم ً ا واحدا ٍ لا يمكن، بالنسبة إلى مستقيم 1 تبدو لنا حقيقةً معصومة من الخطأ، فلا يمكن موازيًا له. وملا كانت هذه املصادرة َفرض علينا بفعل رؤية نستطيع القيام استخلاصها من ملاحظات تجريبية، وإنما هي تُ َ به حتى عندما تكون عينا الجسم مغمضتَني؛ وبهذه الصورة نستطيع التعبري عن مفهوم املعرفة الهندسية عند أفلاطون. وأيٍّا ما كان رأينا في هذا املفهوم، فلا بد لنا من الاعتراف ٍ بأنه يكشف عن استبصار عميق باملشكلات املنطقية للهندسة. وقد دافَع «كانت» عن هذا الرأي، وإن يكن قد أدخل على صيغته بعض التحسينات، ولم يكن من املمكن في الواقع ً أقل غموض َّ ا منه إلا بعد أن أدت التطورات في القرن التاسع عشر إلى ٍ الاستعاضة عنه بفهم َّ كشوف جديدة في ميدان الرياضيات، وهي كشوف أدت إلى استبعاد تفسريَي «أفلاطون» ً و«كانت» للهندسة معا. وينبغي أن ندرك أن أفعال الرؤية، عند أفلاطون، لا يمكنها تقديم معرفة إلينا إلا لأن الأشياء الفكرية (املثالية) موجودة. فالتوسع في مفهوم الوجود أساسي بالنسبة إليه؛ أي 1 في الأصل: النظرية theorem ،وهو تعبريٌ ِّ غري سليم؛ لأن مبدأ التوازي لا تعبر عنه نظرية في هندسة ِّ إقليدس، بل تعبر ِ عنه مصادره. (املترجم) 34البحث عن العمومية والتفسري الوهمي إنه ملا كانت الأشياء املادية موجودة فمن املمكن أن تُرى، وملا كانت الأفكار موجودة فمن املمكن أن تُرى بعني العقل. ولا بد أن أفلاطون قد وصل إلى هذا الفهم نتيجةً لحجة من هذا النوع، وإن لم يكن قد صاغ هذه الحجة صراحة؛ فهو يتصور الرؤية الرياضية على أنها مشابهة للإدراك الحسي، غري أن هذه هي النقطة التي نجد فيها أن منطق نظريته غريُ ُ سليم، وذلك حتى لو حكمنا عليه بمعيار للنقد م ِّ لائم لعصره؛ ذلك لأنه يقدم إلينا ً تشبيها حيث كان يرمي إلى تقديم تفسري. ومن الواضح أن التشبيه ذاته غري صالح؛ فهو يمحو الفارق الباطن الذي يوجد بني املعرفة الرياضية واملعرفة التجريبية. وهو يتجاهل ً واضحة، هي أن «رؤية» العلاقات الضرورية تختلف أساسا عن رؤية املوضوعات حقيقةً ً ا، ويخترع عاملا َ التجريبية؛ فالفيلسوف هنا يضع م ًجازا حيث كان ينبغي أن يضع تفسريً ً من الوجود املستقل «الأعلى»؛ لأنه يسري على أساس التشبيه بدلا من التحليل. وكما رأينا َّ من قبل في الأمثلة التي قد ٍ مناها لفلسفات أخرى، فإن التأويل الحرفي لتشبيه ما، يصبح َ أصل ُ سوءِ الفهم الفلسفي. وهكذا فإن نظرية امل ُّ ثل، بتعميمها لتصور الوجود، لا تأتينا ٍ إلا بتفسري وهمي. ِّ وقد يحاول املفك ٍ ر ذو النزعة الأفلاطونية أن يدافع عن نفسه بحجة ِمن هذا القبيل: إن وجود الأفكار ينبغي ألا يُ ِ ساء تأويله؛ فليس من الضروري أن يكون وجودها من ً نفس نوع وجود املوضوعات التجريبية تمام ً ا. ألا يحق للفيلسوف أن يتخذ ألفاظا معيَّنةً ِّ ى أوسع إلى حد ما، إذا كان في حاجة إلى هذه الألفاظ؟ َ مستمَّدة من اللغة اليومية، بمعنً ً على أنني لا أعتقد أن هذه الحجة تتضمن دفاع ُ ا م ِقنًعا عن املذهب الأفلاطوني. ٌ صحيح أن لغة العلم كثريً ً ا ما تستعري ألفاظ الحياة اليومية؛ نظرا إلى تشابهها مع تصورات جديدة يحتاج إليها العالم. مثال ذلك أن لفظ «الطاقة» يُستخدم في الفيزياء ٍ ى مجرد ُم ٍّ شابه إلى حد ما ملعناه في الحياة اليومية، غري أن إعادة استخدام الألفاظ بمعنً َعرف املعنى الجديد بدقة، ويلتزم املرء في كل ً على هذا النحو لا يكون أمر ً ا مباحا إلا عندما يُ استخدام آخر للفظ بمعناه الجديد، لا بمشابهته مع املعنى القديم. فعالم الفيزياء الذي يتحدث عن طاقة الإشعاع الشمسي، لا يسمح لنفسه بأن يقول إن الشمس مليئة بالطاقة والنشاط، شأنها شأن الإنسان املليء بالطاقة والنشاط؛ إذ إن في هذه اللغة عودة إلى املعاني القديمة للفظ. على أن استخدام أفلاطون للفظ «الوجود» ليس من النوع العلمي. ولو كان ُعرفت القضية القائلة إن املوضوعات الفكرية (املثالية) موجودة، من خلال قضايا كذلك، لَ َما استُخدمت بطريقة مستقلة وكأن أخرى لا تنطوي على مثل هذا اللفظ املشكوك فيه، ولَ 35نشأة الفلسفة العلمية لها معنً ً ى مماثلا ملعنى الوجود املادي. ففي استطاعتنا تعريف وجود املثلث املثالي على أنه يعني أننا نستطيع التحدث عن املثلثات من خلال ما تنطوي عليه من مضمونات، أو ً لنضرب مثلا ِّ من ميدان الجبر، فنقول إننا نستطيع أن نصرح بأنه يوجد حل لكل معادلة جبرية تتعلق بمقدار مجهول، إذا كانت تفي بشروط معيَّنة. في هذا الاستخدام يعني لفظ «يوجد» أننا نعرف كيف نجد الحل، ومثل هذا الاستخدام للفظ «الوجود» هو طريقة في الكلام لا ضرر منها، يلجأ إليها الرياضيون بالفعل في أحيان كثرية. أما عندما يتحدث ُ أفلاطون عن وجود امل ٍّ ثل، فإن العبارة تعني أكثر — إلى حد بعيد — من مجرد تعبري ٍ يمكن ترجمته إلى معان َّ مقررة. إن ما يرمي إليه أفلاطون هو تقديم تفسري لإمكان معرفة الحقيقة الرياضية، ُ ا لهذه املعرفة؛ أي إنه يعتقد أن وجود املثل يمكن َّقدم بوصفها تفسريً ُ ونظريته في املثل تُ ِّ أن يفسر معرفتنا للموضوعات الرياضية لأنه يُ ً تيح نوعا من إدراك الحقيقة الرياضية، بنفس املعنى الذي يتيح به وجود الشجرة إدراك شجرة. ومن الواضح أن تفسري وجود ُ املثل على أنه أسلوب في الكلام فحسب لا يعنيه في شيء، ما دام سيعجز عن تعليل ً ذلك النوع من الإدراك الحسي الذي قال به بالنسبة إلى املوضوعات الرياضية، وبدلا من ذلك نراه يصل إلى تصور للوجود املثالي، يشتمل على خصائص الوجود املادي واملعرفة ً الرياضية مع ٌ ا، وهو مزيج َ عجيب من عنصر َ ين متنافرين، ظل شبحه يخيِّم على اللغة الفلسفية منذ ذلك الحني. َ ولقد ذك ُرت ُ من قبل أن نهاية العلم تأتي عندما نعمل على إرضاء رغبتنا في املعرفة ِ ٍ تفسري ً وهمي، وعندما نخلط بني التشبيه والعمومية، ونستخدم مجازات بدلا من بتقديم َّ تصورات محد ُ دة بدقة؛ لذلك فإن نظرية املثل عند أفلاطون، شأنها شأن بقية النظريات ً الكسمولوجية في عصره، ليست علما وإنما هي شعر؛ فهي نتاج للخيال، لا للتحليل َّ املنطقي. والواقع أن أفلاطون لم يتردد، عندما توسع في عرض نظريته فيما بعد، في التعبري صراحةً عن اتجاهه الفكري الذي كان صوفيٍّا أكثر منه منطقيٍّا؛ فهو يربط بني ُ نظريته في امل ُ ثل وبني فكرة تناسخ الأرواح. ُ هذا التحول يحدث في محاورة «مينو» الأفلاطونية؛ ففي هذه املحاورة يسعى سقراط ِّ إلى تفسري طبيعة املعرفة الهندسية، ويوض ِّ حها بتجربة يجر ٍ بها على عبد َّ صغري، لم يتلق ً تعليم َّ ا منظًما في الرياضيات، ويبدو أنه يستخلص منه برهانًا هندسيٍّا؛ فهو لا يشرح َ للصبي العلاقات الرياضية املستخدمة في الحل، وإنما يجعله «يراها» عن طريق توجيه 36البحث عن العمومية والتفسري الوهمي ً أسئلة إليه. ويتخذ أفلاطون من هذا املوقف الطريف مثلا للاستبصار العقلي بالحقيقة َ الهندسية، وللمعرفة الفطرية غري املستم ً دة من التجربة. هذا التفسري، وإن لم يكن مقبولا ُ ا على فكرة رؤية املثل، غري ً من وجهة النظر الحديثة، كان في عصر أفلاطون دليلا كافيً ُّ أن أفلاطون لا يكتفي بهذه النتيجة، وإنما يود أن يمضي في التفسري أبعد من ذلك، وأن ِعرب سقراط عن الرأي القائل إن املعرفة ِّ يفسر إمكان املعرفة الفطرية. وفي هذا السياق يُ الفطرية تُ ُ ذكر لرؤية املثل، كان لدى الناس في «حيوات» سابقة عاشتها أرواحهم؛ فقد ِ كانت من بني هذه الحيوات حياةٌ ُ في «السماء التي تعلو على السموات»، كانت املثل تُرى ِّ فيها. وهكذا يلجأ أفلاطون إلى الأسطورة لكي «يفسر ُ » معرفة املثل. وإنه ملن الصعب أن ُ نقتنع بإمكان حدوث هذه الرؤية للم ٍ ثل في حياة سابقة إن كانت مستحيلة في حياتنا ُ الحاضرة، أو أن نقتنع بضرورة القول بنظرية للتذكر إن كانت هناك رؤية للمثل في حياتنا الحاضرة. ُثريَ السؤال عن سبب ِّ إن التشبيه الشعري لا يكترث باملنطق؛ ففي الأساطري اليونانية أ عدم سقوط الأرض في املكان اللانهائي، وكان الجواب هو أن عملاقًا، يُ َّسمى أطلس، يحمل الكرة الأرضية على كتفَيه. والواقع أن نظرية التذكر عند أفلاطون ذات قدرة تفسريية تكاد تُ ُ ماثل هذه القصة، من حيث إنها تكتفي بأن تنقل أصل معرفة املثل من حياة إلى َ أخرى. ولم يكن مذهب أفلاطون في الكونيات (الكسمولوجيا)، كما عرضه في محاورة «طيماوس»، يختلف عن هذه الأسطورة الساذجة إلا في استخدامه لغةً تجريدية؛ فهو ِنب ً ئنا مثلا ً بأن الوجود كان موجود ُّ ا قبل تكون الكون. ولا شك أن غموض اللغة هو يُ وحده الذي يُ ِقن ِّ ع الفيلسوف بأن يتبني حكمة عميقة في هذه الكلمات التي تذكرنا، لو 2 التي ظلَّت تُرى حتى بعد أن اختبرناها بدقة، بابتسامة قطة «تشيشاير Cheshire،« اختفت القطة. ُّ غري أنني لا أود َ أن أسخر من أفلاطون؛ ذلك لأن مجازاته تتحدث بلغة بلاغية تُثري َعد تفسريً ً ا؛ فكل ما أبدعه أفلاطون كان شعرا، الخيال، وكل ما في الأمر أن من الواجب ألا تُ م الشبان ومحاوراته كانت من أروع الأعمال في الأدب العاملي. وإن قصة سقراط الذي يعلِّ ُّ ٌ بطريقة توجيه الأسئلة، إنما هي مثل رائع للشعر التعليمي، الذي وجد له مكانًا إلى جانب 2 قطة خيالية ذات ابتسامة عريضة، ومن الجائز أن أصل هذه الأسطورة الخيالية هو مقاطعة «تشيسارير» َّسم ً ى أيض ِ ا مقاطعة تشستر). (املترجم) الإنجليزية (التي تُ 37نشأة الفلسفة العلمية إلياذة هومريوس وتعاليم الأنبياء، ولكن ليس لنا أن نأخذ آراء سقراط مأخذ الجد أكثر مما ينبغي؛ إذ إن املهم هو الطريقة التي يقول بها هذه الآراء، وكيف يستثري تلاميذه ً للدخول في مناقشة منطقية. ففلسفة أفلاطون إنما هي نتاج لفيلسوف انقلب شاعرا. وإنه ليبدو أن الفيلسوف، عندما يُصادف أسئلة يعجز عن الإجابة عليها، يشعر َم ً جازية بدلا من التفسري. ولو كان أفلاطون قد بحث بإغراء لا يُ َقاو ِّ م لكي يقدم إلينا لغةً ً ا صريحا ُّ وجب أن يكون رده اعترافً مشكلة أصل املعرفة الهندسية من وجهة نظر العالم، لَ هو: «لا أعرف.» فالعالم الرياضي إقليدس، الذي شيَّ ٍ د بعد جيل َ واحد من أفلاطون نسق البديهيات الهندسي، لم يحاول تقديم تفسري ملعرفتنا بالبديهيات الهندسية. أما الفيلسوف ً فيبدو عاجز َ ا عن السيطرة على رغبته في املعرفة. وإنا لنجد العقل الفلسفي، طوال تاريخ الفلسفة، مقترنًا بخيال الشاعر؛ فحيثما كان الفيلسوف يسأل، كان الشاعر هو الذي يُ ِّ جيب؛ لذلك فإن من الواجب، عند قراءتنا للعرض الذي يقدمه الفلاسفة ملذاهبهم، أن ِّ نرك َّ ز انتباهنا في الأسئلة، لا في الإجابات املقدمة؛ ذلك لأن كشف الأسئلة الأساسية هو في ٌ ذاته إسهام عظيم الأهمية في التقدم العقلي. وعندما يُ َ نظر إلى تاريخ الفلسفة على أنه تاريخ َّ للأسئلة، فإن الوجه الذي يتبدى عليه يغدو أخصب بكثري من ذلك الذي يبدو لنا عندما ٌ ننظر إليه على أنه تاريخ للمذاهب. وهناك بعض من هذه الأسئلة يرجع إلى عهود غابرة في التاريخ، لم يتم التوصل إلى إجابات علمية عليه إلا في أيامنا هذه. ومن هذه الأسئلة، ُ السؤال عن أصل املعرفة الرياضية. وسوف نتناول في الفصول امل ِقبلة أسئلةً أخرى كان ٌ لها تاريخ ُمماثل. َّ إن التحليل الذي قدمناه في هذا الفصل هو الإجابة الأولى على السؤال النفسي املتعلِّق ُثريَ عند مناقشة الفقرة التي استهللنا بها هذا الكتاب. فالفيلسوف باللغة الفلسفية، الذي أ ِعوزه فيه الإجابة يتحدث لغةً غري علمية؛ لأنه يحاول الإجابة على الأسئلة في الوقت الذي تُ العلمية. ومع ذلك فإن صحة هذا التفسري التاريخي محدودة النطاق؛ فهناك فلاسفة ُّ ٍّ ون يتحدثون بلغة مجازية في الوقت الذي تتوافر فيه بالفعل وسائل الوصول إلى حل يظل ُ علمي. وعلى حني أن التفسري التاريخي ينطبق على أفلاطون، فإنه لا يمكن أن يصدق على ِ هذا الكاتب أن ً كاتب بالفقرة القائلة: إن العقل هو جوهر الأشياء جميع ُ ا. إذ كان في وسع َ يفيد من املعرفة املتراكمة طوال ألفَي عام من البحث العلمي بعد عصر أفلاطون، غري أنه لم ينتفع منها. 38الفصل الثالث البحث عن اليقين والفهم العقلي للمعرفة َّتبني لنا من الفصل السابق أن أصل املفاهيم الغامضة للمذاهب الفلسفية يرجع إلى نوع من النوافع الخارجة عن مجال املنطق، التي تتدخل في عملية التفكري؛ فعن طريق ِّ اللغة املجازية، يقدم الفيلسوف إرضاءً وهميٍّا لسعيه املشروع إلى تقديم تفسري يتسم بالعمومية. ومما يُغري على إقحام الشعر في مجال املعرفة على هذا النحو، امليل إلى تشييد ٌ عالم خيالي من الصور، وهو ميل يمكن أن يصبح أقوى من السعي إلى الحقيقة، ويستحق ً ل نوعا هذا امليل إلى التفكري املجازي أن يُ َّسم ً ى دافع ً ا خارجا عن مجال املنطق؛ لأنه لا يمثِّ من التحليل املنطقي، وإنما يرجع أصله إلى حاجات ذهنية لا تنتمي إلى مجال املنطق. ٌ وهناك دافع ٍ ثان خارج عن مجال املنطق، كان في كثري من الأحيان يتدخل في عملية ُ التحليل. فعلى الرغم من أن املعرفة امل َ كتسبة بامللاحظة الحسية هي على وجه العموم ِّ ناجحة في الحياة اليومية، فإن في وسعنا أن ندرك منذ وقت مبكر أننا لا نستطيع الاعتماد عليها أكثر مما ينبغي. فهناك بضعة قوانني فيزيائية بسيطة يبدو أنها تصح بلا استثناء، كالقانون القائل إن النار ساخنة، أو إن البشر فانون، أو إن الأجسام التي لا ترتكز على ٍّ شيءٍ تهوي. غري أن هناك قواعد أخرى كثرية جدا لها استثناءات، كالقاعدة القائلة إن َغرس في الأرض تنمو، أو كقواعد الطقس أو قواعد شفاء الأمراض البشرية. البذرة التي تُ ً ا ما تؤدي امللاحظة الأكثر شمولا إلى كشف استثناءات حتى في القوانني ذات الصبغة وكثريً الأدق. مثال ذلك أن نار حشرة «ذبابة النار» ليست ساخنة، وذلك على الأقل باملعنى املعتاد لكلمة «ساخنة»، كما أن فقاعات الصابون قد ترتفع إلى أعلى (وإن لم تكن مرتكزة على ٍصيغة ِّ أدق للقانون، تحدد ِ شيء). وعلى حني أن من املمكن تفسري هذه الاستثناءات بوضعنشأة الفلسفة العلمية ٍ شروط سريانه ومعاني ألفاظه بطريقة ُّ أدق، فإننا نظل مع ذلك نشك إن كانت الصيغة الجديدة خالية من الاستثناء، أو إن كانت ستظهر كشوف جديدة تكشف عن نوع من َّ النقص في الصيغة املعدلة. ولا شك أن لهذا الشك مبرِّ َّ راته القوية، التي ترجع إلى ما أدى ُّ إليه تطو ً ر العلم مرارا من استبعاد للنظريات القديمة والاستعاضة عنها بنظريات جديدة. ٌ وهناك مصدر آخر للشك، هو أن تجاربنا الداخلية تنقسم إلى عالم للواقع وعالم للأحلام. ولقد كانت ضرورة القيام بهذا التقسيم، من الوجهة التاريخية، كشفً ا تم في ٍّ فترة متأخرة إلى حد ِ ما من تطور الإنسان. فنحن نعلم أن الشعوب البدائية في عصرنا هنا ني حد ً ا فاصلا ً واضح ً ا؛ فالإنسان البدائي الذي يحلم بأن شخصا آخر َ لا تضع بني العامل ٍّ َ هاج ُ مه قد يعد حلمه حقيقة، ويقتل الرجل الآخر، أو قد يحلم بأن زوجته تخدعه مع رجل ً آخر، فيقوم بأعمال انتقامية مماثلة أو يتخذ تدابري للقصاص، وذلك تبعا لوجهة نظره ٍّ ل النفسي على استعداد لالتماس عذر لهذا الرجل إلى حد ما، إلى املوضوع. وقد يكون املحلِّ وذلك بأن يُشري إلى أن مثل هذه الأحلام ما كانت لتحدث دون أسباب، وأنها تبرِّر الشك على الأقل، إن لم تكن تبرِّر العقاب. غري أن الإنسان البدائي لا يسلك على أساس اعتبارات التحليل النفسي، وإنما يسلك لافتقاره إلى تمييز واضح بني الحلم والواقع. وعلى الرغم ً من أن الإنسان العادي في عصرنا هذا يشعر بأنه في مأمن من هذا الخلط، فإن قليلا من ِّ التحليل يبني لنا أن ثقته هذه لا ترقى إلى مرتبة اليقني؛ ذلك لأننا عندما نحلم لا نعلم أننا َّ نحلم، وإنما نعرف أن حلمنا كان حلما فيما بعد؛ أي عندما نستيقظ فقط. فكيف ندعي أن تجاربنا الحالية يمكن الاعتماد عليها أكثر من الحلم؟ إن كون هذه التجارب مقترنة بشعور من الواقعية لا يجعلها أكثر قابلية للاعتماد عليها؛ إذ إن هذا الشعور ذاته يكون ِثبت أننا ً لدينا في الحلم، فليس في وسعنا أن نستبعد تماما احتمال أن التجارب التالية ستُ نحلم الآن. وليس الغرض من إثارة هذه الحجة هو زعزعة ثقة الإنسان العادي في تجاربه، ِّ وإنما تبني ً هذه الحجة أننا لا نستطيع أن نعتمد على هذه الثقة اعتماد ُ ا مطلَقً ا. ولقد كان الفيلسوف يشعر على الدوام بالقلق؛ لأن من غري املمكن الاعتماد على َّ الإدراك الحسي. وقد عبر َّ عن هذا القلق بأفكار كتلك التي قد َّ مناها، كما أنه تحدث عن َغمر في املاء، أو كالسراب خداع الحواس في حالة اليقظة، كالالتواء البادي للعصا عندما تُ ً في الصحراء؛ لذلك كان يشعر بالابتهاج عندما يجد مجالا ً واحدا على الأقل من مجالات ًى عن الخداع، وهو مجال املعرفة الرياضية. املعرفة يبدو له بمنأ 40البحث عن اليقني والفهم العقلي للمعرفة ولقد كان أفلاطون، كما ذكرنا من قبل، ينظر إلى الرياضيات على أنها أسمى صورة 1 وقد أسهم تأثريه بدور كبري في الرأي الشائع القائل إن املعرفة لا تكون معرفة للمعرفة. على الإطلاق إن لم تتخذ صورة رياضية. غري أن العالم الحديث، وإن يكن يتخذ من الرياضيات أداة رئيسية للبحث، لا يَ ِّ قبل هذا الحكم دون قيد أو شرط، وإنما يؤكد أن امللاحظة لا يمكن إغفالها في العلم التجريبي، ويترك للرياضة مهمة إثبات الارتباطات بني مختلف نتائج البحث التجريبي فحسب. وهو يُ ً بدي استعداد ٍّ ا تاما لاستخدام هذه ُ الارتباطات الرياضية م ِرشًد ٍ ا لكشوف جديدة تعتمد على امللاحظة، غري أنه يعلم أنها لا ِع َ ينه إلا لأنه يبدأ من مادة مستم ٌّ دة بامللاحظة، وهو مستعد على الدوام للتخلي يمكنها أن تُ عن النتائج الرياضية إن لم تؤيدها امللاحظة اللاحقة. فالعلم التجريبي، باملعنى الحديث َعد ذات لهذه العبارة، يجمع بنجاح بني املنهج الرياضي ومنهج امللاحظة، ونتائجه لا تُ ُ يقني مطلَق، بل ذات درجة عالية من الاحتمال، ويمكن الاعتماد عليها بالنسبة إلى جميع ٍ الأغراض العملية بقدر ٍ كاف. ُ غري أن فكرة املعرفة التجريبية كانت خليقة بأن تبدو م ِمتنعة في نظر أفلاطون؛ َّ فعندما وحد بني املعرفة وبني املعرفة الرياضية، أراد أن يقول إن امللاحظة لا ينبغي أن يكون لها دور في املعرفة. ولقد قال أحد تلاميذ سقراط في محاورة فيدون: «إن الحجج املبنية على الاحتمالات زائفةٌ.» ذلك لأن أفلاطون كان يطلب اليقني، لا الترجيح الاستقرائي الذي ترى الفيزياء الحديثة أنه الهدف الوحيد الذي يمكنه بلوغه. ٌ ومن الصحيح، بطبيعة الحال، أن اليونانيني لم يكن لديهم علم فيزيائي يمكن مقارنته بعلمنا، وأن أفلاطون لم يكن يعلم مدى ما يمكن تحقيقه عن طريق الجمع بني ٌ املنهج الرياضي والتجربة. ومع ذلك فهناك علم ٌّ طبيعي ٌ واحد أحرز، حتى في أيام أفلاطون، ً نجاحا كبريًا بفضل هذا الجمع، هو علم الفلك؛ ذلك أن القوانني الرياضية لدوران النجوم ُ والكواكب كانت قد كشفت، بدرجة كبرية من الإحكام، بفضل امللاحظة الدقيقة والاستدلال َّ هذا الحكم غري صحيح؛ لأن املعرفة الرياضية، كما عرفها أفلاطون في تشبيه الخط (الكتاب السادس 1 من محاورة الجمهورية)، تتعلق بالذهن أو الفهم، وهناك معرفة تمتاز عنها بأنها معرفة حدسية غري ُ استدلالية، هي التعقل أو معاينة امل ُّ ثل؛ لذلك فإنني أشك في صحة رأي املؤلف، القائل إن امليتافيزيقا َسرها ترجع إلى فهم خاص لطبيعة الرياضيات، وهو الرأي الذي بنى عليه املؤلِّف حجته في الأفلاطونية بأ ِ هذا الفصل وفي غريه من فصول الكتاب. (املترجم) 41نشأة الفلسفة العلمية الهندسي، غري أن أفلاطون لم يكن على استعداد للاعتراف بدور امللاحظة في الفلك، وإنما َّ أك ً د أن الفلك لا يكون علما إلا بقدر ما تفهم حركات النجوم ب «العقل والذهن». ففي رأيه ِنبئنا بالكثري عن القوانني الخاصة بدورانها؛ لأن حركتها الفعلية أن ملاحظات النجوم لا تُ ً غري كاملة، ولا تخضع للقوانني خضوعا دقيقً ا. ويقول أفلاطون إن من غري املعقول ُ أن نفترض أن الحركات الحقيقية للنجوم «أزلية ولا تتعرض لأي انحراف». وهو يذكر ا ٍ بوضوح ٍ كامل رأيَه في الفلكي الذي يعتمد على امللاحظة: «فإذا كان ما يدرسه املرء شيئً ٍّا، فإنه سواءٌ تطلَّ ً ع مشدوها إلى أعلى، أم خفض عينَيه إلى أسفل، فلن تكون هذه حسي ِعلم باملحسوس. فالنفس في هذه الحالة إنما معرفة على الإطلاق؛ إذ لا يمكن أن يكون ثمةَ ٍ تنظر إلى أسفل، سواء أكان املرء يدرس وهو راقد على ظهره، أم وهو طاف على املاء.» ً وبدلا من ملاحظة النجوم، علينا أن نحاول الاهتداء إلى قوانني دورانها بالفكر؛ فمن واجب ُ الفلكي أن «يترك السماء امل ِحتشدة بالنجوم جانبًا»، وأن يخوض موضوعه باستخدام ِمن «الجزء العاقل بطبيعته في نفوسنا» (الجمهورية، الكتاب السابع، ٥٢٩-٥٣٠ .(إنه لَ ُ امل ٍ حال أن نجد كلمات ِّ أقوى من هذه تعبر عن رفض العلم التجريبي، وعن الاعتقاد بأن معرفة الطبيعة لا تحتاج إلى ملاحظة، وإنما يمكن بلوغها بالعقل وحده. ُ فكيف يمكن تفسري هذا املوقف امل ٍ عادي للتجريبية على أساس نفسي؟ إن البحث عن اليقني هو الذي يجعل الفيلسوف يتجاهل دور امللاحظة في املعرفة. وملا كان يستهدف ُ ذات يقني مطلَق، فإنه لا يستطيع أن يقبل نتائج امللاحظات، وملا كانت الحجج معرفةً ً املبنية على أساس احتمالات حججا للحقيقة. وهكذا فإن املثل الأعلى الذي يتجه إلى صبغ املعرفة بصبغة رياضية كاملة، وإلى جعل الفيزياء من نفس نمط الهندسة والحساب، ٍ ينشأ عن الرغبة في الاهتداء إلى يقني ُمطلَ َ ق لقوانني الطبيعة، وهو يؤدي إلى ذلك املطلب ً يه بعيدا ُ امل ِمتن ِّ ع، وأعني به أن ينسى عالم الفيزياء ملاحظاته، وأن يحول عالم الفلك عينَ عن النجوم. ُ ق على نوع الفلسفة التي تع ً د العقل مصدرا ملعرفة العالم الفيزيائي اسم املذهب ويُطلَ العقلي Rationalism .وينبغي أن نميِّز بدقة بني هذا اللفظ، وكذلك الصفة املشتقة منه وهي «عقلاني rationalistic ،«وبني لفظ «معقول rational«؛ فاملعرفة العلمية يتم ا التوصل إليها باستخدام مناهج معقولة rational ُ ؛ لأنها تقتضي استخدام العقل مطبَّقً على مادة امللاحظة، غري أنها ليست عقلانية، إذ إن هذه الصفة لا تنطبق على املنهج العلمي، ً وإنما على املنهج الفلسفي الذي يتخذ من العقل مصدرا للمعرفة التركيبية املتعلقة بالعلم، ولا يشترط ملاحظة لتحقيق هذه املعرفة. 42البحث عن اليقني والفهم العقلي للمعرفة وفي كثري من الأحيان يقتصر اسم «املذهب العقلي»، في الكتابات الفلسفية، على مذاهب عقلانية معيَّنة في العصر الحديث، بينما يُطلَق على املذاهب ذات النمط الأفلاطوني اسم «املثالية jueansm ،« ً تمييزا لها من السابقة. على أننا سوف نستخدم في هذا الكتاب اسم ً «املذهب العقلي» باملعنى الواسع دائما، بحيث يشمل املثالية. ويبدو أن لهذا الجمع ما ٌّل يبرِّ َ ره؛ لأن نوع ُ ي الفلسفة م ٌ تماثلان من حيث إنهما ينظران إلى العقل على أنه مصدر ِ مستق ٌ ملعرفة العالم الفيزيائي. فالأصل النفسي لكل مذهب عقلي باملعنى الواسع هو دافع خارج ً عن مجال املنطق؛ أعني دافعا لا يمكن تبريره من خلال املنطق: هو البحث عن اليقني. ولم يكن أفلاطون هو أول العقليني؛ فقد كان أهم املفكرين الذين سبقوه في هذا الاتجاه، الفيلسوف الرياضي فيثاغورس (حوالى ٥٤٠ق.م) الذي كان لتعاليمه تأثريٌ هائل ً في أفلاطون. وإنه ليبدو من املفهوم أن يكون الرياضي أكثر من غريه تعرضا للتحول إلى املذهب العقلي؛ ذلك لأنه حني يدرك مدى نجاح الاستنباط املنطقي في مجال لا يحتاج إلى رجوع إلى التجربة، فقد يميل إلى الاعتقاد بإمكان التوسع في مناهجه بحيث تمتد إلى ُّ مجالات أخرى، فتكون النتيجة نظرية للمعرفة تحل َّ فيها أفعال الاستبصار محل الإدراك الحسي، ويُعتقَد فيها أن للعقل قوة خاصة به، يكتشف بواسطتها القوانني العامة للعالم الفيزيائي. ً وعندما يتخلى الفيلسوف عن امللاحظة التجريبية بوصفها مصدرا للحقيقة، لا تعود بينه وبني النزعة الصوفية إلا خطوة قصرية. فإذا كان في استطاعة العقل أن يخلق معرفة، َّسمى َعد بدورها جديرة بأن تُ فإن بقية النواتج التي يخلقها الذهن البشري يمكن أن تُ ِ معرفة؛ وم ٌ ن هذا املفهوم ينشأ مزيج غريب من النزعة الصوفية والنزعة الرياضية، لم َّ يحتف من مسرح الفلسفة منذ بداية ظهوره عند فيثاغورس؛ فقد أدى تبجيل فيثاغورس الديني للعدد واملنطق إلى قوله بأن كل الأشياء أعداد، وهي فكرة لا يكاد يكون من املمكن َّ ى. ولقد كانت نظرية تناسخ الأرواح، التي تحدثنا عنها ترجمتها إلى عبارات ذات معنً ُ في صدد نظرية املثل عند أفلاطون، من التعاليم الرئيسية عند فيثاغورس، الذي يفترض أنه اقتبسها من عقائد شرقية، وإنا لنعلَم أن أفلاطون قد عرف هذه النظرية بفضل ارتباطه بالفيثاغورين. كذلك فإن الفكرة القائلة إن الاستبصار املنطقي يمكنه أن يكشف خصائص العالم املادي هي بدورها فكرةٌ ترجع إلى أصل فيثاغوري؛ فقد كان أتباع فيثاغورس يُ ً مارسون نوع َّ ا من العبادة الدينية، يتضح طابعه الصوفي في محرمات معيَّنة، يُقال إن أستاذهم قد فرضها عليهم. مثال ذلك أنهم تعلَّموا أن من الخطر أن يترك املرء 43نشأة الفلسفة العلمية ِ َّ بوا ملاءات أسر ُّ تهم ويمدوها عندما ً انطباع ً ا لجسمه على سريره، وكان لزاما عليهم أن يرتِّ يستيقظون في الصباح. ٌ وللنزعة الصوفية أشكال أخرى لا ترتبط بالرياضيات؛ فالصوفي عادةً ٌ متحامل على العقل واملنطق، وهو يُ َّ بدي ازدراءً لقوة العقل. ويد ً عي الصوفي أن لديه نوعا من التجربة فوق الطبيعية، تكشف له عن حقيقة معصومة برؤية مباشرة. ويَُعد املتصوفة الدينيون ً مصدرا لهذا النوع من النزعة الصوفية. أما خارج مجال الدين، فلم يكن للنزعة الصوفية ٌ املضادة للعقل دور هام؛ لذلك ففي استطاعتي أن أتجاهلها في هذا الكتاب الذي يأخذ على عاتقه مهمة تحليل أشكال الفلسفة املتصلة بالتفكري العلمي، والتي أسهمت في النزاع الهائل بني الفلسفة والعلم. فالنزعة الصوفية ذات الاتجاه الرياضي هي وحدها التي تدخل ضمن نطاق هذا التحليل. والصفة التي تجمع بني هذه النزعة الصوفية الرياضية، وبني الأشكال غري الرياضية للنزعة الصوفية، هي إشارتها إلى أفعال الرؤية فوق الحسية، ولكن ما يميِّزها عن تلك الأشكال الأخرى هو استخدام تلك الرؤية في إثبات حقيقية عقلية. على أن املذهب العقلي ليس صوفيٍّا على الدوام بطبيعة الحال؛ فالتحليل املنطقي قد يُ َ ستخدم هو ذاته في إثبات نوع من املعرفة يَُع ُ د ذا يقني مطلَق، وإن يكن يرتبط بمعرفة ِّ الحياة اليومية أو املعرفة العلمية. وقد ظهرت في العصر الحديث مذاهب عقلية متعددة من هذا النمط العلمي غري الصوفي. ُّ ومن بني هذه املذاهب، أود أن أناقش املذهب العقلي عند الفيلسوف الفرنسي ديكارت ِّ (١٥٩٦–١٦٥٠م)؛ ففي كثري من كتاباته نراه يقد ً م حججا لإثبات افتقار املعرفة املبنية َّ على الإدراك الحسي إلى اليقني، وهي حجج من النوع الذي تحدثنا عنه من قبل. ويبدو ً ا عظيم َّ ا من جراء افتقار املعرفة كلها إلى اليقني، وقد نذر أن ديكارت كان يستشعر قلقً َّ للعذراء أن يحج إلى لوريتو Loretto لو أنارت عقله وساعدته على الاهتداء إلى اليقني ُ املطلَق. وهو يروي أن الاستنارة أتته عندما كان يقيم في خندق خلال حملة شتوية اشترك ً فيها بوصفه ضابطا، فأعرب عن شكره للعذراء بأن وفى نذره. ُ ويبني ديكارت برهانه على اليقني املطلَق عن طريق خدعة منطقية؛ فهو يقول إنني َّ أستطيع أن أشك ً في كل شيء، فيما عدا أمر ً ا واحدا، هو أنني أشك، ولكنني عندما أشك ً أفكر، وعندما أفكر لا بد أن أكون موجودا. وهكذا يزعم أنه قد أثبت وجود الأنا بالاستدلال املنطقي؛ وبذلك تكون الصيغة السحرية هي: أنا أفكر؛ إذن أنا موجود. على أنني عندما ِّ أسم َّ ي هذا الاستدلال خدعة منطقية، لا أود أن أقول إن ديكارت قد تعمد أن يخدع قُراءه، 44البحث عن اليقني والفهم العقلي للمعرفة وإنما أود أن أقول إنه هو ذاته كان ضحية هذا النوع الخادع من الاستدلال. أما إذا َّ تحدثنا من وجهة النظر املنطقية، لقلنا إن الانتقال الذي قام به ديكارت في استدلاله من الشك إلى اليقني هو أشبه ب «خفة اليد»؛ فهو ينتقل من الشك إلى النظر إلى الشك على أنه ٌ فعل يقوم به الأنا؛ وبذلك يعتقد أنه قد اهتدى إلى حقيقة لا يتطرق إليها الشك. ولقد كشف التحليل الذي تم في عهود لاحقة عن املغالطة في حجة ديكارت؛ فليس ملفهوم الأنا تلك الطبيعة البسيطة التي كان يُ ِؤمن بها ديكارت؛ إذ إننا لا نرى أنفُسنا بنفس الطريقة التي نرى بها البيوت والناس من حولنا. قد نتحدث عن ملاحظة أفعالنا في حالة الفكر أو الشك، غري أننا لا ندرك هذه الأفعال على أنها نواتج للأنا، وإنما على أنها َ صاحبها مشاعر؛ فالقول «أنا أفكر» يتجاوز نطاق موضوعات منفصلة، وعلى أنها صور تُ التجربة املباشرة من حيث إن هذه الجملة تستخدم لفظ «أنا». ُ ل م ً عطى يمكن ملاحظته، وإنما هي نهاية حلقات طويلة وعبارة «أنا أفكر» لا تمثِّ من التفكري تكشف عن وجود «أنا» متميِّز عن «أنا» الأشخاص الآخرين. وكان حريٍّا ِّ بديكارت أن يقول: «هناك تفكري.» وبذلك يوضح طريقة الحدوث املنفصل ملحتويات الفكر، وظهورها مستقلة عن أفعال الإرادة أو غريها من الاتجاهات التي يشترك فيها الأنا، ولكن لو كان ديكارت قد فعل ذلك ملا عاد استدلاله ممكنًا؛ ذلك لأنه إذا لم يكن الوعي املباشر ضمانًا لوجود الأنا، فلا يمكن تأكيد وجوده بيقني يزيد على يقني املوضوعات َ الأخرى املستمدة عن طريق إضافات مقبولة إلى معطيات امللاحظة. ٍ ولا تكاد تكون بحاجة إلى القيام بتفنيد ً أكثر تفصيلا لاستدلال ديكارت؛ فحتى لو ً كان الاستدلال مقبولا ً ملا أثبت الكثري، وملا كان دليلا على يقني معرفتنا بالأشياء املغايرة للأنا، وهو ما يتضح من الطريقة التي يُ ُّ واصل بها عرض حجته؛ فهو يستدل ً أولا على أن ً وجود الأنا يستتبع حتم ٍ ا وجود الله، وإلا ملا كانت للأنا فكرة عن كائن ٍ لا متناه، ثم ينتقل إلى الاستدلال على أن الأشياء املحيطة بنا لا بد أن تكون موجودة بدورها، وإلا لكان الله ُ ا حني تصدر عن رياضي ممتاز مثل ديكارت. ٍّ ً خادعا. وتلك حجة لاهوتية تبدو غريبة حق والسؤال الهام هو: كيف أمكن أن تعالج مشكلة منطقية، هي إمكان الوصول إلى اليقني، ُ دة من الحجج قوامها بعض الخدع والتفكري اللاهوتي، وهي عن طريق مجموعة معقَّ ُح َجج لا يمكن أن يأخذها أي قارئ ذي عقلية علمية في عصرنا هذا مأخذَ الجد؟ تستحق من الانتباه أكثر مما يُ ُ بديه بها الكتاب إن البحث النفسي للفلاسفة مشكلةٌ ُّ الذين يعرضون تاريخ الفلسفة، وإن دراسة هذا املوضوع لهي خليقة بأن تُلقي على 45نشأة الفلسفة العلمية معنى املذاهب الفلسفية ضوءًا أعظم مما تلقيه عليها كل محاولات التحليل املنطقي لهذه ً املذاهب؛ ففي استدلال ديكارت منطق هزيل، غري أننا نستطيع أن نستخلص منه قدرا كبريًا من املعلومات النفسية؛ ذلك لأن البحث عن اليقني هو الذي جعل هذا الرياضي املمتاز ينجرف في تيار هذا املنطق املتخبِّط. ويبدو أن البحث عن اليقني يمكن أن يُعمي بصرية املرء عن مصادرات املنطق، وأن محاولة بناء املعرفة على أساس العقل وحده كفيلةٌ بأن تجعله يتخلى عن مبادئ التفكري السليم. ِّ ويفسر علماء النفس السعي إلى اليقني بأنه الرغبة في العودة إلى العهود الأولى ِّ للطفولة، وهي العهود التي لم يكن يعكرها الشك، وكانت تسترشد بالثقة في حكمة ِّ بفضل التربية التي تعود الطفل على أن يرى في الشك َ الوالدين. وتقوى هذه الرغبة عادةً خطيئة، وفي الثقة فضيلة يحض عليها الدين. وفي استطاعة من يكتب تاريخ حياة ديكارت ُّ أن يحاول الجمع بني هذا التفسري العام وبني الطابع الديني لشكوك ديكارت، ودعائه من أجل الاستنارة، وذهابه إلى الحج، وكلُّها أمور تدل على أن هذا الرجل كان في حاجة ُ إلى مذهبه الفلسفي لكي يتغلب على عقدة من الحرية وانعدام اليقني م ِ تغلغلة فيه بعمق. ُّ وعلى الرغم من أننا لا نود َّ القيام بدراسة مفصلة لحالة ديكارت، ففي استطاعتنا أن َّ نستخلص منها نتيجة هامة، هي أنه إذا كانت هناك غاية محد ُ دة م َّقدًما، تتحكم في نتيجة البحث املنطقي، وإذا جعلنا من املنطق أداة للبرهنة على نتيجة نرغب في إثباتها لسبب َّ آخر معني ُ ، فإن منطق الحجة يصبح م َّعر ًضا للخطأ واملغالطة؛ ذلك لأن املنطق لا يزدهر ِثق َ ل ثمار ُ ها مخلفات الخوف والتحامل. وعلى من ٍّ إلا في جو من الحرية التامة، وفي تربة لا تُ ً يه جيدا، ويكون على استعداد لقبول أية نتيجة يأتي يبحث في طبيعة املعرفة أن يفتح عينَ بها الاستدلال السليم، ولا يهتم إذا جاءت النتيجة مناقضة لتصوره الخاص ملا ينبغي أن ً تكون عليه املعرفة. فعلى الفيلسوف ألا يجعل من نفسه عبدا لرغباته. هذه النصيحة تبدو ضئيلة الشأن، ولكنها لا تبدو كذلك إلا لأننا لا ندرك مدى صعوبة ِ اتباعها. فالسعي إلى اليقني م ِّ ن أخطر مصادر الخطأ؛ لأنه يرتبط باد ُ عاء معرفة عليا. وهكذا يَُع ً د يقني البرهان املنطقي مثلا أعلى للمعرفة، ويُشترَط في كل معرفة أن يكون من املمكن إثباتها بمناهج تُماثل املنطق في إمكان الاعتماد عليها. ولكي ندرك النتائج املترتبة على هذه النظرية، علينا أن ندرس طبيعة البرهان املنطقي بمزيد من الدقة. يُطلَق على البرهان املنطقي اسم الاستنباط deduction؛ إذ إننا نتوصل فيه إلى َّسمى بمقدمات الاستدلال. والاستدلال النتيجة عن طريق استنباطها من قضايا أخرى تُ 46البحث عن اليقني والفهم العقلي للمعرفة ُ نفسه م َّرك َّ ب بحيث إنه إذا صحت املقدمات وجب أن تكون النتيجة بدورها صحيحة. ٍ ني «كل إنسان فان» و«سقراط إنسان»، مثال ذلك أننا نستطيع أن نستخلص من القضيتَ ٍ «سقراط فان». ويكشف هذا املثل عن الطابع الفارغ للاستنباط؛ فلا يمكن أن النتيجةَ ً ا أكثر مما ورد في املقدمات، وإنما هي تقتصر على الإفصاح عن محتوى ُ تذكر النتيجة شيئً َّ معني موجود ضمنيٍّا في املقدمات؛ فهي تنزع الغلاف — إن جاز هذا التعبري — عن ُ املضمون الذي كان مغلَّفً ا في املقدمات. ً وإن قيمة الاستنباط لترجع إلى كونه فارغا؛ ذلك لأن كون الاستنباط لا يضيف أي شيء إلى املقدمات

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *