نشأة الفلسفة العلمية في اليونان الجزء االثاني

نفسه م َّرك َّ ب بحيث إنه إذا صحت املقدمات وجب أن تكون النتيجة بدورها صحيحة. ٍ ني

«كل إنسان فان» و«سقراط إنسان»، مثال ذلك أننا نستطيع أن نستخلص من القضيتَ ٍ «سقراط فان». ويكشف هذا املثل عن الطابع الفارغ للاستنباط؛ فلا يمكن أن النتيجةَ ً ا أكثر مما ورد في املقدمات، وإنما هي تقتصر على الإفصاح عن محتوى ُ تذكر النتيجة شيئً َّ معني موجود ضمنيٍّا في املقدمات؛ فهي تنزع الغلاف — إن جاز هذا التعبري — عن ُ املضمون الذي كان مغلَّفً ا في املقدمات. ً وإن قيمة الاستنباط لترجع إلى كونه فارغا؛ ذلك لأن كون الاستنباط لا يضيف أي شيء إلى املقدمات، هو ذاته السبب الذي يُتيح على الدوام تطبيقه دون خوف من أن يؤدي إلى الإخفاق. وبعبارة أدق، فليست النتيجة بأقل يقينًا من املقدمة؛ فالوظيفة املنطقية للاستنباط هي نقل الحقيقة من القضايا املعطاة إلى قضايا أخرى، ولكنه لا يستطيع أن ِثب ُ ت الحقيقة التركيبية إلا إذا ك ِ نا نعرف م ُ ن قبل يفعل أكثر من ذلك؛ فهو لا يستطيع أن يُ حقيقة تركيبية أخرى. ٍ ي املثال السابق، وهما «كل إنسان فان» «وسقراط إنسان»، ِوم ُ ن امل َلاحظ أن مقدمتَ ً هما مع َ ا حقيقتان تجريبيتان؛ أي إنهما حقيقتان مستم ِ دتان من امللاحظة؛ ومن ثَم فإن النتيجة، وهي «سقراط فان»، هي بدورها حقيقةٌ تجريبية، وليس فيها من اليقني أكثر ٍ ا يحاولون الاهتداء إلى مقدمات من نوع أفضل، ً ني. ولقد ظل الفلاسفة دائم مما في املقدمتَ لا تتعرض لأي نوع من النقد، وكان ديكارت يعتقد أن لديه حقيقة لا يتطرق إليها الشك ُ في مقدمته «أنا أفكر». وقد أوضحنا من قبل أن لفظ «أنا» في هذه املقدمة يمكن الشك فيه، ٍ وأن الاستدلال لا يأتينا بيقني ُمطلَق. ومع ذلك فإن صاحب املذهب العقلي لا يستسلم، وإنما يظل يبحث عن مقدمات لا يتطرق إليها الشك. ِّ على أن هناك بالفعل مقدمات من هذا النوع، هي تلك التي تقدمها لنا مبادئ املنطق؛ فالقول إن كل شيء في هوية مع ذاته، وإن كل جملة إما صادقة وإما كاذبة — أي «أن تكون أو لا تكون» باملعنى املنطقي — هي مقدمات لا يتطرق إليها الشك، ولكن عيبها ُ أنها بدورها فارغة؛ فهي لا تذكر شيئًا عن العالم الفيزيائي، وإنما هي قواعد نستخدمها في وصف العالم الفيزيائي، دون أن تُسهم بشيء في مضمون الوصف، فهي تتحكم في صورته وحدها؛ أي في لغة وصفنا؛ وإذن فمبادئ املنطق تحليلية (وقد سبق أن أشرنا إلى هذا اللفظ على أنه يعني «ما هو فارغ ويشرح ذاته بذاته»). وفي مقابل ذلك تكون ا ِنبئنا بواقعة، كمشاهدات عيوننا، قضايا تركيبية؛ أي قضايا تضيف شيئً القضايا التي تُ 47نشأة الفلسفة العلمية ِّ إلى معرفتنا، غري أن كل القضايا التركيبية التي تقد َّ مها لنا التجربة معرضة للشك، ولا ُ يمكنها أن تأتينا بمعرفة ذات يقني مطلَق. وقد بُذلت محاولة لإثبات اليقني املطلوب بناءً على مقدمة تحليلية في البرهان الأنطولوجي املشهور على وجود الله، الذي وضعه «أنسلم، أسقف كنتربري» في القرن ٌ الحادي عشر. ويبدأ البرهان بتعريف الله على أنه كائن ُّ لا نهائي الكمال. وملا كان مثل هذا 2 ً فلا بد أن تكون له أيضا صفة الوجود؛ الكائن ينبغي أن تكون له كل الصفات الأساسية، ومن ذلك يستنتج أن الله موجود. والواقع أن املقدمة تحليلية؛ لأن كل تعريف تحليليٌّ. وملا كانت القضية القائلة بوجود الله تركيبية، فإن الاستدلال يمثِّل خدعة تُستخلَص فيها نتيجة تركيبية من مقدمة تحليلية. ومن السهل أن نتبني الطبيعة املغالطة لهذا الاستدلال من نتائجه املمتنعة؛ فإذا ِ كان من حقنا أن نستدل على الوجود من تعريف، لكان في استطاعتنا إثبات وجود قط ذي ثلاثة ذيول، عن طريق تعريف مثل هذا الحيوان بأنه قط له ثلاثة ذيول ويتصف بالوجود. وتنحصر املغالطة، من وجهة النظر املنطقية، في الخلط بني الكليات والجزئيات؛ فمن التعريف لا يمكننا أن نستدل إلا على القضية الكلية القائلة: إنه إذا كان شيءٌ ما قطا ذا ثلاثة ذيول فإنه موجود، وهي قضية صحيحة. أما القضية الجزئية القائلة إن ٍّ هناك قط ِ ا ذا ثلاثة ذيول فلا يمكن أن تستخلص. وباملثل لا يمكننا أن نستدل م ُّ ن تعرف ٍّ ُ ا مطلَق الكمال فإنه موجود، لا أن أنسلم إلا على القضية القائلة إنه إذا كان شيءٌ ما كائنً نستدل على أن مثل هذا الكائن موجود (وبهذه املناسبة فإن الخلط الذي وقع فيه أنسلم ِشب ً ه خلط ً ا مماثلا وقعت فيه نظرية القياس الأرسططالية). بني الكليات والجزئيات يُ ولقد كان «إمانويل كانت Kant lmmanuel) «١٧٢٤–١٨٠٤م) هو الذي أدرك أن اليقني ذا الطبيعة التركيبية لا يمكن أن يُ َّ ستمد من مقدمات تحليلية، وإنما يحتاج إلى مقدمات تركيبية لا سبيل إلى الشك في صحتها. وملا كان يُ ِؤمن بوجود أمثال هذه القضايا، فقد أسماها ب «القضايا التركيبية القبلية» priori a synthetic .وكلمة «القبلية» ِّ أعتقد أن املؤلف لم يعبر عن البرهان الأنطولوجي بدقة؛ لأن «أنسلم» لم يتحدث عن الصفات الأساسية، 2 َّ وإنما تحد ً ث عن «الكمالات» التي ينبغي في رأيه أن يكون الوجود واحدا منها. وعلى ذلك فإن حجته التالية ٍّ عن «القط ذي الذيول الثلاثة» غري منطقية؛ لعدم اتصاف مثل هذا الكائن بأي من الكمالات التي ارتكز ِ عليها أنسلم في تعريفه للكائن الأعلى. (املترجم) 48البحث عن اليقني والفهم العقلي للمعرفة د ُ ا من العقل وذا صحة مطلَقة». وتمثِّل د َ من التجربة»، أو «مستمٍّ تعني «غريَ َ مستمٍّ فلسفة «كانت» محاولةً كبرى لإثبات وجود حقائق تركيبية قبلية، وهي من الوجهة َّ ل آخر بناء هائل لفلسفة عقلية. ولقد تفوق «كانت» على أفلاطون وديكارت، التاريخية تمثِّ اللذين سبقاه في نفس الاتجاه؛ لأنه تجنَّ ُ ب أخطاءهما، فهو لا يلتزم بالقول بوجود املثل الأفلاطونية، كذلك فإنه لا يُ ِّقدم إلينا خلسةً مقدمة ذات ضرورة وهمية عن طريق ارتكاب خدعة كتلك التي ارتكبها ديكارت، وإنما هو يبدأ، مثل أفلاطون، باملعرفة الرياضية، ِّ وإن لم يكن يفسر ٍ هذه املعرفة بوجود موضوعات ذات حقيقة أعلى، وإنما بتأويل بارع للمعرفة التجريبية، سنعرض له الآن. َ إذا كان م ِ ظهر التقدم في الفلسفة هو كشف أسئلة ذات دلالة، فمن الواجب أن ننسب ً إلى «كانت» مكانة رفيعة نظرا إلى سؤاله املتعلِّق بوجود املعرفة التركيبية القبلية. ومع ذلك فإنه، شأنه شأن غريه من الفلاسفة، يُطالب لنفسه بمكانة رفيعة، لا على أساس ِّ السؤال، وإنما على أساس إجابته عليه، بل إنه يصو ٍ غ السؤال على نحو ٍّ مختلف إلى حد ما؛ ٍّ إذ إن اقتناعه بوجود املعرفة التركيبية القبلية بلغ حدا جعله لا يرى ضرورة في التساؤل عن وجودها، وإنما وضع السؤال في صيغة: كيف تكون املعرفة التركيبية القبلية ممكنة؟ د من الرياضيات والفيزياء وهو يرد َ على هذا السؤال بالقول: إن الدليل على وجودها مستمٌّ ُّ الرياضية. ً قال دفاعا عن موقف «كانت»؛ فنظرته ً والواقع أن هناك أمور ٍّ ا كثرية جدا يمكن أن تُ إلى بديهيات الهندسة على أنها تركيبية قبلية، تشهد بعمق فهمه للمشكلات الخاصة التي تُ ٌ ثريها الهندسة. ولقد أدرك «كانت» أن هندسة إقليدس لها مركز فريد، من حيث إنها َعد ٌ كشف عن علاقات ضرورية تسري على موضوعات تجريبية، وهي علاقات لا يمكن أن تُ تحليلية. وهو في هذه النقطة أصرح وأوضح بكثري من أفلاطون؛ فقد أدرك «كانت» أن ِّ دقة البرهان الرياضي لا يمكن أن تفسر الصحة التجريبية للنظريات الهندسية. فالقضايا الهندسية، كالنظرية املتعلقة بمجموع زوايا املثلث، أو نظرية فيثاغورس، تُستخلَص باستنباط منطقي دقيق من املقدمات، غري أن هذه املقدمات ذاتها لا تُستخلص على هذا النحو؛ إذ لا يمكن استخلاصها؛ لأن كل استخلاص لنتائج تركيبية ينبغي أن يبدأ بمقدمات ِ تركيبية. وإذن فمن الواجب إثبات صحة البديهيات بوسائل أخرى غري املنطق، فلا بد أن ُ تكون تركيبية قبلية. وعندما نعرف أن املقدمات تصدق على املوضوعات الفيزيائية، يضمن ٍ املنطق بعدئذ انطباق النظريات على هذه املوضوعات، ما دامت صحة البديهيات تنتقل 49نشأة الفلسفة العلمية بالاستنباط املنطقي إلى النظريات. وبالعكس، فإذا اقتنع املرء بأن النظريات الهندسية تنطبق على الواقع الفيزيائي، كان في ذلك اعتراف بصحة البديهيات؛ وبالتالي باملعرفة ُّ التركيبية القبلية. والواقع أن نفس الأشخاص الذين لا يودون أن يعترفوا صراحةً باملعرفة ٍ التركيبية القبلية، يسلكون على نحو ُّ ينم َّ عن إيمانهم بها؛ إذ إنهم لا يترددون في تطبيق ِثبت وجود معرفة نتائج الهندسة على قياسات عملية. ويرى «كانت» أن هذه الحجة تُ تركيبية قبلية. ويعتقد «كانت» أن من املمكن الإتيان بحجج مماثلة بالنسبة إلى الفيزياء الرياضية؛ َّ فهو يقول إننا لو سألنا عالم الفيزياء عن وزن الدخان لتوصل إليه عن طريق وزن املادة ِّ قبل الاحتراق، ثم طرح وزن الرماد. وفي تحديد وزن الدخان على هذا النحو نعبر عن تسليمنا بأن املادة لا تفنى. وهكذا يتضح، كما يقول «كانت»، أن مبدأ بقاء املادة حقيقةٌ تركيبية قبلية، يعترف بها الفيزيائي في طريقة إجرائه لتجربته. ونحن نعلَم اليوم أن الحساب الذي أوضحه «كانت» يؤدي إلى نتيجة غري صحيحة؛ إذ إنه لا يأخذ بعني الاعتبار ُ وزن الأكسجني الذي يدخل في تفاعل كيميائي مع املادة امل ِحترقة. ومع ذلك فلو كان «كانت» قد عرف هذا الكشف الذي ظهر فيما بعد، لقال إنه على الرغم من كونه يؤدي إلى تعديل طريقة الحساب، فإنه لا يُناقض مبدأ بقاء املادة، وسيظل ِّ هذا املبدأ هو الذي يكون إطار الحساب إذا أخذنا وزن الأكسجني في الاعتبار. ِ تركيبي قبلي آخر يأخذ به عالم الفيزياء في نظر «كانت»، هو مبدأ العلِّية؛ ٌ وهناك مبدأ ُ فعلى الرغم من أننا نعجز في كثري من الأحيان عن الاهتداء إلى سبب لحادث م َلاحظ، فإننا لا نفترض أنه حدث بلا سبب، وإنما نقتنع بأننا سنهتدي إلى السبب لو أننا مضينا في البحث عنه. هذا الاقتناع يتحكم في منهج البحث العلمي، وهو القوة الدافعة لكل تجربة ِثبت ِ ية، ملا كان هناك علم. وهكذا فإن «كانت» يُ ِؤم ِ ن بالعلِّ علمية؛ إذ إننا لو لم نكن نُ املعرفة التركيبية القبلية في هذه الحالة، كما في حججه الأخرى، بالرجوع إلى طريقة سري العلم؛ أي إن أساس مذهب «كانت» الفلسفي هو القول إن العلم يفترض املعرفة التركيبية ُ القبلية م َّقدًما. والواقع أن الأساس العلمي ملوقف «كانت» هو مصدر قوة هذا املوقف؛ فسعيُه إلى ُ اليقني ليس من النوع الصوفي الذي يلجأ إلى القول برؤية لعالم املثل، وليس من النوع الذي يلجأ إلى خدع منطقية تستخلص اليقني من مقدمات فارغة، مثلما يستخلص الحواة أرنبًا من قبعة خالية، وإنما يستعني كانت بالعلم السائد في عصره لكي يُ ِبرهن على إمكان 50البحث عن اليقني والفهم العقلي للمعرفة بلوغ اليقني. وهو يذهب إلى أن حلم اليقني لدى الفيلسوف يجد له في نتائج العلم دعامة ُّ يرتكز عليها؛ أي إن «كانت» يستمد ُ قوته من إهابته بسلطة العالم. َّ غري أن الأرض التي ارتكز عليها «كانت» لم تكن من الرسوخ بقدر ما تصور؛ فهو قد رأى في فيزياء نيوتن املرحلة الأخرية ملعرفة الطبيعة، ورفع هذه الفيزياء فكريٍّا إلى مرتبة املذهب الفلسفي. وهكذا كان يعتقد أنه، باستخلاصه مبادئ نيوتن من العقل الخالص، َّ قد توصل إلى تبرير عقلي كامل للمعرفة، وحقَّق الهدف الذي عجز السابقون عليه عن بلوغه. ويدل عنوان كتابه الأكبر «نقد العقل الخالص» على البرنامج الذي استهدفه، وهو ِثبت، على أساس فلسفي، ً أن يجعل العقل مصدرا للمعرفة التركيبية القبلية؛ وبالتالي أن يُ أن الرياضيات والفيزياء السائدة في أيامه حقيقةٌ ضرورية. ومن غرائب الأمور املشاهدة بالفعل أن أولئك الذين يرقبون البحث العلمي من الخارج ويُ َعجبون به، يكون لديهم في كثري من الأحيان ثقةٌ في نتائج هذا البحث العلمي ِسهمون في تقدمه؛ فالعالم يعرف الصعوبات التي كان عليه أن تفوق ثقةَ أولئك الذين يُ ِثبت نظرياته، وهو يعلَم أن الحظ قد حالفه في كشف النظريات التي يذلِّلها قبل أن يُ تُلائم ما لديه من ملاحظات، وفي جعل امللاحظات التالية تُلائم نظرياته، وهو يدرك أنه ٌ قد تظهر في أية لحظة ملاحظات ً متعارضة أو صعوبات جديدة، ولا يزعم أبدا أنه قد اهتدى إلى الحقيقة النهائية. أما فيلسوف العلم، الذي هو أشبه بالحواريني حني يكونون ٍّ ض لخطر الثقة بنتائج العلم إلى حد يفوق ما يُجيزه أشد تعصبً ُ ا من النبي ذاته، فإنه م َّعر أصل هذه النتائج، املبني على امللاحظة والتعميم. على أن الإفراط في الثقة بنتائج العلم لا يقتصر على الفيلسوف، وإنما أصبح سمةً عامة للعصر الحديث؛ أي للفترة التي تبدأ من عهد جاليليو إلى وقتنا الحالي، وهي الفترة ُ التي خلق فيها العلم الحديث. فالاعتقاد بأن لدى العلم الإجابةَ على كل سؤال — أي بأن ً كل ما على املرء، إذا كان في حاجة إلى معلومات فنية، أو كان مريضا، أو يُعاني مشكلةً ٍّ ما، هو أن يسأل العالم ليجد لديه الجواب — قد بلغ من الانتشار حدا جعل العلم يضطلع بوظيفة اجتماعية كانت في الأصل من مهام الدين، وأعني بها وظيفة كفالة الطمأنينة َّ القصوى؛ ففي حالات كثرية حل َّ الإيمان بالعلم محل الإيمان باهلل، وحتى عندما كان الدين ُ لائم عقلية امل ِؤمن بالحقيقة العلمية. وإذا كان يَُع ِّ د متمشيًا مع العلم، كان يُ َّعدل بحيث يُ َّ عصر التنوير، الذي ينتمي إليه «كانت»، قد رفض التخلي عن الدين، فإنه قد حول الدين ً إلى عقيدة للعقل، وجعل الله أشبه بعالم رياضي يعرف كل شيء لأن لديه استبصار ً ا كاملا 51نشأة الفلسفة العلمية َ بقوانني العقل. فلا عجب إذن إن بدا العالم الرياضي أشبه بأنه صغريٌ ينبغي أن تُقبَل َ ى عن الشك. وهكذا فإن كل مخاطر اللاهوت، من قطعية ً تعاليمه على أساس أنها بمنأ ُّ جازمة وتحك ُ م في الفكر من أجل ضمان اليقني، تعود إلى الظهور في أية فلسفة تعد العلم ً معصوما من الخطأ. ولو كان «كانت» قد عاش ليشهد العلم الفيزيائي والرياضي في عصرنا هذا، لَ َّ تخلى، على الأرجح، عن فلسفة املعرفة التركيبية القبلية، وإذن فلننظر إلى كتبه على أنها وثائق تنتمي إلى عصرها الخاص، وعلى أنها محاولة بذلها لإشباع نهمه إلى اليقني، عن طريق إيمانه بفيزياء نيوتن. والواقع أن مذهب «كانت» ينبغي أن يَُعد بناء علويٍّا أيديولوجيٍّا، ُ لائم فكرة املكان املطلَق، والزمان املطلق، والحتمية املطلقة ُشيِّد على أساس علم فيزيائي يُ ِّ للطبيعة. وهذا الأصل يفسر ِّ نجاح املذهب وإخفاقه؛ أي إنه يوضح السبب الذي يَُعد َ «كانت» من أجله، في نظر الكثريين، أعظم الفلاسفة في كل العصور، والذي تعجز فلسفته ِّ من أجله عن أن تقدم أي شيء ملن يعيشون مثلنا في عصر فيزياء أينشتني وبور. كذلك فإن هذا الأصل يعلِّل تلك الحقيقة النفسية، وأعني بها أن «كانت» لم يدرك نقطة الضعف في البناء املنطقي الذي كان يريد أن يبرِّر به املعرفة التركيبية القبلية؛ ذلك ُ عمي الفيلسوف عن إدراك املسلَّمات التي أدخلها لأن الغرض الذي يُ َّحد ُد م َّقدًما، هو الذي يُ ضمنً ِّ ا في فلسفته. ولكي أوضح نقدي هذا، فسوف أناقش الآن الجزء الثاني من نظرية «كانت» في املعرفة التركيبية القبلية، وهو الجزء الذي حاول فيه الإجابة عن السؤال: «كيف تكون املعرفة التركيبية القبلية ممكنة؟» لقد ذهب «كانت» إلى أنه يستطيع تفسري حدوث املعرفة القبلية التركيبية بواسطة ِّ نظرية تبني ٌ أن املبادئ القبلية شروط ضرورية للتجربة؛ فهو يرى أن امللاحظة وحدها لا تأتينا بمعرفة، وأن من الواجب تنظيم امللاحظات وترتيبها قبل أن يتسنى لها أن تصبح معرفة. وهو يعتقد أن تنظيم املعرفة يتوقف على استخدام مبادئ معيَّنة، كالبديهيات ِ ي العلَّية وبقاء املادة، وهي مبادئ كامنة في الذهن البشري، نستخدمها َ الهندسية، ومبدأ مبادئ تنظيمية عند تشييدنا للعلم. وهكذا يخلص من ذلك إلى أنها ذات صحة ضرورية؛ ً لأن العلم يكون بدونها مستحيلا. وهو يُ ِّسمي هذا البرهان باسم الاستنباط الترنسندنتالي للمعرفة التركيبية القبلية. ُع بكثري من وينبغي أن نعترف بأن تفسري «كانت» للمعرفة التركيبية القبلية أرفَ تحليل أفلاطون لهذا املوضوع؛ ذلك لأن أفلاطون يفترض، من أجل تفسري قدرة العقل 52البحث عن اليقني والفهم العقلي للمعرفة َ على معرفة الطبيعة، وجود عالم من الأشياء املثالية التي يُدركها العقل، والتي تتحكم على ٍ نحو ما في الأشياء الفعلية، أما «كانت» فلا نجد عنده مثل هذه النزعة الصوفية، وإنما ِّ تقول حجته إن للعقل معرفة بالعالم الفيزيائي؛ لأنه يشكل الصورة التي نُشيِّدها للعالم الفيزيائي؛ فاملعرفة التركيبية القبلية ترجع إلى أصل ذاتي، وهي شرط يفرضه الذهن البشري على املعرفة البشرية من أعلى. ً وسأضرب مثلا ً بسيط ِّ ا أوضح به تفسري «كانت»؛ فالشخص الذي يلبس نظارة زرقاء ُ يرى كل الأشياء زرقاء، غري أنه لو كان قد و ُّ لد بهذه النظارة، لنظر إلى الزرقة على أنها ً صفة ضرورية في الأشياء جميع ُ ا، ولكان لا بد من م ِّضي بعض الوقت قبل أن يكتشف أنه هو، أو على الأصح نظارته، الذي يُ ُّ ضفي الزرقة على العالم. فاملبادئ التركيبية القبلية للفيزياء والرياضة هي النظارة الزرقاء التي نرى من خلالها العالم؛ ومن هنا فليس لنا 3 أن نُ َدهش حني نجد كل تجربة تدعمها؛ لأننا لا نستطيع أن نكتسب تجربة بدونها. هذا املثل لا يرجع إلى «كانت»، بل إنه يبدو في الواقع غريبًا عن روح مؤلِّف تلك الكتب الغامضة التي تحفل بأفكار مجردة مصوغة بلغة معقَّ ِّ دة، تجعل القارئ متعط ًشا إلى أمثلة عينية ملموسة. ولو كان «كانت» قد اعتاد شرح أفكاره باللغة الواضحة البسيطة ٍ التي يستخدمها العالم، لجاز أن يكتشف عندئذ أن استنباطه الترنسندنتالي ذو قيمة َّ مشكوك فيها، ولأدرك أن حجته، إذا ما امتد َ ت أبعد ِمن ذلك، تؤدي إلى تحليل من النوع الآتي: ْهب أن من الصحيح أنه لا توجد تجربة تستطيع تكذيب املبادئ القبلية، فمعنى َّفسر أو تُرتَّب بطريقة تتفق ذلك أن أية ملاحظات نقوم بها يمكن على الدوام أن تُ وهذه املبادئ. مثال ذلك أنه لو كانت النتائج التي نتوصل إليها من قياس زوايا مثلث، تتناقض مع النظرية املتعلِّ َ قة بمجموع زوايا املثلث، لعزونا الفوارق إلى أخطاء في امللاحظة، 3 قد يُ ٌ ثار على هذا الرأي اعتراض يقول إن الشخص الذي يُولَد بنظارة زرقاء لن يعرف ألوانًا أخرى سوى الأزرق؛ وبالتالي لن يدرك الأزرق بوصفه لونًا؛ لذلك كان علينا، لكي نتجنب هذه النتيجة، أن نفترض ُ ني لهما عدستان طبيعيتان ولكنهما م َّلونتان باللون الأزرق، على حني أن ُ أن هذا الشخص قد ولد بعينَ َ الشبكية والجهاز العصبي لديه سليمان، وعلى ذلك يستطيع هذا الشخص أن يرى ألوانًا أخرى غري الأزرق ٌ في أحلامه، ويستنتج أن العالم الفيزيائي خاضع لقيود لا تنطبق على عامله الخيالي. وفي هذه الحالة يكون ٍّ من املمكن جد ُ ا أن يصل بم ِّضي الوقت إلى أن قيوده ناشئةٌ عن تركيب عدستَي عينَيه. 53نشأة الفلسفة العلمية ِ ولأدخلنا «تصحيحات» على املقادير التي ق َيست بحيث تتفق مع النظرية الهندسية، أما ِثب ً ت أن هذا الإجراء ممكن دائما بالنسبة إلى جميع املبادئ إذا استطاع الفيلسوف أن يُ َّ تبني أن هذه املبادئ فارغة؛ وبالتالي تحليلية، وفي هذه الحالة لا تكون هذه القبلية، لَ ِنبئنا بشيء عن خصائص العالم الفيزيائي. ً املبادئ شروطا تقيِّد التجارب املمكنة، ولا تُ َّ وبالفعل حاول «هنري بوانكاريه» أن يمتد بنظرية «كانت» في هذا الاتجاه، وذلك فيما ٌ أسماه باملذهب الاصطلاحي؛ فهو ينظر إلى هندسة إقليدس على أنها اصطلاح ُم َ تعارف عليه؛ أي على أنها قاعدة نفرضها باختيارنا على النظام الذي نُرتِّب به تجاربنا. وسوف ِّ نوض ً ح في الفصل الثامن ما في هذه النظرية من قصور. ولكي نضرب مثلا ملعنى املذهب الاصطلاحي في مجال غري مجال الهندسة، فلنتأمل القضية القائلة إن جميع الأعداد التي َ ب بثلاثة أرقام على الأقل. هذه القضية لا تصدق إلا على تزيد على ٩٩ ينبغي أن تُكتَ النظام العشري، وهي تخفق في حالة الطرق الأخرى للتدوين، كالنظام الاثنَي عشري ُّ ً عند البابليني، الذي استخدم العدد ١٢ أساس ٌ ا لنظامه العددي. فالنظام العشري اصطلاح ِثبت أن جميع الأعداد نستخدمه في طريقتنا الخاصة في تدوين الأرقام، ونحن نستطيع أن نُ يمكن أن تُكتَب بهذه الطريقة في التدوين؛ وعلى ذلك فالقضية القائلة إن جميع الأعداد التي تزيد على ٩٩ ينبغي أن تُكتَب بثلاثة أرقام على الأقل، هي قضية تحليلية عندما تُشري ِّ إلى هذا النظام. فإذا أردنا أن نفسر فلسفة «كانت» بأنها مذهب اصطلاحي، لكان علينا ِبره ُ ن على أن مبادئ كانت يمكن التمسك بها إزاء كل التجارب امل ِمكنة. أن نُ غري أننا لا نستطيع تقديم برهان كهذا، بل إنه لو كانت املبادئ القبلية تركيبية، ً كما اعتقد «كانت»، لكان مثل هذا البرهان مستحيلا؛ ذلك لأن كلمة «تركيبية» تعني أننا ِناقض املبادئ القبلية. وإذا كان في استطاعتنا أن نتخيل تجارب ُّ نستطيع تصور تجارب تُ كهذه، فليس لنا أن نستبعد إمكان مجيء يوم تكون لنا فيه مثل هذه التجارب بالفعل. ُّ على أن «كانت» قد يرد ٌ بقوله إن مثل هذه الحالة لا يمكن أن تحدث؛ لأن املبادئ شروط ُ ا م َّ نظًما من امللاحظات، لن ضرورية للتجربة، أو بعبارة أخرى، لأن التجربة بوصفها نسقً ُ تكون في الحالة املذكورة م ِمك ً نة. ولكن كيف يعرف أن التجربة ستكون دائما ممكنة؟ إن ً «كانت» لا يملك دليلا ً على أننا لن نصل أبدا إلى مجموع من امللاحظات لا يمكن تنظيمه في إطار مبادئه الأولية، ويجعل التجربة — أعني التجربة باملعنى الكانتي على الأقل — َّ مستحيلة. ولو عبرنا عن هذه املسألة من خلال املثال السابق، لقلنا إن هذه الحالة يمكن أن تحدث لو لم تكن في العالم الفيزيائي أشعةٌ ُ ضوئية لها طول املوجة املناظرة للأزرق، 54البحث عن اليقني والفهم العقلي للمعرفة ِ ا. ولو حدثت الحالة املناظرة في العلم، ٍ فعندئذ لا يرى الرجل ذو النظارة الزرقاء شيئً أعني إذا أصبحت التجربة من النوع الذي يقول به «كانت» مستحيلة، لاتَّضح أن مبادئ «كانت» لا تسري على العالم الفيزيائي. وملا كان مثل هذا التفنيد ممكنًا، فلا يمكن أن َّسمى املبادئ قبلية. وهكذا فإن املصادرة القائلة إن التجربة في إطار املبادئ القبلية تُ ينبغي أن تكون ممكنة، هي املقدمة التي لم يُ ِبرهن عليها «كانت»، والتي يرتكز عليها ُّنا عدم تصريحه باملقدمة التي يرتكز عليها، على أن البحث عن اليقني جعله مذهبه، ويدل يُ ِغفل نواحي القصور في حجته. ُّ على أنني لا أود َ أن أظهر بمظهر عدم الاحترام نحو فيلسوف عصر التنوير. فنحن نستطيع أن نُثري هذا الاعتراض؛ لأننا رأينا الفيزياء تدخل مرحلةً ينهار فيها إطار املعرفة ي َ ُ الكانتية، ولم تعد الفيزياء في أيامنا هذه تعترف ببديهيات الهندسة الإقليدية، ومبدأ ِ العلَّية والجوهر. ونحن نعلم أن الرياضة تحليلية، وأن جميع تطبيقات الرياضة على ِ الواقع الفيزيائي، وض ِّ منها الهندسة الفيزيائية، لها صحة تجريبية، ويمكن أن تصححها التجارب اللاحقة؛ أي إننا نعلم، بعبارة أخرى، أنه لا توجد معرفة تركيبية قبلية، غري ُ أننا لم نكتسب هذه املعرفة إلا في الوقت الحالي، بعد أن تم تجاوز فيزياء نيوتن وهندسة إقليدس. وإنه ملن الصعب أن يتصور املرء إمكان انهيار نسق علمي عندما يكون ذلك ِ النسق في أوج َ ه، أما بعد أن يصبح هذا الانهيار حقيقة واقعة، فما أسهل الإشارةَ إليه! لقد جعلتنا هذه التجربة من الحكمة بحيث نتوقع انهيار أي نسق. ومع ذلك فإنها لم تثبِّط همتنا؛ فقد أثبتت الفيزياء الحديثة أن في وسعنا اكتساب معرفة خارج إطار ِّ املبادئ الكانتية، وأن الذهن البشري ليس قائمة متحج ِّ رة من املقولات يكدس العقل في داخلها كل التجارب، بل إن مبادئ املعرفة تتغري بتغري مضمونها، ويمكن تكييفها مع ٍ أعقد بكثري من عالم ميكانيكا نيوتن. وإنا لنأمل أن يكون لأذهاننا، في أي موقف عالم في املستقبل، من املرونة ما يُتيح لها الإتيان بوسائل للتنظيم املنطقي تستطيع أن تعالج ً مادة امللاحظة املعطاة، ولكن هذا مجرد أمل، وليس اعتقاد ً ا نزعم أن لدينا دليلا فلسفيٍّا عليه. ففي استطاعتنا الآن أن نستغني عن اليقني، ولكن كان لا بد من السري في طريق ِّ طويل قبل أن نصل إلى موقف من املعرفة متحرر على هذا النحو. وكان من الضروري ِ أن يهدم البحث عن اليقني نفسه في املذاهب الفلسفية املاضية قبل أن نتمكن م ُّ ن تصور ِّ مفهوم للمعرفة يستغني عن جميع اد ُ عاءات الحقيقة املطلَقة. 55الفصل الرابع البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي َ بين مجالي الأخلاق والمعرفة سقراط: إذن فسوف نبحث سويٍّا عما تكون املعرفة؟ مينو: بالتأكيد. سقراط: ُ وملا كنا لا نعلم بعد ما هي، وما طبيعتها، فلنبحث في مسألة إمكان تعليمها، بحيث نقول على سبيل الفرض ما يلي: ً إذا كانت علما أو معرفة أو شيئًا غري العلم واملعرفة فسوف يكون من املمكن تعليمها أو لا يكون. أليس من الواضح على الأقل أن الإنسان لا يمكنه أن يتعلم إلا ما هو علم أو معرفة؟ مينو: هذا ما يبدو لي. سقراط: ً فإذا كانت الفضيلة نوعا من العلم أو املعرفة، فمن املمكن تعليمها؟ مينو: بالطبع. سقراط: ً وهكذا ننتهي سراعا من هذا البحث الفرضي؛ فإذا كانت هذه هي طبيعة الفضيلة، فمن املمكن تعليمها، وإلا فلا. في هذه الفقرة من محاورة «مينو»، وهي فقرة نعرضها هنا في صورة مختصرة، ٍ يناقش سقراط مسألة الفضيلة وهل هي علم. وكما فعل سقراط في محاورة أسبق ناقَش ِّ فيها نفس هذه املسألة، وهي «بروتاجوراس»، فإنه لا يقدم إجابة واضحة بنعم أو لا، ً وهو لا يستطيع الوصول إلى جواب قاطع نظرا إلى استخدامه لكلمتَي «املعرفة» والتعليم بمعنً ِّ ى مزدوج. إن سقراط يؤك ً د في كثري من الأحيان أنه لا يعلم أبدا، وإنما يقتصر ً على أن يساعد شخصا على رؤية الحقيقة بعينَيه هو، واملنهج الذي يستخدمه هو توجيهنشأة الفلسفة العلمية ِّوجه انتباهه إلى نقاط معيَّنة، وهكذا يعرف الجواب الأسئلة. ويتعلم التلميذ لأن الأسئلة تُ ِ الصحيح بالتركيز على العوامل املتصلة باملوضوع، واستخلاص النتائج اللازمة. ومن هذا َّ القبيل تعليم الهندسة اللازمة لبرهان معني يُترَ ً ك دائما للتلميذ، وكل ما يفعله املعلِّم هو َّ م» نتيجة لهذا املنهج املسمى أن يُعينه على أداء أفعال الاستبصار هذه، ولكن إذا «تعلَّ ٍّ باملنهج الديالكتيكي، فإن من املمكن جدا أن يقال عن الشخص الذي يجعله يتعلم إنه َّ «يعلم». والواقع أنه لو توسع سقراط في استخدام مصطلحه الغريب بحيث يمتد إلى مجال الهندسة، وأنكر إمكان تعليم الهندسة (وهو ما يفعله أحيانًا)، لكان معنى ذلك أن الهندسة ليست معرفة (وهي نتيجة لا يستخلصها)؛ لذلك يبدو أن من الصواب تفسري ٌ رأي سقراط بالقول إنه يعني أن الفضيلة ضرب من املعرفة، بنفس املعنى الذي يمكن َّسمى به الهندسة ضربًا من املعرفة. أن تُ والواقع أن طريقة عرض سقراط ذاته للمشكلة تبرِّر هذا التفسري؛ فهو يريد أن ِّ يبني ملينو الطريقة التي يمكن بها حل املشكلات الأخلاقية، ويشري لهذا الغرض إلى ُّ عملية اكتساب املعرفة الهندسية، وعند هذه النقطة تدب الحياة في املحاورة في املشهد ِ املذكور من قبل، الذي يعمل فيه سقراط على جعل ٍعبد صغري يفهم نظرية هندسية؛ ً فهو يريد أن يضرب مثلا لرأيه القائل إن املرء ينبغي عليه، لكي يعرف ما الفضيلة وما الخري، أن يقوم بفعل استبصار من نفس النوع اللازم لفهم البراهني الهندسية. وهكذا ُ كتشف بنوع خاص من الرؤية، م ِشابه للتبصر َعرض الأحكام الأخلاقية كما لو كانت تُ تُ بالعلاقات الهندسية. وباستخدام هذه الحجة يُ َّقد ُ م إلينا الاستبصار الأخلاقي على أنه م ٍواز للاستبصار الهندسي؛ فإن كان ثمةَ معرفةٌ ً هندسية، فلا بد أن تكون هناك أيضا معرفةٌ أخلاقية؛ تلك هي النتيجة التي تبدو محتومة، عندما يتحرر املذهب السقراطي الأفلاطوني من ذلك املصطلح السفسطائي الذي يصاغ به؛ وبهذا املعنى يمكن التعبري عن هذا املذهب في القضية القائلة إن الفضيلة هي العلم. َ وعن طريق هذه القضية، أثبت أفلاطون التوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة؛ أي ٌ أثبت النظرية القائلة إن الاستبصار ضرب من املعرفة أو العلم؛ فإذا ارتكب شخص ً فعلا لا أخلاقيٍّا، فهو جاهل بنفس املعنى الذي يكون به الشخص الذي يرتكب أخطاءً في ً الهندسة جاهلا؛ أي إنه عاجز من القيام بفعل الرؤية الذي يكشف له عن الخري، وهي ِ رؤية من نفس النوع الذي يكشف له عن الحقيقة الهندسية. َعرض بها املبادئ الأخلاقية في فإذا ما قارنَّا بني هذا الرأي وبني الصورة التي تُ ُ الكتاب امل َّقد ٌ س، لظهر لنا فارق واضح؛ فالكتاب املقدس يعرض القواعد الأخلاقية على 58َ البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة ِّ أنها كلمة الله؛ أي إله العبرانيني الذي يوجه الوصايا العشر إلى موسى على جبل سيناء: «لا ِ تقتل!» و«لا تسرق!» ولا شك أن الصيغة الآمرة التي تتسم بها القواعد تدل بوضوح على ً أن املقصود منها أن تكون أمر ً ا، لا أن تكون إقرار ُّ ا لأمر واقع. ويبدو أن تحول القواعد ً الأخلاقية إلى ضرب من املعرفة كان اختراع ً ا متأخرا؛ فالعبرانيون كانوا خليقني بأن يروا في املساواة بني الوصايا العشر وبني قانون للطبيعة أو قانون رياضي استخفافًا بكلمة ٍ نسق الله. وفي الوقت الذي ظهرت فيه أسفار موسى، لم تكن املعرفة قد اتخذت صورةَ ُم َّ نظم؛ إذ لم تكن هندسة املصريني القدماء سوى مجموعة من القواعد العملية التي تفيد في مسح الأرض وتشييد املعابد، وكان أحد اليونانيني هو الذي اكتشف أن من املمكن إثبات الهندسة في شكل برهان منطقي؛ وعلى ذلك فإن النظرة إلى الفضيلة على أنها علم هي طريقة يونانية خالصة في التفكري. ولقد كان من الضروري، قبل أن يتسنى النظر ُّ إلى املعرفة على أنها هي التي تمد ً نا بأساس القواعد الأخلاقية، أن تتخذ املعرفة أولا ذلك الطابع الذي أضفَته عليها الروح اليونانية، بما فيه من كمال وشرف، عن طريق بناء الرياضيات بوصفها نسقً ا منطقيٍّ ً ا. وكان لا بد من الاعتراف أولا بأن قوانني الطبيعة والرياضة قوانني باملعنى الصحيح؛ أعنى علاقات تفرض علينا احترامها، ولا تحتمل أية ُّ استثناءات، قبل أن يمكن تصو ُ ر هذه القوانني على أنها موازية للقوانني الأخلاقية. وإن ً املعنى املزدوج لكلمة «القانون»، بوصفه أمرا أخلاقيٍّا وقاعدة للطبيعة أو العقل، ليشهد بتحقق هذه املوازاة. ٍ ويبدو أن الدافع إلى فكرة املوازاة هو الرغبة في إقامة الأخلاق على أساس أقوى من ِّ ذلك يزو ِّ دها به الدين؛ فقد تكفي أوامر الآلهة لإرضاء ذهن ساذج لا يؤرقه أي شك في ً علو مكانة الأب، غري أن الشعب الذي وضع الصورة املنطقية للرياضة قد اكتشف شكلا ً جديدا للأوامر، هو الأوامر العقلية. وإن الطابع اللاشخصي لهذا الأمر ليجعله يبدو من ٍ نوع ُ أرفع؛ إذ إنه يقتضي الاحترام سواءٌ أكنا نعترف بوجود الآلهة أم لا، وهو يستبعد السؤال عما إذا كانت أوامر الآلهة خريً ِّ ا، ويحررنا من النظرة التشبيهية بالإنسان، القائلة إن فعل الخري ينحصر في الامتثال لإرادة أعلى؛ فلا عجب إذن إن بدت أفضل طريقة لإثبات ُ أن القواعد الأخلاقية م ِلزمةٌ َ للجميع هي إقرار التوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة، والقول بأن الفضيلة هي العلم. َ وهناك مذهب فلسفي يعرض فكرة التوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة في صورتها ِّ املتطرفة، هو املذهب الأخلاقي عند اسبينوزا (١٦٣٢–١٦٧٧م)؛ ففي هذا املذهب يذهب 59نشأة الفلسفة العلمية اسبينوزا إلى حد محاكاة طريقة إقليدس في تقديم الهندسة على شكل بديهيات ونظريات، ً آملا بذلك أن يَ َ شيد الأخلاق على أساس متني كأساس الهندسة؛ فهو يبدأ، مثل إقليدس، ببديهيات ومصادرات، ثم يستخلص نظرية بعد الأخرى. والواقع أن كتابه «الأخلاق» يبدو عند قراءته أشبه بكتاب تعليمي في الهندسة، على أن الكتاب في أجزائه الأولى ليس أخلاقيٍّا ِّ باملعنى الذي نقصده، وإنما يقدم نظرية عامة في املعرفة، ثم ينتقل بعد ذلك إلى بحث الانفعالات. ويعرض اسبينوزا نظريته القائلة إن الانفعالات تنشأ من أفكار غري كافية في النفس، وهي نظرية تتمشى مع نظرية سقراط القائلة إن الرذيلة جهل. وهو يحاول أن ِّ يبني، في فصل عنوانه «في عبودية الإنسان، أو قوة الانفعالات» أن الانفعالات تسبِّب الحزن والكدر؛ وبالتالي فهي شر؛ فنحن نصل إلى السعادة عندما نتغلب على قوة الانفعالات. وفي ِّ فصل آخر بعنوان «قوة العقل، أو في حرية الإنسان» يوضح أن القدرة على هذا التحرر كامنة في العقل. وهكذا فإن أخلاقه رواقية، وهو يرى أن الخري ليس إلا اللذة العقلية للمعرفة، أما السعادة، تستمد من إرضاء الانفعالات ومن متع الحياة، فهي وإن لم تكن في ُ نظره منافية للأخلاق، تبدو له خارجة عن مجال الأخلاق، وهو لا يحبِّ ُ ذها، بقدر معتدل، ً إلا بوصفها غذاءً للبدن، لازما لحفظ قدرة الجسم على أداء كل ما تقدر عليه طبيعته من أفعال. ُ ويتمتع اسبينوزا بسمعة طيِّبة بني الفلاسفة، ولكني أعتقد أن الفضل في هذه السمعة ً يرجع إلى شخصيته أكثر مما يرجع إلى فلسفته؛ فقد كان رجلا ُم ً تواضع ً ا شجاع َّ ا، تصدى للدفاع عن نظرياته، وطبَّق مذهبه الأخلاقي في حياته، وكان يكتسب رزقه بقطع عدسات َ املناظري، ورفض منصبًا جامعيٍّ َّ ا لأنه قد يؤدي إلى الحد من حرية تفكريه. ولقد تعرض ُ ته بأنه م ِ لح ُ د، وط ُ رد من الطائفة اليهودية في أمستردام ملروقه، ِّ لهجمات متعد َ دة وصفَ ولكنه ظل غري عابئ بأي انتقاد، وكان عطوفًا على الجميع، ولم يُ ِبد كراهية لأحد. َّ فإذا ما جر ُ دنا مذهبه الأخلاقي من صورته املنطقية، لبدا لنا عقيدة لشخص متَّزن يبدو في نظره ضبط النفس والعمل العقلي أسمى الفضائل. على أنه حني عرض مذهبه الأخلاقي بصورة منطقية، أثبت أن إعجابه باملنطق يفوق مقدرته في مجال املنطق. َفهم هذه الاستنتاجات بدون كثري والواقع أن منطق استنتاجاته هزيل، ولا يمكن أن تُ من الإضافات الضمنية والتفسريات النفسية، ولا يمكن أن يَُع ُ د مذهبه متَّسقً ا داخليٍّا على الأقل؛ أي لا يمكن أن تُستخلَص نتائجه بطريقة صحيحة من بديهياته؛ إذ إن هذه النتائج تتجاوز مضمون مقدماته بكثري. مثال ذلك أنه يقول بالدليل الأنطولوجي على وجود الله. 60َ البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة غري أن التركيبات املنطقية غري الصحيحة يمكن أن تظل لها تلك الوظيفة النفسية في دعم املعتقدات الذاتية، والاستدلال الباطل يمكن أن يكون أداة لا غناء عنها في يد العقيدة الشخصية. ولقد كان اسبينوزا في حاجة إلى ذلك الهيكل الذي يتخذ صورة منطقية؛ لكي يرتكز عليه في قمعه للانفعالات، وفي عدم اكتراثه الغريب بملذات الرغبات. وهكذا فإنه استخدم الطابع العقلي الذي أضفاه سقراط على الأخلاق، كما فعل الكثري من سابقيه، في تشييد مذهب أخلاقي يقلِّل من شأن الانفعالات. وربما كانت هذه أسوأ نتائج املوازاة بني َ مجالي الأخلاق واملعرفة؛ فمنذ عهد الرواقيني سادت بني جماهري الناس تلك النظرة إلى َّ الفيلسوف على أنه إنسان بلا انفعال، وأدت تلك النظرة إلى شعور غري الفلاسفة من الناس ً بأن فيهم نقصا، وذلك عندما يجدون أنفسهم عاجزين عن تحقيق مثل هذه الحكمة، ولكني لا أستطيع أن أرى سببًا يدعو الفلاسفة إلى تمجيد هذا النمط غري املنفعل؛ فأنا لا أود أن أصرف أولئك الذين يجدون متعة في عدم الانفعال، عن هذا النوع الخاص بهم من اللذة، ولكني لا أرى سببًا يدعو البقية منَّا، ممن تتخذ لذَّاتهم صبغة أكثر إنسانية، إلى أن يشعروا بالنقص. فما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش هو الانفعال، وهذه القاعدة تنطبق ُ على الفلاسفة بدورهم. ويبدو أن انفعال اسبينوزا امل ِؤسف نحو املنطق لم يكن يختلف كثريً َّ ا عن تلك الأنواع الأكثر إثارة، التي يتبدى عليها الانفعال لدى الأشخاص الآخرين. ولقد كان البناء الاستنباطي للأخلاق عند اسبينوزا، الذي كان يهدف إلى إثبات إمكان َ الإتيان ببرهان منطقي على القواعد الأخلاقية، مجرد ً صورة أكثر تفصيلا ً وتعقيدا لفكرة ٍ سقراط القائلة إن الفضيلة هي العلم، بل إن مذهب اسبينوزا يبني هذه الفكرة على أساس ِّ أمتن؛ لأنه يبني ً أن املعرفة الأخلاقية ليست نتاجا لاستبصار عقلي فحسب، بل إن من ً املمكن أيضا أن يُطبَّق عليها أقوى أساليب التفكري العقلي، وأعني به الاستنباط املنطقي. فبديهيات الأخلاق، شأنها شأن بديهيات الهندسية؛ ليست إلا نقطة البداية في بناءات استنباطية تؤدي، عن طريق سلسلة من الاستدلالات، إلى نتائج يتسع نطاقها بالتدريج. ً فالأخلاق علم، ليس فقط لأن مبادئها الأولى تبدو «صحيحة»، بل أيضا لأنها خاضعة ملبادئ الاستدلال املنطقي، ويمكن أن يُطبَّق عليها أسلوب البرهان املنطقي من أجل إثبات ِّ العلاقات بني القوانني الأخلاقية. تلك هي الحجة التي تعبر عن موقف اسبينوزا مثلما ِّ تعبر عن موقف سقراط وأفلاطون. ِّ ولكي نوضح هذا التوازي، سنضرب أمثلة لاستنباطات مختارة من امليدانَني املعرفي ُ والأخلاقي؛ فعملية الاهتداء إلى الخري، شأنها شأن عملية اكتساب املعرفة، ذات طبيعة 61نشأة الفلسفة العلمية ِّ متدر ً جة، وتتم عن طريق خطوات من الاستبصار الذي يزداد وضوحا بالتدريج. وتعليم الحقيقة أو تعليم الفضيلة، ينحصر في مساعدة الشخص على أن يصعد خطوات السلم ً هذه. فنحن نسأل مثلا ُ إن كان من املمكن رسم دائرة داخل مثلث تكون أضلاعه م َّ ماسات ً للدائرة، فنتخيل صور ِّ ا تبني ُ دوائر ومثلثات لها هذه العلاقة، ولكنا لا نعلم بعد إن كان من املمكن تحقيق ذلك بالنسبة إلى كل أنواع املثلثات، أو إن كان من املمكن تحقيقه بأكثر من طريقة واحدة. وأخريًا نهتدي إلى البرهان الهندسي القائل إن من املمكن تحقيق ذلك بالنسبة إلى كل مثلث، وبطريقة واحدة بالنسبة إلى املثلث الواحد. هذا الكشف يتم على ُ خطوات، سواء أكنا نحن الذين نهتدي إلى البرهان أم كان هناك معلِّ ِّ م يوضحه لنا. وباملثل قد نتساءل إن كان الكذب على الغري خريًا، وربما أجبنا أنه خري أحيانًا وشر أحيانًا أخرى، ولكنا إذا مضينا في التحليل أبعد من ذلك اتضح لنا أنه على الرغم من أن الكذب قد يفيدنا أحيانًا فإنه ليس خريً ِ ا؛ لأن مثل هذا السلوك م ِّ ن جانبنا قد يشجع الآخرين على أن يسلكوا بنفس الطريقة، فتكون النتيجة زوال الثقة املتبادلة في العلاقات بني أفراد البشر. وهكذا ِّ تبدو العملية املتدرجة في هذا البحث مشابهة للتفكري الرياضي؛ وبذلك نعرف ملاذا كانت القواعد الأخلاقية قابلة لأن تُعلَّم. ً غري أن دراسة عمليات الاستنباط تؤدي أيضا إلى إظهار النظرة املعرفية للأخلاق في ضوء جديد؛ فالاستنباط املنطقي ليس وسيلة للاهتداء إلى حقيقة نهائية، وإنما هو مجرد َّ أداة للربط بني حقائق مختلفة. وقوام الاستنباط الرياضي، في املثال الذي قدمناه من قبل، هو البرهان على أننا إذا سلَّمنا ببديهيات معيَّنة، فإن النتيجة املتعلقة بالدائرة املرسومة ُ داخل املثلث تلزم عنها، والاستنباط الأخلاقي املشار إليه من قبل هو برهان على أننا إذا رغبنا في غايات معيَّنة، فمن الواجب أن نُطيع القاعدة الأخلاقية التي تقضي بالامتناع عن ً ا عليه هو أننا إذا أردنا نظاما اجتماعيٍّا تقوم فيه الكذب. وبعبارة أوضح، فإن ما برهنَّ العلاقات بني أفراد البشر على أساس الثقة املتبادلة، فمن الواجب ألا نكذب. وفي كلتا الحالتَني نجد أن علاقة «إذا كان … فإن …» هي القابلة للبرهان، كما أن ً ني إنما يتطابقان في إمكان استنباط هذه العلاقة فيهما معا؛ أي إن كون الفضيلة املثلَ قابلة لأن تُعلَّم، هو نتيجة تترتب على كون الاعتبارات الأخلاقية، شأنها شأن الاستنباطات الرياضية، تنطوي على عنصر منطقي قابل لأن يُحلَّل بخطوات منطقية، تُناظر الخطوات املنطقية في البرهان الرياضي. ولسنا بحاجة إلى أن نؤكد أن الاستنباط املنطقي لا يمكنه أن يخلق نتائج مستقلة، ُّ وإنما هو أداة للربط فحسب؛ فهو يستمد نتائجه من بديهيات معطاة، ولكنه لا يستطيع 62َ البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة ِنبئنا بشيء من حقيقة البديهيات، وعلى ذلك فإن بديهيات الرياضة تحتاج إلى معالجة أن يُ مستقلة، ومسألة كونها صحيحة تؤدي، كما أوضحنا من قبل، إلى أسئلة من قبيل السؤال عما إذا كانت هناك معرفة تركيبية قبلية. ويؤدي تحليل الاستنباطات الأخلاقية إلى نتائج ُمماثلة. فبديهيات الأخلاق، شأنها شأن بديهيات الرياضة، ينبغي أن تُميَّز من النظريات الأخلاقية املستنبطة منها، والعلاقة بني الاثنني؛ أعني العبارة املوضوعة في صيغة «إذا كان … فإن …»، وهي «إذا قُبلت البديهيات فإن من الضروري أن تُقبَل النظرية»، هي وحدها التي يمكن البرهنة عليها منطقيٍّ ِّ ا؛ وعلى ذلك فإن التحليل يبني لنا أن صحة الأخلاق يمكن َرد إلى صحة البديهيات الأخلاقية. وكل ما يستطيع منهج الاستنباط أن يقوم به في أن تُ ميدان الأخلاق، كما في ميدان الرياضة، هو أن ينقل السؤال عن الصواب من النظريات إلى البديهيات، ولكنه لا يستطيع تقديم إجابة على هذا السؤال. ٍ ت أن الفضيلة علم، وأن الأحكام الأخلاقية من نوع ِ معرفي، من أن ِثب فلا بد لكي نُ ٍ ت أن بديهيات الأخلاق من نوع معرفي، غري أن إمكان تطبيق الاستنباط املنطقي على ِثب نُ ِثبت أي شيء في هذا الصدد. وهكذا فإن السؤال عن طبيعة الأخلاق املشكلات الأخلاقية لا يُ يرد إلى السؤال عن طبيعة البديهيات الأخلاقية. ُّ ً وهنا نجد لزاما علينا مرةً أخرى أن ننسب الفضل في إدراك هذه الحقيقة، وأعني بها كون مشكلة الأخلاق هي مشكلة البديهيات الأخلاقية، إلى إمانويل كانت؛ فقد أدرك أن من املستحيل، نتيجةً للطبيعة التحليلية للاستنباط، أن نجعل صحة القواعد الأخلاقية َّ مرتكزة على الاستنباط وحده، وهي حقيقة تصدق على الرياضيات بدورها. وأكد أن َفهم إلا بعد الإجابة على السؤال عن بديهيات الأخلاق، ولكن لنقُ ل مرةً طبيعة الأخلاق لا تُ َّ أخرى إن «كانت» لا يدعي لنفسه الفضل في تقديم السؤال، وإنما في تقديم الإجابة عنه. وإنه ملن املفيد أن ندرس هذه الإجابة، التي تمثِّل — شأنها شأن إجابته على مشكلة َ بديهيات الرياضة والفيزياء — آخر بناء قوي شيَّده املذهب العقلي. إن إجابة «كانت» تنحصر في الرأي القائل إن بديهيات الأخلاق تركيبية قبلية، شأنها شأن بديهيات الرياضة والفيزياء؛ فهو يحاول في كتابه «نقد العقل العملي» أن يستنبط ُ بديهيات الأخلاق بطريقة مماثلة لاستنباطه بديهيات الرياضة والفيزياء في كتاب «نقد َرد إلى بديهية ِّ العقل الخالص»؛ ففي الكتاب الأول يبني أن بديهيات الأخلاق يمكن أن تُ واحدة، يُطلَ ُ ق عليها اسم الأمر املطلَق imperative categorical ،وصيغتها كما يلي: ِّ لتشريع عام.» وهو يوضح استخدام ً «افعل بحيث يمكن أن تصبح قاعدة سلوكك مبدأ 63نشأة الفلسفة العلمية هذه البديهية بأمثلة كذلك املثال الذي ضربناه للكذب؛ فالكذب قد يفيد بعض الأفراد، ٍ لتشريع عام؛ لأنه يؤدي عندئذ ُ إلى نتيجة م ِمتنعة هي أن ً ولكنه لا يمكن أن يصبح مبدأ ً أحد ً ا لن يستطيع أن يثق في أي شخص آخر، ويعتقد «كانت» أن البشر جميعا لا بد أن يسلِّ ُ موا بصحة الأمر املطلَق لو أنهم حاولوا أن يسترشدوا بالبصرية العقلية، وأن ُ ضح صحته بفعل رؤية مماثل لذلك الفعل الذي يكشف لنا عن بديهيات ُ الأمر املطلَق تتَّ الرياضة والفيزياء بوصفها حقائق ضرورية؛ ففي مذهب «كانت» وصلت املوازاة بني املجالَني الأخلاقي واملعرفي إلى قمتها، وذلك بارتكازها على معرفة تركيبية قبلية تشمل ً البديهيات املعرفية والأخلاقية معا، ويرجع مصدرها الأخري إلى طبيعة العقل؛ ففي عبارة َّ «كانت» املشهورة «السموات املرصعة بالنجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في داخلي» يرمز «كانت» إلى ثنائية القوانني املعرفية والأخلاقية، وهي القوانني التي ينبغي أن يعترف بها كل ذهن بشري. ولم يكن في استطاعة «كانت» أن يدرك، في وقته، أن هذه املوازاة ذاتها هي التي تؤدي َ آخر الأمر إلى انهيار مذهبه الأخلاقي؛ فلقد أوضحنا في الفصل السابق أنه لا يوجد عنصر ِّ تركيبي قبلي في مجال املعرفة، وأن الرياضة تحليلية، وأن جميع الصيَغ الرياضية للمبادئ الفيزيائية ذات طابع تجريبي. فلو كان القانون الأخلاقي في داخل من نوع القانون َّ الذي تكشفه لي السماء املرصعة بالنجوم، لكان إما تعبريًا تجريبيٍّا عن سلوك البشر، ِّ وإما قضية فارغة تعبر عن علاقة لزوم بني البديهيات والنتائج الأخلاقية، كالنظريات ً الرياضية، ولكنه لن يعود في هذه الحالة أمر ً ا غري مشروط، أو أمر ُ ا مطلَقً ا (حمليٍّا) بلغة املنطق التقليدي التي استخدمها «كانت»؛ وإذن فإخفاق مذهب «كانت» الأخلاقي يرجع إلى نفس السبب الذي يرجع إليه إخفاق نظريته في املعرفة؛ فهو ناشئ عن الفكرة الباطلة القائلة إن في وسع العقل أن يضع قضايا تركيبية. على أن هذه ليست إلا إجابة سلبية، تقول إن البديهيات الأخلاقية ليست قضايا تركيبية قبلية، وتبقى بعد ذلك مهمة الاهتداء إلى إجابة إيجابية؛ أي إيضاح طبيعة البديهيات الأخلاقية. ولن أقوم بمناقشة هذه املسألة في الجزء التاريخي من هذا البحث، ُّ وإنما سأقوم بتحليلها في الفصل السابع عشر، ومع ذلك فإني أود أن أضيف بضع كلمات عن الأصل النفسي لآراء «كانت». إننا نكتشف، عندما ندرس نفسية الفيلسوف دراسةً فاحصة، أن القول باملعرفة التركيبية القبلية في مجال الأخلاق يبعث في «كانت» رضاءً انفعاليٍّا أقوى، حتى من ذلك الذي يبعثه القول باملعرفة التركيبية القبلية في مجال املعرفة؛ فهو في كتاباته الأخلاقية 64َ البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة يُ ِقح ٍ م وسط الأسلوب الأكاديمي الجاف الذي يعرض به آراءه، تعبريات شاعرية يهتف بها ِّ ممجًدا للقواعد والتصورات الأخلاقية: «الواجب! أيها الاسم العظيم الجليل، يا من لا تنطوي في ذاتك على أية صفة تجعلك ِطالب بالخضوع، ومع ذلك فأنت لا تتوعدنا بأي شيء ُمحبَّبًا أو باعثًا للإرضاء، ولكنك تُ ً د نفورا طبيعيٍّ َ ا، أي أصل جدير بك. وأين يجد املرء جذور منبتك قد يبعث الرعب أو يولِّ النبيل؟ إنك لترفض كل وشائج تربطك بالهوى، وإن السري على هديك إنما هو الشرط ُ الضروري لكل قيمة عليا يُ ِصدرها الإنسان.» ُّ إن تصور الواجب هو محور مذهب «كانت» الأخلاقي؛ فبقدر ما يكون سلوكنا مبنيٍّا على الهوى أو امليل الطبيعي، لا يكون خريً ٍّ ا ولا شرا، حتى لو كان ميلنا يتجه إلى هدف له قيمته، كمساعدة أشخاص محتاجني. فمصدر أخلاقية سلوكنا هو دافع الواجب الذي يجعلنا نسلك. فيا للتشويه الذي لحق بالنزوع الطبيعي إلى مساعدة الآخرين! ويا لالتواء الأخلاق التي تتكشف في هذه الصبغة العقلية التي أضفاها «كانت» على القرارات الخلقية! لقد كان «كانت» ينتمي إلى أسرة من الطبقة املتوسطة، تحيا حياة متواضعة، وكان أبوه ً نجار ِّ ا، وأمه نصرية متحمسة لجماعة دينية محافظة. وفي بيئة كهذه يَُعد الاعتماد على الذات والاستجابة الحرة للميل الطبيعي خطيئةً في كثري من الأحيان، ويبدو أن الابن ً املشهور قد وجد سعادة وفخرا في أن يستنبط في كتب فلسفية معقَّدة نفس الاتجاهات الأخلاقية التي تشبَّع بها منذ نعومة أظفاره. والواقع أن النجاح الذي أحرزته فلسفته في بلاده، والذي جعل منه فيلسوف َّ البروتستانتية والنزعة البروسية، هو دليل آخر على أن الأخلاق التي وضع صيغتها املنظمة في مذهبه الفلسفي إنما هي أخلاق طبقة وسطى معيَّنة من الشعب؛ فتمجيد الواجب يمثِّل ِّ أخلاق طبقة اجتماعية توجد في ظروف الفاقة، وتعتمد في معيشتها على العمل الشاق الذي لا يترك وقتًا للفراغ، أو هو أخلاق طبقة عسكرية مميَّزة لا بد فيها من الخضوع لأوامر الرؤساء. ولقد كانت كلتا الحالتَني موجودة في بروسيا أيام «كانت»، غري أن رفض ُ «كانت» الاعتراف بسلطة جماعات أو نُ ُظم معيَّنة يدل على أنه كان ذا ذهن مستقل؛ مما َّ أدى بالفعل إلى قيام نزاع بينه وبني الحكومة البروسية. ولو لم يكن قد دعا إلا إلى قاعدة ِّ التعاون الاجتماعي، التي يعبر ُ عنها الأمر املطلَق عنده، لنظرنا إليه على أنه نصري ملجتمع ُّ ديمقراطي، ولأدرجناه مع لوك وقادة الثورة الأمريكية، غري أن تقديسه للواجب ينم عن ُ قدر م ِفر َ ط من اللذة املستمَّدة من الخضوع، والرضا الناجم عن العبودية، وهي صفات 65نشأة الفلسفة العلمية مميَّ ً زة للطبقة الوسطى البورجوازية التي ظلت طويلا تخضع لسلطة فئة حاكمة قوية. َّ وإنها ملأساة فيلسوف املعرفة التركيبية القبلية أن يكون ما قدمه إلينا على أنه التركيب ُ النهائي للعقل م ً ماثلا ٍّ إلى حد يدعو إلى الدهشة للوسط الاجتماعي الذي ترعرع فيه؛ فالعنصر الأوليُّ في املعرفة عنده يتَّفق مع فيزياء عصره، والعنصر الأوليُّ في الأخلاق يتَّفق ٌ مع أخلاق طبقته الاجتماعية. فليكن في هذا الاتفاق تحذير َ لكل من يزعم أنه قد اهتدى إلى الحقيقة النهائية. ٌ ويبدو أن «كانت» كان ينظر إلى تأسيسه للأخلاق على أنه عمل يفوق في أهميته ِ ه في املعرفة بقدر ما تفوق الغاية في أهميتها الوسيلة، ويبدو أن هذه النظرة مميِّزة نظريتَ لجميع أنصار املوازاة بني املجالَني الأخلاقي واملعرفي؛ إذ يبدو أن السعي إلى توجيهات أخلاقية هو الدافع إلى أبحاثهم، وأن السبب الرئيسي في نشدانهم لليقني املعرفي هو أنه يمدهم بوسيلة الاهتداء إلى اليقني الأخلاقي. على أن لهذا التحول في الاهتمام من امليدان املعرفي إلى امليدان الأخلاقي تأثريً ُ ا م ِؤسفً ا؛ إذ يؤدي إلى تأمل نظرية املعرفة الناتجة بصورة ُ نة، هي أن تكون دعامة للمذهب املطلَق في الأخلاق؛ َّ مشوهة، وبنائها من أجل غاية معيَّ وبالتالي لا تكون تفسريً َّ ا منزًها للمعرفة؛ وبذلك يصبح البحث عن التوجيهات الأخلاقية ً دافع ً ا خارج ِّ ا عن مجال املنطق، يتدخل في التحليل املنطقي للمعرفة. وينبغي أن نبني ً الآن إلى أي مدى أثَّ َ رت النتيجة الناجمة عنه، وهي املوازاة بني مجالي الأخلاق واملعرفة، في ً الفلسفات املعرفية، وأصبحت مصدرا رئيسيٍّا لنظريات باطلة في املعرفة. ً ملا كان الإنسان الفعلي لا يسلك، على وجه العموم، سلوكا أخلاقيٍّا، فيبدو من الواضح ً تماما أن الأخلاق لا تبحث في السلوك الفعلي للإنسان. فالفرق بني الطريقة التي ينبغي ٌ أن يسلك بها الإنسان، والطريقة التي يسلك بها بالفعل، واضح ً تماما؛ ومن هنا يبدو أن ِّ علم الأخلاق يتعلق بسلوك الإنسان املثالي. ولكي يقد ً م الباحث النظري الأخلاقي تعليلا لهذا الفارق، فإنه يُشري إلى التباين بني القوانني الهندسية والعلاقات التي تسري على املوضوعات الفيزيائية الفعلية، ويميِّز املثلث املثالي (أو العقلي) من املثلث الفعلي، ويذهب إلى أن الرياضي يكشف عن القوانني املعيارية للموضوعات الهندسية بنفس املعنى الذي ِثبت به الفيلسوف الأخلاقي القوانني املعيارية للسلوك البشري. وهكذا يتصور النظريات يُ الرياضية على أنها قضايا تتعلق بما ينبغي أن يكون، متميِّ ًزا عما هو كائن، بنفس املعنى الذي يتصور به النظريات الأخلاقية. ً بأن تكشف فورا عن بطلان هذا التشبيه. على أن أية دراسة نزيهة للرياضة كفيلةٌ ٌ صحيح أن الأشكال الهندسة املثالية لا توجد في الواقع الفيزيائي، ولكن قوانني الهندسة 66َ البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة ِنبئنا على الأقل بعلاقات تسري تقريبًا على املوضوعات الفعلية. والرياضة تصف الواقع تُ ِنبئنا بما ينبغي أن يكون ُّ الفيزيائي من حيث إنها تمدنا بمعرفة تقريبية للواقع، وهي لا تُ عليه الواقع، وإنما بما هو عليه بالفعل. فأي معنًى يمكن أن يكون للقول إن محيط ِّ الشجرة ينبغي أن يكون دائرة كاملة؟ إن الدائرة غري الكاملة التي يكونها هذا املحيط بالفعل تخضع للقوانني الهندسية بقدر ما تخضع لها الدائرة الكاملة، وقوانني الدائرة ِنبئنا على وجه التقريب بالعلاقات التي تسري على دوائر غري الكاملة مفيدة لنا؛ لأنها تُ كاملة مثل محيط الأشجار. ولنحتفظ بهذا التشبيه، فنحاول تفسري الأخلاق على أنها ذات طبيعة مماثلة؛ أي إنها ِنب ٌ ئنا عن السلوك التقريبي للناس. صحيح أن الأخلاق الوصفية، أي الوصف الاجتماعي تُ َّقدم من خلال وصف َّقدم عادةً على هذا النحو، وإنما تُ للقواعد الأخلاقية السائدة، لا تُ ا للسلوك الفعلي للناس. ومع ذلك ففي استطاعتنا، نظريٍّا على الأقل، أن نشيد أخلاقً وصفية عن طريق بحث الإنسان املثالي، مثلما يبحث عالم الهندسة في املثلث املثالي. وهذا ممكن لأن القوانني الأخلاقية املثالية تتحقق في حدود تقريبية معيَّنة. والواقع أن معظم ً الناس، مثلا ُ ، لا يسرقون ولا يقتلون. فاملثل العليا الأخلاقية تتحقق تقريبيٍّا لأنها لو لم تكن تتحقق ملا أمكن أن يوجد الناس بوصفهم جماعة اجتماعية. وهكذا نستطيع أن نصل ِنبئنا عن السلوك الأخلاقي التقريبي للبشر عن طريق وصف سلوكهم إلى أخلاق وصفية تُ ِنبئنا الهندسة عن العلاقات التقريبية بني مقاييس املكان الفيزيائي عن املثالي، مثلما تُ طريق البحث في أشكال هندسية مثالية. غري أن هذا ليس ما يريده فيلسوف الأخلاق؛ فهو يريد توجيهات أخلاقية؛ أي قواعد تدلنا على الطريقة التي ينبغي أن نسلك بها، لا أوصافًا للطريقة التي نسلك بها بالفعل. ُ وملا كان يذهب إلى أن العقل، أو رؤية املثل الفكرية، يستطيع أن يكشف لنا عن هذه القواعد، فإنه يضطر في مقابل ذلك إلى أن ينظر إلى وظيفة الرياضة على أنها معيارية ِّ لا وصفية. وهكذا يصل إلى فهم يبدو الذهن فيه مشرًع ً ا، أو بتعبري أكثر تواضعا، يبدو العقل أداة للرؤية تدرك القوانني املعيارية بالتطلع إلى مجال أعلى للوجود. وهذا هو الأصل ُّ النفسي لفكرة تعدد عوالم الوجود، وهي الفكرة التي كان أفلاطون أكبر دعاتها. وفي هذه الحالة ينظر إلى الطابع غري الكامل للأشكال الهندسية للموضوعات الفيزيائية الفعلية على أنه نقص، أو عيب باملعنى الأخلاقي، شأنه شأن عيوب السلوك الفعلية لدى البشر، ويقال ِّ بوجود عالم من الوجود الأعلى، متحرر من هذه النقائص، وذلك على املستوى املعرفي ً واملستوى الأخلاقي معا. 67نشأة الفلسفة العلمية ويظهر التقويم الأخلاقي للعلاقات املعرفية في تغلغل الحجج الأخلاقية في العلم َعد دوائر كاملة لأسباب تتعلق ً اليوناني، كعلم الفلك؛ فاملسارات السماوية للنجوم مثلا تُ بالكرامة، إن جاز هذا التعبري، أما أن محيط الأشجار يمثِّل دائرة غري كاملة فهذا دليل على نقصها؛ ونتيجةً لهذه الآراء نظر إلى الأشياء الفعلية على أنها ناقصة بالقياس إلى الأشياء ِّ الفكرية أو املثالية. وتعبر ُ نظرية املثل الأفلاطونية عن هذا التباين في القيمة بني العالم الفيزيائي والعالم املثالي. ُ ويقول «كانت» برأي م ِّ ماثل، وإن كان يعرضه بحجج أقل سذاجة؛ فهو يفرق بني الظواهر والأشياء في ذاتها، فكل معرفة لنا تقتصر على الظواهر؛ لأن املعرفة تعرض موضوعات العالم الفيزيائي في إطار املبادئ القبلية. وهو يذهب إلى أن من الضروري أن تكون هناك من وراء املظاهر أشياء في ذاتها؛ أي الأشياء كما هي قبل إدماجها في ُم ٍ تعال ٍ ِ مبادئ الهندسة ومبدأ العلِّية وما إلى ذلك. وهو يصل، مثل أفلاطون، إلى عالم 1 (ترنسندنتالي) يختلف عن العالم الذي تكشفه لنا امللاحظة والعلم ويعلو عليه. ولا شك أن السبب الذي يحتاج «كانت» من أجله إلى الأشياء في ذاتها واضح؛ فهو يريد تشييد عالم يمكن أن تُطبَّق فيه مبادئه الأخلاقية والدينية؛ ذلك لأن العلم، بما فيه ُسس ُ ِ من حتمية علِّية، لم يترك مكانًا لحرية الفعل البشري أو للحكم الإلهي. وهكذا بدت أ َّ الأخلاق والدين مهد ُ دة في نظر «كانت»، وخيِّ ً ل إليه أن هناك مخرجا من هذا املأزق، هو أن يقتصر العلم على البحث في نوع من الوجود الأدنى مرتبة؛ وبذلك تتخلص الأشياء في ذاتها من حتمية الظواهر. ولقد كان من السهل أن يُطبَّق هذا التفسري على املعرفة ً التركيبية القبلية عند «كانت» نظرا إلى طابعها الذاتي؛ فإذا كان الذهن هو الذي يفرض ٍّ ق فحسب، فإن هذا الوجود ذاته يكون حرا، ولا ِ قوانني العلِّ ُ ية والهندسة على الوجود املطلَ ً يعوقه شيء عن اتباع القانون الأخلاقي بدلا ِ من القانون العِّلي ُ . وإنه ملن املؤلِم أن نرى كيف يبذل فيلسوف الفيزياء النيوتونية كل هذا الجهد لكي يتخلى عن فيزيائه بأكملها من أجل إنقاذ أخلاقه الدينية. والواقع أن «كانت» يعترف صراحة بأن هذا هو مقصد فلسفته؛ ففي مقدمة الطبعة الثانية لكتابه «نقد العقل الخالص» يقول: «كان عليَّ أن 1 لا أعتقد أن استخدام املؤلف للفظ العالم الترنسندنتالي هنا دقيق؛ لأن هذا العالم عند «كانت» يوجد في ً قلب التجربة، بوصفه شرطا لإمكان حدوثها، ولا يمكن مقارنته بعالم أفلاطون املثالي يعلو على التجربة ِ ولا تربط بها صلة. (املترجم) 68َ البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة ِّ ا للإيمان.» وتتضح النتائج املدمرة لهذا البرنامج ِفسح مكانً ُ ً أضع حدودا للمعرفة لكي أ في الطابع الأخري الذي أضفاه على فلسفته «النقدية»؛ ذلك لأن نفس الكتاب الذي يضع أساس نظريته في املعرفة ينتهي بباب يُ َّسمى ب «الديالكتيك الترنسندنتالي» يكاد يُلغي كل نتائجه السابقة. ففي هذا الباب يزعم «كانت» أن العقل عندما يمتد إلى ما وراء عالم ً الظواهر يؤدي حتما إلى متناقضات، يُ ِطلق عليها اسم «النقائض antinomies ،«وأن َ املخرج الوحيد لحالة الانهيار التي تُصيب العقل هذه هي الإيمان باهلل والحرية والخلود، بوصفها مبادئ تسري على عالم يعلو على العالم املنظور. ً على أن هذه النقائض املزعومة التي قال بها «كانت»، والتي تتعلق أساسا بلانهائية املكان والزمان، لم تصمد للاختبار املنطقي؛ فمن السهل حلها عن طريق املنطق الذي ِ يعلم كيف يتعامل باتساق مع الأعداد اللانهائية. كذلك اتضح أن تفسريه للعلِّية والهندسة على أنها مبادئ يفرضها الذهن البشري على الأشياء، هو بدوره تفسريٌ غري مقبول؛ فقانون العلية، إن كان يسري على الإطلاق، فلا بد أن يسري على الأشياء في ذاتها، وإلا ملا أمكن ُ استخدامه في التنبؤ بامللاحظات امل ِقبلة؛ إذ إن الذهن البشري لا يخلق ملاحظاته، وإنما ً هو سلبي أساسا في عملية الإدراك الحسي. كذلك فإن الهندسة، كما نعرفها اليوم، تصف خاصية للعالم الفيزيائي (انظر الفصل الثامن). وهكذا لا تظل هناك حجة يرتكز عليها ُ تحديده املصطنَع لقُوى العقل، وإدخاله لعالم ميتافيزيقي، هو عالم الأشياء في ذاتها. ومع ذلك فإن هذا الجزء غري العلمي من فلسفة «كانت»، منذ نشره في كتبه، قد أصبح 2 وقد استخدموه لتشييد مذاهب فلسفية تقلِّل من قيمة ً منبعا ينهل منه أعداء العلم، التفكري العلمي، وتزعم أنها تُ ً قيم عاملا من الوجود املثالي، الذي لا يعرفه إلا الفيلسوف، والفيلسوف وحده. يُخيَّل إليَّ أن املؤلف قد تجنَّى على «كانت» في هذا الجزء بالذات؛ إذ إن حديث «كانت» عن «النقائض» 2 ُ لإثبات استحالة استخدام العقل بطريقة م ِثمرة حني لا يتعامل مع التجربة؛ هو، قبل كل شيء، محاولةٌ ا ُ أي حني يتعامل مع نفسه فقط. وإذن ف «كانت» يدعو هنا إلى الاقتصار على استخدام العقل مقترنً بالتجربة، وهي نتيجة لا يفيد منها أعداء العلم شيئًا، بل إنها ربما كانت تقطع الطريق عليهم بإثباتها َت امليتافيزيقا بمعناها التقليدي، من حيث هي استخدام خالص للعقل دون استرشاد بالتجربة. أما تهافُ أن «كانت» أراد من هذا النقد أن يُ ِفسح املجال للحقائق العليا، فهذا شيء آخر لا يقلِّل من قيمة النقد في ِّ ذاته، بغض ِ النظر عن الغاية املقصودة من ورائه. (املترجم) 69نشأة الفلسفة العلمية ُ وهكذا يؤدي املذهب العقلي إلى تلك النظرة املثالية، التي عرضت من قبل على أنها شكل خاص من أشكال املذهب العقلي، والتي تذهب لي أن الحقيقة النهائية تقتصر على ُ املثل أو الأفكار، على حني أن املوضوعات الفيزيائية ليست إلا نُ ًسخا ناقصة من املوضوعات َّ املثالية. ولقد كانت أكثر الصيغ التي عبر ً ت عن هذه النظرية امتناعا، هي تلك القائلة ً إن العقل جوهر الأشياء جميع َّ ا، وهي الصيغة التي عبرت عنها الفقرة التي اقتبسناها في ُم ِّ ستهل هذا الكتاب. وقد سبق لنا أن تساءلنا عن السبب الذي يُ ِرغم الفيلسوف على صياغة آرائه على هذا النحو، وفي استطاعتنا الآن أن نأتي بالجواب؛ فهذا السبب هو أن اهتمامه ُ الأول ليس منصبٍّ ُّ ا على فهم املعرفة، وإنما على شيء آخر؛ فهو يود أن يتصور املعرفة على ا ٍ نحو ِّ من شأنه أن يقد ً م أساس ُّ ا للتوجيهات الأخلاقية، وهو يود أن يجعل للمعرفة يقينً ُ قة موازية ً لا يمكن أن يبلغه الإدراك الحسي أبد ُ ا؛ وذلك بقصد تشييد معرفة أخلاقية مطلَ لهذا اليقني، وهو لا يجد غضاضة في عرض مذهبه بلغة مجازية؛ لأنه يُسيء فهم لغة التفسري العلمي. ولقد كان كاتب الفقرة املشار إليها هو هيجل Hegel) ١٧٧٠–١٨٣١م) الذي ِّ اقتبسنا هذه الفقرة من مقدمته لكتاب «فلسفة التاريخ». وقد يكون من املفيد أن نقدم بعض امللاحظات عن فلسفة هيجل؛ لأن مذهبه يمكن أن يَُع ِّ د الصورة املتطرفة للموقف املثالي، أو ربما كان عليَّ أن أصفه بأنه الصورة «الكاريكاتريية» لهذا املذهب! إن هيجل يختلف عن أفلاطون وعن «كانت» في أنه لا يشاركهما إعجابهما بالعلوم الرياضية، وهو ً يختلف عنهما أيضا في أن أسئلته لا تبلغ من العمق ما بلغته أسئلتهما، غري أن كل ٍّ أخطائهما تتكرر عنده، وهو يكشف عن هذه الأخطاء بطريقة تبلغ من السذاجة حدا ً يجعل من املمكن دراسة مذهبه بوصفه أنموذجا ملا لا ينبغي أن تكون عليه الفلسفة. إن نقطة بداية فلسفة هيجل هي التاريخ، لا العلم؛ فهو يحاول تقديم وصف لتطور الإنسان التاريخي؛ أي لتلك الفترة التي تتوافر لدينا عنها وثائق مكتوبة من فترات ِّ طر البسيطة التي يعتقد أنها تفسر التطورات التاريخ البشري، عن طريق تكوين بعض الأُ التاريخية؛ فهناك إطار من هذه الأُطر يشبِّه التاريخ بنمو الفرد؛ أي إن هناك مرحلة ِّ لها الشعوب الشرقية القديمة، ثم مرحلة الشباب التي يحددها بأنها الطفولة التي تمثِّ العصر اليوناني، ثم عصر الإنسان الناضج الذي تحقَّق عند الرومان، ثم عصر الكهولة الذي يمثِّله عصرنا. وهو في نظر هيجل ليس عصر انحلال، وإنما عصر نضوج كامل، وأعلى درجات هذا النضوج الكامل هي تلك التي بلغتها الدولة البروسية، التي كان هيجل 70َ البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة يشتغل فيها أستاذًا في برلني. ولست أدري ماذا كان هيجل خليقً ا بأن يقوله عن بروسيا ِواص َّ ل به خط التطور التاريخي كما تصوره، ولكن الهتلرية، ولعله كان يجعل لها مكانًا تُ ً لعله أيضا كان يُؤثِر أن يُرجئ حكمه حتى يرى نهاية إمبراطورية هتلر. ٍ هذا الإطار التنظيمي البدائي، الذي هو جدير بطالب ُم ٍّ ستجد يود أن يشيِّد لنفسه مذهبًا فلسفيٍّ ٍّ ا خاص ُّ ا به، أقل شهرة بكثري من إطار آخر من الأُطر التاريخية التي وضعها؛ فقد رأى هيجل أن التطورات التاريخية تتحرك في كثري من الأحيان من طرف إلى آخر، َّ مثل «بندول» الساعة، ثم تصل إلى مرحلة ثالثة تشتمل إلى حد معني على نتائج املرحلتَني السابقتَ ُ ني. مثال ذلك أن النزعة املطلَقة في السياسة تعقُبها أحيانًا ثورة ديمقراطية، تتطور بدورها إلى حكومة ذات طابع مركزي، تعترف بحقوق الشعب. وقد أطلق على هذا الإطار اسم القانون الديالكتيكي، وهو يُ ِّسمي املرحلة الأولى ب «الوضع» thesis ،والثانية ُ ب «الوضع املضاد» antithesis َّ ، والثالثة ب «الوضع املركب» (أو املركب فقط synthesis.( ويكشف تاريخ الفكر البشري عن أمثلة متعددة لهذا القانون الديالكتيكي. ومن ُّ هذه الأمثلة تطو ُّ ر املفاهيم الفلكية للكون؛ فتصو ُ ر بطليموس للكون امل ِ رتكز حول الأرض، ا ُّ أعقبه تصو ً ر كوبرنيكس للكون الذي تتحرك فيه الأرض وتكون فيه الشمس مركزا ثابتً ُ للمجموعة الشمسية. هذان التصوران امل َّ تضاد َّ ان قد تجاوزهما، كما كو َّ ن «مركبًا» منهما؛ ُّ تصور أينشتني النسبي الذي يرى أن من املمكن اتخاذ النظام املرتكز حول الأرض والنظام ٍ املرتكز حول الشمس تفسريات َّ مقبولة، إذا تحر ُ را من ادعاء الحركة املطلَ ٌ قة. وهناك مثل آخر يتضح في تطور النظريات الفيزيائية في الضوء، وهي التي انتقلت من نظرية جزيئية إلى نظرية موجية، حتى اتحدت الاثنتان أخريًا في نظرية ثنائية تقول بإمكان تفسري املادة ٍ على أنها جزيئات، وعلى أنها موجات في آن واحد (انظر الفصل الحادي عشر). كذلك يمكننا أن ننظر إلى الطريقة العامة التي يسري بها املنهج التجريبي، وهي طريقة املحاولة والخطأ، والنجاح الذي لا يعدو أن يكون محاولة جديدة، على أنها تكرار لا ينتهي للقانون ً الديالكتيكي. وتدل هذه الأمثلة، فضلا عن ذلك، على أن للقانون الديالكتيكي معنًى يتسم َدمج فيه تطورات تاريخية معيَّنة ً باملرونة؛ فهو لا يعدو أن يكون إطار ُ ا م ً ريحا يمكن أن تُ بعد وقوعها، ولكنه لا يبلغ من الدقة ولا من العمومية ما يُتيح استخلاص تنبؤات تاريخية منه، كما أنه لا يمكن أن يُ ً ستخدم دليلا على صحة نظرية علمية معيَّنة؛ فصحة نظرية َّ ستمد َّ من النمط الديالكتيكي للعملية التاريخية التي أدت أينشتني في الحركة لا يمكن أن تُ ُسس مستقلة. ُ إلى وضع هذه النظريات، وإنما ينبغي أن تكون مبنية على أ 71نشأة الفلسفة العلمية ولو كان هيجل قد اكتفى بوضع القانون الديالكتيكي وضرب أمثلة له بمجموعة ِّ كبرية من املواد التاريخية والفلسفية، لأصبح مؤر ًخ ً ا عظيم ً ا، أو عاملا كبريًا للتاريخ. ولو ً كان عاملا، لأدرك الحدود التي لا يتعداها قانون الخطوات الثلاثية. والأمثلة العديدة التي لا يسري عليها هذا القانون، والبحث عن الشروط الخاصة اللازمة لانطباقه. غري أنه كان َّ ا؛ وبذلك وقع ضحية بحثه عن العمومية واليقني؛ فقد عمم قانونه الديالكتيكي فيلسوفً بحيث جعل منه قانونًا منطقيٍّا، ووضع مذهبًا يكون فيه التناقض كامنًا في املنطق، ويدفع ِّ الفكر من موقف متطر ِّ ف إلى املوقف املتطرف املضاد، إن جاز هذا التعبري؛ فتحدث بذلك ً الحركة الديالكتيكية. فهيجل يقول مثلا: إن القضية «الوردة حمراء» تنطوي على تناقض؛ لأنها تقول عن الشيء الواحد إنه شيئان مختلفان، هما وردة وحمراء. وقد أوضح املناطقة في كثري من الأحيان الخطأ الأوليَّ الكامن في هذا الفهم الذي يخلط بني الانتماء إلى فئة وبني الهوية؛ فالقضية تقول: إن الشيء نفسه ينتمي إلى فئتَني مختلفتَني، هما فئة الورود وفئة ٌ الأشياء الحمراء، وهو أمر َّ لا ينطوي على تناقض، وإنما يقوم التناقض لو أكدنا أن هناك هوية بني الفئتَني املختلفتَني، غري أن القضية لا تعني هذا. وعن طريق ألاعيب منطقية ِثب ٌ ت أن قانونه الديالكتيكي قانون ُ منطقي يصدق بلا استثناء. كهذه، يُحاول هيجل أن يُ ويصل هيجل، عن طريق الجمع بني تفسريه للقانون الديالكتيكي وبني تصوره َّ للتطور التقدمي للبشر، إلى آراء كتلك التي عرضناها في الفقرة التي استهل بها هذا الكتاب؛ فجوهر الوجود هو العقل، وهو يدفع الوجود من طرف إلى الطرف الآخر، ويجمع َ بني النقيض ً ني على مستوى أعلى، ثم يبدأ العملية من جديد. وهذه لغة مجازية، غري أن ٍ ما يقوله هيجل لا يمكن أن يقال على أي نحو ً آخر، وإلا لأصبح امتناعه واضحا للعيان، َّ ولو فسرنا رأيه هذا على أنه يعني أن العالم يزداد معقوليةً على الدوام، أو أن كل الأحداث ً تخدم غرض ً ا معقولا، لظهر بطلان هذا الرأي بوضوح؛ ذلك لأن التاريخ البشري، وإن يكن ُد ِمن أن تُصنَّف على مثل هذا ُّ ينطوي على اتجاهات تقدم عقلي وأخلاقي، هو ظاهرةٌ أعقَ ظم َ الأساس البسيط. ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن تطور العالم الفيزيائي، أي النُّ ده البشر غاية؟ ُ ق ما قد يعُّ ً النجمية مثلا ً ، يتبع مسارا يُرضي رغبات العقل البشري، أو يحقِّ الواقع أن مصدر جاذبية مذهب هيجل إنما هو لغته الشاذة. َ ولقد اتخذ البحث عن توجيهات أخلاقية عند هيجل شكل إسقاط للغايات الأخلاقية َ آخر الأمر، وينبغي أن نسعى إلى الخري لأننا نشارك على التاريخ؛ فالخري سيصبح حقيقةً ُّ ستمد ٍ في عملية التاريخ. وهذا يعني بلغة ً أقل تعقيدا، أن القضايا املتعلقة بما سيحدث تُ 72َ البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة ِّ من قضايا متعلقة بما ينبغي أن يحدث. إن رجل الشارع يسمي هذا تفكريًا مبنيٍّا على التمني thinking Wishful ِّ . أما الفيلسوف فيسميه تفسريًا غائيٍّا للتاريخ. والواقع أنه لا ٍ تحليلي منطقي ملثل هذه الفلسفة، بوصفها وثيقة تشهد بما جدوى من محاولة تقديم يُ ِؤمن فيها يحدث للمذهب العقلي حني لا يعود يخضع لسيطرة املنطق، وهي تمثِّل حالةً الفيلسوف بأنه إذا كان في استطاعة العقل أن يكتشف قوانني الكون، ففي استطاعة ً العقل أيضا أن يفرض القوانني على الكون. ِحرز كل شهرته الحاضرة لو لم يكن قد وجد دعامة ُّ وأنى لأشك في أن هيجل كان سيُ خارج الفلسفة في املذهب املادي الاقتصادي عند كارل ماركس (١٨١٨–١٨٨٣م)؛ فتطبيق ً قانون هيجل الديالكتيكي في إطار حركة سياسية قد جعل مذهب هيجل موضوع ٍ ا لنزاع ِوق ً شت الاشتراكية، بني أنصارها وخصومها معا، في ضوء فلسفة هيجل. ومع ذلك ٍّحاد، ونُ فإن ماركس، في مبادئه الأساسية، هو أعظم خصوم هيجل؛ لأنه يرفض أن يشارك هيجل َ اعتقاد َّ ه البدائي بقوة العقل. فذلك الرجل الذي فسر الحركات الأيديولوجية على أنها نتائج لأحوال اقتصادية، ودعا إلى الصراع الطبقي بوصفه الخطوة اللازمة لتحقيق التقدم، لم يكن مثاليٍّا. والحق أن موقف ماركس التاريخي إنما هو في اتجاه التجريبية، ليس فقط لأن ماركس تأثَّر بقوة بالتجريبيني الإنجليز من أمثال ركاردو Ricardo ، ً بل أيضا لأن ُ قانون هيجل الديالكتيكي لا يمكن إدماجه في بحثه الاجتماعي بطريقة متَّسقة إلا إذا ِّ هم على أنه قانون تجريبي. ولا شك أن الصورة التي نكونها لتاريخ املذهب التجريبي فُ الاجتماعي كانت تغدو أوضح بكثري لو كان ماركس ذاته قد اعترف بهذه الحقيقة. َّ فإذا شئنا أن نفهم ملاذا لم ينشق ماركس بوضوح على ميتافيزيقا هيجل، فعلينا أن َّ نبحث عن تفسري نفسي؛ فقد توسع في تفسريه الاقتصادي للتاريخ بحيث أصبح حتمية اقتصادية، وربما كان قد احتاج إلى روابط تجمع بينه وبني فلسفة مثالية؛ لكي تكون فيها دعامة ملذهبه الذي ينظر إلى التطورات التاريخية على أنها تتحدد بدقة بقوانني َ اقتصادية، بنفس الطريقة التي يتحدد بها مجرى الكواكب بقوانني فيزيائية، غري أن ِسهم في التطورات التاريخية، وهناك عامل آخر ً الأحوال الاقتصادية ليست إلا عاملا يُ ً هو العامل النفسي، بل إن الاثنني مع َّ ا لا يمكنهما أن يمدانا بأكثر من قوانني إحصائية َّ لتطور املجتمع البشري. ولقد تخلى ماركس عن مبادئ النزعة التجريبية حني نظر إلى ِسهم في إحداث التطور، على أنه هو السبب الوحيد لهذا التطور. عامل من العوامل التي تُ 73نشأة الفلسفة العلمية ولا يمكن أن يُ ِغف َ ل الطابع ِّ الإحصائي البحت للقوانني الاجتماعية إلا مفكٌر ذو نزعة عقلية قبلية apriorist؛ إذ إن التجريبي يعلم أن من املستحيل أن يُمحى عنصر الاتفاق ً تماما من الحوادث التاريخية، وأن هذا العنصر يؤدي إلى استبعاد القابلية الدقيقة للتنبؤ، ِّ حتى بالنسبة إلى الاتجاهات التاريخية الكبرى. والواقع أن الإيمان املتعصب للماركسيني بالتنبؤات الاقتصادية لفيلسوفهم، وهو الإيمان الذي هو أشبَُه بالعقيدة منه بالنظرة العلمية، إنما هو إحياء للهيجلية؛ أي لفلسفة تضع الحدوس الأولية قبل الأدلة التجريبية. ولقد وصف البعض هيجل بأنه خليفة «كانت»، غري أن في هذا إساءة فهم خطرية ً ل «كانت»، ورفعا ملكانة هيجل ليس له ما يبرِّره؛ ذلك لأن مذهب «كانت»، وإن أثبتت التطورات التالية استحالة قبوله، كان محاولة من ذهن عظيم لإقامة املذهب العقلي على ِّ أساس علمي. أما مذهب هيجل فهو بناءٌ هزيل لشخص متعصب أدرك حقيقة تجريبية ِ ا في إطار ٍ منطق أبعد ما يكون عن الروح واحدة، وحاول أن يجعل منها قانونًا منطقيٍّ العلمية. وعلى حني أن مذهب «كانت» يمثِّل قمة الاتجاه التاريخي للمذهب العقلي، فإن مذهب هيجل ينتمي إلى فترة تدهور الفلسفة التأملية، وهي الفترة التي تميِّز القرن التاسع ِّ عشر. وسوف أتحدث عن هذه الفترة فيما بعد، وحسبي الآن أن أذكر مقدًما ملاحظةً واحدة، هي أن مذهب هيجل قد أسهم، أكثر من أية فلسفة أخرى، في إحداث انشقاق بني ً العلماء والفلاسفة؛ فقد جعل الفلسفة موضوعا للسخرية يحرص العالم على التبرؤ منه. وهكذا نستطيع الآن أن نفهم ملاذا كانت الثغرة بني العلم والفلسفة واسعة؛ ُ فالفيلسوف ذو النزعة العقلانية م ٍعاد للعلم في صميم روحه، والعوامل التي تتحكم َ في تحديد م ُ سار تفكريه عوامل خارجة عن مجال املنطق، تتخذ من النتائج واملناهج العلمية أداةً لبلوغ أهداف غري علمية. وعلينا ألا ننخدع بالإعجاب والتمجيد الذي يُبديه أنبياء الفلسفة املثالية في كثري من الأحيان بالرياضيات؛ ذلك لأن الرياضيات ليست في ً نظرهم إلا مثلا ِّ يوضح نظرياتهم، ومرآةً لأفكارهم الخاصة، وهم لا يعلمون ما تعنيه املعرفة — وضمنها املعرفة الرياضية — بالنسبة إلى من يدرس املعرفة لذاتها. ٌ مجال َّ للتوفيق بني العلم والفلسفة التأملية، فلنكف عن محاولة التوفيق ليس ثمةَ ا ً بني الاثنني أملا َّ في الوصول إلى مرك ُ ب أعلى. فليست كل التطورات التاريخية تحدث وفقً للقانون الديالكتيكي، بل إن أحد الاتجاهات الفكرية قد يخمد ويُ ِخلي ٍ مكانه لاتجاه آخر ينبثق من جذور مختلفة، شأنه شأن النوع البيولوجي الذي لا يبقى إلا في صورة حفريات 74َ البحث عن التوجيهات الأخلاقية والتوازي بني مجالي الأخلاق واملعرفة ُّ عندما يحل محلَّ ٌ ه نوع آخر له قدرات أعظم. والحق أن الفلسفة التأملية لم تجد، بعد أن بلغت قمتها في مذهب «كانت»، إلا ممثِّلني ضعفاء، وهي في طريقها إلى الانحلال، َّ ولكن هناك فلسفة أخرى في صعود، قريبة من العلم، وقد تمكنت من إجابة عدد كبري ُثريت في فلسفة العهود املاضية. وسوف أناقش الجذور التاريخية لهذه من الأسئلة التي أ ِّ الفلسفة قبل أن أعرض ما تقدمه من إجابات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *